Archive for فيفري 2013
أوراق قديمة 43
الإنتقال من درسدن إلى شفيرين
ودعنا معهد اللغة فى درسدن وداعا حارا استغرق أكثر من عشرين دقيقة! ولعلى هذا يعطى القارئ فكرة عن طبيعة الشعب هنا فى ألمانيا، وأنا أعتقد أن الشعوب كلها تتشابه فى قابليتها للعشرة والصداقة والسلام، ولكن الإختلاف يكون فقط نتيجة لظروف مختلفة. فإذا عادت الظروف إلى طبيعتها فلن تجد اختلافا كبيرا بين الشعوب وبعضها. وبما أنى تعاملت ـ ولو لمدة غير طويلة ـ مع الألمان الغربيين قبل خمس سنوات، فقد لمست فرقا واضحا بين الألمانيتين رغم اتحاد الجنس والأصل، ولكن الظروف الإقتصادية شكلت كل شعب بشكل مختلف ولا شك.ـ
ولمن لا يعلم فإن ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية قد تقسمت بين الحلفاء، يعنى لم تكن دولتين فقط وإنما كانت أربعة أقسام (الحلفاء هم: روسيا وأمريكا وانجلترا وفرنسا). ثم كانت المنافسة بين المعسكرين الشرقى والغربى، وتطورت إلى حرب باردة .. يعنى بدون ضرب نار. وفكر الغرب فى أن تكون الأجزاء الألمانية التابعة لهم واجهة براقة فى مقابل الجزء الروسى. وعليه فقد ضموا الثلاثة أجزاء التى تتبعهم ـ لذلك كان اسمها ألمانيا “لإتحادية” ـ والملاحظ أن الجزء الغربي (الذى أصبح تقريبا ثلاثة أضعاف مساحة الجزء الشرقى طبعا) كان يضم أهم الصناعات أما الجزء الشرقى ففيما عدا بعض الصناعات مثل الكاميرات والعدسات فقد كانت الزراعة هى الغالبة فيه. وهكذا أخذ المجتمع فى الشرق الطابع الزراعى الذى يمتاز بالطيبة والعشرية والتعاون عموما، بخلاف المجتمع الصناعى فى الغرب الذى يفرض شخصية جافة وأنانية إلى حد ما. ثم إن مشروع “مارشال” قد ضخ أموال استثمارية هائلة مما أمكن إعادة بناء الجزء الغربى فى زمن قياسى.ـ
بقينا حوالى الساعة الأولى من رحلة الأوتوبيس التى استغرقت تسع ساعات صامتين، فلم تكن فترة الثلاثة أشهر دراسة فقط، ولكن كان هناك حفلات ورحلات كما قدمت من قبل، ومنها رحلة إلى العاصمة برلين التى جمعت بين السياحة لعموم المجموعة وبين اجتماع مع الهيئة المشرفة على برنامج تدريبنا اشترك فيه م/ حسين وأنا لمناقشة بعض تفاصيل البرنامج والترتيبات.ولا شك أن الحفلات والرحلات من أهم عوامل التآلف بين الناس وارتباطهم ببعض، خاصة وأننا لم نكن ‘مدعوين’ بالمعنى الحرفى للكلمة، بل كنا ‘مشاركين’ بالتهريج والغناء والرقص، وإن كانت أهم معوقات التهريج هى أننا ليس لدينا فى مصر أغانى جماعية كثيرة يمكننا ترديدها فى مناسبات كهذه. [وعلى حد علمى فما زال هذا القصور لدينا إلى الآن رغم محاولات البعض) ولكن كان لدينا فيلر .. وهو أخفنا دما، ولذلك كان رائد التهريج ومبتكر ألعاب .. ثم فى وقت ما اكتشفنا أن صوته وأداؤه رائعان حين سرح فى قعدة بيننا فغنى “عش أنت” وهى من أصعب أغانى فريد الأطرش وأنصت الجميع بدون استثناء .. وكنت حتى ذلك الوقت لا أحب سماع فريد الأطرش فصرت من معجبيه بسبب فيلر.ـ
وربما قد ذكرت فيلر من قبل وقلت أنه كان أحد أفراد شلتنا القاهرية الثلاثية ، كما قلت أن الشلة قد أصبحت أربعة بانضمام خطيبته إلينا عضوا رئيسيا! ولكن هذا ليس وقته لأنه خطب بعد بعثة ألمانيا.ـ
معهد المهندسين التربويين ـ شفيرين
Institut fu@r Ingenieurpa@dagogen, Schwerin, Paulsho@he
ملحوظة: إحذف الـ @ وضع بدلا منها نقطتين فوق الحرف المتحرك الذى قبلها ليصبح صحيحا بالألمانية. ولاحظ أن الألمان يعشقون ضم الكلمات إلى بعضها البعض، وهذا يفسر طول بعض الكلمات .. فمثلا كلمة أنجينيور كلمة وحدها وهى فى النطق أقرب إلى اللغة الفرنسية والمعنى مفهوم طبعا، ثم كلمة بيداجوجى، ونطق حرف الإيه بالنقطتين فوقه يشبه نطق late بدلا من at.ـ
وصلنا شفيرين بعد الرحلة الطويلة مساء الخميس. مبنى المعهد جديد نسبيا ومؤثث تأثيثا جيدا جدا والنظافة ملفتة للنظر. والسكن بنفس المبنى. وكل حجرة بها أربعة أسرة بطول أحد الحوائط ، كل اثنين فوق بعض، وهناك ستارة زاهية تتدلى من السقف إلى الأرض تغطى الأسرة عندما تغلق فيصبح منظر الغرفة جميلا جدا.ـ
فى صباح اليوم التالى حضر مدير المعهد إلى الفصل المخصص لنا للترحيب بنا، وعرفنا بطاقم التدريس. وحضر فريق الغناء والموسيقى من طلبة المعهد وغنوا بعض الأغانى القومية والحماسية، وكانت إحدى الطالبات مبهرة فى أدائها لقصيدة شعرية، ومن الطريف أنها ستكون لها قصة مع مجموعتنا سنتحدث عنها فيما بعد.ـ
أجنحة النوم ليست منفصلة تماما عن الفصول الدراسية. والمعهد يتبع طريقة الفصول (مثل المدارس) رغم أنه معهد عال متخصص. وقد اختاروا لنا الدور الثالث (آخر دور) ومجموعة غرف نوم متجاورة على صف واحد، وفى آخر الممر، على رأس السلم الفصل المخصص لنا. وأجنحة غرف البنات منفصلة عن الأولاد ولو أن المبنى متصل. يعنى المبنى على شكل حرف إل L وكل ذراع من هذا الحرف جناح مخصص لأحد الجنسين. وغرف بعض الألمان بها سرير إضافى لتتسع لخمسة بدلا من أربعة فقط. وممنوع التواجد فى غرف الجنس الآخر بعد الساعة الثامنة مساء. وهناك دائما مسئول من هيئة التدريس فى وردية على مدار الساعة للإشراف والرقابة على أجنحة السكن.ـ
الطلبة يدخلون هذا المعهد بعد أن يعملوا لعدة سنوات فى أحد المجالات الصناعية الزراعية بعد الثانوية (التى عادة ما تكون فنية) ويكون بترشيح من جهة العمل على أساس أنها تتوسم فيه الذكاء والرغبة فى زيادة التعلم. وهذا يعكس الإحساس العام بالتكاتف، فجهات العمل (سواء مصانع أو جمعيات تعاونية أو هيئات حكومية) لا ترشح إلا كل من يثبت جدارة فعلية، فى حين تعلم تلك الجهة أن الترشيح ليس بقصد إبعاد شخص أو حتى تكريم آخر، وأن الطالب سيعمل بعد التخرج غالبا فى مكان آخر. ولكن الكل هناك يعمل من أجل الكل فى تلقائية مدهشة بدون خطب ولا توجيهات ولا حتى إفتاءات!! تصور!ـ
نزلنا البلد بعد ذلك والحركة على أشدها بمناسبة اقتراب الكريسماس. وزرنا متحف الفن الحديث. وفى المساء علمنا أنه يوجد لعب تنس طاولة فى الجمنازيوم، وأسرعنا (فيلر وأنا) إلى هناك طبعا لأن تلك كانت لعبتنا، ولعبنا مع الطبة الألمان، وهكذا بدأنا فى التعرف على أصدقاء منذ أول يوم.ـ
هذه كانت مشاهدات ومغامرات أول يوم لنا فى معهد شفيرين، وما زال أمامنا وقتا طويلا لنستكشف المعهد وطاقم التدريس والشباب الألمانى وأشياء كثيرة أخرى .. ولكن بعد الفاصل!ـ
حتى ‘السلمية’ كانت أيضا فى الستينات!ـ
والفاصل يحتوى على خطابات تحمل أخبار مظاهرات الطلبة. وقد تحدثت ممن قبل عن مظاهرات سابقة بسبب أحكام قضية قادة الطيران. وربما من المناسب أن أعلق بكمة اعتراضية هنا:ـ
تلك المظاهرات، مثلها مثل مظاهرات العصر الحالى، ليست ـ فى عرف من يفهم ولو قليلا ـ اعتراضا على أحكام القضاء بقدر ما هى تعبير مندفع عن الغضب لدى الشباب. ولو توقف الأمر عند هذا الحد لما حدث مكروه. ولكن من يصيدون فى الماء العكر ينتهزون الفرصة فيؤججون النار ويزيدون حماس الشباب ويلقون فى روعهم خيالات عن التواطؤ والمؤامرة والمحسوبية .. [طبعا فى العصر الحالى زادوا التعبيرات البلهاء التى اخترعتها المخابرات؛ مثل المليونية والفلول والدولة العميقة والطرف الثالث، الخ!!] وأقول أنه حتى لو كانت تلك الخيالات جزئيا صحيحة، فلن تفيد المظاهرات أحدا سوى الذين يريدون الفوضى لأغراضهم الخبيثة ويصبح الشباب المتحمس ضحايا دون أن يعلموا. فالحقيقة المطلقة والقصاص والعدل وكل هذه المعانى ليست فى الأرض إلا بصورة نسبية، ولا تتحقق بصورة مطلقة أو حتى شبه حقيقية إلا فى السماء .. وعندها سيختلف الأمر تماماً، وربما اكتشف الناس حينئذ أن القصاص، إذا كان حقا، فهو من شخص أو أشخاص لم يخطروا على بالهم أصلا إطلاقا!ـ
نعود إلى خطابات مصر ونقرأ:ـ
أغلقت الجامعات أبوابها لأجل غير مسمى بسبب المظاهرات التى حدثت إثر القرارات التى أصدرها د/ حلمى مراد (وزير التعليم). سيجتمع الرئيس جمال عبد الناصر بالمؤتمر القومى يوم الإثنين القاددم، وستكون المناقشة حرة ومفتوحة ومذاعة بالراديو، وستستمر ثلاثة أيام. وصف أخى الشباب الذى انقاد للمظاهرات بأنه ‘عاوز يلبس ويضحك ويعيش فى ترف .. وهذا هو سبب تخلفنا’. أما تفاصيل القرارات فكانت: فى المرحلة الإبتدائية ـ إلغاء النقل الأوتوماتيكى، وإلغاء مسابقة قبول إعدادى. فى المرحلة الإعدادية ـ تطبيق نظام الملاحق. وفى المرحلة الثانوية ـ أصبحت مادة الدين مادة نجاح ورسوب بنسبة 50% [وكانت ثورة 52 قد ألغت الرسوب بسببها منذ على ما أذكر 1953!!!] كذلك أصبحت الـ 50% هى درجة النجاح فى أى مادة. كما تغيرت بعض المقررات بالتخفيف وصدرت قرارات أخرى خاصة بالغياب. وأضاف أخى: الحقيقة أنها قرارات تحقق فعلا رفع مستوى التعليم الذى تدهور وتعيد للدين أهميته، بعد أن انحرف الشباب تماما عن الدين.ـ
ملحوظة على الماشى: يقولون أن الرئيس السابق، وليس الشعب، هو سبب تدهور التعليم وأشياء كثيرة أخرى!ـ
على كل حال بسبب المظاهرات تقرر يوم 3 رمضان (23/11) تأجيل تطبيق القرارين الخاصين بالدين والتعويض إلى العام القادم. وفى اليوم التالى خرجت مظاهرة المعهد الدينى بالمنصورة، بدون سبب واضح، سوى أنه كان ثمة تحريض .. فالقرارات لا تخصهم بأى حال! ومات 6 أو 10 أفراد. ورغم إغلاق الجامعة اعتصم بعض طلية كلية الهندسة جامعة القاهرة، وأحرق طلبة كلية أخرى معمل كان قد تكلف إنشاؤه مليونان من الجنيهات، واحترقت سيارات وأوتوبيسات ونوادى وسيارات إطفاء. وقد أخرج البوليس الطلبة المعتصمين بالقوة.ـ
وفى 5 رمضان خرجت مظاهرات بالإسكندرية طلبة الجامعة وثانوى، وحرقوا واستخدموا زجاجات المولوتوف، فاستعان البوليس بالجيش وبطائرات مروحية .. ومات 15 إلى 20 شخص. وأثناء مظاهرة الإسكندرية تساقط القلج بطريقة لم تحدث من قبل مصحوب ببرق ورعد شديد، كأنه علامة عن غضب الله على شباب مندفع لا يعرف مصلحته ولا مصلحة بلاده.ـ
أظن مافيش سلمية أكتر من كدة سوى الهوجة المستمرة منذ عامين!!ـ
أخبار شخصية لكن ذات معنى
“إقتنعت أخيرا أنى لا يجب أن أسىء الظن بالناس أيا كانوا، وأول شخص طبقت عليه هذا المبدأ هو بابا. وفعلا شعرت شعورا مخالفا جدا لما كنت أشعر به من قبل.. فقد أصبح يشتمل على صفات لم أشعر قط بها من قبل أنها موجودة فيه. وأشعر الآن أنى أسير فى الطريق المستقيم، فالمبدأ القديم يهدم الإنسان ويفقده معنى حياته. والآن أى شىء أطلبه من بابا وفى متناوله يجيبه لى .. وقد أصبح لى فى دفتر التوفير الآن 3 جنيهات، بعد أن أعطانى بابا ثمن الكتب التى اشتريتها من الدفتر!” [من خطاب أختى، رحمها الله!]ـ
“أرسلت لك قبل ذلك خطاب طويل، وإن كنت أرسلته بعد كتابته بخمسة أيام، لأن مامعاييش فلوس كفاية.”ـ
“كل أسبوع أشترى الجزء الذى يظهر من “تفسير القرآن” [وكان ثمنه على ما أذكر قرشان]ـ
“الحلقات الأخيرة من رواية نحن لا نزرع الشوك ليوسف السباعى كنت أقرأها فى الترام وأنا راجع من المدرسة، وكانت الدموع تنهمر من عينى دون أن أشعر.” [من خطابات أخى]ـ
“أدعو الله أن تمر الشهور حتى ترجع إلينا، والأخوة المخلصة والصحبة التى لا يمكن أن تعوض والحديث الرشيق العذب.”ـ
“مش قادر أتخيل ازاى تقدروا تجمعوا بين الصيام وبين العربدة! صاحب بالين كداب!”ـ
“ياد اتلحلح شوية! وأنا عندى إحساس ان عند استلامك خطابى حاتكون اتسهلت وبقت عال.” [من حسين ـ الشلة الثلاثية]ـ
الجملة الأخيرة كانت بسبب أنى كنت كتبت أنى عازف عن مصادقة الفتيات هنا … أولا: لأنى أخيب خلق الله طبعا فى هذه المسألة عموما، وثانيا: لأنى خارج لتوى من تجربة سيئة كما تحدثت عنها فى حلقات ماضية.ـ
أما أخوك فيلر فأؤكد لك أن مالوش فى المسألة .. ولا خوف منه على أى آنسة أو سيدة .. الخوف عليه فقط من كثرة الشرب فهو يستطيع أن يكتسح برميل ويسكى دون أن يتأثر. كيف حال الحبيب التخين خفيف الظل صلاح .. مرة أخرى أرجوك أن تتعامل معه برقة بالغة وإلا فأنت المسئول عن أى عاهة تحدث! ورمضان كريم يا كفرة..” [من خطاب عبد الحميد ـ مدرب بمركز التدريب]ـ
والتخين خفيف الظل صلاح ـ رحمه الله ـ كان زميلى فى الحجرة مع م/ حسين رزق. وهو كان راجل طيب جدا وأحد الذين اشتركوا فى البعثة فى غفلة من شرط السن (كان أكبر من 35 سنة). وكان أطيب الجميع ويحنو على الجميع. أما العاهة التى يقصدها عبد الحميد فهى خوف على شخصى الضعيف، من يد صلاح “الطرشة” عندما يحلو له الهزار الثقيل، ولكن ربنا سلم على كل حال!ـ
صــرنا فــرجــة
قالها دريد لحام عندما كان يتخيل حديثا مع روح أبيه المتوفى الذى كان يسأله عن تطورات الدول العربية والقضية الفلسطينية .. فقال: يا أبى لقد أصبحنا بلاد ديمقراطية مثالية متقدمة، لدرجة أن الناس الأجانب أصبحوا يأتون إلي بلادنا ليتفرجوا ويتعلموا من ديمقراطيتنا!! .. ثم صاح بشاميته الظريفة: صرنا فِـرجَـة يا أبى! أما نحن أعضاء البعثة فقد صرنا فرجة فى بلاد الفرنجة! ففى الفترة الأولى لوصولنا إلى معهد شفيرين، كان الطلبة يمرون أمام غرفنا وفصلنا سريعا وهم يسترقون النظر ويتهامسون .. حيث كانت أول مرة بالنسبة لهم يرون فيها أولئك العرب الذين يسمعون عن إرهابهم ورغبتهم فى إلقاء إسرائيل فى البحر وهو ما لم يكونوا يفهمونه، ولكنهم كانوا معجبين بالشخصية الثورية لجمال عبد الناصر.. يعنى الصورة لديهم كانت غير واضحة عن تلك البلاد الشرق أوسطية وعربها البدو الذين يتحكمون فى صنابير النفط ويكنزون الثروات الطائلة، ويعيشون مع الجمال والثعابين .. إلى آخره!ـ
ثم فوق ذلك .. إذا بأولئك البدو لا يتناولون الغداء معهم ظهرا، وإنما يتناولون العشاء على أنه غداء .. وتقوم إدارة المعهد بطهى اللحم البقرى لهم رغم أن ثمنه أضعاف أضعاف لحم الخنزير .. ثم اكتشفوا أن هذه “حالة” صيام، مما أثار حب استطلاعهم أكثر .. وفوق هذا وذاك كنا قد أدخلنا عمل الفتة البسيطة .. فالخبز واللحم والشوربة والأرز أصناف ثابتة كل يوم (علشان الصيام). وهذه النوعية من الأكل ـ على بساطتها ـ إلا أنها زادت من حالة حب الإستطلاع.. يعنى صرنا فرجة فعلا يا با!ـ
ولكنا لم نرض أن نبقى هكذا .. فسرعان ما استخدمنا فرق التهريج والطبل (وكنت أحد الطبالين لا مؤاخذة) والرقص (وكان فيلر أستاذ فى الرقص الشرقى، ولم يصل خبر هذا إلى الإخوان المتأسلمون والحمد لله) كما استخدمنا الشطرنج وتنس الطاولة وغيرها حتى استطعنا الذوبان فى المجتمع، والتفاعل معه، ولم نعد نحس بغربة ولا أصبح الطلبة يستغربون من وجودنا وصيامنا وصلاة الجمعة! ولا من صلاة المسيحيين منا، بعد أن كانوا يسخرون من الأديان عموما فى أول الأمر.ـ
هوايت كريسماس وموعدى مع “اللحلحة”
صرنا بسرعة فى منتصف شهر ديسمبر، فاقتربنا من موعدد الكريسماس وكذلك من موعد عيد الفطر المبارك. وبدأ استعداد الطلبة لأجازة الكريسماس التى فى الحقيقة كأنها تعادل عندنا أجازة نصف السنة الدراسية. وقد ذكرت من قبل أنهم هناك يحتفلون بهذه المناسبة رغم أنها المفروض دينية ورغم أنهم لا يؤمنون بأى دين. لكنهم لا يريدون الإبتعاد عن جو أوروبا عموما فيحتفلون بنفس طريقة المتدينين المسيحيين، فيشترون شجرة عيد الميلاد والهدايا ويعدون الديك الرومى (إذا أمكن الأغنياء) أو وجبات الكريسماس الدسمة عموما وخلاف ذلك من مظاهر الإحتفال فيما عدا الذهاب إلى الكنيسة.ـ
وحتى ذلك الوقت المتأخر من ديسمبر لم يكن الثج قد تساقط بعد بطريقة واضحة، وكان الألمان قلقين من ذلك، لأنه فأل سىء، فالكريسماس يجب أن يكون أبيضا (ومن هنا كان تعبير الهوايت كريسماس أو بالألمانى فايس كريسماس) لكى تكون السنة التى بعده سعيدة ويتشاءمون إذا لم يكن كذلك.ـ
مع اقتراب موعد الأجازة التى يسافر فيها الطلبة كل إلى بلدته وأهله، كانت العادة أن يقيم كل فصل حفلا خاصا به للكريسماس قبل الأجازة، وهذا من التقاليد الجميلة فى المعهد وفى الدولة بوجه عام، فالإنتماء للوطن لا ينفصل عن الإنتماء لوحدات جماعية أصغر، سواء كانت بيت الأهل، أو المعهد (أو مكان العمل) ثم تتكون الوحدة فى فصل الدراسة الواحد ثم تتكون وحدة أصغر من المجموعة المشتركة فى غرفة واحدة. وعلى كل حال فالغرفة الواحدة يسكنها أعضاء من نفس الفصل.ـ
عندما رأت إدارة المعهد سرعة اندماجنا مع الشباب الألمانى ونظرا لتوقع أن يخلو المعهد علينا لمدة حوالى خمسة عشر يوما، فقد قرروا أن تستضيف غرفة من غرف البنات غرفة من غرف المصريين ليلة احتفال فصلهم .. يعنى كنوع من التنظيم. ولا يفعل الألمان شيئا .. أى شىء .. بدون تنظيم. وكان تنظيم الإحتفالات ألا تجرى كلها فى يوم واحد.ـ
كان موعد غرفتنا رقم 211 يوم 18/12 وقدم طلبة ذلك الفصل بعض النمر فى أول الحفل، ولم نسكت فأرسلنا فى طلب محمد الحوشى من الغرفة 210 لأنه المتخصص فى العزف بالملاعق (!) وقمنا بالتهريج المعهود. وفى اليوم التالى كان الدور على جيراننا ـ غرفة 210، وما هى إلا فترة قصيرة حتى وصلنا استدعاء عاجل، فنزلنا إليهم فيلر وأنا لاستكمال فريق التهريج والرقص الشرقى.ـ
فى ذلك اليوم بالذات كان بعضنا يسهر بجوار الراديو يحاول سماع أخبار من مصر. وفى ساعة متأخرة من الليل علموا أن ذلك اليوم هو آخر رمضان، وجروا يخبروا الآخرين بما فيهم نحن الذين فى ذلك الإحتفال بالكريسماس. وصارت جلبة ـ وهذا ممنوع فى الأحوال العادية بعد ساعات المساء ـ وفى صباح اليوم التالى كانت الإدارة قد علمت بالجلبة التى حدثت، كما علمت أننا منحنا أنفسنا أجازة (وكان يوم جمعة) فحضر إلينا المدير وعلموا أنه عيدنا ـ عيد الفطر. ومن مفارقات القدر أن ذلك اليوم 21/12 كان آخر يوم دراسة وتبدأ الأجازة فى اليوم التالى. فقرر المدير توسيع دائرة حفل الفصل الأخير الذى كانت الحجرة 209 مدعوة فيه، ليكون فى قاعة أكبر وأن يتم دعوة المجموعة المصرية كلها إليه ليكون احتفالا بالعيد فى نفس الوقت.ـ
هل تذكرون ما قلناه سابقا عن التغيرات المصيرية التى تحدث قدريا فى حياتنا أحيانا دون أن نعلم أو نتوقع إلا بعد حدوثها بزمن طال أو قصر؟ هذا ما كان القدر يعده لى ويجمع ملابسات ومناسبات عدة فى هذا اليوم بالذات ليحدث تغيــيرا ربما يكون مصيريا!ـ
ولكن هذه قصة أخرى … إلى الحلقة القادمة… سلام!ـ