Archive for مارس 2013
أوراق قديمة 44
أوراق قديمة 44
ملحوظة
هذه الحلقة من الأوراق بها بعض العاطفة .. ولكنها ليست درامية وإنما تدور حول قصة عادية جدا تحدث لناس عاديين جدا جداً وتستغرق زمنا ليس بالقصير .. وظروفها يتدخل فيها القدر كثيراً .. ولكنى أبتسم كلما تذكرت الحكاية بل إنى أحيانا أحكيها لنفسى.
ترتيبات القدر
كتبت فى السابق بشيء من التفصيل عن كيف حضرت حفلا أقيم فى آخر ليلة قبل سفر الطلبة لأجازتهم نصف السنوية وبمناسبة الكريسماس. ولو اختلف أى واحد من تفاصيل الحياة ـ على كثرتها ـ قبل ذلك الحفل ولو بمقدار بسيط لما وصلنا إلى مجموعة الأوراق القديمة التى بيدنا الآن، واستمرت تلك التفاصيل الصغيرة فى التجمع حتى فى نفس تلك الليلة وحتى تم اللقاء.ـ
فعندما نزلت إلى الحفل فى مساء ذلك اليوم كان زميلنا “عمار” يكتب عبارة “عيد سعيد” بالعربية على السبورة. وأخذت أصلح الخط النسخ .. فسألتنى إحدى الفتيات عن ذلك فشرحت لها فى كلمتين بسرعة، فقد كاد الحفل أن يبدأ وقد اتخذ الجميع مقاعدهم إلا أنا وتلك البنت و م/ حسين رزق، ودخل حينئذ أعضاء هيئة التدريس فجلسنا بجوار بعضنا البعض.ـ
كانت جلستى فى مقابل صلاح. وصلاح كما قلت سابقا كان رجلا طيبا وأكبرنا سنا (حوالى الأربعين) وكان بدأ يشتاق لزوجته وأولاده بعد أيام فقط من وصوله إلى ألمانيا (!) فكنا نحاول دائما إخراجه من حالة الكآبة والتفكير فيهم. فبدأت أتفق معه لكى يتشجع ويطلب البنت التى بجانبه للرقص وأنا أطلب الأخرى بجانبها. وهو كان خجولا جدا ولا يقدم على عمل “مشين” كهذا بدون أحد معه .. ويا حبذا لو كنت أنا المشارك فى الإثم (!). المهم بعد ربع ساعة غمزنى حسين رزق لأنقذه من البنت التى بجواره التى لم تتوقف عن الكلام منذ جلس بينما هو يريد أن يتحرك (والحركة فى حفل كهذا فيها بركة!).ـ
البنت التى لا تتوقف عن الكلام هى التى كانت لدى السبورة .. وهى الوحيدة التى كانت ترتدى تايير كحلى عادى مما يلبس كل يوم وفى أى وقت ولا تضع مساحيق تجميل.
دعونى أفسر هذه الملاحظة: وقد تحدثت من قبل عن الفرق الإقتصادى بين الألمانيتين، وأن ألمانيا الديمقراطية كانت تعتبر فساتين السهرة وأدوات التجميل الفاخرة الخ من السلع الإستفزازية. ولم يكن لديهم أسواق لبضائع ‘مهربة’ لا من غزة ولا من ليبيا! J ولكن كل بنت تقريبا تفعل المستحيل حتى تحصل على فستان فاخر وبعض الأشياء الكمالية من ألمانيا الغربية كهدايا من أقارب لها هناك أو أقارب الأقارب أو مجرد أصدقاء أو أصدقاء الأصدقاء. وهذه الأشياء الفاخرة تلبس فى مناسبات قليلة جدا من أجل المحافظة عليها لأطول فترة ممكنة. وحفل كهذا الذى حضرناه هو من تلك المناسبات. وعلى ذلك نفهم أن البنت ليس لديها شيئا فاخراً أو أدوات تجميل ولا مانع أن أضيف من عندى أنه بالرغم من أنها جميلة إلا أن جمالها عادى والأهم من ذلك أنه لم يكن لديها تلك الـ “منحنيات” التى تجذب انتباه الشباب.ـ
جملة اعتراضية أود أن أهمس بها هنا لبناتنا مصريات أو عرب عموما: فقد لاحظت عند زيارتى قبل ذلك لألمانيا الغربية أن البنات لا يتجملن سوى لمناسبات محددة فقط .. ولكن لا تضع أى بنت مساحيق تجميل أو أى نوع من التزين إلا ربما شيئا خفيفا لا يكاد يلحظ فى الأوقات العادية ولا حتى عند الذهاب إلى الجامعة أو أماكن العمل .. تصوروا التخلف؟!ـ
نعود إلى البنت الرغاية التى ليس بها ما يشجع الشباب على ‘الحركة’! المهم تدخلت فعلا وبدأت حديثا عابرا معها لمجرد أن أشغلها قليلا عن حسين رزق على أساس أن أخلع بعد قليل لتنفيذ الإتفاق مع صلاح. ولكن الذى حدث هو أن الحديث استمر!ـ
إستمر الحديث العابر طويلاً. طويلا .. طويلا .. يعنى حتى نهاية السهرة .. بعد منتصف الليل .. حوالى خمس ساعات!ـ
لو كنت التقيت بها فى أى وقت آخر .. ولو لم يتفق يوم عيد الفطر مع يوم حفل الكريسماس .. وحتى لو اتفق اليومان ولكن كان الحفل لفصل آخر غير فصلها .. ولو لم يتخذ المدير قرارا فى نفس اليوم بحضورنا جميعا ذلك الحفل مع ما يلزم من استعدادات سريعة .. ولو أن وصولنا لمكان الحفل اختلف بضع دقائق فقط .. ولو .. ولو .. ولو .. لما كنا التقينا ولما كانت لفتت نظرى.ـ
الأهم من كل هذا هو أننا منذ البداية وجدنا نقطة اتفاق على مبدأ الصداقة فقط، يعنى بدون أحلام خيالية ووعود وردية وقصص عاطفية والذى منه. وعندما تكون هذه هى بداية حديث مع فتاة فمن المؤكد نظريا أن تكون نهاية الحديث بعد دقائق. ونحن صحيح إنسانان عاديان ولكنا نختلف، ربما! على عكس المنطق كانت تلك هى البداية الصحيحة ليكون كل منا على طبيعته دون الحاجة لتصنع أو سوء تفسير. ولم نتحرك من مكاننا سوى مرة واحدة للرقص (الذى لم ولن أجيده فطريا حتى ولو كان مجرد خطوتين) .. وبعد قليل قالت أن قدمها تؤلمها فجلسنا .. وبالطبع أخذت تخبرنى عن تفاصيل حادثة الموتوسيكل التى تركت آثارها فى ألم قدمها من حين لآخر، هذا بخلاف تفاصيل أخرى كثيرة من هنا ومن هناك.ـ
وفى نهاية الحديث كنت أعلم كثيرا عن حياتها وعن والديها وعن إخوتها غير الأشقاء (فهى الإبنة الوحيدة لأمها وبقية الأبناء ذكور من أم أخرى توفيت فى الحرب). وكلهم متزوجون ويعولون .. وأبوها على المعاش وكان يعمل فى الشرطة وأمها ما زالت تعمل فى مصنع لمبات كهربائية. والعائلة من محدودى الدخل، الذى يقترب ربما من فئة مهدودى الدخل .. و .. و ..ـ
أما من ناحيتى فقد تعجبت بعد ذلك من نفسى. قد كانت مشكلتى طول عمرى هو أنى لا أحسن الكلام الجاذب للبنات، خاصة أثناء التعارف، وأتلخم لخمة الإبل فى ميدان التحرير! ولكن فى تلك الليلة أصابتنى عدوى الرغى فانطلقت .. وكما علمت أنها (تقريبا) مخطوبة لواحد فى بلدها علمت هى عن خيبة أملى العاطفية التى لم يكن قد مضى عليها وقت طويل. و .. و .. و ..ـ
سرت بيننا كيمياء سحرية ، فكأننا نعرف بعضنا منذ زمن وكأننا لسنا من جنسيتين مختلفتين ولغتين مختلفتين وكأنى محمود لودفيج من إلمناو وهى بريجيت أنور من القاهرة. وما زلت أحتفظ بمنديل الطاولة الورقى المزوق، وعليه باقى شمعتان والكتابة:ـ
Weihnachten 1968, Schwerin, Raum 102, Brigitte Ludwig, Ilmenau. Zur ewigen erinnerung
الكريسماس 1968، شفيرين، غرفة (فصل) 102، بريجيت لودفيج، إلمناو، للذكرى الخالدة!ـ
وفى اليوم التالى أوصلتها إلى محطة القطار .. ووقفت معها حوالى ساعة ونصف لتأخر القطار (فهو ـ للعلم ـ لا يتأخر فقط فى مصر) وحتى هناك لم نتوقف عن الكلام .. كما لم نتوقف عن التقافز ـ مثل كل مَن على الرصيف ـ بسبب شدة البرودة فدرجة الحرارة تحت الصفر ولابد من القفز لكى لا تتجمد أقدامنا.ـ
وفى اليوم التالى نزل الثلج الذى طال انتظاره، وتفاءل الألمان أخيرا بالكريسماس الأبيض ـ فايس فايناختن المبشر بسنة سعيدة. وهو أيضا مبشر بتحسن الجو بحيث يصبح البرد محتملا مهما نقصت درجة الحرارة لأن الجفاف هو الذى يحسن الجو.ـ
كانت قد أعطتنى صورة لها قبل سفرها، فرسمتها على ظهر أحد الكروت المصرية وأرسلته لها مع خطاب قصير فى اليوم التالى. وكتبت هى خطابها الأول لى فى نفس يوم سفرها يعنى بمجرد وصولها 22 ديسمبر. وذكرت لى فيه تفاصيل السفر (لأنها تبدل القطار مرتين لكى تصل إلى بلدتها) واضطرت إلى الإنتظار أربع ساعات فى إرفورت لتأخر القطار الثانى.
ثم ردت على خطابى بعد ذلك بأسبوع وقد أعجبها رسم صورتها على الكارت وأنقل هنا ترجمة للجزء الأخير من الخطاب:
“لا ينبغى أن يفكر أحدنا فى الآخر كثيرا، لأنك لابد أن تغادرنا يوما ما، ولا نريد أن يكون هذا صعبا، لهذا سنظل فقط كما اتفقنا أصدقاء مخلصين.” وهذا كان بالإشارة إلى قولى “وحشتينى” فى خطابى. وفيما بعد حين شرحت لها أن الكلمة ليس مقصودا منها المعنى العاطفى ولكنها لغة الخطابات العادية .. فقالت: أعرف .. وهذا ما توقعته .. ولكن إحتياطيا فقط فضلت أن أذكرك باتفاقنا!ـ
ثم خاتمة الخطاب: Tesbah ala Cheer!
كانت خدمة البريد فى ألمانيا من أفضل الخدمات. وكان يمكن بالنسبة للبرقيات (التلغرافات) إذا طلب المرسل وصول برقية تهنئة مثلا فى تاريخ وساعة محددين، فإن ساعى البريد سيدق جرس الباب لدى الجهة المرسل إليها البرقية فى تلك الساعة بالضبط. ونفس هذه الخدمة كانت موجودة فى مصر زمان، ولا أعتقد أنها ما زالت مستمرة فقد حلت الإلكترونيات محل كل ذلك.ـ
الصداقة والحب
بالنسبة للجزء الذى وصلنا إليه من الحكاية .. ربما يعتقد البعض أننا بصدد أوائل فيلم عربى أو هندى، ولكن هذا غير صحيح .. فليست هناك مفاجآت ولا مآسى ولا سهر ليالى ولن يتضح فى أى وقت أن البنت هى أخت البطل فى الرضاعة فينتحر الخ. الحكاية كما قلت حكاية عادية جدا لواحد وواحده عاديين جدا (فقط محترفى رغى)، جمعهما القدر فى لحظة خاصة جدا .. فتبادلا شعورا عاديا جدا ونشأ بينهما فى لحظات نوع من الصداقة النادرة (ومن تابع المقالات السابقة سيعرف أنها ليست أول حالة صداقة). صداقة طفولية صافية خالية من أى أطماع أو توقعات أو مطالب. ومثل تلك الصداقة تحتاج توازنا خاصا جدا ربما لا يتاح لجميع الناس. لأن المسافة بين الحب وهذا النوع من الصداقة قريبة جدا. ولكنها أقوى من الحب وأعمق و .. مريحة أكثر.ـ
تتفق الصداقة والحب فى أشياء كثيرة منها الميل العاطفى والرغبة فى العمل على سعادة الطرف الآخر وغيره، ولكن الحب فيه أيضا نسبة ما من الأنانية ومن الغيرة ومن الشك وهذه غير موجودة فى الصداقة النظيفة. فى هذا النوع من الصداقة يمكنك أن تجلس لساعات تسمع من الطرف الآخر أشياء تبدو غير هامة .. أو هى فعلا غير هامة بمنطق المصلحة والمنفعة. ولكنك تنصت وتنتظر المزيد وتقول وتريد الإخبار بالمزيد .. تريد أن تعرف كل شىء ليس إرضاء لغريزة الأنانية أو حب الإستطلاع أو ما إلى ذلك ولكن لمجرد المشاركة وبعد قليل عندما تكتشف أنك لست وحدك فى هذه الحياة وأن هناك من يشاركك ستعرف معنى الصداقة التى أتحدث عنها. وللعلم، هذه الصداقة لا تعنى تطابق شخصيتين، بل لو نظرت حولك جيدا ستجد أنها غالبا ما تنشأ بين شخصيتين مختلفتين. ولكن الذى يحدث هو أن كلا منهما لا يشعر بالمرة بهذه الإختلافات بل تكتمل شخصية كل منهما بالآخر.ـ
ويحضرنى الآن السؤال المعتاد فى فترة المراهقة: هل الإنسان مسير أم مخير! فالجزء الذى حكيته يشير إلى كيف كان اللقاء من ترتيبات القدر المحكمة والتى يسميها بعض الناس “صدفة” .. والحقيقة أن الإنسان لا يستطيع التحكم تقريبا فى أى شىء .. لا فى شىء مما حوله ولا فى أشخاص آخرين ولا حتى فى نفسه، سوى فى حدود ما وهبه ربه من قدرات خاصة به تختلف من شخص لآخر. لذلك لا يمكن ـ عدلا ـ أن يكون مخيرا فى كل شىء، هذا مع استثناء هام واحد: هو حرية الإختيار للعاقل. يعنى أنت تجد نفسك فى ظروف معينة لم تخترها ولم تسع إليها بالضرورة، ولكنك وضعت فيها، لتأتى لحظة معينة عليك أن تختار فيها اختيارا معينا .. وذلك الإختيار هو مسئوليتك أنت وحدك مسئولية كاملة. وهكذا تمضى الحياة من موقف وظروف إلى مواقف وظروف وكل منها له اختياراته التى لك مطلق الحرية فى انتقاء ما تريده منها. وتلك الإختيارات هى ما ستحاسب عنه يوم الحساب.ـ
على كل حال .. فى قصتنا هذه كنا مسيرين حتى تم اللقاء، ثم أصبحنا مخيرين فى ما يسفر عنه ذلك اللقاء. لأن منطق الأمور كان يشير إلى تباعدنا وليس تقاربنا.. فالإختلافات التى بيننا كبيرة: الجنسية واللغة والتربية والثقافة والعادات. وحتى الأشياء المشتركة بيننا كان يمكن أن تكون عوامل تباعد وليس تقارب .. فنحن الإثنان مثلا نستخدم نظارات نظر J وننتمى إلى فصيلة مهدودى الدخل، كل فى بلده. ولكن المنطق لم يقرر لنا ولكنا نحن قررنا وحددنا بوضوح نوع العلاقة واسترحنا إلى ذلك الإختيار وفرحنا به.ـ
المشرف القادم من مصر
نكتفى بهذا القدر من الحكاية، ولها بقية. ودعونا الآن ننظر فى أمور البعثة التى حدث لها تطور هام فى نفس وقت الكريسماس. فقد اتضح لنا أن المسئولين الألمان أرسلوا الخطاب تلو الآخر إلى الجهاز المركزى للتدريب يطلبون برنامجا مقترحا وقائمة بالعلوم المطلوب التركيز عليها .. ولم يحصلوا على رد! فاضطروا آخر الأمر أن يقترحوا هم برنامجا افترضوا أنه مناسب، وأرسلوه إلى مصر. عند ذلك وصلت الموافقة على ذلك البرنامج فورا من مصر!ـ
ثم إن المسئولين المصريين الذين وافقوا على ذلك البرنامج حضروا إلينا فى نفس وقت وصولنا هنا، “علشان يشوفوا الأولاد بتوعهم” على حد تعبيرهم ( رغم أن منهم أصغر سنا منا ومن هو أحدث تخرجا منى). ثم إن الطريف من كلامهم معنا أنهم “اكتشفوا” أنه كان من الممكن أن ندرس هذا البرنامج فى مصر! والله كده!ـ
والبرنامج الذى ندرسه هنا يشمل علم نفس وتربية وطرق تدريس ومعلومات عامة (تشبه مادة التربية الوطنية عندنا) ولغة ألمانية. وهو برنامج تربوى جيد حسب طبيعة البعثة وموضوعها الأساسى وهو تخريج طاقم يعمل فى معاهد إعداد المدربين. وخلال مناقشاتنا مع السادة المسئولين المشار إليهم، صدمنا، عندما قالوا لنا أننا بعد البعثة لن نعمل فى مراكز أو معاهد، وإنما سيعود منا إلى عمله راضيا قرير العين، وستقول لنا الدولة “متشكرين” كمان! فلا ينبغى أن نعجب بعد ذلك كيف تخسر الدولة نقودا وكيف تخسر وقتا بل وكيف تخسر حربا! ومن سخرية القدر أن البرنامج يشمل أيضا تدريبا عمليا بالتدريس لطلبة ألمان لمدة ثلاثة أشهر!!ـ
عادت اللجنة إلى القاهرة قبل أجازة الكريسماس الرسمية .. ولكنهم تركوا لنا هدية هامة .. مشرف! وهو من وزارة الزراعة .. لكى “ياخد باله مننا” ويكون حلقة الإتصال بيننا وبين المسئولين الألمان وكذلك بين ألمانيا ومصر! صحيح أننا كنا فى حاجة إلى حلقة الإتصال هذه عند وصولنا قبل ثلاثة أشهر .. ولكن على كل حال هى فكرة نميسة! … ولكن … السيد المشرف الذى هو حلقة الإتصال يتحدث العربية العامية بطلاقة .. ويتحدث بعض كلمات إنجليزية يحاول تذكرها من أيام ثانوى .. وهو الآن سنه 50 سنة .. ولا يتحدث ولا كلمة ألمانى!ـ
كان أول ما فعل المشرف أنه ـ بمعاونتنا ـ عبر الحدود إلى برلين الغربية، وكان معه 300 مارك غربى (فالمارك الغربى عملة صعبة ولكن الشرقى لم يكن يختلف كثيرا عن الجنيه المصرى عمله سهله). وقضى فى برلين الغربية 4 ساعات إشترى خلالهم بعض القمصان وشرابات وبلوفرات. وغير ذلك قال لنا أنه أحضر معه بن (نعم .. بن .. بتاع القهوة!) لعله يبيعه هنا ويستفيد من ثمنه!
وأخيرا وليس آخرا فالشيخ المشرف أصيب بكآبة بعد يومين لأنه اكتشف أن ألمانيا الديمقراطية أفقر من مصر .. وكان يتخيل أنه خلال السنة التى سيبقى فيها معنا فى ألمانيا سيمكنه شراء سيارة .. ثم تبين له استحالة ذلك، خاصة وأنه طلب منا التوسط له عند الألمان لزيادة مصروف اليد الذى قرروه له، وهو لا يختلف عنا كثيرا، ولا يكفى سوى لنثريات بالكاد. ومن ناحية أخرى فالسيارة الألمانى هنا هى الترابنت وكنا نسميها العلبة (شاختل) وهى تشبه السيارة الشعبية المصرية رمسيس .. وفيما عدا ذك فالسيارات “الفارهة” (!) هنا هى اللادا الروسى .. وكلتا السيارتان بالحجز والإنتظار. يعنى الراجل أصيب بإحباط شديد، زادت برودة الجو الشديدة منه.ـ
وقد أصبح كل شىء هنا أبيض .. والمنظر جميل جدا، وفى الليل تنعكس أضواء الشوارع على الثلج فتضىء كأننا بالنهار. ودرجة الحرارة الآن بدأت تنخفض عن 2 تحت الصفر. وبعد العيد بأسبوع تقريبا وصل طرد للزميل محمد طايع من أهله، كان أهم ما فيه كحك. ولم يستغرق الأمر أكثر من خمس دقائق لكى يتم القضاء على الكحك .. بدون أن يتمكن صاحب الطرد من تذوقه حتى.
حفل رأس السنة
أخبرنا السيد فنتسان المشرف علينا أن المعهد قد حجز لنا لحضور حفل رأس السنة فى قاعة احتفالات البلدة. وقاعة الإحتفالات فى كل بلدة صغيرة تتبع البلدية (المجلس المحلى يعنى) وتستخدم كقاعة مناسبات. وقد عارض بعضنا حضور ذلك الإحتفال بسبب تجربة غير سارة مع تلك القاعة بالذات .. حين دعتنا منظمة الشباب لحضور حفل فيها من قبل، وقام مقدم الحفل بتحية كل المدعوين من الأجانب جنسية جنسية، ولم يذكرنا، فغضبنا وانسحبنا من الحفل من بدايته. وفى اليوم التالى حضر إلينا مدير المعهد وقدم اعتذارا بالنيابة عن منظمة الشباب. دى ناس بتحترم نفسها يا عم، وتحترم من يحترم نفسه.ـ
المهم أن الرأى الذى ساد هو أن نقبل الدعوة وإلا سيكون عدم الحضور إهانة للمدير واعتذاره السابق. وفعلا ذهبنا إلى الحفل ولم يتكرر خطأ تجاهلنا فى بداية الحفل. وبدأ الحفل وقورا، خاصة وأن ضباط كبار روس وألمان كانوا حاضرين. وقدمت بعض العروض لفنون شعبية ألمانية وروسية. ثم انتهى البرنامج حوالى 10 م. وبهذا يبدأ الرقص على أنغام الموسيقى .. وما هى إلا نصف ساعة حتى اختلط الناس بعضهم ببعض، واختفى الوقار مع لعب الخمر بالرؤوس.ـ
كانت معلوماتى عن سهرة رأس السنة لا تزيد عن لبس الطراطير .. بحسب الصور التى تنشر فى المجلات بعدها. لذلك عندما كنت فى قاعة احتفالات شفيرين اكتشفت أنه لا علاقة بين المناسبة وبين الطراطير سوى أنها تقليعة .. ربما لتعبر عن حالة عدم الوقار التى تصيب الناس بعد بضعة كؤوس من الخمر. المهم أنى فى تلك الليلة أكلت ضرب من صلاح يكفينى لسنوات! والحكاية أن صلاح كما قلت يحن لزوجته وأولاده طول الوقت. لذلك فإنه كان أحيانا فى مناسبات يشرب بيرة فقط .. على اعتبار أن ينسى همه ويذهب عنه الفكر .. لكن ما يحدث هو أن ينبسط قليلا بعد أول كوب من البيرة ومع الكوب الثانى يعود إليه الحزن والهم أكثر. وفى الحالتين فإنه يعبر عن سعادته وعن حزنه بنفس الطريقة، وهى أن “يربت” على كتف صديقه ـالذى هو العبد لله. وقد قلت لكم من قبل أن صلاح إيده تقيلة، وبالتالى فإن ما يعتبره هو تربيت صديق، يكون فى الواقع مثل رزع المخبرين!ـ
ومن المفارقات الطريفة فى تلك الليلة أن تشجعت واستأذنت ضابط روسى كبير للرقص مع زوجته ـ كما تقضى الأصول ـ فسمح لى بعد أن همس فى أذنى بشرط أن لا يعنى هذا أن تصير عادة فيفاجأ ببقية الزملاء يقفون طابورا عند مائدته لتكرار الطلب. وطبعا نشرت الخبر بين الزملاء بعد انتهاء الرقصة، حتى لا يقتربوا من تلك المائدة بعد ذلك.ـ