Archive for أفريل 2012
Democracy Translation
This is the translation of Ali Jifri (Moslem Scholar) video, which is linked here:
Democracy, as derived from Greek word, means the rule of the people, e.g. the rule of the majority. It evolved from Direct Democracy in the days of the Greeks, to Parliamentary and People’s Democracy, however some States (Switzerland I think) is inclined to Direct Democracy.
The Democracy went through many phases and is still evolving. Its flaw and its inability in many aspects appeared, because it tend to the rule of the majority. Then the communities in the world / in Europe needed to introduce the Liberal aspect that cares for the minority rights, so that a balance is reached. It is tyranny if, say 51% set the rules and 49% have to follow! This is what I think.
Therefore Liberalism came to try improving the performance of democracy, through establishing some principles; i.e. human rights, citizenship, etc., which the Doctor [the other guest] called ultra-constitutional. Then Liberalism led to problematic issues:
Who governs (dictate) the ultra-constitutional values, which should be set for this community? There came the liberal extremist, who says: No one should dictates values to the society. Even the morality is subject to absolute relativity. That kind of evolvement – some may call it stumble – needs observation [study].
I say: democracy is definitely better than dictatorship. But am I bound to stick to the best of what exists and yield to it? I mean: the biggest dilemma, we are experiencing in the Arab region / the Islamic world, is that we have become a nation of consumers, not only in food and drink, but also in economy, politics, etc. We are consumers, even in culture!
Why do we say: as long as democracy is better take it? Why don’t we go deep in it and also in our history and in our heritage to find a vision, not only for us, but also for the entire world. I don’t believe in isolating ourselves from the world. Omar [Second Caliph after Prophet Mohamed PBUH] applied the System Administration based on that of the Persians. We shouldn’t stand still. But above all we shouldn’t retard and be just consumers.
Come on, our intellectuals and our Sharia’a (Religious rules) scholars particularly those who studied legal legislation and its history, come on study the international systems and come out with what’s called ‘post-democracy’ as the Doctor put it.
A western scholar initiated this theory of post-democracy in 2004. That is to realize that the world has already passed the concept of Democracy. So, why do we still mourn at its wall.
If you wait any further and your daily concerns diverts you to trivial, remember: you are not alone in the world. There are abroad and local waves that intervene. I say that democracy is about to expire. A State would not sponsor a religious activity without acknowledging it. Belgium, for instance, had only acknowledged the Catholic Religion and the Judaism. Then, in late 70’s or early 80’s it also acknowledged Islam. It would then be obliged to sponsor all what Islam practice needs, even the expense of teachers to educate Muslim children in public schools.
So we say it’s possible in our Constitution to say that the State is obliged to sponsor all practices for acknowledged Religions within our State. Acknowledgement does not necessarily require the presence of that religion followers.
The second point:
Homosexuality exists in humanity since ages. The problem is not in its existence, but in its legalization, legislation and codification. The problem is in opening the way to acknowledge it. Liberalism has opened the opportunity and made the call to exercise this vice as one of human rights. So a liberal has the right to exercise, to publicize and call for such act. That is where a conflict occurs with a Religious and human principle in my country. We should then have the courage to say no, we reject that.
However, I’m not saying get a knife and murder them. Some homosexuals actually need psychological treatment. Some would have a physical problem, which had been already identified in our history, those who have both types of genitals. They need to be operated. In brief, treat the problem, but do not legislate it.
بالذمة دى بلد؟؟!!
منذ أيام قرأت خبرا صغيرا تحت باب “الدولة” بعنوان “الإفراج عن 7 مصريين تجمهروا أمام السفارة فى عمان”، وطبعا توقعت (بما إنه تحت ذلك الباب) أن يكون جزءا من الحملة المستمرة بدون كلل ـ رغم مللنا منها ـ التى تحاول منذ يناير من العام الماضى إثبات أن كل شىء فعله أو قاله أو فكر فيه أو لم يفكر فيه حسنى مبارك ونظامه كان سيئا أو خطأ أو فاسدا أو فيه العبر وخلاص.ـ
خلاص ماشى! صحيح إن بعض القلة القليلة قد تسمى نفسها أولاد مبارك أو حبايبه أو أى شىء مشابه، ولكنهم ليسوا خطرا على”النظام” الجديد .. حين يكون ثمة نظام جديد يعنى. أقصد أنك تكرر هجومك واتهاماتك وتقويها وتدعمها بالدلائل إذا وجدت اعتراضا شديدا أو مصاعب أمامك. ولكن إذا لم يكن الأمر كذلك وكان من يعارضك قلة لا تكاد تبين، ومعك الأغلبية التى توافق على ما تقول، فما الداعى لكل هذا الهرج والمرج والمقالات والإفتكاسات لتقديم الدليل تلو الدليل؟ يعنى أخشى أن يكون ذلك التكرار تطبيقا للمقولة الشهيرة: يابا علمنى الغتاتة!ـ
على كل حال بدأ الخبر هكذا:ـ
نجحت اتصالات السفارة المصرية فى عمان فى الإفراج عن المواطنين المصريين السبعة الذين تم احتجازهم فى أثناء فض قوات مكافحة الشغب لتجمهر المواطنين المصريين أمام السفارة صباح أمس الأول [الإثنين 9ابريل].ـ
إلى هنا ويمكن أن يكون الخبر ضمن منظومة الغتاتة التى ذكرناها. يعنى يريد أن يشير بطريقة غير مباشرة إلى تغير معاملة السفارة لأبناء الوطن فى الخارج لمجرد قيام هوجة 25 يناير. ولو كان النظام البائد الفاسد مازال موجودا لما اهتم ……. إلى آخر الإسطوانة!ـ
ثم أضاف الخبر سبب”التجمهر” ـ وهو الوصف الجديد للشغب حسب المفردات المستحدثة فى هوجة يناير ـ وكان السبب:ـ
مطالبين باستجابة السلطات الأردنية لمطالب عمالية لديهم.
واضح من الخبر أن المصريين البسطاء ـ وأكثر العمالة المصرية فى الأردن من البسطاء ـ اعتقدوا من كثرة الزن فى وسائل الإعلام المصرية والعربية أن ما يحدث فى مصر من الفوضى والبلطجة ووقف الحال وقطع الطرق والسكة الحديد وقطع المياه ـ ويمكن بكره كمان الكهرباء .. وربنا يستر بأه على المجارى .. لأن ريحتنا حاتبقى وحشة أوى ـ وغير ذلك من أعمال الصيع والهمج هو الطريق العادى للمطالبة بالحقوق.
وإذا كان مثل ذلك الإعتقاد واردا داخل مصر لقة الوعى ولتغلب عقلية القطيع على التجمعات، ولمحاولة القائمين على المرحلة الإنتقالية تجنب تزايد العنف حتى تستقر الأوضاع، فإنه لا يكون منطقيا فى بلاد الغربة التى يسعى إليها الناس (كل الناس وليس المصريين فقط) لزيادة دخلهم مقابل عمل. والعمل فى الغربة مفهومه بسيط ويعرفه جميع من جربه، وأنا شخصيا قلته فى كل مقابلة اختبار: لو اكتشفت أن مرتبى أقل من أى شخص آخر يؤدى نفس عملى، بصرف النظر عن أى شىء، فلن أعترض ولكنى سأستقل أول طائرة عائدة إلى الوطن وارحل دون ضجة ولا خناقة .. والرزق على الله.
وإذا بحثت معظم مشاكل المصريين بالخارج ستجد 90 بالمائة منها بسببهم هم أنفسهم حين يرخصون أنفسهم ويحيدون عن مبادئ معينة بزعم “أكل العيش” وينسون أن احترام الناس لك يبدأ من احترامك لنفسك … فلا أنت تهين نفسك ولا أنت تتعدى حدودك. والأمر هكذا بسيط كل البساطة ولكن مين يقرا ومين يسمع؟ وحين نفهم جميعا أنه ما زال أمامنا طريق طويل لكى نقول أنه يمكن تطبيق ديمقراطية ما عندنا، نكون على أول الطريق .. وهو طريق قد يمتد إلى عشرين سنة إذا بدأناه الآن، وقد يمتد إلى مئات السنين إذا بقينا على حالنا المستمر منذ يناير العام المضى.
وعلى فكرة لا يستثنى أحد من هذا الطريق .. يعنى ليس أحد منا أفضل من الآخر .. كلنا نحتاج الوقت لنتعلم ونتثقف ونقرأ ونفهم ما نقرأه ونفكر ونحكم على أنفسنا قبل غيرنا و.. و.. فعندك مثلا ذلك الذى يدعونه “مستشارا” والمفروض أنه كان يشغل منصبا يدوم احترامه الأدبى حتى بعد المعاش الذى قضى القضاة الأجلاء دون سبب مفهوم ولا ديمقراطى أن يمتد ـ دونا عن بقية خلق الله ـ حتى سن الثمانين على ما أذكر! هذا المستشار الذى يقف فى مجلس الأمة ليحرض الناس بإشارة مغلفة منمقة على القتل والبلطجة وقلة الأدب تحت مسمى “الثورة” .. أليس ذلك المستشار يحتاج إلى تعلم الأدب والأخلاق والوطنية و… القانون؟ ولكن لا نتعجب منه فهو الذى اخترع حكاية محاكمة الميدان الهزلية ورضى أن ينافس الكوميديانات وأقام محكمة فى ميدان التحرير فى يناير /فبراير 2011 لطخت القضاء المصرى بالطين وأسقطت احترام الجميع له بعد أن كنا نتبجح بأنه قضاء نزيه. أنا أعلم أنه لا يجوز تعميم الحكم هكذا وأن فساد أو قل جنون عضو لا يجب أن يوصم به الجميع، ولكن الناس فى الخارج وحتى المصريين المغتربين تؤثر فيهم مثل هذه الأعمال التى تماثل أعمال شيوخ المنصر أو بلطجية السياسة. وقليل منهم جدا من سيفهم أن ذلك لا يصلح أن يكون مستشارا من الأساس وأن تطاوله على القضاء لابد وأن يكون استمرارا لمسيرة لم نعلم عنها شيئا ولكنها مؤكد ليست مشرفة فى سلك القضاء .. لم يكن يصلح بعدها أن يكون “خضريا” حتى ناهيك عن أن يكون مستشارا!ـ
طيب ما رأى الخضرى المذكور إذا قام بضع مائة شخص بهوجة مثل التى يدعو إليها، ثم قتلوه.. فهل سيجرؤ ورثته على المطالبة بإعدامهم، رغم أنهم إنما نفذوا مفهومه للثورة، وأنهم قاموا بالثورة عليه .. وكل واحد يدلع نفسه يا أخى! من يثور على مبارك يقتله، ومن يثور على الخضرى يقتله .. وآهى ماشية!ـ
طيب إذا لم يجرؤ الورثة على المطالبة بالثأر من “الثوار” لأنهم ثوار .. فهل يا ترى سيطالب الإخوان الغير مسلمين لهم بتعويض الشهيد؟ وهل سيكون ذلك التعويض هزيلا ـ يعنى مائة الف فقط ـ مثل تعويض الغلابة أم أنهم سيرفعونه على أساس أن كل فولة ولها كيال …. بما لا يخالف الشرع؟ـ
قد يسوء البعض لهجة السخرية فى هذا المقال .. لكن بالذمة هى دى بلد؟ـ
عندك مثلا المسرحية الهزلية الأخرى الذى يقودها إنسان فاقد الأهلية إكتشف فجأة أنه داعية إسلامى وأنه فوق العلماء وفوق الجماعات الدينية وأنه رسول العناية الإلهية وأطلق لحيته واتخذ من أحد مساجد العبادة مقرا إنتخابيا له وصرف حتى الآن مليارات الجنيهات على الدعاية التى هى بطعم الدعاية الأنتيكية ولا أحد يعلم مصدر تلك المليارات. هذا الإنسان المتخلف غرق فى سلسلة من الكذب الصريح والخداع لنفسه وللآخرين. ويبدو أنه يخاف من انقطاع المدد الذى يصله للصرف على الهراء الذى يجذب إليه مجاذيبه. ثم إنه هدد وتوعد وادعى أنه محام ضليع وسيكشف عن مستندات خطيرة “ستقلب القضية رأسا على عقب”. ثم لم يكشف عن أى شىء سوى عن …. إحم إحم .. والا بلاش!ـ
ثم أخذ أتباعه المهرجين إلى مسيرات تخويف لكى يرينا مقدرته على تنفيذ تهديداته .. وأنه فعلا … حايولعها!!!ـ
ثم أنقل هنا ما كتبته عنه فى الفيسبوك اليوم:ـ
المشكلة ليست فى كذب ابن ابو سماعين حين قال أنه “يبدو” أن أمه حصلت على الجرين كارد فقط قبل موتها بشهر أو شهرين (!) ويتضح أن الأمر ليس كما “يبدو” وأنها سافرت هنا وهناك بالباسبور الأمريكى عدة مرات. فهو بشر فى النهاية ويعتقد أن حياته كلها تتوقف على وصوله إلى رئاسة الجمهورية بأى طريقة وأن عليه إثبات أنه يبذل مجهودا يستحق به “التمويل” الهائل الذى يحصل عليه والذى ربما يضارع ذلك الذى ينفقه الأنتيكيون فى الإنتخابات الأنتيكية الأراجوزية. ولكن المشكلة الحقيقية أن “أولاد” ابو سماعين بلغوا من السذاجة أن اعتقدوا أن القضية التى رفعها يلوى بها الكلام لينفذ من ثغرات الإجراءات والمعانى المزدوجة وملأوا الدنيا ضجيجا وصراخا كأنهم فى مولد سيدى العبيط. ثم بلغوا من الهطل أن اعتقدوا أن حكم المحكمة يعنى براءة الطفل المعجزة من الكذب والتضليل، فهللوا أكثر وفرحوا .. وعلى كل حال الطيور على أشكالها تقع، فليهنأ بو سماعين بأولاده الأوفياء إذا وصل لأى سلطة وبما جمعه من تمويل يكفيه للحياة فى بلده الثانى .. واخد بالك؟ـ
مرة أخرى: “بالذمة دى بلد؟!!”ـ
وهذه العبارة ليست منى ولكنها مقتبسة من مقال الأستاذ أشرف عبد المنعم الذى يمكن أن تقرأه كاملا هنا:ـ
http://www.ahram.org.eg/Columns/News/143106.aspx
وأنقل لك خلاصة خاتمته إذا لم تكن تحب الإنتظار حتى تفتح الرابط. الخاتمة تقول:ـ
نحن إذن أمام معادلة في منتهي السخافة منذ عام وربع العام تقريبا: الإخوان، السلفيون، المجلس العسكري، الثوار، الليبراليون، العلمانيون، الأقباط، الفلول. في مقابل عدم ثقة في القانون والإجراءات، وعدم ثقة في صناديق الانتخاب، وعدم ثقة في المرشحين أنفسهم، وعدم ثقة في أحكام القضاء ورجالاته، وعدم ثقة في البرلمان، و عدم ثقة في الحكومة، وعدم ثقة في رجالات الدين، وعدم ثقة في الإعلام والإعلاميين، وعدم ثقة في رجالات الشرطة، وعدم ثقة في رجالات الجيش، وعدم ثقة في الأحزاب، وعدم ثقة في التيارات و القوي السياسية الأخري، وعدم ثقة في المنتمين لنفس التيار السياسي، وعدم ثقة في أخلاق و نوايا الأثرياء، وعدم ثقة في أخلاق ونوايا الفقراء، بل وعدم ثقة حتي في رجالات الإسعاف!!ـ
بالذمة دي بلد؟!ـ
وهذه إضافة من عندى:ـ
والا حتى بالذمة دى هوجة؟؟؟!!!ـ
أوراق قديمة 33
أمام النيابة
مواجهة النيابة ليست هينة .. خاصة وأن النيابة تعتبر أن أى شخص يحضر أمامها قتال قتلة على الأقل! ـ طبعا أنا أبالغ، ولكن هذا هو الشعور العام لدى المواطنين فى كل العصور.. ويشجع هذا الشعور أن المفروض فى وكيل النيابة ألا يبتسم .. مبدئيا يعنى! ثم بالإضافة لذلك، فإنه المفروض أن يكون شرلوك هولمز .. أليس كذلك؟ هو فى الحقيقة ليس كذلك وليس حتى نصف ذلك! لأن 95% من أعضاء النيابة يعينون بالواسطة. والواسطة ليست بنت الثورة ولكنها بنت الإستبداد والطبقية وغير ذلك من أشكال الفساد ومسبباته. يعنى الواسطة تستوطن مصر منذ قديم الأزل. وإذا كانت واسطتك قوية فستترقى بسرعة وتصبح مستشارا فى زمن قياسى (والقضاة يحبون جدا لقب المستشار كأنه أفضل من لقب قاضى!). والقضاة فى النهاية بشر مثل كل البشر .. وهم يعرفون ذلك (بعكس الحالمون من الإعلام الموكوس ومراهقى السياسة والباحثين عن الشهرة) وهم ـ أى القضاة ـ يراجعون دائما مواد القانون حتى يقللون من إمكانية الخطأ فى الأحكام أو الإجراءات. وجهاز التفتيش القضائى هام جدا (ويماثله جهاز التفتيش فى الشرطة أيضا) ويختص بالتحقيق فى أى شبهة تشوب قضية أو قاض ولأعضائه سلطة واسعة ولكن عملهم يجرى فى هدوء دون فضائح ـ يعنى بالعربى بعيدا عن الإعلام ـ ولو تسربت بعض الأخبار تتصيدها أجهزة الإعلام لكى تستخدمها لإحداث البلبلة. ولكن ليس الإعلام وحده يفعل ذلك بل إن بعض القضاة أنفسهم يفعلونه فهم كما قلنا بشر ؛ مثلما حدث أخيرا فى موضوع سفر المتهمين فى قضية التمويل الأجنبى. ولو كان به شبهة غير قانونية لكان التحقيق والفصل فيه من اختصاص جهاز التفتيش، أى أنه لا يفترض أن يفتكس فيه المفتكسون! ولكن الذى حدث أن انطلق الطبال والزمار والفيلسوف والجاهل وغيرهم يغنى ويرقص ويبكى ويولول ومؤتمرات ومسيرات .. وفرصة للهوجة لا تعوض! وينتهز بعض القضاة الفرصة فيفعلون مثل أولئك ويدعون الجمعية العامة لإقالة رئيس محكمة الإستئناف فى هوجة لا تليق بهيبة القضاء فأسفرت عن لا شىء فى النهاية سوى البلبلة واستمرار الإفتاءات والفذلكات من اللى يسوى ومن اللى مايسواش! .. ولست أملّ فى معرض ضرب المثل على إفساد هيبة الضاء من ذكر القاضى القديم الذى تخيلته كأنما يحضر منضدة ويعصب رأسه بمنديل ويغرز شمسية فى وسط ميدان التحرير وتخيل صاحبنا انه يقيم العدالة بمحاكمة شعبية ـ كما يدعى ـ لرئيس الجمهورية السابق. ولم يحصد سوى السخرية منه داخليا وخارجيا.ـ
بعد أن تلتقى بالنيابة عدة مرات يزول عنك كثير من ذلك الجزع الذى يعتريك فى أول لقاء. وكنت قد واجهت النيابة مرافقا مع عمال أو ملاحظين أثناء عملى السابق عدة مرات. والحادثة التى أنا بصدد ذكرها هنا ليست من واقع أوراق مدونة وكنت حتى قد نسيتها إلى أن ذكرنى بها أخيرا م/ روبرت ونحن نجتر ذكريات الإصلاح الزراعى. فقد فوجئنا باستدعائنا للتحقيق. ودائما لا تعرف موضوع التحقيق إلا وأنت أمام وكيل النيابة، ويبدو أن ذلك مقصود لمفاجأتك وإرباكك.ـ
دخل م/ روبرت أولا عند وكيل النيابة الذى أعلمه أن التحقيق بخصوص بلاغ من شخص ما بأننا تقاضينا رشوة من شركة ستيلكو، وهى كانت تورد وتركب بعض محطات الرى. فانزعج كثيرا وتصبب عرقه غزيرا وأخذ يتحدث ويتحدث وهو لا يعرف إن كان يقول جمل مفيدة أم لا. ثم استدعانى وكيل النيابة ولم يستغرق الأمر بعد ذلك أكثر من دقائق. فما أن واجهنى وكيل النيابة بسبب التحقيق حتى قلت له، لكن شركة ستيلكو دى قطاع عام! فقال يعنى إيه؟ قلت له يعنى شركات القطاع العام تتبع الدولة ولا تدفع رشاوى، والموضوع بسيط وواضح. فتغيرت المعاملة فورا، وانتهى التحقيق خلال دقائق بشكر من رئيس النيابة نفسه وكانت هذه هى المرة الوحيدة على ما أذكر التى حاول الحاقدون فيها التعدى علينا وانتهت على خير إن شاء الله.ـ
جمال عبد الناصر
كان جمال عبد الناصر ذا شخصية آسرة. ولديه موهبة التأثير فى الجموع. وكان قد تم له الإنقلاب على الثورة بعد الإطاحة بهدوء (ولو أنه كان هدوءا مشوبا بالتخوف) باللواء محمد نجيب، والإطاحة بكل (تقريبا) السياسيين السابقين .. حتى أولئك الوطنيين مثل أحمد حسين زعيم حزب مصر الفتاة وغيره من الذين أنتجتهم ثورة 19 ما عدا الإخوان المسلمين. ولكن حتى هؤلاء فقد انقلبوا عليه وكان سلاحهم الأول (وظل كذلك إلى الآن) هى الإشاعات. وأثارت محاولة اغتياله فذلكة الشعب المصرى وقيل أنها مدبرة من قبل جمال عبد الناصر نفسه .. ولكن الرصاصات كانت حقيقية وأصابت المنصة فعلا، ولا يمكن تدبير ذلك إلا إذا كان ثمة قناص جيد وبالطبع لا يصلح أن يكون مكانه بين الجموع المتجمعة فى ميدان المنشية المفتوح، ولابد أن يكون القناص مختفيا فى أحد المبانى المطلة على الميدان.. وهذا احتمال ضعيف جدا لأن المسافة بذلك ستكون بعيدة جدا ولم تكن الأسلحة بتطور أيامنا الحالية كما أن الوقت كان ليلا والكشافات فى الميدان يمكن أن تضعف عين القناص. المهم أيا كان الأمر فتفاصيل تلك المحاولة ستظل سرا إلى أن يشاء الله، وكما قلنا من قبل ليست كل أعمال المخابرات يمكن حل ألغازها حتى ولو صمم المتفذلكون على الإستظراف بالحديث عن اللهو الخفى و.. “بس [هم] مش عايزين يقولوا!!!” وكما هى العادة لا أحد يعلم من [هم] هؤلاء (وإن كانت أحدث موضة خلال العام الماضى أن [هم] تعنى: المجلس العسكرى .. الذى يعامله الكل على أنه عدو الوطن(!!) وأنه مدبر المؤامرات (!!)، الخ) وأيضا كما هى العادة فلا أحد يعلم كيف علم المتفذلكون أصلا أن [هم] يعرفون! .. يمكن بيفتحوا المندل؟ـ
المهم .. كان من ضمن مسلسل التحول عن الديمقراطية التى كانت أحد أهداف الثورة .. بالإضافة للهدف الأول والأهم وهو القضاء على الفققر والجهل والمرض .. هو “ركن” دستور 54 وعدم الإشارة إليه منذ أول يوم. طبعا وقتها كان الرئيس موجودا ثم تم وضع الدستور .. عادى يعنى. ولو أنه اتضح مؤخرا لجهابذة الفذلكة المصرية أن هذا من علامات قيام الساعة، وأن “مافيش بلد فى العالم” (وهى الكلمة المأثورة لدى المتفذلكين) بتعمل كدة .. وسلم لى ع المترو!ـ
بعد حوال سنتين من الصداقة الحميمة .. جدا بين جمال عبد الناصر والسفير الأمريكى فترت العلاقة وانقطعت المعونة بما فيها من لبن بودرة وقوالب جبن أحمر كبيرة كانت توزع فى المدارس والمصانع وأماكن التوزيع الأخرى. وفى زمن وجيز جدا فقدنا كل مقومات الصداقة مع كل الدول ما عدا روسيا (والصداقة فى السياسة تعنى المصلحة) ورغم أنهم كانوا يعرفون أن حرب 56 لم تكن مع إسرائيل وحدها إلا أن روسيا اتخذتها ذريعة لإثبات أن الجندى المصرى لا يستطيع استعمال حتى الأسلحة الدفاعية التى اقتصر إمدادهم لنا بها مقابل جميع الصادرات المصرية! وفى نفس الوقت كانت الآلة الإعلامية ـ وهى مخدوعة مثلنا جميعا فى ذلك الوقت ـ تلهب حماس الناس واستعراض الجيش كل عام يملؤنا ثقة فى قوة أكبر من الحقيقية، وحولت هزيمة 65 كأنها نصرا وهكذا ظهرت أسطورة بورسعيد الباسلة. لا أقصد بذلك التقليل من شأن المجاهدين فى ذلك الوقت والشهداء الذين سقطوا فى جميع أنحاء الجمهورية وليس فى بورسعيد فقط، ولكن الواضح أننا كنا نسير بحرص شديد على نفس درب الشيوعيين حتى فى السياسة الإعلامية.ـ
كان تأثير عبد الناصر لا يقتصر على الجماهير المصرية، ولكن كل الجماهير العربية كانت تجلس ملتصقة بالراديو طوال خطبه التى كانت تستمر لساعات خاصة فى أعياد الثورة. وأعتقد شخصيا أن عبد الناصر قد بدأ بإلزام نفسه تقديم بيان للأمة كل عام عن ما تم من إنجازات، وهذا يشبه خطاب حالة الإتحاد الذى يلقيه الرئيس الأمريكى ويبدا بعد 100 يوم من تنصيبه رسميا ثم يستمر بعد ذلك أسبوعيا. وكان عبد الناصر متفوقا فى الخطابة بطريقة ربما تكون إعجازية. وممن سمعتهم من الزعماء العالميين ربما كان من يقترب من مستواه: هتلر وتشرشل وربما يتفوق عليه فقط مارتن لوثر كنج الذى اغتالته المخابرات الأمريكية فى الغالب وإن ظل قاتلوه غير معروفين إلى الآن على ما أعتقد.ـ
لذلك كان الناس على استعداد لتقبل أى شىء يفعله أو يقوله عبد الناصر.. وأنا أتحدث هنا عن عامة الناس .. أما المثقفون فكانوا يعارضونه ويدخلون المعتقلات ويسجنون ويعذبون .. ليس بسبب معارضة صريحة فقط ولكن بسبب كلمة يمكن أن تكون بريئة ولكن يمكن تأويلها أنها معارضة، أو بسبب نكتة يتبادلها إثنان فى وسيلة نقل جماعى ولسوء حظهما تكون هى من نوع نكتة الكلب اللى مسكوه على الحدود مع لييبيا يجرى بأقصى سرعة لدخولها، فسألوه رايح فين؟ قال: مافيش .. أنا بس رايح أهَوْهَوْ وارجع! وفى ذلك الوقت عاد تعبير “زوار الفجر” الذى كان يتردد قبل الثورة مشيرا إلى البوليس السياسى أثناء الإستعمار والإقطاع و “زياراته المشئومة” التى يفزع الناس حسها عند الفجر.ـ
ودخلنا فى معارك كثيرة دموية وغير دموية ووجدنا أنفسنا فجأة مشتبكين فى حرب غير شريفة فى اليمن. لا أحد فيها يعلم بالقطع من يواجهه ولا من هو عدوه ولا من هو حليفه. فالمفروض أننا نحارب فى جانب الجمهورية اليمنية ضد الملكية السعودية جريا على مبدأ عبد الناصر بمعاداة الملوك جميعهم! ولكن أعداد القتلى والمشوهين بسبب الأسلحة الصديقة كانت أكثر! وها نحن نقترب من يوم النكسة الإثنين 5 يونيو 1967 26 صفر 28 بشنس.ـ
نكسة المائة ساعة
فقط عندما أعلنت مصر سحب المراقبين الدوليين وغلق مضايق تيران (مدخل خليج العقبة) ، علمنا أن الملاحة الإسرائيلية كانت تستخدم خليج العقبة منذ حرب 1956! ومن المضحك المبكى أيضا أننا حتى ذلك الوقت ولمدة سبع سنين كنا مقتنعين بمقولة عبد الناصر أن الإنذار الروسى هو الذى أجبر المعتدين على الإنسحاب بعد وقف إطلاق النار، واتضح أن الإنسحاب كان “بتعليمات” أمريكية واضحة ومعلنة، حرصت على أن تكون إسرائيل هى المستفيد الوحيد من تلك الحرب الغير متكافئة، وعلمنا كذلك بعد سبع سنوات أن شبه جزيرة سيناء كانت منزوعة السلاح طوال تلك المدة.ـ
كان الكلام يتزايد حول أخطاء عبد الناصر والذين حوله، ولكن رغم ذلك كان الناس ما زالوا مقتنعين بأن لدينا أقوى جيش فى المنطقة .. أى أقوى من جيش إسرائيل. فقد كانوا يشاهدون الإستعراض العسكرى كل عام ويصدقون مواكب الصواريخ البعيدة المدى القاهر والظافر! وأن إسرائيل مرعوبة رعباً شديدا ولن يستغرق محوها من الوجود فى حالة نشوب حرب سوى يوم أو بضعة أيام على أقصى تقدير. فبالإضافة إلى تأييدنا التاريخى للقضية الفلسطينية منذ 1948 فإن حرب 56 والمجازر التى قام بها جيش إسرائيل لجنودنا جعلتنا على عداوة مباشرة طلبا للثأر، ولذلك انسحبت كل الإعتبارات الأخرى من معارضة حرب اليمن إلى القوانين الإشتراكية إلى تدنى الخدمات وقطع الكهرباء المستمر وانعدام التليفونات .. وغير ذلك فى مقابل الأمل فى الثأر من إسرائيل.ـ
وفى الحقيقة أن الأمور تطورت بسرعة شديدة لم أستوعبها وقتها. وبدأت بأخبار عن حشود عسكرية إسرائيلية على جبهة سوريا. وقيل وقتها أن سوريا استغاثت وقيل بعدها من رسميين سوريين أن ذلك لم يحدث! وتدخلت الدول الكبرى وتصريحات من هنا ومن هناك.. ثم كان قرار غلق خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية بمثابة إعلان الحرب رسميا. وبعد القرار بيومين كانت طوابير القوات تسد عين الشمس داخلة إلى شبه جزيرة سيناء .. وهلل الناس فرحا!ـ
أكلف فجأة ظهر يوم 4 يونيو 1967 بالسفر إلى الإسكندرية فى نفس اليوم لاستلام محاريث من شركة مساهمة البحيرة فى صباح اليوم التالى، وصدرت لى استمارة سفر درجة أولى ممتازة (لأول مرة فى حياتى!)، ولحقت بديزل السادسة مساء إلى الإسكندرية.ـ
كنت فى بداية اليوم التالى فى مديرية الإصلاح الزراعى فى فيكتوريا، وكانت أخبار الحرب على كل لسان وقد بدأت فجر اليوم بغارات جوية كثيفة. علمنا أنه لا يمكن تخزين المحاريث فى مركز التدريب لأنه سيستخدم فى تخزين المبيدات التى بالميناء حاليا والميناء مطلوب تفريغه .. (تفريغ الميناء هو مبدأ معروف فى الحروب بمثل ظروفنا التى تحتاج الإمداد المستمر بالسلاح والذخيرة، ولكن المسئولين لم يتذكروه إلا تحت وابل غارات اليوم الأول!). جرت اتصالات سريعة وتقرر الإتصال بجميع المديريات لإرسال مندوبين، وكل من يحضر يتسلم نصيبه وينقله مباشرة إلى مديريته!ـ
إنطلقت أول صفارات إنذار بالإسكندرية حوالى الساعة العاشرة ص، ولم يتحرك للإختباء كما يقتضى الحال فى الغارات الجوية فقد كان الناس واثقون أن إسرائيل ستمحى من الوجود فى زمن قياسى! وأننا فى أمان، وأن صفارات الإنذار فقط روتين.. وأن .. “هو معقول يعنى الطيران الإسرائيلى حايقدر يعدى كل سيناء وبعدين كل الدلتا ويوصل الإسكندرية!” .. وعلى الرغم مما يبدو من سذاجة ذلك القول الآن ولكن وقتها كانت له مبرراته القوية.ـ
يسرع م/ كمال صادق (الذى كنت أرافقه فى المأمورية) ليلحق بأول مواصلة للعودة إلى القاهرة. أنا مع آخرين فى الشارع أمام المديرية نتسقط من المارة أخبار البيانات العسكرية المتوالية: أسقطنا خمس طائرات .. عشرة .. خمسة عشر .. و.. و .. ووصل التعداد إلى اثنين وأربعين طائرة قبل الظهر.. والبسطاء يهللون فرحين. وأميل على زميل لأتساءل يعنى هى كل طلعة طيران أكتر من مائة طائرة؟ وكام طلعة لحد الآن؟ ولا أنتظر ردا فقد كان زميلى واجما مثلى منذ أول ساعة من أول يوم من الحرب .. الحرب التى كنا ننتظرها بفارغ الصبر والتى بدأتها مصر بالكلام وبدأتها إسرائيل بالعمل! وعندما كت عائدا إلى منزل خالى حوالى التاسعة مساء كان عدد الطائرات المتساقطة قد وصل إلى ستين! وكنت أزداد وجوما ولا أفهم لماذا يهلل الناس فى الشوارع لأنباء الإنتصار المذهل!ـ
فى اليوم التالى 6 يونيو.. وصلت إلى منطقة أبيس.. ثم اتضح لى أن تسليم المحاريث يجرى بدون حاجة إلى تدخل. ثم اتضح بعد قليل عدم وجود وسيلة للعودة من أبيس. فمشيت وآخرين مسافات طويلة حتى وصلنا إلى العوايد حيث أول خط أتوبيس يوصلنا إلى العمار! وأخيرا استطعت الوصول إلى أقرب مكان ممكن وهو بيت خالتى حوالى 7 مساء بينما كانت صفارات الإنذار تدوى والأنوار تطفأ، ورحت فى نوم كالغيبوبة من التعب وكذلك من القلق والكمد .. ـ
بداية الصدمة بعد 48 ساعة
كان صباح الأربعاء 7 يونيو مختلفا! فقد احتفت أيضا من البيانات العسكرية أنباء تساقط الطائرات الإسرائلية كالذباب! أخذ الناس يتلفتون وعيونهم تكاد تنطق بالتساؤل “هو فيه إيه؟” ولكن لسانهم لا ينطقها وسكتت الهتافات وحلت محلها الدعوات .. “ربنا يسلم”!ـ
فى مديرية الإصلاح الزراعى قلت ـ من غلبى ـ أن حضورى من القاهرة لم يكن لازما من الأساس ولا أدرى من الذى يتخذ قرارات مثل تلك. المهم .. الكل مشغول بشأنه .. وأخذت إقرار الحضور ثم ذهبت فى عدة زيارات فى محرم بك وسابا باشا وكليوباترا .. وعندما كنت ألحق بقطار 7:30م من سيدى جابر كانت الأخبار بدون جديد وكانت البيانات العسكرية مبهمة وغير حماسية.ـ
توقف القطار عدة مرات فى الطريق ولا ندرى السبب، ولكن المنطق يقول أن ذلك كان طبعا بسبب الغارات التى استمرت حتى فى الليل. وأخيرا وصلت محطة مصر بعد منتصف الليل بساعة وربع! ما هذا؟ حالة إظلام .. كل شىء متوقف ولا يوجد أى نوع من المواصلات، فمشيت إلى أقرب مكان وهو فى شارع الخليج (بورسعيد الآن) فى عابدين عند خالى. وأثناء المشوار الطويل تم تفتيشى والتحقق من شخصيتى حوالى 40 مرة من أفراد الدفاع المدنى. واستمعت إلى أخبار وبيانات عن خط الدفاع الأول وخط الدفاع الثانى!! دفاع إيه ياخوانا؟ وخط تانى كمان؟ والسؤال العالق على طرف اللسان بدأ ينطق: هو فيه إيه؟ـ
صباح اليوم التالى الخميس 8 يونيو أبلغونى أن علىّ السفر إلى الإسكندرية فجر السبت للإشتراك فى لجنة عمل ختامى أعمال كابل جنايوتى (وهى المنطقة التى بها مركز تدريب الإصلاح) .. وحاولت عبثا إقناعهم بعدم جدوى اشتراكى ولكنى لم أصر على الرفض فلم أكن لأعارض أى سفر إلى الإسكندرية على أى حال وفى أى وقت بالطبع (!) وللمرة الثانية صدرت لى استمارة سفر بالدرجة الأولى الممتازة (!)ـ
وقضى الأمر .. بعد 96 ساعة
صحوت متأخرا حوالى 9:30 صباح الجمعة 9 يونيو على صوت قراءة القرآن فى الراديو، فنهضت مسرعا، إعتقادا بأننا اقتربنا من صلاة الجمعة. ثم تبين أنها ليست كذلك. وكان يسود منزلنا الصمت إلا من صوت القرآن .. وما هى إلا دقائق حتى سمعت إعادة البيان العسكرى. هذه المرة لم يكن البيان عن خط دفاع .. ولكنه كان “يبشرنا” بانسحاب الجيش “بسلامة الله” إلى غرب قناة السويس!!! غرب؟ يانهار مش هو! غرب؟ـ
كان لأبى أصدقاء فى حرب 56 منهم من استشهد ومنهم من عاد ممزق الثياب وممزق القدمين من الجرى فى الصحراء الشاسعة وحكوا عن الشهداء وحكوا عن فظائع ما حدث للناجين سواء من الطائرات الإسرائيلية التى كانت تسخر من الجنود بالطيران على مسافة منخفضة عدة مرات والدوران حولهم لإرعابهم قبل اصطيادهم بالرشاشات، أو ما حدث من بعض معدومى الضمير من أهالى سيناء الذين كانوا لا يقدمون شربة الماء إلا بمقابل، ولو كان ذلك المقابل ملابس الجندى نفسها! أو ما حدث من بعض معدومى الضمير من الضباط، الذين كانوا يستقلون السيارات ويهربون بها دون الإلتفات إلى من يستغيثهم من السائرين على أقدامهم. طبعا لم يكن الجميع معدومى الضمير وكانت هناك أيضا قصصا مشرفة وبطولية… ما علينا..ـ
دارت خلفية حرب 56 بسرعة كأنها شريط سينمائى فى عقلى، وفى ثوانى كنت مرتديا ملابسى وبدون كلمة نزلت وقد توقف تفكيرى عند فكرة أن الإسرائيليين أصبحوا الآن فى بلدنا .. اصبحوا حتى غير بعيد عن بيتنا فى مدينة نصر! وقفزت فى أوتوبيس إلى ميدان العباسية، متخيلا أنى سأجد كل وسائل النقل تحمل الناس .. كل الناس .. إلى خط القناة. وكنت أحاول خلال الطريق استعادة ما أتذكره عن البندقية والرشاش الروسى التى تمرنت عليها فى معسكر مدرسة الإبراهيمية أثناء عدوان 56… ونزلت فى ميدان العباسية!ـ
ووقفت مشدوها أتلفت حولى .. ميدان العباسية المزدحم دائما الشديد الجلبة ليلا ونهارا .. ليس به صوت سوى صوت القرآن من المذياع وترديد البيان العسكرى مرات ومرات وأصوات محركات الأتوبيسات… فقط! يتحرك الناس بحكم العادة فقط ولا يتحدثون واالنظرات شاردة وأحاول مثل كل من حولى حبس الدموع وأكثرهم لا يستطيع .. لعل الدموع تخفف من حرقة القلب والصدمة. ويزيدها أن السؤال الذى كان “هو فيه إيه؟” أصبح سؤالا من كلمة واحدة: “وبعدين؟” لا نجرؤ حتى على التفكير فيه لأن إجابته كانت مصيبة!ـ
وأستأذن هنا فى التوقف لعقد مقارنة بين الماضى والحاضر وكيف تبدلت العقلية العامة .. فلو تكررت نفس الظروف الآن ـ لا قدر الله ـ سنجد السؤال الذى يخطر أولا على البال هو: “من المسئول؟” .. يعنى النظر إلى الوراء وتضييع الوقت فى الكلام بدلا من مواجهة المسئولية .. أما ما كان يدورفى ذهن الناس وقتها فكان السؤال: “وبعدين؟” يعنى التفكير للأمام وكيفية جمع الهمة لكى نعالج الجرح. فالفلسفة والمكلمة والحساب والفذلكة لم يكن ذلك وقتها ولا مناسبتها. ليتنا نستطيع العودة إلى ذلك النمط من التفكير بعد أن غرقنا لآذاننا فى الهيافة والمجادلة العقيمة وكاد الوطن يغرق منا أيضا.ـ
نعود إلى اليوم البائس مساء الجمعة 9 يونيو، الأول من ربيع أول.. لا أدرى كيف وصلت باب الخلق عند زميلى محمود جمال .. “إيه اللى حصل؟” .. يسأل كل منا بدوره ثم يسكت .. وبعد قليل يسأل الآخر: “وبعدين؟” ثم نسكت وهكذا.. وأخيراً أنزل من عنده لأذهب إلى صديق آخر ويتكرر المشهد الصامت. وهكذا من صديق إلى صديق .. باب الخلق ـ العجوزة ـ مصر الجديدة ـ الألف مسكن لدى صديقى حسين قبل المغرب بقليل. وخرجنا معا نتمشى وأخذنا راديو ترانزستور لسماع بيان الرئيس الذى قالوا أنه سيذاع الساعة السابعة م. ولأول مرة منذ الصباح أستطيع التحدث ونحن سائران وبالطبع بدأ الكلام بالسب واللعن فى جمال عبد الناصر وكل من معه .. وقلنا أنهم عليهم ببساطة الإعتزال، وأن أى حمار حتى سيكون افضل!ـ
ثم أنصتنا إلى البيان. وجاءت لهجة عبد الناصر لأول مرة منذ خمسة عشر عاما منكسرة. وأعلن اعتزاله جميع مناصبه ومسئوليته عن النكسة. وما أن سمعنا ذلك حتى عدنا إلى السب واللعن، فكيف يترك المنصب فى مثل هذه الظروف!! وهكذا تبدل رأينا خلال دقائق. وقلنا ببساطة: ماينفعش يتنحى دلوقتى. وما أن قارب البيان على الإنتهاء حتى انطلقت صفارات الإنذار وسمعنا دوى المدافع المضادة للطائرات.. ولكن ما زال لا أحد يختبئ .. ولكن هذه المرة ليس بسبب الثقة فى قوتنا ولكنه كان نوع من اليأس فماذا يمكن أن يحدث أسوأ من تدخل إسرائيل داخل أرضنا؟ـ
وصلت ميدان العباسية بصعوبة حوالى التاسعة والنصف م وسط حالة من الإظلام التام بسبب الغارات، إلا أن الميدان والشوارع المحيطة كانت مليئة بالناس. وسبب صعوبة الوصول أن الأتوبيسات غيرت مساراتها الطبيعية وأصبحت كلا تصب فى منشية البكرى. فقد اندفع الناس من بيوتهم بتلقائية بعد البيان مباشرة يريدون التوجه إلى منزل الرئيس لكى يبقى. فنفس ما أحسسنا به صديقى حسين وأنا هو ما أحس به معظم الناس. ورأيت بنفسى كيف كان الناس يخرجون من كل بيت بتلقائية ويتجمعون شيئا فشيئا ورأيت كيف أن المواصلات العامة لم تعد تحصل تذاكر، وإنما توصل الناس إلى منشية البكرى فقط. والمسألة ليست عاطفية فقط، بل من الناحية السياسية، فإن اعتزال الرجل فى ذلك الوقت كان يعنى انهيار البقية الباقية من الروح المعنوية لدى الشعب وهى ما تبقى لكى نحمى ما تبقى من الوطن. ومشيت مشتت الفكر بين العاطفة والمنطق والخوف على البلد والتفكير فى المستقبل لو أصبحنا فى الصباح ووجدنا الجيش الإسرائيلى فى شوارع مدينة نصر! وعدت إلى المنزل سائرا من العباسية فوجدت الجميع صغارا وكبارا وحتى والدتى يبكون بكاء شديدا. وظنا منى أن هذا يوقفهم عن البكاء قلت: بتعيطوا على إيه؟ على اللى ضيعنا، وخللى اليهود النهاردة فى السويس وبكرة يكونوا يوصلوا هنا؟ ولكن هذا زاد فى حزنهم ، كما زاد فى حزنى، فلم يكن ذلك هو الوقت المناسب، فارتميت من الإجهاد أبكى بحرقة حتى غلبنى النوم.ـ
أول ما فعلته صباح السبت 10 يونيو أن نظرت من النافذة، فلم أجد الإسرائيليين، فحمدت الله. وقد كتب دايان قائد الجيش الإسرائيلى فى ذلك الوقت فى مذكراته أن غلطة عمره هى قرار التوقف عند الشاطئ الشرقى للقناة يوم 9 يونيو!ـ
نزلت للسفر لمأمورية الإسكندرية ولم أجد مواصلات فقد توقفت بسبب المظاهرات، ووصلت إلى محطة القطار بتاكسى ولحقت بديزل 8 ص. فى الإسكندرية لم أجد أيضا مواصلات. مشيت إلى سموحة ثم اتصلت بالمديرية بالتليفون. [ملحوظة: لم يكن من السهل فى ذلك الوقت العثور على تليفون عمومى، وحتى إذا عثرت عليه فمن النادر أن يكون به حرارة!] وعلمت أن له لا أحد بالمديرية. ذهبت إلى زميلى الذى كنت أشاركه السكن فى الهداية. استمعت معه هناك إلى جلسة مجلس الأمة وإعلان عودة عبد الناصر إلى الحكم نزولا على رغبة الجماهير. كانت القطارات المتجهة إلى القاهرة فى الصباح مجانا بلا تذاكر، وكذلك القطارات العائدة من القاهرة فى المساء. فالمظاهرات لم تكن قاصرة على القاهرة وإنما عمت البلاد كلها.ـ
وهكذا انتهت قبل ظهر يوم الجمعة 9 يونيو مائة ساعة بالتمام والكمال منذ بدء الحرب التى خسرناها ربما قبل أن تبدأ. وكان الجميع مسئولين عن الخسارة السلطة والشعب وقيادة الثورة التى فضلت التصرفات الثورية فوق التصرفات المبنية على التقاليد العسكرية العريقة، فقدمت رجال الثقة فى الترقيات ولم توقف الواسطة فى دخول الكليات العسكرية، فكان الإنفصال الواضح بين العسكرى والضابط .. وهذا أخطر ما يصيب الجيوش فى أى مكان.ـ