Archive for أكتوبر 2013
أوراق قديمة 46
-
أشياء من الذاكرة
بينما كنت أقلب فى أوراقى القديمة، اختلطت ذكريات فى نفسى مع تطورات اللامعقول فى مصر منذ هوجة يناير 2011 حتى الآن. ووجدتنى أنساق إلى المقارنة مع أحوال الدنيا كما رأيتها منذ خمسين سنة وأحوالنا الآن. وليست كل المقارنات صِحِّية. وتعلمون أن الجميع (تجار الدين ومراهقو السياسة والطابور الخامس وقطط الإعلام السمان الذين قادوا برامج النكد التليفزيونية بالذات منذ 2001 أى منذ تفجيرات نيويورك والبنتاجون المسرحية (!) بالإضافة إلى بعض الطيبين الذين صدقوا كل هؤلاء واتبعوهم أو قلدوهم) الجميع كانوا يلعبون على وتر المقارنة الخبيثة بهدف غسيل المخ، حتى أثبتوا جدارة تفوق الخيال .. لدرجة أن قد انقلب وحوش الإجرام (عماد الكبير مثلا) إلى ضحايا اللاإنسانية (!) ومروجو المخدرات إلى ضحايا وحوش الداخلية (!)ـ
ولابد أنكم تذكرون استغلال كل الظروف للتشكيك فى أى نظام أو قانون أو فتوى رسمية أو حتى أى مشروع ـ ترتيب الجامعات المصرية العالمى، قانون سوزان مبارك ـ الشيوخ الأجلاء (طنطاوى وعلى جمعة وغيرهم، ومقارنتهم بحثالة من صنع تجار الدين)، مشروع توشكى، مكتبة الإسكندرية، القراءة للجميع ـ كما لابد أنكم لا تذكرون مشروع تطوير الألف قرية الأكثر فقرا وإبنى بيتك والمطارات العديدة التى أنشئت فى الصعيد وسيناء ومد مياه النيل تحت القناة إلى سيناء والغاز إلى الصعيد وتطوير قطاعات عديدة فى الداخلية والسياحة وحتى علاوة الـ 30%، حيث كان المبدأ أن ما لا تستطيع التشهير به فعليك بإسدال الستار عليه حتى يكاد يختفى أو تتوه معالمه وحقائقه.ـ
كل ذلك كان ضمن عمليات غسيل المخ الجماعية الشعبية التى كانت مرحلة مهمة، مثلها مثل مرحلة “ناين إلفن” المسرحية الشهيرة، فى المنحنى التصاعدى الذى حذرنا منه وقتها ولم يصدقنا الكثيرون ووصل ذروته فى 2011، وعندها رقص النازيون الجدد فرحا بتدشين انحدار كرة الثلج مع التهليل لـ: “أول مرة فى التاريخ”، “الشباب الذى سيعلم الأنتيكيــين الديمقراطية”، “الثلاث كلمات السحرية” ـ المقصود منها تشابها من بعيد بالثلاث شعارات للثورة الفرنسية، وإن كانت تختلف عنها، فكلماتنا الثلاثة تبدأ بالشحاذة (عيش)، ثم إن الطيبين صدقوا أنها تمثل مبادئ وأهداف ومطالب وبرنامج عمل و… و… و… كله، كله فى نفس الوقت! وانسحب النازيون الجدد قليلا من صدارة المشهد ليستمتعوا بمشهد تحطيم شعوب متخلفة لنفسها ولأوطانها. ولهو التجار بأنواعهم والهواة بجهلهم والثوار الحقيقيين والمفبركين والناشطين القدامى والجدد والسمك واللبن والتمر هندى الذى جرى وساح فى كل مكان ـ وليس فى مصر فقط ـ وبدأ الفاشيون يشهرون أسلحتهم فى خدمة النازيين الذين بدأوا فى سن أسنانهم استعدادا للوليمة الكبرى. وراحت الإنفجارات الإنشطارية تمتد وتمتد حتى كادت الواقعة أن تقع (وما زالت “ربما” تقع على فكرة) وتبين للكثيرين الذين لم يصدقوا مدى عمق الهوة التى انساقوا إليها وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، تبين لهم المزاد الخسيس الفاجر الذى أقيم على عينك يا تاجر لتقسيم الكعكة بالوطن! كل هذا مقابل “صدقات” نجسة من الزيت والسكر ليست لوجه الله ولا تسمن ولا تغنى من جوع.ـ
المهم نعود إلى ما دار بخلدى من مقارنة. وأقول مبدئيا أنها ليست مثل السابق ذكرها وليست ظالمة بدليل: خلال الخمسين سنة انتقلت الشعوب، التى كانت فى نفس ظروفنا أو أسوأ بكثير، انتقلت إلى الأمام بقوة ومنها ما أصبح ينافس القوى العظمى فى العالم .. ربما تكون المقارنة بهذه الدول ظالمة إذا اقتصرت على نقطة نهاية فترة الخمسين سنة، لأن الظروف خلال المدة لم تكن متساوية، ولكنى هنا كنت منحازا وكنت أقارن بين ما نحن عليه الآن و.. “بدايات” تلك الدول قبل خمسين سنة، فهل من المعقول أننا خلال خمسين سنة لم نتقدم أو حتى وقفنا محلك سر؟ـ
تحدثت سابقا عما رأيته فى منتصف الستينات من وعى الألمان شرقهم وغربهم بأهمية توفير الطاقة. فالوقود (الفحم أو المازوت فى تلك السنوات) يتم توزيعه سنويا على البنايات حسب مقنن استهلاك محدد ومدروس سلفاً. وجميع مستخدمى كل بناية مسئولون عن المحافظة على ذلك المقنن. فإذا نفد قبل انتهاء السنة فلن يجدوا من يسأل عنهم حتى لو كانوا سيموتون من البرد! هذا النوع من الوعى الناضج الذى تلمسه واضحا حتى فى الأطفال الصغار يعكس إحساس كل فرد من الشعب بالمسئولية التضامنية، وأن “الحكومة” ليست بابا وماما، ويوضح لنا أحد صفات الشعوب المتقدمة.ـ
ورأيت فى تلك البلاد كيف أن المحال تغلق أبوابها فى تمام الساعة السادسة مساء أيضا من ضمن وسائل توفير الطاقة، ليست طاقة الوقود فقط ولكن أيضا طاقة العمل التى فى المقابل تهلكها الشعوب المتخلفة فى السهر ـ ولو للفرجة على برامج النكد. ورأيت البائع يشير لى مبتسما من خلف الباب الزجاجى المغلق لمجرد أن الوقت قد تعدى السادسة بدقيقتين فقط، وعندما أشرت إليه بأن ثمة زبائن ما زالوا فى الداخل، ابتسم أيضا وهو يفهمنى أنه هناك لفتح الباب لهم للخروج بعد انتهاء جولتهم الشرائية ما دامت بدأت قبل السادسة! ولا يفوتنى أن أشير إلى أن مواعيد انتهاء اليوم الدراسى أو يوم العمل فى أى مكان تكون عادة بين الرابعة والخامسة مساء .. أى أنه أمامك بين ساعة وساعتين لقضاء مشترياتك الهامة أيا كانت. أما الأجازات الأسبوعية فليست أفضل حالا، فالمفروض أنها مخصصة للترويح عن النفس وشحن الطاقة مجددا للأسبوع التالى، لذلك فالدكاكين تفتح يوم السبت حتى الساعة الثانية عشر ظهرا ثم تغلق حتى صباح الإثنين.ـ
هنا أكاد أقسم أنى أسمع من يقول: الرقابة.. الرقابة! أو من يقول: العقوبة.. العقوبة المغلظة، أو غير ذلك من أفكارنا المتخلفة! وأقول للجميع أنه من النادر جدا فى تلك البلاد أن ترى شرطيا أو حتى مخبرا أو مساعدا فى أى وقت فى الأماكن العامة .. هاه؟ استريحتم؟ ولن أرد على من يتقعر أكثر (أى يهبط إلى “قعر” التخلف) فيعلل هذا الحفاظ على النظام والوعى الناضج بأنه نوع من الجبن .. من يدرى ربما يقصد الجبن النستو بتاعة المعفنين!ـ
إحدى مصائب هوجة 2011 هى تلقين الغوغاء والعامة كلمات معينة مقصود بها غسيل المخ أكثر من أى شىء آخر. ومن هذه الكلمات: “حق مشروع” فمنذ الهوجة وحتى الآن ورغم مرور ثلاث سنوات ستسمع تلك العبارة وغيرها كثيرا وخاصة عندما يأتى ذكر المظاهرات. وقد أوهموا الشباب بطريق مباشر أو غير مباشر أن المظاهرات “أصبحت” حقا مشروعا بعد الهوجة، وهذا غير صحيح، فقانون التظاهر موجود عندنا منذ قديم الزمان. ولأن 95% من شبابنا غير واع فإنه صدق أن “حق مشروع” يعنى “ماتخافش … ولكن حتى إذا خفت … … ماتختشيش!”ـ
رأيت فى ألمانيا الغربية رغم قصر مدة إقامتى بها الكثير من “المظاهرات” منها ما يضم عشرة أشخاص مثلا ومنها ما يضم مائة او تزيد قليلا. ولم أر مظاهرة واحدة فى ألمانيا الشرقية رغم طول مدة إقامتى بها. وبوجه عام وحسب ما رأيت فيما بعد فإنها تكثر فى البلاد الغربية عن الشرقية. ويمكن أن تكون لأسباب واهية وأحيانا مضحكة فلا مانع أن تجد مظاهرة لجمعية رعاية السنجاب مثلا.ـ
يقوم المسئول عن المظاهرة بإبلاغ الداخلية قبل القيام بها بمدة محددة أو أحيانا بمدة “كافية”. والمعلومات التى يجب إبلاغها تشمل العدد المتوقع والشعارات التى سترفع أو التى سيهتفون بها وبداية المظاهرة وخط سيرها ومكان الوصول ووقت البداية ومدتها. والفكرة أن الداخلية مسئولة عن الأمن كله .. سواء أمن المظاهرة أو من هم خارجها. وبالتالى فلا يسمح بقطع الطريق إلا فى أحوال محددة سلفا ولمدة محدودة قليلة جدا وبعد موافقة كتابية مسبقة من الوزارة لأن على الوزارة أن تعد الطرق البديلة وضمان سيولة المرور (مشاة وسيارات) قبل أن تبدأ المظاهرة .. بعض الطرق لا يوجد لها بديل فلا يسمح بقطعها أبدا. وتعامل الشرطة مع المظاهرات التى تخرج عن حدود التصريح الصادر لها يكون تعاملا قاسيا جدا.. جدا، ويمكن تصعيده إلى أن يكون تعاملا مميتا لو لزم الأمر.ـ
أما الإعتصامات فلم أر منها شيئا فى أى بلد زرتها ـ رغم أنها أيضا “حق مشروع ” فى كل البلاد ـ وأعتقد أن تنظيمها لا يختلف كثيرا عن تنظيم المظاهرات. والأساس واحد فى كل الأحوال: لا تعطيل لحركة المواطنين، ولا تعطيل للطرق والمواصلات العامة. هذه اللاءات شبه مقدسة فى جميع الأحوال. بالطبع فإن الحديث عن الحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة لا يحتاج لأى نص قانونى فهو من البديهيات فى المجتمعات المتقدمة .. أما مجتمعاتنا المتخلفة، فهى قائمة أصلا على العشوائية. والقاعدة البديهية فى مجتمعاتنا المتخلفة هى: “مش احنا”. أحرقت المنشآت وسرقت المتاحف والدكاكين والشركات ودمرت المبانى العامة وحتى الشرطية .. وقال الجميع (وأولهم تجار الدين) وبراءة الأطفال فى أعينهم: مش احنا! قالوها فى يناير وقالوها على مدى السنوات الماضية كلها.ـ
ولتعرفوا مدى تخلفنا، يكفى أن تقرأوا رد الفعل حاليا لمشروع قانون التظاهر .. ستجد أن الجميع ثاروا ثورة عارمة بمجرد أن تقدمت الحكومة بمشروع القانون، فأعطوا الإيحاء بأنه قانون جديد تماما، وربما ستبلغ بهم الوقاحة أن يقولوا بعد أيام: “مافيش بلد فى العالم فيها قانون زى ده!” فإذا دققت النظر فى كل ما كتبه وقاله الثوار والنشطاء وأصحاب اللحى والقرداتية (بتوع آخر الزمان) فلن تجد أحدا منهم يتحدث عن هذه الفقرة أو تلك المادة مثلا، وإنما القانون “على بعضه” يثيرهم. أليس القانون يعنى النظام؟ وألم نقل أن: مجتمعاتنا قائمة على العشوائية؟ وما زلنا نضحك على أنفسنا ونظن أننا نعمل ديمقراطية ونعمل ثورة ونعمل مجتمعا جديد ونطبق الشريعة و… و… ـ
وكان أملنا أن نكون على مستوى دول أخرى قبل خمسين عاما … ولكن للأسف هم تقدموا طوال الوقت بينما نحن ن ت خ ل ف.ـ
حتى إسرائيل!! فيها أيضا مظاهرات وكان فيها اعتصام منذ سنة أو اثنتين.. ولكن أنظر إلى المكان بعد انتهاء المظاهرة أو الإعتصام، فلن تجد سوى النظافة والمحافظة على كل شىء عام وخاص. هذه هى إسرائيل وهذا نحن .. وضع نفسك مكان الشعوب الأخرى، وقل لى ما تقييمك للفرق بيننا وبين إسرائيل … بأمانة!ـ
رأيت فى تلك البلاد، عند الحوادث، أول ما يفكر فيه الناس العاديين هو كيفية تفادى تكرار الحادث مرة أخرى .. وما يعنيهم على وجه الخصوص خلال ذلك التفكير ليس ما ستفعله ـ أو ما يجب أن تفعله ـ الحكومة، ولكن ما دورهم هم: الناس العاديين. فمن يستطيع أن يفعل شيئا يبادر إلى فعله، كذلك يفعل من يستطيع أن يقدم نصيحة أو اقتراح. ولن تجد أحدا من “الشعب” يهتف بإقالة وزير أو رئيس دولة مثلا .. فهم يعلمون جيدا أن هذا منوط بهيئات ومؤسسات خبيرة وتعلم ماذا تفعل. يعنى بالإختصار: أول رد فعل عند مجتمعاتنا المتخلفة هو سؤال واحد ثابت لا يتغير: “من المسئول؟” ويكفى أن يصيح واحد أو اثنين فقط بأن صاحب العبَّارة (مثلا يعنى!) هو المسئول حتى تجد الجميع يطالبون بإقامة المشنقة فى ميدان عام اليوم وليس غدا لإعدامه فورا! .. تخلف!!ـ
تعودت منذ أول يوم فى ألمانيا الغربية منذ خمسين سنة تماما (وبعد ذلك أينما ذهبت فى الخارج) أن أربط حزام الأمان بمجرد دخولى إلى أى سيارة. ورأيت كيف أن قائد السيارة لن يتحرك بها خطوة واحدة إلا إذا ربط الراكب حزام الأمان. وعلى فكرة، سواء فى ألمانيا الشرقية أوالغربية، فنادرا ما تشاهد شرطى مرور أو غيره فى الشارع .. ورغم ذلك يلتزم الناس بالقانون.ـ
هذا وما زال حتى المتعلمين تعليما جامعيا عندنا يعتقدون أن “الإسلام هو الحل” وأن اللحية هى كل ما يلزمنا للتقدم، وأن العبيط يصلح أن يعود رئيسا للجمهورية، وأن ميدان رابعة هو الكعبة الجديدة. وما زالوا يصرون أن رئيس الجمهورية لابد أن يكون أبو زيد الهلالى أو عنتر بن شداد منقذ العشيرة وهازم كل من ليس من العشيرة .. وهكذا تحكم العشيرة العالم أجمع ـ بعد عمر طويل ـ وتصير لهم الحرية بعد ذلك فيمن ليس منهم حتى لو كان مسلما، فلا مانع أن يبقوا عليهم عبيدا لخدمتهم مؤقتا، على أن يقتلوا منهم ما يشاءون كلما حلا لهم التسلية بذلك. علما بان كل هذا لن يكون إلا بعودة العبيط للرئاسة ليصدر قوانين تحصنه هو واللى خلفوه .. ويختار أم خيبتها للمهام الحساسة وهى لا تعرف ـ كما هو طبعا لا يعرف أيضا ـ الفرق بين السياسة والأمن ولا بين الإجتماع والحوار ولا بين العلم والفهلوة ولا بين إدارة دولة وإدارة خلية إرهابية.ـ
أذكر مرة أخرى أنى لا أقارن بين مصر وألمانيا الآن بل بين مصر “الآن” وألمانيا “قبل 50 سنة” أى عندما كانت تعيد البناء بعد الحرب المدمرة.ـ
نعم .. مازال لدينا هؤلاء المتعلمين الجهلة وسيظلون يبحثون عن فرعون، فإن لم يجدوه فسيصنعونه من ورق أو من تمر أو من حجارة لا فرق. فالحياة بلا فرعون لديهم كالموت تماما. فهو الذى سيحقق للشحاذين أهم هتافاتهم: “عيش لله .. يا ريس”.ــ
وما زال لدينا “فلول” مثلى يكتبون مثل هذا المقال!!!ـ
وما زلنا نتقدم بخطى حثيثة واثقة نحو مزيد من التخلف!ـ
-
الكبار
علامة “للكبار فقط” على الأفلام السينمائية تعنى مسموح لأكبر من سن 18 سنة. وهذا هو سن البلوغ فى أوروبا ولابد أنه لا يختلف كثيرا فى البلاد الأخرى. ولكن البلاد تختلف فى الفحوى والتطبيق. فى ألمانيا شريحة سنية سابقة للبلوغ، وهى من 12 إلى 18 سنة. والفكرة هى أن ينتقل الإنسان من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ تدريجيا وليس فجأة. وأظن أن مثل هذا متضمن فى أحاديث وتوصيات للرسول (ص) كالذى يخص تربية النشء على التعود على الصلاة. وسن البلوغ ليست جامدة بل تتغير بتغير المجتمعات والظروف المحيطة. وهى دائما مقسمة إلى مراحل. وفى الزمن الأول لظهور الإسلام كانت هذه المراحل مبكرة جدا نسبيا لما نتعارف عليه الآن، ويدل على ذلك الأحاديث الخاصة برفض أو قبول الرسول (ص) لرغبة بعض الفتية فى الإشتراك فى الحروب.ـ
رأيت فى ألمانيا كيف يحتفلون بسن البلوغ احتفالا كبيرا. والإحتفال يختلف فى حالة البنات عن الصبيان، فبالنسبة للبنات يحتفلون ببداية الدورة الشهرية للبنت على أنه علامة تحول هامة فى حياتها. بصرف النظر عن السن القانونية للبلوغ. وبهذه المناسبة لا أدرى سر تكتم الناس فى البلاد العربية لتلك المرحلة من حياة البنات، بل ربما يعتبر البعض أنه من العيب الحديث عنها داخل الأسرة. ولكن فى ألمانيا يتم الإحتفال بحضور الأقارب مثله مثل عيد الميلاد.ـ
ولسن البلوغ فى ألمانيا كما فى معظم أوروبا معنى جاد وأهمية كان المفروض أن تكون مثلها لدى الدول العربية لولا التخلف. فكما قلنا كان الرسول (ص) يسمح بالإشتراك فى الحرب لمن هم فى سن معينة .. وطبعا مع صفات أخرى، ولكن السن أساسى .. لماذا؟ “الإختيار” هو المفتاح للإجابة على هذا السؤال. يعنى عندما يتحدث مجتمع ما عن سن البلوغ ويحددوه برقم متوسط معين فهم يقصدون أن يصبح الإنسان ابتداء من ذلك الوقت مسئولا عن نفسه بعد أن كان تحت رعاية آخرين. وكما قلنا فى مناسبة أخرى أن “الإختيار” شرط أساسى فى صحة “الإيمان”، ولذلك أوصى الإسلام كما توصى كل الحضارات بالإعتناء بترببية الأبناء قبل سن البلوغ، حتى إذا وصلوا إل هذه المرحلة يكونون على قدر المسئولية فى الإختيار. وقد لا ينتبه الكثيرون أن حساب الآخرة يكون فى الأصل عن اختيارات الإنسان فى كافة مراحل حياته ابتداء من سن البلوغ. ودون ذلك لا حساب. ولعل فى هذا إجابة لمن يتساءلون عن اختلاف الظروف أو النشأة أو الأهل وتأثيرها وكيفية حساب الآخرة مع مراعاة تلك الظروف .. وأنوه أن هذا تحليل شخصى وليس إفتاء، وهو بناء على قراءات متفرقة مع إعمال العقل وليس نقلا عن أحد.ـ
يتاح للشباب بعد سن البلوغ فى ألمانيا كما فى أوروبا تقريبا كل الحرية، ولو أنها فى أكثر العائلات تمنح بشىء من التدرج. كما يبدأ الشاب فى الإعداد للإنفصال عن العائلة، وهو انفصال كالفطام فى الطفولة، وليس كما يعتقد أكثرنا أنه قطع للرحم. وهو السن التى يبدأ الشاب فيها تدريجيا فى إيجاد عمل ما للإنفاق على نفسه حتى لو ظل يسكن مع والديه (إذا لم تكن المساكن متاحة فى بلدة معينة مثلا).ـ
سن البلوغ أو النضوج فيه كلام كثير ولكنى لا أريد الإطالة. وأريد فقط أن أبين أن الوعى بأهمية التحول فى هذه السن إلى شخصية مسئولة عاقلة تفكر وتدبر لنفسه هو أحد الأسباب الرئيسية لتقدم الشعوب. ولدى الشعوب المتخلفة تجدهم يتحدثون كثيرا عن الشباب، خاصة عندما يكون الحديث “ثوريا” (بمعنى حديثا تليفزيونيا يطلع عليه النهار يسيح) وهم لذلك لا يفعلون نصف ما يتحدثون به .. ويكفى أن نقارن بين شبابنا وشبابهم حول سن العشرين .. نقارن الإلتزام والجدية فى التعامل والمحافظة على النظام والنظافة والإعتماد على النفس. طبعا نحن نتكلم عن الغالبية العظمى وما جرى عليه العرف فى تلك البلاد وعندنا وليس عن حالات خاصة. أنظر مثلا كيف يتحدث بطل أولمبى أمام الميكروفون وهو فى حدود التاسعة عشر، فلا يطيل ويعيد ويزيد ويجيب من الشرق والغرب ويتحدث فقط المفيد والجدى وباختصار ناضج. لهذا كان من السهل علينا الإندماج والتعامل مع طلبة معهد شفيرين وهم فى المرحلة ما بعد البلوغ يعنى بين التاسعة عشرة والثانية والعشرين. وكان بالمعهد زوجان تزوجا وهما طلبة بالمعهد، ويحوزان على احترام خاص من الجميع طاقم التدريس والطلبة والعاملين، وقد خصص لهما المعهد غرفة استثنائية لا يشترك معهما أحد فيها. وقد أصبحنا بريجيت وأنا من أصدقائهما بسرعة.ـ
لو اقترحت على أى رب أسرة عندنا ـ فى مصر أو أى بلد عربى ـ معاملة أبنائه بالمثل لقفز جزعا واعتبرك تريده رمى أولاده فى الشوارع أو التخلى عنهم ليصبحوا متشردين! هذا على اعتبار أنه يفترض أنك تتحدث عن أولاده الذكور .. ولكن إذا تبين له أنك تتحدث عن كلا الجنسين، فأقل ما فيها أن “ينط فى كرشك” (مجازا يعنى!). ولو فكرنا قليلا لتبين لنا أن هذا من ضعف الإيمان لأن رب الأسرة عندنا يعتبر نفسه “راعيا” لأولاده حتى سن الزواج .. وبما أن سن الزواج فى تأخر مستمر بسبب الحالة الإقتصادية فـ”الأولاد” يبقون دائما “عيالا” ربما لبعد الثلاثين! وهذا لأننا لا نتوكل على الله عمليا رغم أن فيه جزء كبير من حل مشاكلنا.ـ
-
الرقابة
كانت ألمانيا الشرقية فى ذلك الوقت تطبق الشيوعية بطريقة أفضل من الدولة الأكبر والأقدم فى هذا المجال: روسيا. وكعادة الألمان أى فعل يقومون به فلابد من ارتباطه بخطة ونظام ومتابعة وتحسين مستمر. وحكاية الحرية وسن البلوغ التى تحدثنا عنها ليست مطلقة، فالمراقبة موجودة أثناء التربية وحتى بعد سن البلوغ. ولكنها مراقبة واعية ومنظمة ولا تجور على أهمية الضمير والوعى والعقل عند كل كائن، وليس مجرد منفذين لقوانين معينة، ولا خائفين من عقوبة معينة. فكما قلت مبنى المعهد على شكل حرف إل L تقريبا وغرف الأولاد فى جانب والبنات فى الجانب الآخر. ويمكن لأى منهما الزيارة فى غرف الجنس الآخر ولكن حتى الساعة الثامنة مساء فقط. ولا يغامر أحد بالبقاء بعد تلك الساعة فى غرفة الجنس الآخر، لأنه بذلك يغامر بوجوده بالمعهد وأى دراسة لاحقة فيما بعد.ـ
وحبوب منع الحمل مثل أى نوع من الأدوية ـ أكرر: أى نوع من الأدوية حتى أدوية البرد العادى ـ لا تصرف من الصيديليات إلا بوصفة طبية (روشتة). ويتم التأشير علي الروشتة وختمها عند الصرف فلا تصلح لاستخدام آخر. أما حبوب منع الحمل، فلا يكتبها الطبيب إلا للحالات المرضية فقط وليس حسب رغبة المستخدم. وهذا نظام صارم جدا ولن تجد طبيبا فى أى مكان حتى فى الأرياف يجازف بعدم اتباع النظام. وكان من ضمن المحاضرات الأولى التى تلقيناها بعد الإلتحاق بالمعهد هو أن إنجاب أطفال بغير زواج غير مقبول لا رسميا ولا مجتمعيا، ويسبب مشاكل كبيرة، وحذرونا تحذيرات شديدة من ذلك، ونفس التحذيرات يتلقاها الشباب من الجنسين عند التحاقهم، وعلمنا فيما بعد أنهم تلقوا محاضرات تحذيرية إضافية مرة أخرى قبل وصول بعثتنا، منبهين الجميع أن المشكلة ستكون أكبر إذا كان أحد أطرافها أجنبيا. وأنا أتحدث هنا عن ألمانيا الشرقية فقط .. البلد الذى كان يعتنق الشيوعية ولا يؤمن بالأديان.ـ
ولكن يسمح للجنسين بالبقاء معا بعد الثامنة ولكن فى الفصول فقط، لأنها تكون مأهولة بمن يحب الإستذكار فيها بدلا من الغرفة. وهناك دائما المشرف على الهايم ليلا، وهو من طاقم التدريس ويساعده بعض العاملين والطلبة، ولكنك لا تحس أبدا أنك مراقب أو أنك مشتبه به إلى أن يثبت العكس. ولا ينصح بالبقاء فى الفصول إلى ساعة متأخرة من الليل بوجه عام. والمشرف الليلى يدور طول الوقت فى المعهد، وكان يحضر جزءا من سمرنا الصاخب فى ليالى الويك إند، بدون أن يشعرنا انه يحضر “للرقابة”ـ
-
ليلة القبض على العبد لله!ـ
العنوان هنا مجازى فقط.ـ
تحدثت فى الحلقة الماضية عن رحلة المعهد إلى ماجدبورج التى ختمناها بزيارة لأكبر مصنع جرارات فى ألمانيا الشرقية. وها هى ورقة ترجع إلى تلك الليلة من يناير 1969 لدى وصولنا مساء عائدين من ماجدبورج. وكان فى انتظارنا أعضاء البعثة الذين لم يذهبوا إلى ماجدبورج، كذلك بعض الطلبة الأصدقاء الألمان. وجلسنا مجموعة كبيرة فى فصلنا، ورغم أن اليوم كان الثلاثاء ـ يعنى ليس ويك إند ـ إلا أن الجميع انفتحت نفسه للهزار والهيصة .. وصممت بريجيت أن تعد الشاى بنفسها للجميع، خاصة وأن ثلاثة من زميلات حجرتها كن يشتركن فى السهرة الظريفة التى استمرت حتى الساعة 11 م ثم انصرف الجميع.ـ
بقينا بريجيت وأنا فى الفصل بعد انصراف الجميع نتحدث ـ والرغى هوايتنا كما هو معروف من الحلقات السابقة، كما أن الكام يوم فى ماجدبورج لابد من لكل منا تقديم حساب تفصيلى عنهم للآخر. ولى هنا ملاحظة: وهى أنى أحكى من واقع الأوراق وكذلك من الذاكرة وأخص تلك العلاقة الفريدة فى ذلك الوقت بإعزاز كبير وليس مقصودا أبدا كما تخيل أحد القراء أنى أتمادى فى ادعاء البراءة فى تلك العلاقة. فبديهيا أنى لست فى حاجة إلى ادعاء أى شىء.ـ
المهم بعد حوالى ساعة فتح باب الفصل، وأطل علينا وجه هوبر Hueber مدرس علم النفس. وكان هو المشرف على الهايم تلك الليلة. وهممت بالقيام مبتسما للترحيب به، فقد كان محط احترام وحب الجميع. ولكنه لم يقل شيئا وإنما بادر إلى إغلاق الباب والإنصراف.ـ
ساءنى انصرافه هذا، واعتبرت كأنه قبض علينا ولكنه لم يضع الحديد فى أيدينا لأنه لم يكن ثمة دليل ضدنا! وكانت نهاية غير سارة بعد سهرة جميلة، خاصة لبريجيت حيث يمكن أن يضرها تقرير منه دون ذنب جنته.ـ
تحققت شكوكى وعندما كان الهر هوبر يحاضرنا فى اليوم التالى، أشار فى بداية المحاضرة إلى العلاقة بيننا وبين البنات الألمانيات، وأخذ يلمح أن تكون فى حدود العرف والمسموح به ولا تتعدى ذلك ، مع التلميح بطريقة واضحة لوجودنا بريجيت وأنا إلى وقت متأخر ليلا فى الفصل دون أن يذكرنا بالإسم.ـ
بمجرد انتهاء اليوم الدراسى، ذهبت إلى الهر هوبرت فى مكتبه، للحديث كما طلبت منه فى أول اليوم. وبدأت المناقشة معه بصراحة، بينما كان هو متحفظا بعض الشىء، ولكن بعد فترة وجيزه وضح عليه الراحة فى الكلام لما رآه من صراحتى معه وأنى أتحدث إليه لا بصفتى مدافعا عن شىء ما أو نافيا لتهمة ما. ولكنى أتحدث معه لأنى أحترمه، وأريد أن أشركه فى الموضوع لأستفيد من خبرته وحكمته (وهو كان يقترب من الستين فى ذلك الوقت). فقال أنه من ناحيته أيضا لا يفرض على تبريرات ولا دفاعا عن أى شىء، وقال: أنا أثق فيك بناء على تصرفاتك المعروفة عنك منذ حضورك إلى المعهد (وكان قد مضى علينا حوالى شهر بالمعهد).ـ
حكيت له موقفى بصراحة شديدة .. تماما كما شرحتها فى الحلقة الماضية من هذه المقالات. وأن كل الملابسات لا تؤدى منطقيا إلى علاقة حب بأى شكل، وأنها علاقة صداقة قوية .. أعترف أنها لابد أن تنتهى سريعا، وعددت له العقبات الكثيرة جدا والتى تكفى واحدة فقط منها (وهى الدين مثلا) لكى لا نفكر مجرد تفكير فى حب وزواج وغيره. وقلت له لا أستطيع الوعد بأى شىء محدد مستقبلا لأن لا أحد يعرف ماذا سيحدث غداً. ولكن مشروع الخطوبة فى بلدتها (والذى كان سينهى حتى علاقة الصداقة بسرعة) يبدو أنه يشوبه بعض المشاكل التى لا أعرف تفاصيلها حاليا. ولكنى فى النهاية أستطيع أن أعد بما أعرف أنى أقدر عليه: وهو أننى لن أسبب مشكلة كنتيجة لعلاقة الصداقة هذه، وطبعا كنت أقصد المشكلة التى حذرت الإدارة الجميع منها.ـ
فى الحقيقة الرجل شكرنى وتناقش معى فى بعض التفاصيل وأبدى تفهما رائعا للموقف كله وكيف أنه متشابك وصعب. وقال أن ثقته بى قد ازدادت لصراحتى ولمواجهة الموقف بشفافية وبطريقة مباشرة.ـ
وتصادف أن كانت تلك المناقشة قبل يوم واحد من سفر بريجيت إلى بلدتها إلمناو. وعزمتنى بريجيت لمشاهدة أوبريت سيدتى الجميلة My fair lady بالمسرح، وكانت سهرة جميلة، وبعد خروجنا من المسرح ذهبنا إلى المعهد، أخذت بريجيت حقيبة سفرها، ثم أوصلتها لمحطة القطار قرب الفجر لتبدأ سفرها الطويل الذى يستغرق حوالى 12 ساعة لوصولها من أقصى شمال البلاد إلى قرب أقصى الجنوب. كان سبب السفر أصلا لحضور احتفال الجمعية التعاونية السنوى Betriebsfeier وهى الجمعية التى رشحتها للدراسة لتصبح مهندسة تربوية. وكتبت بعد ذلك: “لم نكن نحس باطمئنان لهذا السفر، وكنت أنا أكثر قلقا بدون أن أستطيع تحديد سبب واضح له، واليوم هو اليوم السابع عشر لنا معا… [وهنا يلزم الإيضاح: فرغم أن تعارفنا كان منذ شهر، إلا أنى كنت أسجل فى مفكرتى الأيام التى نكون فيها معا، فلا يدخل فى الحساب أيام سفرها إلى بلدتها ولا أيام سفرى أنا إلى ماجدبورج.] ثم كتبت فى النهاية تساؤل: “هل تكفى سبعة عشر يوما لكى أحس بهذ الخفقان لبعدها عنى لبضعة أيام؟ـ