Archive for ماي 2012
أوراق قديمة 34
توابع الزلزال
حدث أول زلزال وكان عمرى حوالى 13 سنة، وكان قوته على ما أذكر 4 ريختر .. ولم يستمر أكثر من نصف دقيقة على ما أذكر ولكنه كان مزعجا جدا لأنه نادر الحدوث فى مصر. وأصبح حديث كل الناس لمدة طويلة من الزمن، وكان الجيران فى عابدين يسمونه الزنزنة(!) والعجيب أن بيتنا فى عابدين لم يتأثر بذلك الزلزال ولا بزلازل أخرى بعده، ويقال أن عمره آنذاك كان أكثر من مائة سنة! وهو مازال قائما حتى اليوم ولو أن الدور الأخير قد تمت إزالته، وهو الدور الذى كانت تسكنه 4 عائلات .. عائلتان سودانيتان، والخرسا ( وهى خرساء فعلا)، وكان الجميع يتفاهمون معها بالإشارة بسهولة تثير العجب وأعتقد أنها كانت إشارات من اختراعها هى وتفاهم الناس عليها، وهى كانت ذكية جدا وخياطة ماهرة. وشخص لا أذكر إسمه يعمل نقاشا، ويقال أنه كان يعمل فى الليل حرامى! وقواعد ذلك المنزل من الحجارة الكبيرة المرصوصة فوق بعضها مثل حجارة الهرم الأكبر، وهى ترتفع حتى منتصف الدور الأرضى. والأسقف كلها وبعض الحوائط ‘بغدادلى’. والسقف البغدادلى عبارة عن عروق من الخشب توضع بعرض المساحة على مسافات متقاربة حوالى متر ونصف، وفوقها ‘سدايب’ خشبية وخيش ثم رمل وتراب ثم خيش ثم رمل وبعدين بلاط، وكانت عروق سقف الصالة (الفــَسـَحـَه) قد انحنت تئن من حمل الدور الأخير فوقنا والزمن والمطر الذى يتسرب خلالها بسهولة، وقمنا بتركيب عرق خشبى ضخم الحجم بطول الصالة ليسند العروق العرضية.ـ
لم يكن هذا ما نويت الكتابة عنه، ولكن العنوان أخذنى فى جولة سريعة عن الزلزال .. ما علينا..ـ
قصدت بالزلزال هنا أنه النكبة ـ هزيمة 67 ـ الصدمة التى صدمت شعب مصر بأكمله، بل وأيضا الشعوب العربية كلها. ورغم ذلك فقد سمعنا عن بطولات كثيرة حقيقية من جنود وضباط فى الميدان، منها إصرار بعض الطيارين على الإقلاع بينما كان الطيران الإسرائيلى يقصف ممرات الإقلاع. مثل هؤلاء الأبطال وغيرهم من الشهداء الذين ماتوا بالنابالم الحارق فى وسط الصحراء الحارقة أصلا، وبرشاشات الطائرات، والذين ماتوا عطشا و.. و.. و… كلهم أبطال وكلهم شهداء بحق. لم يبيعوا ـ ولم يبع أهلهم ـ دمهم بالمال مثلما فعل أحفادهم الطماعون بعد أربعة وأربعين سنة لشهادات هى أصلا مشكوك في أكثر من نصفها!ـ
كان تعيين عبد الحكيم عامر قائدا للجيش متخطيا بذلك جميع الرتب الأعلى لا يستند إلا لأنه كان من الثوار وإلى علاقة الصداقة بينه وبين جمال عبد الناصر. وقد توزعت المناصب والوزارات على جميع أعضاء مجلس قيادة الثورة بنفس الطريقة. فهل من المستغرب أن يعين كل منهم أصدقاءه وأقاربه بغير أن يكونوا مؤهلين؟ محسوبية! [ملحوظة هامة: طبعا أنا لا أتهم ثورة 52، فقد أصبحت الثورة ـ أى ثورة ـ صنمنا الجديد فى مصر. واللى يرش أى ثورة بالميه نرشه بالـ … لأ لأ، نسيب عليه الخضرى المجنون يفصَّـل له قانون مخصوص ويشنقه فى وسط الميدان!]ـ
احتلال الجولان: لم يقتنع أحد بأن سقوط الجولان كان نتيجة معارك حربية بأى مقاييس. عندما انتهى الإسرائيليون من الجبهة المصرية وتحول تركيزهم إلى الجبهة السورية، لم يستغرق احتلال الجولان سوى ساعات! وهناك شبه تأكيدات بأن حافظ الأسد وعصابته هم الذين باعوها.ـ
الملك حسين ملك الأردن بعد أن تغاضى عن سباب ناصر القذر له واتهامه بالعمالة سابقا، قرر الإشتراك فى الحرب، ثم تبين له خطأه بسرعة حين فقد الضفة الغربية كلها بما فيها القدس الشرقية! فتقلصت الأردن إلى أقل من نصف مساحتها وكبرت إسرائيل إلى أكثر من ضعف مساحتها! ولعل هذا هو السبب فى إحجام الملك حسين عن المغامرة فى 73!
الأهم من ذلك كان وضع نهر الأردن الجديد الذى أصبح هو الذى يرسم الحدود مع إسرائيل. وهكذا أصبحت إسرائيل “شريكة” فيه .. حتى اليوم!! وفى الحال بدأت المشروعات التى لا نحسن نحن العرب منها سوى الكلام، وتغير مسار المياه الحلوة إلى الزراعة الإسرائيلية بعيدا عن الزراعة الأردنية التى لا يصلها الآن سوى الماء المالح. والعرب يشجبون ويبكون .. بل وأحيانا يكفون على الخبر “ماجور” وأحيانا يتهمون من يصلى فى الجامع الأقصى بالخيانة!ـ
لم يستمر إغلاق مضايق خليج السويس سوى أيام ثم عادت إسرائيل إلى استخدامه. وبينما كان ـ وما زال ـ هذا شريانا هاما لتغذية اقتصاد إسرائيل وتنمية علاقاتها مع إفريقي، كان إغلاق مجرى قناة السويس انحسارا خطيرا لاقتصاد مصر.ـ
توابع الزلزال كثيرة وكبيرة كالجبل ويصعب حصرها فى مقال. وقد يختلف البعض حول تفاصيل كيف ولماذا ومن المسئول الخ. ولكن الذى لا خلاف عليه أن جمال عبد الناصر كان الرئيس الذى شهدت إسرائيل على يديه أحلى ايامها وانتعشت آمالها واقتربت من النيل الذى هو نصف حلمها ومن الفرات الذى هو النصف الآخر (كما يرمز علمها) وضاعفت مساحتها أضعافا وضاعفت اقتصادها ببترول ومعادن وسياحة سيناء و.. و…، ثم يقرر قسم الغوغاء من ثوارنا بعد اربعة وأربعين عاما شن الحرب على علم إسرائيل فتسلقوا بالإشتراك مع اللصوص المبنى ونزعوا العلم بينما كان باقى الثوار يصفقون لهم وهم يحملون صورة كبيرة لجمال عبد الناصر(!) أى والله! تخيلوا؟! يعنى من يفكر هكذا كم يا ترى يتبقى له من عشرات السنين لكى يترقى ويصبح حمارا؟ـ
وتقوللى أكسبها؟!!!ـ
الخبرة .. حتى فى الحكــومــة
إستمر عمل مكتبنا (مكتب المشروعات) بعد الهزيمة مثلما كان قبلها: عمل يسير حسب القواعد ولكنه لا يعترف بالروتين ولا بالخوف ولا بتأجيل القرارات ولا بالتهرب من المسئولية. هذا من ناحيتنا، أما من ناحية الإدارة فقد استمرت الطريقة الهمايونية دون تغيير أو حتى تفكير فى التغيير. ورغم الدخل المهدود والديون المتزايدة التى لا تدع فرصة لأى شعاع أمل ليتسلل لحياتنا، فقد كنا نعمل بأكثر مما هو مطلوب، ولأجل إنهاء العمل والتأكد من كل خطواته كنا ننهى استخراج الشيكات ونتسلمها ونسلمها وغير ذلك مما هو ليس من اختصاصنا ولكن كانت الفكرة دائما الحرص على ألا نؤخر المشاريع. وإلى جانب ذلك كنا نقرر تنفيذ بعض المشاريع بواسطة الورشة المتنقلة التى تتبعنا، والمكونة من عربة نقل وبضعة عمال وملاحظ قديم خبرة يفهم الرسومات وينفذ بدقة ونعتمد عليه كثيرا رغم أنه ليس دبلون (!).ـ
والحقيقة أن متابعة العمل بذلك الأسلوب، ولو أنه كان بدافع حماس الشباب، إلا أنه اتضح أنه كان أفضل طريق لاكتساب الخبرة فى معظم الأعمال غير الهندسية ذات العلاقة وبالذات الأعمال الإدارية والمالية والعقود والتعامل مع المقاولين الخ. والحقيقة أن العمل فى الحكومة بالذات يسمح بعكس ذلك تماما، ولكن الأمر يتوقف على الإنسان نفسه. ومثلا كان عندنا مهندس كهرباء نفس الدفعة تقريبا كان مسئولا عن مصاعد المبنى (بعد انتقاله للمكان الجديد فى الدقى). وعندما زرت الهيئة بعد خمسة عشر عاما وجدته ما زال كما هو .. وهذا شىء محزن!ـ
لهذا أنصح دائما شباب المهندسين الذين ألتقى بهم على مر حياتى العملية وأقول أنه ليس ثمة كتاب أو برنامج تدريبى اسمه “الخبرة” ولكن الخبرة تأتى بنفس الأسلوب: “المرمطة”! ونفس النصيحة تسرى على أى مهنة فى الحقيقة. وبهذه المناسبة، فهناك أيضا نصيحة على نفس درجة الأهمية: لا تخجل من السؤال عما لا تعرفه، خاصة خلال العشر سنوات الأولى بعد التخرج، لأنك بعد سن الثلاثين ستخجل أن تسال عن أشياء ربما بدائية ولكن فاتك السؤال عنها فى وقتها فيضحك منك الآخرون. وأذكر خلال العام الماضى أن قال لى أحد المهندسين الجدد: بس المديرين بتوعنا بيقولوا لنا عيب تسألوا الملاحظين، لا يضحكوا عليكو! فقلت له: لو وجدتم الإجابات لدى أولئك المديرين لما سالتم أحدا آخر، ولكنهم فاتهم القطار ولا يعرفون! فلا تكونوا مثلهم. إسألوا حتى العمال، وإذا سخر منكم أحدهم لا تهتم .. أليس هذا أفضل من أن تكون السخرية وأنت فى منصب كبير؟ وعلى كل حال، هذه النصيحة ترتبط بشكل وثيق بأن “تحط إيدك فى الشغل” كما يقولون. فلا تخجل فى السنوات الأولى أن تعمل بيدك، حتى ولو لم يكن هذا مطلوبا، وحتى إذا أفسدت بعض العمل، ونلت بعض التقريع واللوم وحتى السخرية. فكونك تعمل بيدك سيعطيك إجابات كثيرة جدا دون الحاجة لسؤال الغير. أما “الفرجة” على الشغل فلن تمدك بأى قدر من الخبرة ولا المعرفة.ـ
كوميديا الحكومة
لا يخلو العمل فى الحكومة من الملح والفلفل والمقالب وأيضا من الفكاهة. ومن فكاهات الحكومة: التمغة، وعادة ما ننطقها “الدمغة”. وطول عمرى أحاول استكشاف سر التمغة العجيب. فلا أحد يعرف ما هى ولا ماهى أهميتها ولا من الذى فرضها. كل الذى نعرفه أنك عندما تقدم طلب يكون على ورقة تمغة .. ليه؟ ماحدش يعرف! .. والطريف أن يكون فى المصلحة التى أنت بها خزينة لتوريد رسوم معينة على طلبك، ولكنك لابد أن تخرج وتبحث عن مكان لشراء التمغة أولا وبعد أن تعود تكون الخزينة بالمصلحة قد أغلقت ويقولون لك: شوف مصلحتك يا سيد وتعال بكرة. ولأن التمغة موروثة من الإستعمار سواء التركى أو الإنجليزى فيبدوأنه كانت طريقتهم لإجبار المصريين على ممارسة رياضة المشى والدوخة فى عز الحر.ـ
وفى أحد أيام الحر فى يونيو.. تقول الورقة:ـ
قضيت معظم النهار اليوم فى حل مشكلة تمغة! بالنسبة للشيكين الخاصين بالأدوات الهندسية. فى المشتريات قال لى عبد الحميد القلش أنه ليس له دعوة بالتمغات والمفوض السؤال فى “الشطب”. ذهبت إلى قسم الشطب فحولونى إلى المراجعة، ولكنهم أعادونى للشطب، وهناك أحضروا الإستمارتين وأعطونى مفردات الخصم .. فاتضح أن تمغة الإتساع (التمغة بالمناسبة ليست شيئا واحدا ولكنها عشرات الأنواع!) تمغة الإتساع المخصومة وهى 77 قرشا كان المفروض أن تكون 15 قرشا فقط! هـُبـَّاااا!! وحولونى إلى القلش لأنه هو الذى وضع التمغة .. [ملحوظة: نعم، هو نفسه القلش المذكور عاليه الذى ليس له دعوة … الخ].ـ
ذهبت إليه فاعترف أخيرا أن “له دعوة”! وأخذ يروح ويجىء بين بعض المكاتب.. وأخيرا قال لى أنه سيستخرج لى شيكين بالفرق اليوم!!. [مضبوط: شيكين بمبلغ 62 قرشا!!]. ذهبت إليه آخر النهار فوجدته لم يفعل شيئا. [طيب مش أريح نفسى واقول وانا مالى؟ لأ إزاى!!] ذهبت أشكوه إلى مدير المشتريات .. فقال لى: اتصرَّف! هاها ها!ـ
ولكى تكتمل الحدوتة، وبسبب تعليقاتى أثناء هذا الكعب الداير وهى تعليقات تعاقب عليها محكمة الجنح بالسجن والغرامة، ففى النهاية رفض رئيس المخازن أن يرسل معى أمين مخازن للإستلام .. ثم: لا توجد سيارة للذهاب بها.. ثم لا أحد فى إدارة الميكانيكا والكهرباء يريد التدخل! وسلم لى على المترو وعلى الحكومة وعلى الزمن الذى تعتقدون جميعا أنه كان جميلا!ـ
الطريف أيضا أن الأستاذ القلش حضر بعد أيام لمناقشتى فى مستخلص الشركة العامة للمياه والمجارى. وكانت أعمال تلك الشركة متشابكة وتخص عديد من المحطات على مراحل وتحتاج المستخلصات إلى دقة فى المتابعة، ويبدو أنه وجد شيئا ليرد لى تعليقاتى على تمغته التى “ليس له دعوة”. المهم .. كانت نتيجة المناقشة أن المستخلص سليم ولكن معلوماته هو ضعيفة للغاية!ـ
وجع القلوب
مَن تابع هذه الأوراق القديمة سيلاحظ فورا تغير لهجة هذه الفقرة من الرومانسية والأحلام فى السابق إلى لغة مختلفة ابتداء من الآن. فقد “دخلنا فى الجد” .. يعنى هذا ما كنت أحسه ولو أن الظروف كانت تحتم أن لا أبلغ هذه المرحلة قبل على الأقل خمسة عشر سنة أخرى .. يعنى على أمل أن أكون عند ذلك قد سددت كل ديونى ويكون بإمكانى أيضا شراء بدلة الفرح بس مثلا! ـ
ولكن كما يقولون الجنون فنون .. وليس أجن من القلوب عندما تحب!ـ
كان المفروض أن أسافر إلى ألإسكندرية ضمن لجنة لتسليم مشروع سبعة آلاف فدان بالنوبارية، وحدثت عدة مفارقات ولم تحضر السيارة وسافرت على حسابى ولم أعثر على اللجنة فى فندق ريش ولا فى فندق فؤاد! وفى اليوم التالى بسؤال المفتش الهندسى لمديرية البحيرة بدمنهور، م/ السيد القاضى، تليفونيا أخبرنى أنه لا يعلم شيئا عن اللجنة! خلاصة الأمر أنى قضيت ثلاثة أيام فى الإسكندرية أبحث عن اللجنة فقط دون عمل حقيقى. وهذه الأيام الثلاثة كانت نقطة تحول فى حكاية القلوب تلك!ـ
إلتقينا مرتان سراً، إحداهما فى النهار بكازينو الشاطبى وكان الحديث كله أثناء ذلك اللقاء عن الزواج ومشاكل المهر والشبكة والعفش و.. و.. و.. مافيش فلوس(!) وكل ما يمكن أن يفسد لقاء رومانسيا كهذا، ويلقى فى النفس اليأس من تحقيق أى شىء! خيبة بعيد عنكم! ثم كان لقاء آخر فى كافيتريا برج الثغر أعلى نقطة فى الإسكندرية، وكان الحديث مختلفا هذه المرة، ولو أنه لا يقل خيبة! فقد حدثتها عن اهتزاز شعورى نحوها فى وقت سابق بسبب إنسانة أخرى [كنت قد ذكرتها فى أوراق قديمة سابقة]. وكان هذا يتفق ومبدئى أن لا يكون فى حياتى حدثا ولو عارضا غير معروف لدى من ستكون شريكة باقى العمر. هذا يعنى على فرض أننا سنتزوج بعد أن أكون قد سددت كل ديونى و.. و.. الخ، الخ!ـ
وحدثت مفارقات ومواقف غير متوقعة، بحيث أدركت أن خبر اللقاء لابد أنه وصل. وكتبت يومها: “كأنما أراد القدر أن يعلمنى أن الخروج عن العرف وعمل شىء فى الخفاء ليس هو الطريق الصحيح حتى لو كانت النية سليمة.” وكانت ليلة مؤرقة .. أو على الأصح ليلتين. ثم جمعنى القدر مع الأم .. وفرصة لوقت طويل نسبيا للحديث وحدنا ولكن لسانى لم يطاوعنى فلم أكن أستطيع تبرير ما كنت أعلم بالقطع أنه تصرف خاطئ، وكنت قد جاوزت بالتأكيد فترة المراهقة ـ على عكس شريكة المستقبل ـ باختصار لم يكن لدى أى عذر. وانقضت ساعتان دون حديث. كانت تلك الأم كأنها أمى الثانية، وكان شعورها نحوى لا يقل عن شعورى نحوها. لذلك كان الصمت بيننا فى ذلك الوقت هو فى الحقيقة حديث طويل لم نقله بلساننا ولكنا تبادلناه. لا تسألونى كيف، ولكن هذا ما حدث وهو شعور عميق وليس مجرد رومانسية. حديث حقيقى بين أم وابنها .. وكفى!ـ
محاولات الخلاص من عبودية التكليف
كما قلت من قبل أن نظام “أمر التكليف” للمهندسين والأطباء كان أمرا عسكريا، لا فكاك منه ولانهاية له لأنه يتجدد أوتوماتيكيا، والوسيلة الوحيدة للفكاك منه كانت واسطة كبيرة .. يعنى رئيس وزراء وطالع!!ـ
ولكن لأنه قد مرت ثلاث سنوات منذ تخرجى، ولإحساسى بسباقى مع الزمن لتحقيق حلم الزواج بمن أحب، فقد كنت لا أكف عن المحاولة. وفى نفس الوقت الذى سمعت فيه إشاعة عن ترشيحى لبعثة إلى تشيكوسلوفاكيا، كتبت مذكرة مرفوعة إلى السيد وزير الإصلاح الزراعى، أطلب فيها إعفائى من أمر التكليف لأتمكن من الإنتقال إل مكان آخر حسب رغبتى فى الإستزادة من الخبرة فى مجالات أخرى. وأشرت فى الطلب أنى حصلت على موافقة مبدئية من شركة النصر لصناعة الطروقات، عدا الموافقة القديمة من المصانع الحربية، ولكن أمر التكليف يقف حائلا بينى وبين ما أرجو.ـ
أرفقت المذكرة بخطاب إلى السيد رئيس سكرتارية السيد الوزير ليقوم بعرض المذكرة على السيد الوزير! موظف حكومة بأه .. وفاهم الروتين والأصول!. وعلى عكس ما تتوقعون، لم تجد المذكرة طريقها إلى سلة المهملات، وإنما دارت بين عديد من إدارات الوزارة ثم هيئة الإصلاح الزراعى حتى وصلت إلى إدارة الميكانيكا والكهرباء … يعنى هاهاها .. وصلت إلى مقر عملى مرة أخرى كأنك يا ابو زيد ما غزيت، ولا رحت للوزير ولا للغفير! ثم عادت المذكرة فى رحلة طويلة .. وفى النهاية وصلنى رد من الهيئة العامة للإصلاح الزراعى ـ مكتب رئيس مجلس الإدارة ـ مكتب الشكاوى! يقول الرد: … … نفيدكم بأنه بالتحرير عنها [عن الشكوى يعنى] إلى مراقبة شئون العاملين أفادت بكتابها رقم … بأن إدارة الميكانيكا أفادتها بعدم الموافقة على النقل لشدة الحاجة إليك.ـ
يعنى بصراحة مدير مكتب الشكاوى الأستاذ عبد الوهاب المنسى لم يقصر وأعطى الشكوى الإهتمام الواجب وتابعها على مدى ستة أشهر. فقد كتبت المذكرة فى شهر يونيو ، والرد كان فى نوفمبر، وأرسل لى على السركى فى ديسمبر. وشكرا يا مكتب الشكاوى ويا مكتب الوزير ويا كل الحكومة على مجهوداتكم الرائعة والبحوث الفذة التى “ماتخرش الميه”!ـ
الدعــاء
مقدمة
الدعاء على الإطلاق هو من ذكر الله عز وجل وقد أمِرْنا بالإكثار منه. وهو اللجوء إلى الله تعالى فى طلب حاجة أو حاجات يتمناها الإنسان. والدعاء له آداب تحدث عنها الصحابة والعلماء، ولكن ليس له نصوص تحفظ، ما عدا تلك التى تحفظ كأجزاء من نصوص القرآن الكريم.
رغم أن حفظ أدعية مأثورة أمر وارد ولا بأس به فى حد ذاته، ولكنه ليس بواجب ولا لازم. فبينما أنه لا خلاف على أن القرآن يجب قراءته بالعربية حتى على غير أهلها، فالدعاء لا يلزم أن يكون بالعربية، خاصة وأن “أمة الإسلام” تنتشر فى جميع الأرض. وكلما دعا الإنسان، بلغته ولهجته وعلى قدر علمه باللغة التى يدعو بها، كلما صدَق وعبـَّر حقيقة عن كل ما فى قلبه وكل ما يشعر به وقت الدعاء. ولا يقلل من قيمته بلاغة اللغة ولا طول الدعاء بأى حال، فالله تعالى أعلم بما فى القلوب.
من عيوب الإلتزام بحفظ أدعية معينة أن بعض المغرضين يستخدم ذلك الإعتقاد لينـشر بين الناس ما يؤدى بهم إلى الإنحراف عن الدين الصحيح. وفى زمننا هذا، حيث يصدق الناس كل ما يردهم فى بريدهم (!)، فالأمر أخطر مما نظن. ومن هذه الأدعية المدسوسة ذلك الدعاء الذى قيل أنه يكفيك لفظه مرة واحدة فى العمر(!). كذلك يشيع فى الناس بين الحين والآخر بدع أخرى سأذكرها فى آخر هذا المقال، ويقع كثير من الطيبين فى حبائلها فيصدقونها للأسف.
وأحاول هنا جمع ما قيل عن الدعاء بقدر الإمكان، وإن كان ليس حصراً، وقد استعرت بعضا مما كتبه علماؤنا، ولكن لتناثر هذا فى خلال المقال يصعب أن أحدد مرجع كل جملة، فأعتذر مقدماً. وعلى كل حال فإنى أعتمد أساساً على نصوص القرآن والحديث الشريف أكثر مما أعتمد على النقل.
ويجب التنويه أن نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف تغنى عن الكتابة المطولة، أى أنه من صلب الموضوع فيجب قراءتها بتأن وتركيز والربط بينها وبين بعض، وبين السياق الذى جاءت فيه.
شروط الدعاء
اليقـيـن
{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} غافر 60.
من الحقائق التى بشرنا بها خالقنا عز وجل، أننا متى دعوناه بلسان صادق وبقلب سليم، أجاب الله تعالى لنا دعاءنا.
عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِىِّ عَنِ النَّبِىِّ (ص) قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ حَيـِىٌّ كَرِيمٌ يَسْـتَحِى إذا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفـْرًا خَائبَـتَـيْنِ.” سنن الترمذى 3904.
صفراً: خاوية. ورواه بعضهم ولم يرفعه، أى لم يقل “عن النبى”.
فاليقين بالإستجابة والثقة بالله جل جلاله شرط أساسى لصحة الدعاء.
عدم العجلة
ولا يلزم أن تكون الإستجابة بما ندعو به بالتحديد ولا فى الوقت الذى نريد، لأن الله تعالى يعلم الغيب وأخفى، لذا فإن تأخير الإستجابة أو الإستجابة بشىء مختلف عما دعونا، هو فى الحقيقة الأصلح والأفضل، ولكنا لا نعرف الغيب.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ: “يُسْـتَجابُ لأحَدِكـُمْ مَا لـَمْ يَعْجَـلْ ؛ يَقولُ دَعَوْتُ فَـلـَمْ يُسْـتَجَبْ لِى.” البخارى 6340.
الــوعـى والإدراك
يجب التركيز فى الدعاء. وألا يكون مجرد ترديد لنص محفوظ بدون إدراك لكل كلمة فيه.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): “ادْعُوا اللَّهَ وَأنتـُمْ مُوقِنونَ بِالإجابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لا يَسْـتَجيبُ دُعَاءً مِنْ قلـْبٍ غافِلٍ لاهٍ.” سنن الترمذى 3816.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ: “القـُلوبُ أَوْعِـيَة وَبَعْضُهَا أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ فإذا سَألْـتـُمُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أيها النَّاسُ فاسْـألوهُ وَأنْـتـُمْ مُوقِنـُونَ بِالإجابَةِ فإنَّ اللَّهَ لا يَسْـتَجيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ.” مسند أحمد 6815.
التـأهُّـل للـدعاء
لابد أن يكون عمل الإنسان عموماً ملتزم بشرع الله سبحانه وتعالى، وإلا فربما حسبت دعوته عليه بدلا من أن تحسب له. أليس من الإجتراء أن تطلب شيئا من أحد وأنت لم تظهر له حتى المودة على الأقل؟
إذا كنت ممن يتحرون الحلال وتلتزم فى مواردك ومصارفك جميعا بشرع الله، كنت مستجاب الدعاء.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): “أيُّها النَّاسُ إنَّ اللَّهَ طَـيِّبٌ لا يَقبَلُ إلاَّ طَـيِّـباً وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ؛ فَقَالَ {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} المؤمنون 51، وَقالَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} البقرة 172.” ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّـفـَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلـْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُـذِىَ بِالـْحَرَامِ فأنـَّى يُسْـتَجابُ لِذَلِكَ ». صحيح مسلم 2393.
وفى حديث عن الرسول (ص):
“يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة.” رواه الطبرانى، المعجم الأوسط.
عدم الدعوة بـِشـَرّ، أو بالموت
عَنْ أَنَسٍ (ر) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): “لاَ يَتَمَنَّـيَنَّ أَحَدٌ مِنكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِى ، وَتَوَفَّنِى إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِى.” البخارى 6351.
الدعوات المستجابة
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (ر) أَنَّ النَّبِىَّ (ص) بَعَثَ مُعاذاً إِلى اليَمَنِ، فقالَ: “اتـَّقِ دَعْوَةَ المَظْلومِ، فإنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ.” البخارى 2448.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ: “لِكُلِّ نَبِىٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا ، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْـتـَبـِئَ دَعْوَتِـى شَـفاعَةً لأمَّـتِى فِى الآخِرَةِ » . البخارى 6304.
عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): “مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إلا قالَ المَلـَكُ وَلَكَ بـِمِثـْلٍ.” مسلم 7103.
أخطاء شائعة
يجب التنبه أن الإستجابة للدعاء متعلقة بالمشيئة الإلهية. ومن المهم جداً اليقين بذلك، وهو حتى أمر بديهى. حتى الأنبياء لا تكون كل دعواتهم مستجابة إلا بمشيئة من الله تعالى. كما جاء فى صحيح مسلم:
عن عَامِر بْن سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْعَالِـيَةِ حَتَّى إذا مَرَّ بـِمَسْجِدِ بَنِى مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَصَلـَّيْـنا مَعَهُ وَدَعا رَبَّهُ طَويلاً ثمَّ انـْصَرَفَ إليْنا فَقَالَ (ص): “سَألـْتُ رَبِّى ثَلاثاً فَأعْطانِى ثِنـْـتـَيْنِ وَمَنَعَنِى وَاحِدَةً. سَألتُ رَبِّى أنْ لا يُهْـلِكَ أمَّتِى بِالسَّـنَةِ فَأعْطانيهَا، وَسَألتـُهُ أنْ لاَ يُهْلِكَ أمَّـتِى بِالغَرَقِ فَأعْطانيها، وَسَألتـُهُ أنْ لا يَجْعَلَ بَـأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِـيها.” مسلم 7442. (السنة: الجدب والقحط)
ومن الخطأ الشائع أن يقول أحدهم: ’أدع لى (أو لأى أحد) فلعلك تكون “مستجاب” الدعوة‘ أو ’لعل دعوتك “تصادف” ساعة استجابة‘ أو مثل ذلك. فالإستجابة لا يمكن أن تكون من قبيل الصُّدَف، ولكنها تتعلق أولا وأخيرا بالمشيئة.
فضل الدعاء
لا شىء يغسل عن النفوس صدأها ويمسح عنها آلامها ويعيدها إلى نقائها، أفضل من ذكر الله، والدعاء من الذكْر.
{الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الرعد 28.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِىِّ (ص) قَالَ: “الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ.” سنن الترمذى 3698.
وفى رواية عن النعمان بن بشير: “الدعاء هو العبادة.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (ر) عَنِ النَّبِىِّ (ص) قَالَ: “لَيْسَ شَىْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ.” سنن الترمذى 3696.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (ر) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): “مَنْ لَمْ يَسألِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ.” سنن الترمذى 3700.
ولا يرد القضاء إلا الدعاء، فهو ينفع لِما نزل ولِما لم ينزل.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ (ص) كَانَ يَتَعَوَّذ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ وَمِنْ دَرَكِ الشـَّـقاءِ وَمِنْ شَمَاتَةِ الأعْداءِ وَمِنْ جَهْدِ البَلاءِ. قالَ عَمْرٌو فِى حَديثِهِ قالَ سُفـْيانُ: أشـُكُّ أنـِّى زِدْتُ وَاحِدَةً مِنْها. صحيح مسلم 7052.
عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): “لا يَرُدُّ القـَضَاءَ إلاَّ الدُّعَاءُ وَلا يَزيدُ فى العُمُرِ إلاَّ البـِرُّ.” سنن الترمذى 2289.
آداب الدعاء
للدعاء آداب يُستحَب للمسلم أن يتحلى بها. ويجب التنبه أن هذه آداب وليست على سبيل الوجوب. يعنى أنها ليست ملزمة، وليست شرطا للإستجابة، ولكنها من قبيل المستحب فقط ولو أن غيرها ليس مكروها أيضاً.
الدعاء عقب كل صلاة
عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ: “إِذَا ثـُوِّبَ بِالصَّلاَةِ فـُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَاسْـتـُجيبَ الدُّعَاءُ.” مسند أحمد 15066.
إستـقبـال القِـبلة
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِىَّ (ص) خَرَجَ إِلَى الْمُصَلـَّى فاسْـتَسْـقـَى، فَاسْـتَـقـْبَلَ القِـبْلَةَ، وَقَلـَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلـَّى رَكْعَتَيْنِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ هُوَ صَاحِبُ الأَذَانِ، وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ. لأَنَّ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِىُّ، مَازِنُ الأَنْصَارِ. البخارى 1012.
وثمة روايات مماثلة وروايات أخرى (البخارى 1018، 1023 الخ) ليس فيها “وقلب رداءه” وليس فيها “فاستقبل القبلة”. وفى رواية: “وقلب رداءه فجعل اليمين على الشمال”. واعتمد العلماء على هذا الحديث ولو أنه عن الصلاة (وليس عن الدعاء) لجهة القبلة. كذلك ذكر البخارى حديثا تحت باب “الدعاء غير مستقبل القبلة”، وقد صنفه هناك حيث لم يذكر أن الرسول (ص) استقبل القبلة. لذلك فهو ليس شرطاً.
رفع اليدين ومسح الوجه
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ (ص) لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِى شَىْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلاَّ فِى الاِسْـتِسْـقاءِ ، وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ . البخارى 1031.
عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: دَعَا النَّبِىُّ (ص) بِمَاءٍ فَتَوَضَّأ، ثمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: “اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِى عَامِرٍ.” وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، فَقَالَ: “اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ.” البخارى 6383.
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (ر) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِى الدُّعَاءِ لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُـثـَنَّى فِى حَدِيثِهِ ’لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ‘. سنن الترمذى 3714.
اختلاف الروايات عاليه يدل على أن رفع اليدين ليس شرطاً.
الثناء على الله تعالى والصلاة على النبى (ص)
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِىِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعَ النَّبِىُّ (ص) رَجُلاً يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ ’اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ بِأَنِّى أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِى لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.‘ [قَالَ] فَقَالَ: “وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِى إِذَا دُعِىَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى.”
قَالَ زَيْدٌ فَذَكَرْتُهُ لِزُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسِنِينَ فَقَالَ حَدَّثَنِى أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ. قَالَ زَيْدٌ ثُمَّ ذَكَرْتُهُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ فَحَدَّثَنِى عَنْ مَالِكٍ. سنن الترمذى 3812.
وهذا يدل على أن الرسول (ص) لم يكن يوصى بصيغة محددة للدعاء.
التضرع والخشوع
{ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخـُفـْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْـتَدِينَ 55* وَلاَ تـُفـْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ 56} الأعراف.
{وَاذْكُر رَّبـَّكَ فِي نَفـْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِـيفـَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقـَوْلِ بِالْغـُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِـينَ} الأعراف 205.
أن يـبدأ بنـفسـه
عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) كَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ. سنن الترمذى 3713.
وجاء فى حديث رسول الله (ص) عن موسى عليه السلام وقصته مع الخـَضِر:
…. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) عِنْدَ هَذَا الْمَكَانِ: “رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى .. لَوْلاَ أَنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى الْعَجَبَ … – [قَالَ] وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنَ الأَنْبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ ’رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِى كَذَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا‘ – …. من صحيح مسلم 6315.
الإكثار من الدعوات الواردة فى القرآن الكريم والسنة المطهرة
وهذا لا يتعارض مع ما قلته فى المقدمة، فقد قصدت هناك خشية عدم التركيز أو الترديد كالآلة دون قصد حقيقى ونية قلبية لكل كلمة فى الدعاء.
{فَإذا قَضَيْـتـُم مَّناسِكَكـُمْ فَاذْكـُرواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أوْ أشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقولُ رَبَّـنا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ 200* وَمِنْهُم مَّن يَقولُ رَبَّـنَا آتِنَا فِي الدُّنـْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ 201* أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ 202} البقرة.
هناك ميزة إضافية فى استخدام القرآن، وهى أن ننال ثواب قراءته فى نفس الوقت وذلك بقراءة الآيات كاملة.
وتلك الدعوات اشتملت على المقاصد الشريفة والتعابير الوافية مما لا نحتاج بعده إلى حفظ دعوات مأثورة عن هذا أو ذاك.
والأدعية فى القرآن والأحاديث كثيرة، يصعب حصرها. وهناك أدعية للرسول (ص) قالها فى مناسبات أو أوقات أو أحداث معينة، وكثيرا ما تقترن بالصلاة، كصلاة الخسوف الخ. ويمكن أن يحفظها الإنسان ويرددها فى تلك المناسبات، ولكنها غير ملزمة. وقد يدعو الإنسان دعاء مختلفا ولا شىء عليه، فقط يتفادى الترديد بدون وعى أو بدون فهم كامل.
والدعاء الذى أخبر به الرسول (ص) إذا صادف الإنسان ليلة القدر، دعاء قصير مما يدل على أن طول الدعاء أو قصره ليس المهم، بل أن يكون صادرا عن قلب صاف وعقل واعٍ ونية مؤكدة ويقين بالإجابة:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قـُلـْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ إنْ عَلِمْتُ أىُّ ليْلةٍ ليلةُ القـَدْرِ، ما أقولُ فيهَا؟ قالَ: “قولِى اللـَّهُمَّ إنـَّكَ عَفـُوٌّ كَرِيمٌ تـُحِبُّ العَفـْوَ فـَاعْفُ عَنـِّى.” سنن الترمذى 3855.
مصنفوا كتب الحديث يخصصون بابا لـ “الدعوات” أو “الأدعية” ويرجع إليها. وقد ننقل تلك الأبواب من الصحيحين فى ملف منفصل حتى يفيد مَن لا يتوفر لديه كتب الحديث.
عدم استخدام السجع وعدم إحداث الملل
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنَّ أَكْـثَرْتَ فَثَلاَثَ مِرَارٍ وَلاَ تـُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَلاَ ألْفِيَـنـَّكَ تَأتِى الْقـَوْمَ وَهُمْ فِى حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقـُصُّ عَلَيْهِمْ ، فَتَقـْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتـُمِلُّهُمْ، وَلَكِنْ أنصِتْ فَإذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثهُمْ وَهُمْ يَشْـتَهُونَهُ. فَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْـتَـنِبْهُ. فَإِنِّى عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) وَأَصْحَابَهُ لاَ يَفْعَلُونَ إِلاَّ ذَلِكَ. يَعْنِى لاَ يَفْعَلُونَ إِلاَّ ذَلِكَ الاِجْتِنَابَ. البخارى 6337.
الإســتـغفـار
الإستغفار والتوبة صنوان، ويشتملان على الدعاء. ومن حسن الإيمان الإكثار منه بقدر الإستطاعة.
عَن أبى هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقولُ: “وَاللَّهِ إنـِّى لأسْـتَغْـفِرُ اللَّهَ وَأتوبُ إِلَيْهِ فِى الْيَوْمِ أَكْـثـَرَ مِنْ سَبْعينَ مَرَّةً.” البخارى 6307.
عَنْ شَدَّادُ بْنُ أوْسٍ (ر) عَنِ النَّبِىِّ (ص): “سَيِّـدُ الاِسْـتِغـْـفارِ أنْ تقولَ اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّى لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ، خَلـَقـْـتَـنِى وَأنا عَبْدُكَ. وَأنا عَلـَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْـتَطَعْتُ. أعُوذ بكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ. أبوءُ لكَ بـِنِعْمَتِكَ عَلـَىَّ وَأبوءُ بـِذَنـْبـِى. اغْـفِرْ لِى، فإنَّهُ لا يَغْـفِرُ الذُّنوبَ إلاَّ أنْتَ.”
[قَالَ]: وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِىَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبـِحَ، فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. البخارى 6306.
أبوء: أقر وأعترف.
البـــدع السيـئة
ذكرت فى المقدمة الدعاء الذى يدعى ناشره أنه يكفيك مرة واحدة فى العمر، كمثال على البدع، التى لا نحتاج حتى إلى مناقشة مطولة لندرك شرها وأهدافها الشيطانية فى محاربة المؤمنين وفى الخلط فى الدين وتشجيع الإنحراف عن خطوطه الرئيسية ومبادئه.
ونذكر هنا أنواع أخرى من البدع.
تشيع بين الحين والآخر رسائل إلكترونية تطلب منك الدعاء بالشفاء لـفلان ولا تعرفه. ويفعل ذلك بعض الطيبين فى المساجد، بل وحتى يفعله بعض أئمة المساجد حياء من الذين يطلبونه. ولم أجد فيما قرأت ما يفيد أن ذلك من السنة ولا أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك، باستثناء واحد: هو صلاة الجنازة التى تحتوى على الدعاء للميت حتى ولو لم تكن تعرفه. وقد دعا الرسول (ص) لخادمه أنس (ر) ودعا لجابر وزوجته عندما طلبت منه ذلك (أنظر ملف غزوة الأحزاب). وغير ذلك.
يتخذ بعض الحاقدين على الإسلام هذه البدعة كمجال للتهكم على المسلمين فيغرقوهم كل يوم بمثل هذه الطلبات الوهمية.
والصحيح أنه يمكنك الدعاء لمن لا تعرفه شخصيا ولكن تعرفه معنوياً. ونحن ندعو لرسول الله (ص) فى كل صلاة:
… اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. من البخارى 6357.
وهو أيضا بألفاظ أخرى، مثل: “اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ.” وكذلك “اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.” حسب الروايات.
كما ندعو لجمع من الناس لا نعرفهم شخصيا ولكن نعرفهم كمجموعة، وندعو لمن آذيناهم أو سبَـبْـناهم حتى وإن لم نكن نذكرهم أو نعرفهم شخصيا. وندعو لأهل فلسطين مثلا أن يفك الله كربهم، وكما ندعو للصحابة رضوان الله عليهم، وكما ندعو لأمة المسلمين جميعا بالخير والتقدم.
وإذا دعوت ببساطة: [اللهم اغفر لى ولوالدىَّ وللمسلمين، واعف عنا وارحمنا، واشف مرضانا وأصلح حالنا، الخ]. فكل ما تدعو به يعود على جميع من ذكرتهم. وتكون قد قضيت على البدعة.
نستقبل فى البريد الإلكترونى أيضا من حين لآخر ما يشبه الأدعية، ويدعى الذين ينشرونها أنها للإستغفار عن هذا الذنب أو ذاك بالذات. وكلها السم مدسوس فيها وسط كلام طيب لكى يبدو بريئا. وقد ذكرنا الإستغفار فى ص4 فلا داعى للتكرار.
وهناك أيضا بعض الأدعية ذات الأسماء مثل ما يسمى “دعاء فك الكرب” وهو أحيانا يذكر على أنه حديث، وهو ليس بذلك، وهو دائما يأتى بعد أو خلال قصة خيالية عن أقرع وأبرص .. إلى آخر الخيالات المريضة. والفكرة الأساسية فى هذه الأنواع هو ذلك السياق الذى يحيط بها ـ دون داع أو رابط حقيقى مفهوم ـ وهو سياق خبث مقصده لا يخفى.
أما الحديث الصحيح فهو:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (ر) قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ (ص) يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ: “لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ، رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.” البخارى 6345.
وله ألفاظ أخرى فى الروايات. وانظر أيضا الأحاديث المذكورة عاليه تحت عنوان “فضل الدعاء” والخاصة برد القضاء، وجهد البلاء، وهى أوجه من الكرب أيضاً، وليست كلها بنفس الألفاظ. مما يؤكد عدم لزوم ألفاظ معينة فى الدعاء.
بعض المطبوعات “الخيرية” تريد إخضاع الدعاء لقواعد موضوعة لا أصل لها ولا سند، مثل أذكار معينة تقولها عدد معين من المرات فى أوقات معينة، وتقرأ آيات معينة أيضا عدد معين من المرات. فهذه بدع ينشرها أصحاب “الطرق” عن ما وصلهم من سابقيهم. وقد قلنا سابقا أن طريق الإيمان واضح ومستقيم، وليس لنا أن نتبع الطرق الأخرى أيا كانت. وما أشبه تلك المقولات بالأحراز التى تسود فى زمن التخلف، وكذلك بألوان من السحر الأسود.
والصحيح هو ما ورد بالأحاديث الشريفة فقط، مع مراعاة أن ما جاء بها من الأعداد هى ـ كما نقول دائما ـ على سبيل بيان الكثرة والقلة وعلى سبيل الحث وليس على سبيل الحصر.
الخلاصة
علاقة الإنسان بربه فى خاتم الأديان هى علاقة مباشرة تؤكد نفسها على الأقل خمس مرات كل يوم عند الصلاة، وليست عن طريق فلسفة معقدة ولا عن طريق سلم وظائفى لهيكل إدارة للدين. وهى علاقة بسيطة وواضحة، أول أساسياتها أنه هو الله جل ذكره، عالم كل شىء .. كل شىء.
ولربما ـ إذا خلصت النية ـ يكفيك أن تقول فقط “يا رب!” فيستجيب لك الله بكل ما فى نيتك وما فى قلبك جميعه.
عن أَنَس بْنُ مَالِكٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): “إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأوْغِلوا فِيهِ بِرِفـْـقٍ.” مسند أحمد 13393.