anwar68

Just another WordPress.com site

Archive for ديسمبر 2013

أوراق قديمة 48

leave a comment »

أخبار البعثة الميمونة
كما ذكرت من قبل يتضح لنا تدريجيا أن النكتة التى كانت تقال عن الغرزة التى كانوا يوزعون المناصب على بعضهم، فيقولون هذا ‘مسئول’ أول وهذا ‘مسئول’ ثانى .. وهكذا، هى نكتة واقعية، فالفرق بين المسئول والمسطول ليس أكثر من حرف فى الكتابة وأقل من ذلك فى الواقع. وأذكركم بكارثة المشرف الذى انتدبوه من وزارة الزراعة للإشراف علينا (أو كما قالوا أيامها: الإشراف على “أولادنا” اللى فى البعثة) فكانت النتيجة أن الجانب الألمانى لم يعد يحترم أحد من المسئولين، إذ فوجئوا بأن الأخ لا يعرف كلمة ألمانى وهو المفروض يكون حلقة الإتصال بيننا وبين الألمان فى المسائل الإدارية والمالية وغيرها. وانتهى الأمر بأن الرجل نفسه لم يتحمل إهانة نفسه أكثر من شهر وشوية ثم طلب العودة.ـ
وهكذا قررنا أن نتناول أمورنا بأيدينا، وبدأنا نستشعر نوع من الإحباط مع اقتراب موعد انتهاء الكورس النظرى فى إبريل .. وحصلنا على البرنامج من الألمان ـ لأن المسئولين المصريين يعتبرون هذه الأمور توب سيكريت طبعا “أولادنا” مايفهموش فيها!!. المهم بعد الدراسة النظرى سننتقل إلى تدريب عملى فى بلدة جوستروف. فتدخلنا لتعديل البرنامج بحيث يكون التدريب العملى للملاحظين فقط أما المهندسين فيستمروا فى المعهد ليحصلوا على علوم إضافية نظرية، اقترحنا أن تكون: تنظيم (إدارة) مصانع، الإقتصاد الصناعى، الفلسفة، وغير ذلك. وكان السبب الأساسى لذلك أن عاينا الورش التى سيكون التدريب العملى بها فوجدناها بحالة سيئة .. يعنى كما وصفتها لآحد أصدقائى فى خطاب أنها أسوأ من ورش الشركة العقارية بالسبتية التى كنت أعمل بها، ولا فائدة من التدريب بها، خاصة للمهندسين.ـ
كان الجانب الألمانى يؤيدنا، خاصة بعد أن رأوا مستوياتنا وتحققوا من سطحية وسذاجة المسئولين الذين اختاروا وقرروا برنامج البعثة والهدف منها وشروطها، ولكنهم قالوا أن موافقة مصر شرط للتنفيذ. وهكذا بدأ م/ حسين اتصالات واسعة، عن طريق معارفه بمستويات عالية بالجهاز المركزى للتدريب وجهات أخرى. ونحن مصممون على التغيير.ـ
وأنقل هنا جزءا من خطاب منى إلى أحد الأصدقاء: [طبعا الناس فى مصر بيقولوا علينا إننا ما دمنا قاعدين لمدة سنة بحالها فى ألمانيا فلابد أننا سنعود بــ علم وفلوس [الإتنين!]. ولكن للأسف الشديد.. لا علم ولا فلوس .. والسبب يرجع إلى الناس الكويسين المخططين فى مصر. وكل يوم نتحسر على نفسنا وعلى البلد .. وطبعا على البلد أكثر، لأننا على الأقل بنستفيد بالفسحة.]ـ
كانت البداية كما ذكرت عند قدوم مندوب الحكومة للإشراف علينا. وحاليا موضوع برنامج الدراسة الهمايونى هذا هو استمرار لما تكشفه تطورات هذه البعثة لنا من حال البلد المايل للأسف، وسيأتى ذكر أشياء أخرى فى سياقها إن شاء الله.ـ
والحقيقة أن الصدمة كانت كبيرة فيما نشاهده ونتعايش معه من أمور هذه البعثة .. خاصة وأنها بعد النكسة بوقت غير طويل، وكنا نظن أن الهزيمة الثقيلة قد نبهت الجميع إلى الإصلاح والأمانة فى العمل ، وترك الفهلوة وعشوائية القرارات .. ولكن المفاجأة أننا ـ كما قال أعداؤنا ـ شعب لا يقرأ، وإذا قرأ لا يفهم (أو لا يستوعب)، وإذا فهم لا يعمل ثم إنه حتى فى النهاية إذا عمل فلن يبتكر بل سيقلد فقط إما من سبقوه أو سيقلد “الخواجة”. وأزيدكم من الشعر بيتا، فأقول أننا حتى حين نقلد الخواجة فإننا نختار أسوأ ما فيه ونقلده، بينما نرفض رفضا باتا تقليد الأشياء المفيدة .. مثلا الرياضة أو الأمانة أو الصدق أو الوفاء أو … النظااااافة!!ـ
وأرجو أن أستدرك فأقول أن الشرفاء والمخلصين موجودون فى كل زمان ومكان، وأنهم لا يحتاجون لا إلى حكومة ترعاهم ولا إلى رئيس يحتويهم ولا إلى مساعدة خارجية خبيثة، لكنهم ـ لكى تظهر فائدتهم وتعم على الجميع ـ يحتاجون مشاركة أكبر عدد من الناس الطيبين حولهم. فحين نتحدث عن الفساد فى الإصلاح الزراعى مثلا فهذا لا ينفى الأمثلة المشرفة جدا التى ذكرتها من المهندس ابراهيم مصطفى رئيسى المباشر والدكتور محمد السمنى وكيل الوزارة أستاذ الجامعة العبقرى وفهمى بك سيدهم وغيرهم رحمة الله عليهم. وإذا تحدثت الآن عن عشوائية القرارت فى سياق الحديث عن البعثة فهذا لا ينفى أن رئيس الجهاز المركزى للتدريب آنذاك (للأسف لا أذكر إسمه الآن) كان من أخلص الناس وقام بأعمال واتفاقات فى ذلك الوقت لو استمرت وتم السير عليها وتطويرها واستكمالها لآخرها لأصبحنا دولة عظمى. فلا تتهموا الحكومة ولا الرئيس ولا حتى الخرفان وعبيد الدولار .. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .. حتى يغيرواااا .. هم بأنفسهم يغيروا ما بأنفسهم لا ما بأنفس الحكومة ولا غير الحكومة!ـ

E10s
1- بريجيت .. أوائل تعارفنا .. وكانت قصرت شعرها، وهو سبب كان يمكن أن يجعلنى لا أفكر فيها أساسا .. لكنها بعد ذلك أطالته لأن “ماعندناش ستات تقصر شعرها” من الأول كده!ـ
E11s
2- البنات عندنا (فى غرفتنا يعنى) لازم تذاكر.. مافيش دلع

البكاء حـبــاً .. المشهد الأول
كان يوم 26 يناير هو موعد عودة بريجيت من بلدتها بعد حضور احتفال الجمعية التعاونية. ولكنها لم تحضربعد الظهر، فازداد قلقى وتوجسى التى بدأت أحس بهما منذ سفرها قبل يومين فقط.ـ
D01s
3- على سلم المعهد من الخارج ، والسهم يشير إلى غرفة 222 .. غرفة ميييين؟؟؟
فى الليل حوالى11:30م أخبرتنى جيزلا (صديقة م/ حسين، وزوجته فيما بعد) أن بريجيت قد وصلت. يعنى وصلت ولم تبحث عنى؟ .. يعنى هذا يؤكد أن شيئا غير عادى قد حدث. [جملة اعتراضية: ما أجمل أن يكون الإنسان على ثقة ومعرفة تامتين بإنسان آخر .. بحيث تستطيع أن تجزم بمعنى محدد واحد لتصرف أو لحركة منه قد تحتمل عشر معانى لو صدرت من شخص آخر. هل يصلح هذا لنضمه إلى التعريفات اللانهائية لـ: “الحب هو”]ـ
بالطبع طار النوم من عينى. وجلست قليلا فى الغرفة .. ثم قررت النزول للتمشية فى الحديقة حول المعهد لعلى أهدأ بالا .. وعلى السلم التقيت بها! [لاحظ كيف يداعبنا القدر دوما كأننا فى فيلم عربى!] وكانت ذاهبة إلى أحد الفصول ومعها دفاترها للمذاكرة ـ وكنت أعلم أن لديها امتحانا فى اليوم التالى ـ فسلمت عليها وعدنا صعودا إلى فصلنا.ـ
جلسنا فى الفصل دون كلام .. وبقيـَـت بريجيت حوالى ربع ساعة تقلب صفحات دفاترها دون أن تركز أو تقرأ شيئا. وأخيرا قررت أنا أنه لا فائدة من الصمت. وبدأت بالسؤال عن حفلة الجمعية التى حضرتها… وبدلا من الرد اندفعت تبكى! فتركتها تبكى بض الوقت لأنى أعلم أن البكاء ـ البكاء حباً أو على الأصح البكاء حيرةً! ـ أحيانا يهدئ اضطراب النفس. ثم بعد أن هدأت قليلا أخبرتنى أن أخت إبرهارت (وهو من كنت أعرف عن نية خطبتها له) دعتها إلى مائدتهم فى الحفل. وهكذا عادت العلاقة التى كانت قد قطعت قبل حوالى عام! ويبدو أن قد بلغها مسبقا نية أخت الولد للوساطة لإعادة العلاقة .. مما يفسر قلقها ـ وقلقى أيضا ـ قبل السفر، ولو أنى كنت أظن أن العلاقة كانت مستمرة وليست مقطوعة.ـ
كان بكاؤها انفعالا أفهمه وأعلم الصراع النفسى الذى وراءه وأقدره. وبصرف النظر عن المشاعر المتضاربة أيضا لدىّ، فكان على أن أخفف من تلك المشاعر وأساعدها على تخطيها. استطعت بعد وقت طويل تهدئتها وإقناعها بالكف عن البكاء، ومثلت عليها أنه لا مشكلة لدى، بل أنى أعتبر هذا أفضل لكلينا .. خاصة وأننا من الأول اتفقنا على عدم السقوط فى فخ الرومانسية لأننا نعلم أننا لن نتزوج حتى لو صار ما بيننا حبا. وأخيرا هدأت تماما وحوالى 1:30ص أوصلتها لغرفتها وعدت إلى غرفتى. ولم أنم.ـ
وفى الساعات الأولى من الصباح كتبت لنفسى:ـ
[بعد كل الذى تعلمته من الحياة كنت أعتقد أنى لن أحب مرة أخرى .. بل كان هذا آخر ما أتصوره، وبالذات هنا فى ألمانيا. وعندما التقينا أول مرة لم أتخيل أن علاقتنا ستتطور بهذه السرعة .. ثم أحببتك .. وما زلت!ـ
كان من الجنون أن أحبك مع علمى أنك لابد سترتبطين يوما بالشخص الملائم من بلدك.. ولكنى أحببتك. عندما قلتى أنك تخافين من هذا السفر وحضور الحفل، خفت أنا أكثر وإن لم أظهر لك ذلك، ولكنى فسرت قلقك بأنك لا تحبينى مثلما أحبك .. ولا ألومك على ذلك.ـ
كنت أعيش حلما جميلا معك .. كنت أتمنى فقط أن ينتهى فى موعده .. ولم أكن أعلم أن موعده سيأتى هكذا فجأة وبسرعة!ـ
أريد لك السعادة .. قد أكون متضايقا، ولكنه شعور أنانى (والحب فيه أنانية). وأمس احترمتك .. فأحببتك أكثر عندما صارحتينى بكل ما عندك بوضوح.اـ
هل أكف عن رؤيتك وأتركك فى سلام! أم …؟ … أنا حائر!]ـ
لم تطل الحيرة .. ولم أكف عن رؤيتها. ولم يتغير نوع علاقتنا ولا طريقة تعاملنا فيما بيننا أو فيما بيننا وبين الآخرين .. أى أننا تجاهلنا الوضع الجديد الذى يعبر عنه باختصار المثل الإنجليزى: إثنين صحبة … ثلاثة زحمة! خاصة وأن الطرف الثالث كان على بعد مئات الكيلومترات فى أقصى الجنوب ونحن فى أقصى الشمال، كما أن دخوله فى المعادلة كان لوقت الحفل ثم سافرت هى فى اليوم التالى مباشرة.ـ
كلما حانت مناسبة فيما بعد للحديث حول ‘الزحمة’ لم يتعد ذلك الكلمات العابرة، والتى لم تكن تخلو من محاولة كلا منا التسرية عن الآخر، مثلما حدث بعد يومين وكنا فى الفصل نذاكر .. وهى لاحظت أنى سرحت قليلا .. فأخذت مفكرتى وكتبت فيها ما ترجمته: بودى أن تظل علاقتنا وثيقة، وأعتقد أن ذلك قد يخفف علينا ضغوط الواقع، وأرجوك أن تسامحنى. فكتبت أنا بعدها (لم يكن لدينا فى ذلك الوقت آى فون لنتبادل فيه الهمس فى وجود آخرين) ـ كتبت: لا .. لا أستطيع أن أسامحك! فانزعجت وكادت تبكى، ولكنى ضحكت وأشرت لها أن انتظرى. وكتبت: لا أستطيع أن أسامحك .. لأنك لم تخطئى فى حقى. ولكن ما أستطيعه فقط هو أن أحترمك أكثر.ـ

والمرض أيــضاً.. حـبــاً
فى أول فبراير من كل عام يقام فى المعهد حفل تنكرى يسمى فاشنج Fasching ولا أعرف ترجمتها، ولا أعرف ما مناسبة ذلك الحفل، وقد علمنا به عندما حضر بعض الطلبة لدعوة المجموعة المصرية، وقالوا أنه يمكننا الحضور بدون ملابس تنكرية. أخبرنا باقى المجموعة ولم ينزل سوى اثنين فقط. قالت بريجيت أنها أيضا لا تنوى الذهاب للحفل فجلسنا نتحدث. ثم ذهبنا جميعا لزيارة جارنا محسن (وهو إسم حركى) المريض. ولمرضه حكاية:ـ
البداية كانت فى أول يوم لنا بالمعهد .. فكما قلت من قبل أن قد حضرت مجموعة غنائية أو خطابية إلى فصلنا وألقوا مجموعة من القصائد والغناء. وكانت منهم “إريكا” .. وهى بنت فارعة الطول وبارعة الجمال ومتعددة النشاطات (التى منها الخطابة) فألقت قصيدة بطريقة شدتنا جميعا حتى ولو لم نفهم بعضها، ولكنا صفقنا لها بإعجاب حقيقى. المهم أنه تبين لنا فيما بعد أن حالة “حب من أول نظرة” قد أصابت محسن فى ذلك اليوم. اللهم لا اعتراض! .. الظاهر أن الأخ كيوبيد كان فى أول الوردية وما زال بصحته، فأصاب صاحبنا محسن إصابة مباشرة فى مقتل!ـ
ظل محسن يحب إريكا طوال الشهرين الماضيين .. إلى أن اكتشف فجأة أن حسنين (وهو إسم حركى أيضا) زميله فى الغرفة 210، هو فى الواقع صديق إريكا. ولأول مرة أشاهد صدمة عاطفية من النوع الذى نشاهده فى الأفلام وونقرأه فى الروايات، ولو أن محسن لم يذهب إلى البارات ليسكر كما يفعل شكرى سرحان فى هذه الظروف، وإنما قاطع حسنين تماما ظنا منه أنه هو الذى استمالها إليه من خلف ظهره ـ خيانة يعنى!ـ و.. يومين .. تفكير عمييييييق .. وحزن شديد .. ثم سقط محسن مريضا. وحضر الطبيب وأكد أنه مريض حقيقة وليس وهما كما كنا نشك. والسبب: صدمة عاطفية!!ـ
خلال محاولاتنا لكى نلم الموضوع، قالت إريكا: “يعنى أنا من الأول .. باضحك لك يا اسمرانى” ـ مع الإعتذار لعبد الحليم حافظ ـ والأسمرانى هو حسنين وليس محسن .. ولو أنه سألها من الأول لاستراح .. بل إنها كانت ستخبره أنها لا تعلم بشعوره أصلا! طيب .. حاولنا مع الطرف الآخر: يا عم حسنين خلليك شهم، والمصريين آهم، والحضارة، وكده يعنى والذى منه! فضحك (وهو بالمناسبة إنسان طيب جدا وصريح وكلنا نصدقه) وقال: يا جماعة .. أنا أصلا البنت ـ عندما قالت لى أنها تحبنى ـ أخبرتها أنى لا أحبها ولا أنوى الزواج أو الإرتباط بها، ولكن لا مانع من الصداقة فقط، وهى راضية بذلك. يعنى حتى ابتعادى عنها ليس حلا. فهى لا تحبه ولن تحبه! وظل محسن مريضا وملازما الفراش أكثر من أسبوعين. وهزل هزالا شديدا.ـ

F01s
4- أحد المصريين بعد أن استعد للفاشنج (حفل التنكر) مع صديقة من طالبات المعهد
المسخرة على غير ميعاد
ما أن عدنا إلى غرفتنا حتى فاجأتنا بريجيت بقولها: سنذهب لللفاشنج! فجأة كده؟ .. يابنت اعقلى! .. أبدا .. وكأنها قررت عدم الإستسلام لحالة الكآبة التى تخيم علينا. ولم تستغرق طويلا لتقنعنى فوافقت. طبعا الموافقة كانت على أساس أننا سنذهب بملابسنا العادية، ولكنها انطلقت إلى غرفتها ثم عادت بعد قليل وقد عقدت ثلاثة إيشاربات فى بعضهم البعض ولبستهم فوق البلوزة بطريقة غريبة ولبست بنطلون أخضر لونه غريب، يعنى أى مسخرة والسلام .. وأحضرت معها ملابس لى! .. ما هذا؟ .. أنا كمان حاعمل مسخرة؟ وهو ده معقول؟! لا يمكن! وهى صممت .. وأنا ألحيت .. وهى استخدمت أقوى أسلحة المرأة: مط البوز (وإن كان بطريقة كوميدى يعنى) .. فلم أملك سوى الموافقة.ـ
[ماهو سلوبلدنا كدة .. الرجالة يسوقوا الشويتين بتوعهم فى الأول .. منظركده يعنى .. وهم يعلمون مقدما ، وهن أيضا يعلمن، أنهم فى الآخر سيصيحون الصيحة الفاصلة فيسكت الجميع ليسمعوا الصيحة: حاااااضر.]ـ
F05s
5- صورة يوم حفل الفاشنج، وقد تنكر م/ حسين فقط برباط عنق كشافة

فى الحقيقة أنى اقتنعت أن الإنطلاق فى أى تهريج مجنون هو الهروب من أن تتطور حالة الكآبة المستترة التى كنا نمر بها إلى مرض مثل أخونا محسن!ـ
الطريف فى الموضوع أن حالة الحماس والهيصة التى أحدثتها بريجيت انتقلت كعدوى مفاجئة إلى غالبية مجموعة المصريين.. فبدأوا فى التنكر باستعمال أشياء طبيعية بسيطة: ملاية سرير، مفرش ترابيزة، كاب، رسم شنب أو دهان (لغمطة) الوجه لتغيير الملامح .. الخ. وهكذا نزلت إلى الإحتفال فى بلوزة وجونلة وإيشارب وبعض ألوان الوجه من إخراج بريجيت.ـ
كما يقولون أن أول القصيدة كفر .. فبمجرد دخولنا الحفل على أساس أنى “أخت” بريجيت التى حضرت اليوم من البلد، صمم أحد الطلبة متنكرا فى زى قسيس على الرقص معى .. وأنا كما قلت سابقا لا أجيد الرقص أساسا ، فكيف أفعل فى حالة المسخرة هذه؟ ولكن ما باليد حيلة. ولكن زاد الطين بلة أن أرادت الفرقة الموسيقية تحية الزائرة الجديدة، فعزفت نغمة الفالس .. رقصة الملوك والأمراء، واستغرق الجميع فى الضحك وأنا أتعثر واقع واقوم واقوم واقع، وتوقف الآخرون عن الرقص .. وهكذا “صرنا فرجة يا أبى” على رأى دريد لحام. وطبعا لم يحاول أحد آخر تكرار المحاولة فقد أخذ الولد الألمانى يعرج من كثرة إصابات ساقة وقدميه! لم يكتشف حقيقتى إلا بعض المدرسين ـ الذين أبدوا دهشة كبيرة أخبرونى بها فيما بعد، لأنهم تعودوا على الجد فى تصرفاتى عموما. وأخيرا قررنا مغادرة الحفل بعد منتصف الليل، خاصة وأن بعضهم طلب من بريجيت عنوان أختها ليراسلوها فيما بعد! فقلنا كفاية مسخرة كدة ونهرب أحسن!ـ
AA02s
6- ونسمح أحيانا لبناتنا ببعض الدلع ولعب الكوتشينة
BB03s
7- أو المشاركة فى لعبة لا يجيدونها أصلا

البكاء حـبــاً .. المشهد الثانى
بعد أيام كنا فى غرفتنا .. جيزلا و حسين وبريجيت وأنا كل اثنين فى حديث منفصل. كان الجو هادئا فقد كنا فى الويك إند والمجموعة المصرية تقريبا كلها بالخارج.
Gisela
8- جيزلا الوحيدة على حد علمى التى سارت الطريق للنهاية وتزوجت.. ثم بدأت مشاكلها! إيه اللى ليه؟ باقولك تزوجت!ـ
كانت جلسة هادئة وشعرت فيها باقترابنا من بعض أكثر .. وتحدثنا طويلا وفى مواضيع كثيرة عن أنفسنا وعن مصر وعن الحياة عموما .. ليس المهم ما كنا نقوله .. فالتفاصيل هنا ثانوية. لم نكن “نسرح” ببعضنا، إذ لم نكن نجيد ـ لا أنا ولا هى ـ الكلام الرومانسى بتاع الروايات .. وحتى لو كنا نجيده فلم يكن مجاله الآن أبدا .. كان حديثنا عاديا، ربما لو استمع إليه آخرون لتثاءبوا مللا. ولكنها كانت من تلك اللحظات النادرة التى تحس فيها بالتكامل مع إنسان آخر، ويحب كلا منكما ان يسمع كل شىء عن الآخر ويخبره عن نفسه بكل شىء .. كل شىء .. وتجدا متعة فى ذلك لا تعادلها متعة أخرى.ـ
وجرى الحديث عن حياة كل منا وعن عائلته وعن بلده .. وإذا بى أرى مصر وأرى نشأتى فيها، وكيف كانت والقدر دائما فى صفى .. وتمر حياتى أمام عينى كالحلم من عطفة الشيخ ريحان المتفرعة من شارع السلطان حسين الذى هو ـ على ما أذكر ـ أول والى على مصر غير تابع للعثمانين، الذين لم يكونوا أبدا دولة “خلافة” بمعنى الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يخدع تجار الدين من إخوان وسلفيين وغيرهم به البسطاء والجهلاء والمغيبين (بكسر الياء الأولى) لعقولهم طوعا بغبائهم. أقول ـ من ذلك الشارع إلى شارع ماوس بفاد فى ألمانيا الغربية إلى سيدى بشر وسيدى جابر والإبراهيمية وبولكلى والهداية وسبورتنج إلى ميدان رابعة (وكان المسجد لم يتم بناؤه بعد) إلى درسدن وشفيرين وماجدبورج!! شارع السلطان حسين الذى هو الآن شارع الشيخ ريحان، طبقا لما جرت عليه العادة السيئة باستبدال الأسماء وأى متعلقات من عهد مضى عند حلول عهد جديد .. تلك العادة القديمة قدم الزمان فى العالم كله والتى هى السبب الأول فى أحيانا فقد جزء كبير من تاريخ الأمم أو تزييفه حتى يأتى عهد آخر ليغير مرة أخرى ويزيد التزييف تزييفا ويزداد الناس جهلا. ألا يعتقد كثير من السوريين الآن أن الجيش المصرى هو الذى تخلى عن الحرب وترك الجيش السورى وحده فى المعركة (!!) بل وأن الجيش المصرى استكان بعد ذلك بينما كان الجيش السورى يخوض حرب استنزاف (وهمية)؟ .. ولولا الملامة لقالوا أن الجيش السورى هو بطل عبور قناة السويس! والأدهى والأمر من ذلك أننا لا نتعلم، فإذا بنا فجأة لم يكن لدينا رئيس جمهورية إسمه حسنى مبارك، واعتبره التجار والبسطاء والجهلاء والمغيبين لعقولهم (مثل السابق ذكرهم) شيطانا مريدا تضطرب نار الآخرة من الآن شوقا إليه، الطاغية المستبد صاحب معتقلات التعذيب (التى لم يجد الغوغاء الذين اقتحموها أحدا يعذب!!) الذى أفقر البلد (من خزانة خاوية ـ أكرر خاوية ـ بعد 1973، فإذا بها بعد السادات ومبارك ذوى الخلفية العسكرية ـ واخدين بالكم يا متعلمين يا بتوع المدارس؟ ـ إذا بها احتياطى نقد أجنبى ـ الذى هو أيضا بعد أكثر من عشرين سنة يصبح متداولا بالسوق ـ أكثر من خمسين مليار دولار) ـ حسنى مبارك الذى أفسد والذى ظلم والذى .. والذى .. كله كله!!! يستكثرون عليه معاملة كريمة من حقه القانونى والعرفى والأخلاقى (الحق الأخلاقى هذا لا نعرفه نحن لأننا شعب للأسف بلا أخلاق كما شاهدنا العالم كله وهو يسخر من غيائنا طوال ثمانية عشر يوما فى القرن الواحد والعشرين!) فهكذا يتم تزييف التاريخ وتجهيل الشعوب ونحن نعلم ذلك لكنا نفعله ونكرره ونصر عليه! ونسب الزمن والقدر والحكومة، لأننا ـ سبحان الله!! ـ ملائكة .. شعب من الملائكة، لا يوسخ طرقاته ولا يقتل بعضه البعض ولا يدمر موارده ولا يسرق ولا يغش ولا ينصب ولا “يورث” مناصبه لأولاده إلا شوية كدة على الماشى باستخدام البلطجة الشعبية (!) ابتداء من هوجة 2011 وحتى تنتهى الفترة الكئيبة التى نعيشها ـ ربما بعد خمسة عشر سنة أو تزيد (واخدين بالكم تانى يا متعلمين يا بتوع الثورة؟) … و …ـ
هذه التداعيت الغير مترابطة بموضوع واحد ولكن تقفز من فكرة أو عبارة إلى فكرة أو عبارة مختلفة .. لدرجة أن تتشابك الأفكار وتحس بكل مشاعر الحزن والفرح والألم والسعادة والأسف والبهجة والإحباط و.. كلها فى آن واحد. هذه التداعيات التى ذكرتها مع اعتماد الإختصار الشديد، هى مثال فقط لما حدث فى ذلك اليوم. اختلطت مثل تلك المشاعر فى نفسى بالإحساس الضاغط المستمر بقرب الإنفصال الحتمى ليصبح “الحلم” الذى هو بجانبى الآن بالفعل حلما بعد قليل. ومن ذا الذى يتحمل مثل تلك اللحظات الغنية المرهقة ولا يتأثر؟! وبدأت عيناى تدمعان. ومع الدموع تتدافع المشاهد والمواقف وصور أمى وأبى وإخوتى وكل من عرفتهم وأماكن العمل التى تنقلت فيها وكمية السفر الذى قضيت فيه نصف حياتى .. شريط لا ينتهى ويمر فى لحظات أمام عينى .. و.. وتحولت الدموع إلى بكاء حقيقى .. ثم بسرعة تطور البكاء إلى ‘حالة’ .. لا أستطيع فيها التوقف!ـ
هذه هى اللحظة الإنسانية النادرة ـ التى ربما يذكر أصدقائى القدامى مقالا لى يتحدث عنها ـ دون تحديد ـ منذ عدة سنوات ـ اللحظة التى لا تجد فيها حرجا وإنما تجد فيها راحة فى البكاء والتى كنت ستجدها عيبا ونقصا إذا حدثت أمام شخص آخر غير الإنسان الذى أمامك والذى تستطيع أن تميل على كتفه وتبكى كالأطفال بلا عيب ولا سبب ولا خجل. إنسان يحس بك ويهتم لك ويعرف أنك فى لحظة نادرة فلا يفسدها عليك بكلمات تسرية جوفاء محفوظة، وإنما يشعرك أنه “معك” .. وهذا هو كل ما تبغيه منه. فالإنسان ـ مهما كان عدد من حوله ـ دائما وحيد .. إلا من شخص (واحد فى العادة) يجد فيه “الشريك”.ـ
هذا الصديق الشريك سيتركك تفرغ ما لديك من شحنة عاطفية فى البكاء .. فتحس كأنك تغسل ضعفك الإنسانى فى حمايته. مجرد وجوده ومشاركته الوجدانية تعطيك القوة. ثم هو سيعلم متى بدأت نفسك تهدأ ويمكن عند ذلك العودة للحديث العادى.ـ
اعتبرت هذا هو: “المشهد الثانى للبكاء حباً”، لتشابه المضمون رغم اختلاف التفاصيل! .. معلهش خمسة فلسفة كده … عدوها (بفتح العين).ـ

[بعض العلاقات لا نُحب أن نخضعها للتصنيفات .. لا اخوة ، لا صداقة ، لا اعجاب ، لا حب ….. فقط راحة نفسية .. أو سمو روحاني .. أو صفاء ذهني .. يعتريك في وجود هذا الشخص. ـــ منقول عن الزميلة السيدة نانسى]ـ

أين المخرج
أليس من المنطقى إذا والحالة هكذا أن نسرع بالحل، ويكون المخرج من ذلك المأزق هو الإسراع بالإنفصال؟ ويذهب كل فى طريقه، فيرتاح ويريح؟ ولكن هذا سهل قوله وصعب تنفيذه. وفكرنا فيه فعلا ولم نستطع. فالحب لا يعرف المنطق. وهل بدأ أصلا بالمنطق؟! .. وتذكرون انى قلت من الأول أن المواصفات والظروف العامة (سواء المادية أو المعنوية أو الدينية) لم تكن تؤهلنا إلى مثل هذه العلاقة التى تطورت هكذا سريعا.ـ
وعليه قررنا البقاء فى المصيدة أى الإستمرار فى روتين الحياة الجارى، انتظارا لموعد الفراق الذى سيحدده القدر لا محالة قريبا.ـ

Written by anwar68

ديسمبر 11, 2013 at 6:14 ص

أرسلت فى مصر, أوراق قديمة, الثقافة

Tagged with