Archive for أوت 2013
أوراق قديمة 45
خطابات بدون تعليق
ملخص للإيضاح لمن لم يقرأ أو قرأ ونسى حلقات سابقة من هذه السلسلة: عندما سافرت صيفا إلى ألمانيا الغربية 1963 إستدنت كل مصاريف السفر من جميع من أعرفهم .. على أساس أن تغطى مشتريات من هناك المبالغ التى استدنتها. ثم شاءت الأقدار أن لا تسير الأمور كما كنت أتخيل، والمهم فى النهاية بقيت الديون دون سداد، فى انتظار تخرجى والعمل.
بعد التخرج وخصوصا مع العمل فى العامرية (وأعترف: مع إدمان السجائر أيضا) سار السداد كالسلحفاة، ومن ناحية أخرى زادت ديون جديدة من العبء واستمر الرقم الصافى للديون فى التزايد باستمرار! ثم يشاء القدير العليم أن يكون لى نصيب فى بعثة ألمانيا الشرقية هذه التى تشمل الأكل والمشرب والمسكن ومصروف يد متواضع بينما يستمر صرف مرتبى فى القاهرة. والآن بعد ستة سنوات فى بداية 1969 ها هى أختى تخبرنى: “خلاص مافيش حد له عليك فلوس غير الجنيه بتاع جمال! أما الفلوس بتاعتى فأنا باخدها شوية بشوية.”ـ
وفى خطاب منى تعليقا على زيادة عصبية أبى مع إخوتى: “زى ما قلتى، إن الإيمان بيخللى الواحد يتعلم الصبر .. ولازم تفهموا الإخوة كلهم علشان يعرفوا إن الإصرار وقوة الإرادة يخللوا الواحد يذاكر رغم أية ظروف صعبة. وأظن مهما كانت الظروف الحالية فلن تكون كالظروف التى أخذنا [يعنى أنا وهى] فيها الثانوية العامة.”
وفى خطاب من أختى الأخرى ـ رحمها الله .. كانت نقية القلب والسريرة كالملاك ـ تقول: “ذهبت لقبض ماهيتك .. بعد انتظار 40 دقيقة وصل أوتوبيس 4 وركبت، وسألت واحد عن محطة الإصلاح الزراعى، وبدل ما يرد راح متخانق معايا .. وقال لى المفروض قبل ما تركبى تتأكدى الأول! … والذى حدث أن وشى احمر جدا وانكسفت خالص .. وجاء الكمسارى وقف بجانبى فسألته بصوت خافت جدا نظرا للكسوف الشديد، ولكن للأسف لم يرد علىّ. سلكت الطريق إلى السائق وسألت ، فواحد بجانبه قال لى انه نازل هناك .. وشعرت أنه مؤدب جدا .. وفى المحطة نزلت وقلت أنتظره علشان أشكره، ففضل ماشى معايا … … بصراحة هذا يدل على أنى لسه عقلى صغير أو بمعنى أصح ليس عندى دراية كافية بما يحدث فى الخارج لأنى دائما قاعدة فى البيت…..”ـ
وفى خطاب من أخى، كتب: “كنت بافكر إن العمل الناجح والمجهود الجبار الذى يبذله الإنسان يجب أن يكون مبنى على الراحة النفسية … يجب قضاء الحياة بكامل أوجهها المريحة والمتعبة، الجادة والهزلية، والنجاح والفشل والعمل واللعب … هذا رأيى ولن أغيره أبدا مهما حصل.”ـ
ويقول: “أمس رحت الشغل بتاع سيادتك علشان أقبض علاوات متجمعة من 8 أشهر، بلغت 9 جنيهات ونصف جنيه.” إحسبوها انتم بأه!ـ
بريــجــيت وأنا
قضينا خمسة عشر يوما بدون محاضرات نستمتع بجولات فى البلد التى غطى الثلج فيها كل شىء، وكان منظر البحيرة (وهى من معالم شفيرين وتتوسط البلدة ومساحتها حوالى مرة ونصف ملعب كرة قدم) وقد تجمد ماؤها، منظرا جديدا تماما علينا، ونضحك ونحن نقطع البحيرة سيرا .. “فوق الماء” (!).
وبعد إجازة عيد الميلاد ورأس السنة [وهى تماثل أجازة نصف السنة للدراسة فى مصر]، كنت فى انتظار بريجيت فى محطة القطار عند عودتها، وسهرنا فى نفس الليلة مع فيلر وصلاح فى ليزى كافيه سهرة جميلة.ـ
وفى اليوم التالى خرجنا [وحدنا لأول مرة] نتجول فى المدينة. وقضينا وقتا ممتعا. بعد تعارفنا بشهور طويلة سألتها عن كيفية بداية العلاقة بالنسبة لها، فقالت: فاكر أول مرة خرجنا معا .. كنت تتعمد الأماكن المأهولة والإختلاط مع الناس فى أحاديث .. بينما العادة جرت أن يفضل الولد الأماكن المعزولة [وهى على فكرة عادة عالمية شرقا وغربا وليست عربية فقط]، وهذا جعلنى أشعر بأنه يمكننى الإطمئنان لك والثقة فيك على أساس أننا اتفقنا من الأول أن العلاقة لا تعدو علاقة صداقة بريئة .. ثم كانت هناك ملحوظة سريعة ولكن دلالتها عندى كانت كبيرة .. فعندما توقفنا لشراء ساندويتشات، واكتشفت أن النقود التى معك لا تكفى، سألتنى إن كان معى نقود لاستكمال الدفع .. ولو حدث هذا المقلب مع أى شخص لكان تصبب عرقا واحتار كيف يتصرف، ولكنى وجدتك تسألنى كما لو كنا نعرف بعضنا منذ سنين أو كأنى أختك مثلا .. ببساطة شديدة! يعنى أنك اعتبرت أن الموقف ليس به أى داعى للإحراج. ولا تدرى كم أسعدنى هذا التصرف وأثر فى!ـ
لم نفترق منذ لقائنا الأول فى ديسمبر 1968 طالما نحن الإثنان فى نفس البلد ماعدا عند اللزوم، أى وقت المحاضرات ووقت الذهاب إلى غرفنا ليلا. أما فيما عدا ذلك .. فكنا نستذكر سويا سواء فى الفصل أو فى حجرتنا، ونأكل سويا ونخرج سويا بل ونؤدى نشاطات سويا حتى لو لم تكن مشتركة. وكنا عندما نذاكر لا يتحول تركيزنا عن المذاكرة، بل إن وجود كل منا كان يساعدنا على التركيز .. اللهم سوى صياحها من وقت لآخر: تور تسو! أى “أغلق الباب!” فعندما يدخل أو يخرج أحد المصريين يترك الباب ـ كالعادة ـ مفتوحا. وكما قلت من قبل فإن وعى الجميع فى الدول الأوروبية بالحفاظ على الطاقة يكاد أن يكون مخلوقا فى جيناتهم. ففى الشتاء إذا لم تتم المحافظة على حصة الفحم (أو أى وقود آخر للتدفئة) فلا أحد سيسأل عنك حتى ولو مت من البرد فى هذه الحالة.ـ
أما النشاطات فهى كانت دائما معى حتى لو لم تمارس ذلك النشاط، مثل الشطرنج وتنس الطاولة. أما الكوتشينة فكانت تلعب معنا ومع زملائى فى الحجرة كأنها واحدة منهم يتنازعون معها مثلما يتضاحكون. وهى أيضا كانت معى فى النشاط الذى أحببته عندما كنت فى المدارس وفى الجامعة وهو عمل مجلات الحائط. وقد قضينا وقتا طويلا فى عمل مجلة تليق بالدعاية لمصر فى بلاد الفرنجة، وقامت بمجهود كبير فى الإخراج والتلوين وانتقاء الصور .. الخ. وبعد أقل من أسبوع من عودة الطلبة من الأجازة، كانت المجلة جاهزة. وعلقتها على لوحة كبيرة فى مدخل المعهد وسميتها Deutsche Arabische Freundshaft ولم يساعدنى من المصريين فى موضوعات المجلة سوى حسين رزق بمقال، أما بريجيت فكان فخرها بالمجلة لا يقل عنى.ـ
ولا يفوتنى أن أذكر أن علاقتى مع زميلاتها فى الحجرة كانت هى التصريح الأولى لاستمرار تلك العلاقة. وقد يبدو هذا غير معقول أو مقبول، خاصة وكلنا قد تخطينا سن الرشد. ولكن الحقيقة أن اشتراك الطلبة فى السكن كان نظاما فريدا يجعل شركاء الغرفة الواحدة كأنهم إخوة مترابطين. وكان لقائى الأول مع شركائها الأربعة فى الغرفة بمثابة تقديم أوراق اعتماد استمرار العلاقة من عدمه .. وجاءت الموافقة بعد أيام بعد مناقشة مغلقة بينهن عن مشاكل العلاقة مع الأجانب ومشاكل احتمال تحول ذلك إلى حب وبهدلة و.. و.. ولكنهن فى النهاية وافقن!ـ
الصداقة والحب
ربما يذكر أعضاء المجموعة البريدية القدامى ما قلته زمان عن خطورة العلاقة بين الجنسين القائمة على الصداقة البريئة، لأنها تتحول بسهولة إلى علاقة حب قد يكون صحيحا فلا بأس .. ولكن قد يكون أيضا نوعا من “التعود”، وهو ما يمكن تسميته بالحب الوهمى، ويؤدى إلى مشاكل نفسية وغير نفسية عديدة. لذلك كان من رأيى دائما أن مثل هذه العلاقات إذا حدثت فيستحسن ألا تدوم لفترة طويلة بقدر الإمكان. وربما تذكرون أيضا أنى قد مررت بأكثر من تجربة من مثل هذه العلاقات وكانت تجارب نقية مفيدة جدا ، وكل منها انتهى بعد زمن طال أو قصر بطريقة طبيعية لتغير الظروف أو تغير الأماكن وغير ذلك.ـ
أما العلاقة التى أتحدث عنها الآن فظروفها مختلفة، فلم يحدث فى علاقة سابقة أن جمعتنى الظروف بالطرف الآخر بهذه الطريقة، يعنى طوال الوقت تقريبا. وقد ساعدتنى قراءاتى العامة كثيرا فى التنبه إلى خطورة تطور العلاقة منذ مبدئها. والورقة التالية دليل على ذلك.ـ
يحضرنى هنا أن أتذكر أحد العادات التى هى غريبة علينا نحن الشرقيين: فكما قلت قبلا ليس غريبا فى بلاد الفرنجة أن تتقدم حضرتك من زوجين وتطلب الإذن بالرقص مع الفتاة. [وقد كنا نتدرب على ذلك أيام الجامعة قبل السفر إلى ألمانيا ونكتفى بحفظ الكلمتين: دارف إش بيتى، ونتخيل أننا سنفتح عكا بذلك!!] ويكون الطلب موجها للفتاة مع النظر إلى الرجل لأن له الكلمة الأخيرة. وفى العادة لا يعترض الرجل، خاصة مع عدم تكرار الطلب كثيرا. ولكن موافقة الرجل تأتى بعد أن ينظر إلى الفتاة ويفهم من نظرتها الموافقة أولا. وأحيانا لا تنتظر الفتاة، وإنما تعتذر للطالب بأى عذر لرفض طلبه. وفى الحالتين سواء كان الرفض من ناحية الرجل أو من ناحية الفتاة، لا يتقدم آخرون بنفس الطلب طوال السهرة بعد ذلك إلا من لم يلاحظ ذلك الرفض الأول.ـ
فى أحد عطلات نهاية الأسبوع سهرت مع بريجيت وفيلر وإيفلين [إحدى زميلات غرفة بريجيت] فى أحد الكازينوهات القليلة بالبلدة. وكما قلت من قبل فقد كان مؤكدا أنى لا أملك الموهبة لكى أكون يوما راقصا حتى ولو كان من نوع التانجو الذى هو خطوتين تلاتة! وهكذا فإن فيلر وإيفلين قد استمتعا بالرقص طوال السهرة بينما استمتعنا نحن ـ كعادتنا ـ بالرغى طوال السهرة. وبهذه المناسبة أذكر جيدا أنى لم أتناقش مع بريجيت فى موضوع الرقص مع الغير هذه، ولكنها هى التى أحست بالفطرة أن هذا ضد عاداتنا فكانت ترفض بنفسها أى طلب للرقص من الغير.ـ
نعود إلى الورقة التى ذكرتنى بكل ذلك، وقد كتبتها أثناء تلك السهرة خلال دقائق كانت الفتيات بعيدا. وأقتطع هنا بعضا مما جاء بتلك الورقة:ـ
لو كان هذا ممكنا لكنت أحببتها، ولكن الواقع يحتم ألا أحبها.ـ
لا أستطيع أن أقول أنى أحببتها، ولكنى أستطيع أن أقول أنى سأحبها!ـ
لا إنسانى أن يـُـمنـَـع الإنسان من الحب.. وإذا كان الساسة يحبون لما حدث هذا. فلماذا لا تبتعد السياسة جانبا وتترك الحياة لنحياها كما نحب!ـ
وأنا أيضا أريد معرفة سبب أن يحب إنسان إنسانا آخر بالذات من بين ملايين البشر!ـ
سألتنى بريجيت عند عودتها عما كتبت، فترجمت لها بعضه، وهى فهمت أنى أسقطت بعضا مما كتبته فى الترجمة، وفهمت ما بين السطور، فأخذت الورقة وأضافت:ـ
بالرغم من جمال هذه السهرة إلا أنى دائما ما أفكر فى شىء واحد يفسد على استمتاعى الكامل .. وهو الحدود اللعينة التى تقف حائلا بيننا. وأرجو أن يأتى الوقت الذى تزول فيه هذه الحدود.ـ
طبعا يلاحظ القارئ من هذا كيف تكون بدايات التحول الحتمى لمثل هذه العلاقة كما ذكرت سابقا. وهو تحول لا مفر منه، وليس له حل سحرى، ولا نصيحة منطقية ولا حتى غير منطقية. وقد يحدث ذلك التحول سريعا كما فى حالتنا هذه وقد يحدث بعد مدة طويلة .. ولكنه يحدث حتما. كما نلاحظ أيضا مدى تطابق طريقة تفكيرنا “العملية” التى تطغى على الرومانسية المعتادة فى مثل هذه المواقف، وكيف أننا نعلم أنه لا يجب الإستمرار فى العلاقة ولكنا مع ذلك نستمر .. ونترك الباقى للقدر يفعل بنا ما يشاء.ـ
تعالى جنـــبــى
كانت الفرقة القومية للفنون الشعبية تقدم عروضا فى ألمانيا، وانتهزنا الفرصة، فطلبنا من إدارة المعهد أن نشاهد عرض الفرقة فى ماجدبورج، ونزور فى نفس الوقت النصف الآخر من البعثة الذين يدرسون هناك. وكانت الإدارة كريمة ومتعاونة معنا جدا، خاصة بعد أن شاهدوا اندماجنا فى المجتمع وتأقلمنا وتصرفاتنا المنضبطة عموما، وكذلك بعد أن رحل المشرف علينا بعد زهقه من الجلوس وحده طول النهار وعدم الفائدة لا له ولا لنا من بقائه [قلت فى السابق أنه حضر فى مهمة رسمية ليكون مشرفا علينا وضابط اتصال بيننا وبين الألمان، ولكه لم يكن يجيد كلمة ألمانى كما أن انجليزيته كانت من نوع آى هاف تو آيز.. الخ.]ـ
وافقت الإدارة على تحمل مصاريف السفر وخلافه، وقاموا بإجراء قرعة لكى يسافر معنا سبعة من الطالبات وبعض المدرسين. ولم تكن بريجيت من ضمن المسافرين، وقد تأثرنا هى وأنا كثيرا من ذلك رغم أن السفر لمدة أيام فقط! كان اليوم الأول فى ماجدبورج جولة حرة فى المدينة، وسهر معظم المجموعة فى كازينو رقص، ولم تكن سهرة جيدة، بسبب بعض التصرفات الحمقاء! منها مثلا أن اثنين من المهندسين صرفا مبلغا خياليا، كأنهم أغنياء حرب من الجهلة! متباهين بما صرفوه [ويبدو أنهم قد أحضروا معهم بطريق التهريب كمية من العملة الصعبة] وكان مشهدا معيبا فى نهاية السهرة مثلا أن يصفوا أكثر من عشرة علب سجائر أمريكية فارغة أمامهم، وهى باهظة الثمن جدا هناك، كنوع من الإستعراض الذى استهجنه جميع من فى الكازينو من كبار وصغار! وكان أيضا من نتائج التصرفات المعيبة تلك أن طفت على السطح مشاكل بين أعضاء البعثة، ومن بينها مثلا ظخور عقد نفسية لم تكن موجودة بين المهندسين والملاحظين، زبدأ الحديث عن أصحاب الكم الطويل والكم القصير!. وقضينا وقتا طويلا بعد العودة إلى معهد ماجدبورج فى فض منازعات ومناقشات ولم ننم إلا قرب الصباح.ـ
برنامج اليوم الثانى كان زيارة لرافعة سفن عملاقة Schiff hebe werk (وهى كلمة واحدة ولكنى قطعتها لتسهل قراءتها). وهو فى الحقيقة “هويس” ولكن على قياس هائل الضخامة حيث أنه يصل بين نهرين فرق منسوبيهما حوالى 25 مترا! والرافعة مقامة على مكان الإلتقاء النظرى بين النهرين (وهما يسيران فى خطين متعامدين). يتكون البناء من حوض حديدي يتسع لاستقبال أكبر مركب يمكن مرورها فى ذلك النهر. وبعد دخول المركب تغلق البوابة مع النهر ويكون وزن الغرفة بالمركب عند ذلك حوالى 5400 طن. ثم يبدأ إنزال الحوض بواسطة أربعة أعمدة مقلوظة أو كما نقول نحن بالبلدى “فتيلة وجشمة” تدور كل جشمة بواسطة موتور كهربائى قدرة 44 كيلووات، فيهبط العمود (الفتيلة) أو يصعد حسب اتجاه الدوران. وهكذا حتى يصل الحوض إلى المنسوب الجديد، فتفتح البوابة من جهة النهر الآخر وتخرج المركب إليه. الهويس العادى يعتمد على تفريغ ـ أو ملء ـ الحوض بالماء، ولكنه لا يصلح هنا بسبب اختلاف المنسوب الكبير جدا. على فكرة تناقل البعض من قبل على الإنترنت صورا سموها “الكوبرى الذى تمر فوقه السفن” .. والل مايعرفش يقول عدس!!ـ
المهم وصلنا فى المساء إلى قاعة احتفالات المدينة وكانت سهرة رائعة مع الفرقة القومية للفنون الشعبية برقصاتها المميزة ورقصات مأخوذة من فرقة رضا أيضا. ولم تمر رقصة بدون أن يهلل الجمهور طالبا إعادتها خاصة رقصة البمبوطية، ورقصة عجين الخبز التى تؤديها راقصتان فقط على أنغام الطبلة فقط، وكان الألمان يسألوننا فيما بعد إن كانت تلك الآلة العجيبة (الطبلة) هى فعلا التى تصدر كل تلك النغمات أم أن هناك أخرى تساعدها وراء الستار. وضحكنا ونحن نسمع معظم الحضور أثناء خروجهم يرددون نغمة “تآلى كنبى تآلى كنبى” من رقصة البمبوطية.ـ
فى اليوم الثالث زرنا منطقة شونيبك Schonebeck بضواحى ماجدبورج، وزرنا بها أكبر مصنع جرارات فى ألمانيا الشرقية. وهناك لمست الفرق الأساسى والرئيسى بيننا وبين الدول المتقدمة، وهو النظام والدقة فى اتباعه. الأطفال من سن 12 سنة (يعنى فى سنة سابعة) يقضوا يوما كاملا من كل أسبوع أو كل أسبوعين (حسب الإمكانيات) فى أحد المصانع أو الورش، حتى يعتادوا على جو الصناعة والنظام والدقة والأمن الصناعى واحترام العامل عندما يكبرون.ـ
الإعتراف بواقع لا مفر منه
كان قد مر شهر تماما بعد لقائنا الأول .. وهى مدة قصيرة نسبيا ولكنها بالنسبة لظروفنا كانت كافية للتحول الخطر الذى قلت عنه. وأنقل فيما بعد هنا جزءا مما كنت أحس به وأفكر فيه وما اعتدت أن أسجله لنفسى فقط متخيلا أنى أتحدث إلى الشخص المعنى:ـ
إننى أحس الآن بعمق علاقتنا، وأنا لا أفكر بطريقة رومانسية ولكننى لا أستطيع أن أنكر أننى أحبك. كنت أتصور أننا يمكن أن نكون أصدقاء فقط ولا نجلب لأنفسنا المشاكل .. ولم أكن أتصور أننا فى أقل من شهر سنصل إلى هذا الترابط الروحى المترادل وسيحس كل منا بالسعادة حين يكون مع الآخر. نحن نتكلم لغة مخختلفة ونشأنا على عادات وتقاليد مختلفة، وتقوم بيننا حدود سخيفة ظالمة .. ومع ذلك أحس بحبنا ينمو ويزداد.ـ
كل ما أستطيع أن أفعله الآن هو أن أعيش معك هذه الفترة التى سأقضيها هنا فى ألمانيا، وأحمل من ذكرياتك فى نفسى الكثير الذى به لا أنساك أبدا. ولا أنسى حلمك الذى عشنا معا فيه حين كنا نتمشى حول المعهد، وكيف كنت تتخيلين حياتنا “لو” تزوجنا! كنت أحلم معك وكنت سعيدا مثلك بالحلم والخيال. وما دمت لا أستطيع شيئا، فيكفينى حاليا أن أحلم معك .. وأحبك .. ولا يدرى أحد سوى الله ماذا يكون بعد ذلك!ـ
أين الحل .. أو المفر؟
كما ذكرت من الأول .. كان كل شىء حولنا يبعدنا عن مجرد التفكير فى حب حقيقي، ويغنى عن الحيرة بين عذابات أغانى فريد الأطرش وإصرار “الست” أن “أما الحب يا روحى عليه!!!”. وكان من أبسط العوامل أنها كما قلت كانت “على وش خطوبة” لشاب فى بلدتها. ولم تكن تتحدث معى عنه [وهو ما يحسب لها من عقل واتزان بالمناسبة]. ولكنى فهمت من بين سطور بعض عبارات هنا وهناك من ضمن رغينا الطويل أن العلاقة لم تكن بالقوية، وإنما كانت متقطعة كثيرا.ـ
ثم تطورت الأمور بأسرع مما حسبنا. ودخلت إدارة المعهد على الخط شبه رسميا. وأردت أنا أن أتقمص شخصية الذى يدفع بالطرف الآخر لكرهه كما فعلت فاتن حمامة حتى قالوا لها: “حوشى دموعك يا أمال” ـ “دى م السيجارة” ـ “طب اوعى تحرق صوابعك لاحسن خلصت خلاص” .. إهئ إهئ!ـ
ولكن القدر ما زال فى مركز التحكم، وليس مخرج الروائع. على كل حال على موبايلات بأه إلى أن يحين موعد الحلقة القادمة إن شاء الله!ـ