Archive for مارس 2012
أوراق قديمة 32
فكرة عن الإصلاح الزراعى
بعد تحديد ملكية الأراضى الزراعية، أولا بمائتى فدان ثم نقصت إلى مائة فقط لجميع الأسرة، قام مجلس قيادة الثورة بتوزيع الأراضى “المصادرة” على المعدمين بواقع خمس فدادين لكل أسرة، ومن هنا كانت الأغنية الشعبية: فددادين خمسة .. خمس فدادين! ولا أعتقد أنه قد تم تعويض أصحاب الأرض المصادرة رغم أنه كان ثمة حديث عن ذلك، ولكن حتى لو كان كذلك فإنه لم يكن تعويضا حقيقيا (يعنى القيمة مقسومة على عشرة) وكان بالتقسيط المريح المريح .. وحتى ذلك لم يكتمل فى أى يوم من الأيام. وأعتقد أنه قد تم تناسى الموضوع تماما مع مرور الوقت!ـ
عندما كنت فى بداية التطلع لفهم ما يجرى حولى، وجدت الناس يهللون لتأميم قناة السويس. فسألت خالى: يعنى إيه تأميم؟ ففهمت عند ذلك الفرق بين التأميم والمصادرة. وأن التأميم يعنى تعويض أصحاب الشىء بجد أما المصادرة فكانت على أساس أن أصحاب الأراضى قد حصلوا عليها بدون وجه حق!!ـ
وكان هذا من أخطاء الثورة.. فالتعميم بهذا الشكل يثسم الناس إلى “فلول” العهد البائد (حرامية يعنى) وجيل الثورة الحالية (أطهار شرفاء ملائكة يعنى!) ورغم أن هذا ليس عدلا ولا ديمقراطية ولا تكافؤ فرص ولا أى شىء مما أعلنوا أنها من مبادئ الثورة آنذاك إلا أن الجموع كانوا فرحانين بالخطأ، مما جعلنا نحن السواد الأعظم من الشعب نتحمل وزر ذلك الخطأ بنفس المقدار كما يتحمله مجلس الثورة. بالطبع كان هناك من تحدث عن ذلك وقتها حينا بصوت مسموع وأحيانا بريقة غير مباشرة حتى لا “يتهم” بأنه عدو الثورة، ولكن هؤلاء كانوا قلة (بكسر القاف .. ومن غير مندسة يا خفيف الدم!).ـ
على فكرة التشابه الشديد بين أخطاء الأمس وأخطاء اليوم ليس مقصودا منى ولكنه حقيقى! وما ذكرته هنا مثال فقط لتكرار نفس الأخطاء هى هى، مما يعنى أن شباب جيل الثورة الحالية لم يقرأ ولم يتعلم وإنما يعتمد على البلابيع التى أخذ الإعلام الموكوس والعملاء يغذوه بها طوال عشر سنين ماضية على الأقل.ـ
أما حكاية الحصول على الأرض بدون وجه حق، فقد كان الإنعام الملكى أحد طرقها. الألقاب فى زمن الإحتلال التركي؛ وهى “بك” (بالعامية: بيه) و “باشا” كان ينعم بها الملك حسب المزاج والمصلحة، ويأتى مع اللقب أيضا الإنعام بقطعة أرض. بعض هذه المنح كانت بدون مقابل، ولكن البعض كان “يشترى” اللقب. وقد تتعجب وتظن أن هذه رشوة للحاكم ولكن فى ذلك الوقت كان هذا “تقليدا” معروفا ضمن التقاليد التركية العثمانلية فى زمن العجائب، حين كان العبيد يحكمون مصر ويسمونهم المماليك!!ـ
المهم .. جرى بعد ذلك تكوين الجمعيات التعاونية الزراعية .. وهو نظام معروف فى الدول “الإشتراكية” (الشيوعية بشرطة) لتلافى أضرار تفتيت المساحات الزراعية بأن تقوم جهة ما على استراتيجية الزراعة. والجمعيات التعاونية نظريا هى قطاع خاص، ولكن عملياً كانت شكلية فقط، ولهذا تشكلت الهيئة العامة لإصلاح الزراعى لكى “تعاون” الجمعيات لمدة مؤقتة إلى حين أن تقف تلك الجمعيات على ساقيها وتعتمد على تمويل ذاتى ويتكون لديها الخبرة والمعرفة والتمويل الذاتى اللازمين. وكما هى العادة فى مصر فإن “المؤقت” استمر حتى الآن أكثر من ستين سنة … ولسـَّـه!ـ
وكان فى ذلك الوقت يجرى تحويل مساحات كبيرة جدا من رى حياض إلى رى دائم. ورى الحياض لمن لا يعرف هو انتظار فيضان النيل فى صيف كل عام ليرتفع منسوبه ويغمر المساحات العالية. وكالعادة فى الرى بالغمر تقسم المساحات مسبقا إلى أحواض (ومن هنا تسمية رى “الحياض”). وهكذا تزرع تلك الأراضى المرتفعة مرة واحدة فى السنة. ثم كان بناء السد العالى ومن أهم مزاياه التحكم فى مرور المياه. وبالتالى يصبح بالإمكان الحصول على مياه الرى طول السنة وتتحول الزراعة إلى الدورة الثلاثية يعنى ثلاث مرات فى السنة.ـ
والفكرة من قسم “مشروعات” الإصلاح الزراعى ليس فقط أن نشترى وننشئ محطات الرى الجديدة ولكن أيضا أن نحاول بحث إمكانية استخدام ما هو متاح ونقله إلى أماكن أخرى حيث تتوافق المواصفات، ربما أيضا مع بعض التعديلات. وكنا نعتمد فى الدراسة على الجهود الذاتية، ولم نكن نعرف مقولة: دى ماخدنهاش! أو: أنا ماعملتش الشغلة دى قبل كده! فقد كنا نعرف أنه لكى يكون هناك “قبل كده” لابد أن تكون هناك “أول مرة”.ـ
زمن التحول
لم يكن حال شباب جيلنا أفضل مما عليه الشباب الآن، رغم ما اعتاد كبار السن مثلى من قول أن زمانهم كان الزمن الجميل. هناك بالطبع داخل كل زمن فروق بين الحالات الفردية، ولكن بوجه عام، ليس هناك زمن جميل وزمن ردىء بالمعنى المطلق.ـ
الغالبية من خريجى الجامعة فى جيلنا كانوا من عائلات “مهدودة” الدخل، فكان الطبيعى أن تنتظر العائلة بفارغ الصبر أول خريج من أبنائها ليبدأ فى المساهمة فى ميزانية العائلة. وحتى عندئذ ففى الأغلب أن الغلاء سيؤدى إلى أن يبقى الحال تقريبا على ما هو عليه إن لم يصير إلى أسوأ! الغريب فى الأمر ـ بالنسبة لى على الأقل ـ أن فى شبابنا لم يكن أحد “يعلمنا” هذا المبدأ، بل كان العكس (يعنى عدم الحاجة إلى المساهمة) هو ما يحتاج إلى إخبار. وأرى أن مثل ذلك ليس هو الحال الآن، وليس لدى تفسير لهذه الظاهرة ـ إذا كانت ملاحظتى صحيحة ـ إلا أن الزمن تغير .. وكما يقول الخليجيون: الأول تحول!ـ
كنت فى صغرى مثلا أشترى اللحم بالرطل (أقل قليلا من انصف الكيلو). وكان اللحم يباع فى الإسكدرية بالأقة (الأقة أكبر قليلا من الكيلو) ولا تسألنى لماذا ذلك الإختلاف، فأنا لا أعرف .. كما لا أعرف لماذا يكون “البتلو” فى القاهرة هو “الشمبرى” فى الإسكندرية! المهم .. لم نكن نفكر فى الدجاج إلا فى المناسبات أو عندما يأتينا ضيوف. والدجاج كان بلدى ويباع فى السوق حيا فى العادة ويمكن أن يذبحه لك البائع.ـ
ثم بدأ الأمر يختلف فى الستينات، فرأينا لأول مرة الفراخ البيضاء (الدجاج الأبيض) المستورد. وهكذا انحسر التردد على الجزار وبدأنا نشهد الطوابير على الفراخ! والحقيقة أن اطوابير شملت كل شىء. يعنى من الطبيعى جدا أن تكون ماشى فى أمان الله ثم تجد طابورا فتنتظم فيه على الفور .. ثم تسأل الواقفين بعد ذلك: هو الطابور ده بتاع إيه؟ وقد يكون طابور للبيض أو للفراخ أو لأى سلعة أخرى، لايهم فأنت ستشترى أيا كانت السلعة .. هو الواحد بيلاقى مكان فى طابور كل يوم! المهم أن يكون حظك حسنا ولا تنتهى السلعة يادوب قبل أن تصل إلى الخزينة فيصبح انتظار الساعات بدون فائدة.ـ
وفى ذلك الوقت طال الغلاء سندوتش الفول فأصبح بثلاثة تعريفة مما كاد أن يؤدى إلى ثورة، وكان ما نسميه الزمن الجميل أيام بائنا عندما كانت الخمس بيضات بمليم أو أقل، ثم أصبحنا نقف فى طابور البيض فى الجمعية الإستهلاكية بالساعات للحصول على كرتونة لا أذكر بكم جنيه وأبيض كمان، أما البيض البلدى فكان مثله مثل الدجاج البلدى للمشاهدة فقط بالنسبة لنا ـ مهدودى الدخل.ـ
كان هذا بعد قليل من القرارات الإشتراكية التى بدأت بالتأميمات فى 1962 (عشر سنوات بعد الثورة وستة سنين بعد عدوان 1956) وكانت أمريكا وقفت إلى جانبنا فى عدوان 1956 وكانوا السبب فى انسحاب المعتدين ولو ان قليلا من الشعب فقط كان يعلم هذه الحقيقة، إذ كان الإعلام عندنا يروج بقوة للإنذار الروسى، وكان الإنسحاب مشروطا بنزع سلاح سيناء والسماح للملاحة الإسرائيلية بالمرور عبر خليج السويس. يعنى كانت سيناء عمليا محتلة وتحت سيطرة القوات الدولية حتى قامت إسرائيل باحتلالها مرة أخرى قى 1967.ـ
كان التحول إلى الإشتراكية وبالا علينا فقد أصبحنا بموجبه “موظفين جكومة” .. كلنا نعمل لدى الحكومة، والحكومة هى بابا وماما وكل شىء. وبدأت البطالة المقنعة، ولم يعد هناك قطاع خاص، وكل من لديه رأس مال وضعه تحت البلاطة. وأصبحت البطالة المقنعة الآن مرضا مستعصيا بعد هوجة يناير 2011.ـ
ولم يكن التحول فقط على المستوى المحلى وإنما على مستوى العالم ككل. فقد بدأ “التحرر” من كل القيود تقريبا فى الغرب يزداد بسرعة أكبر فى الستينات، فبعد ثورة الرأى العام على المايوه الحريمى لأنه بدون أكمام فى أيام الحرب العالمية الثانية وبعد أن تناقص حجمه ببطء شديد طوال حوالى عشرين سنة بعد ذلك إلى أن أصبح بدون أرجل أيضا، فقد تسارع التطور ووصلوا إلى البيكينى فى أواسط الستينات، وبدأنا نقرأ عن “مستعمرات العراة” فى أواخر الخمسينات، وكانت نادرة وممنوعة فى كثير من دول الغرب، وانتشرت فى الستينات ولكن فى صورة مستعمرات محاطة بسور ولها اشتراكات وشروط للدخول وممنوع التلصص عليها ولا تجذب الكثيرين. ومع اقتراب العقد السابع من نهايته كانت مجلة بلاى بوى التى ظلت طوال خمسة عشر عاما تنشر صورا مكشوفة جزئيا فقط، قد بدأت فى الكشف تدريجيا عن أجزاء أكثر وأكثر … وأكثر.ـ
هذا كان يعنى تراجع تأثير الكنيسة الكاثوليكية تراجعا هائلا عما كان عليه قبل الحرب العالمية الثانية. وكانت مفاجأة مدهشة لنا حين قرأنا عن قرار الكنيسة إدخال الموسيقى إلى القداسات لجذب الشباب إليها. ولكن دهشتى شخصيا لم تكن كبيرة لأن ندوة الفيلم المختار (التى تحدثت عنها سابقا) كان ينظمها المركز الكاثوليكى للسينما التابع للكنيسة المصرية. وأيضا كان لدينا عودا فى منزلنا يخص جدى لوالدى رحمة الله عليه، ولم يعزف عليه أحج من بعده .. وطالما تمنيت العزف عليه ولكنى لم أستطع أولا لأن أوتاره كانت مقطوعة وثانيا لأن التعليم محتاج فلوس وثالثا لأن أبى رحمه الله كانـ كما قلت من قبل ـ لا يقبل أن لا يتفوق على الإهتمام بالدراسة أى شىء آخر.ـ
وأعتقد أن ذلك كان أيضا الوقت الذى قررت فيه الكنيسة الإنجيلية المصرية أداء الصلوات بالعربية فى حين ظلت الكنيسة الأرثوذكسية على الصلاة باليونانية (على ما أذكر) مدة طويلة. وربما ذكرت من قبل أنى قرأت الأناجيل الأربعة بالعربية وقد اشتريتهم من سور الأزبكية وأنا فى الجامعة .. ولم أحاول قراءة الإنجيل كاملا إلا فى وقت متأخر بعد ذلك، لأنى وقتها كنت أريد أن أعرف ماذا قال المسيح بنفسه فقط.ـ
وفى مصر كما كتبت من قبل انحسرت الملاية اللف من المناطق الشعبية بعد سنوات قليلة من الثورة. وفى الستينات أصبحت معظم نساء حارتنا يلبسن الفستان والجيبة والبلوزة! وفى الستينات إنتشرت تقليعة “الموضة” بعد أن كانت من اختصاص القلة الغنية فقط قبل الثورة! وكانت بيوت الموضة تعد على أصابع اليد الواحدة والتنافس بينها شديد، ولكن ايضا التنسيق بينها موجود بطريقة ما. وكانت الموضة تتغير من سنة إلى سنة. وفى النصف الثانى من الستينات ظهرت موضة المينى جيب وتبعها الكثير جدا من المصريات، ولم يقل أحد أيامها أنهن حرائر مصر، واقترن ذلك بموضة البوت العالى، كأنما يريدون تغطية جزء من عرى الساق .. وكلها أيضا: رزق الهبل على المجانين. وبيرعة تغيرت موضة المينى جيب إلى الميكرو جيب. و.. فضايح يا ولداه! وطببعا أنتم تشاهدون ذلك كله فى أفلام الأبيض والأسود. ثم أخيرا وعند نهاية الستينات ظهر الماكسى.. وغطت البنات سيقانهن، ليس بدافع الحشمة أو التدين ولكن بدافع من إيف سان لوران.ـ
أما بالنسبة للشباب (الصبيان)، فقد انتشرت قـَـصَّة الشعر المقلدة للخنافس (فريق البيتلز)، وما يصاحبها من شىء من التخنث المخزى. وانتشرت ظاهرة معاكسة الفتيات والتحرش بهن. فقررت الحكومة عقابا مستحدثا اقترحه عبد الحكيم عامر (الذى تسببت ترقيته “الإستثنائية” لرتبة المشير استقالة كثير من قدامى الضباط الذين لم يقبلوا أن يقودهم عيل من دور أولادهم! واحترام الأقدمية مقدس عند العسكريين): وكان العقاب هو القبض على من يفعل ذلك وإلحاقه بالجيش لمدد مختلفة حسب الحالة، حتى يخرج من الجيش راجل ويتحمل مسئولية ويعرف كيف يحترم نفسه.ـ
بعد عدوان 56 تمت محاصرة مصر اقتصاديا وانخفض سعر الجنيه، وكان هذا أحد أسباب التحول إلى النظام الإشتراكى وتحول العملة إلى محلية فقط. وأصبح الإستيراد من حق الدولة فقط. ولهذا كان مثال تهريب البضائع هو ما تحدثت عنه من قبل بالنسبة للزميل الذى أدخلت له بضائع فى الجمرك، ولولا ذلك لكان اضطر إلى محاولة استخراج إذن استيراد، مما يكلفه أكثر من ثمن البضاعة بعد أن يبيعها .. رشوة فقط! وهكذا بدأت سوق غزة (البضائع المهربة منها) فى الإزدهار. وتلتها سوق الأجهزة من اليمن! فقد كانت أعداد كبيرة من جيشنا تحارب فى اليمن ويحسدهم (!) الناس حين يرونهم عائدين فى إجازاتهم بكثير من الأجهزة. ولم يكن أحد يفهم ماذا أو من كنا نحارب هناك. وقد فقد زميل كان من دفعتنا فى الثانوية العامة ودخل الحربية فتخرج قبلنا، فقد ساقيه هناك.ـ
وفى الستينات كان الإستعمار القديم ينحسر بسرعة من أماكن كثيرة واستقلت تونس والمغرب وغيرهما من البلاد العربية، واستقلت الجزائر فجأة فى الستينات. وكلمة “فجأة” هنا مقصودة. فقد كانت المقاومة تحاول الدفاع عن نفسها فقط ضد الفرنسيين المولودين فى الجزائر Pieds Noirs وكانوا يطالبون بنوع من الحكم الذاتى تحت راية فرنسا، وفى نفس الوقت كانت المفاوضات جارية. ثم لم يصدق الجزائريون أنفسهم حين سمعوا فجأة إعلان ديجول الذى يعطى “المواطنين” الراغبين فى الإحتفاظ بالجنسية الفرنسية مهلة (على ما أذكر) 48 ساعة ليلحقوا خلالها بوسائل النقل البحرية والجوية المتوفرة مجانا ليغادروا الجزائر وإلا تصبح الحكومة الفرنسية غير مسئولة عنهم وعن مصيرهم.ـ
إغراء المال
كنا ـ نحن المهندسان حديثى التخرج ـ فى ذلك الوقت فى قسم المشروعات بالإصلاح الزراعى مسئولان عن مشروعات بالآلاف ومئات الآلاف. وكان توقيعنا يفوت فى الصخر ويكفى لاطمئنان الجميع بعدنا بسلامة الأرقام والتقارير. كنا أيضا “بنشحت” (مجازا يعنى!) وإن كانت ظروف من لا يضطر للمساهمة فى ميزانية الأسرة افضل قليلا، ولكن الغلاء كان يتزايد باستمرار رغم إخضاع كل شىء للتسعيرة. وأصبح معروفا أنه إذا أردت اختفاء سلعة فتطبق عليها التسعيرة، فإذا لم تختفى فلن يظهر منها إلا الأنواع الرديئة والمعطبة .. و .. “مافيش نقاوة عندنا يابا .. كله على بعضه كدة.”ـ
فى ذلك الزمن الذى تظنونه جميلا كنت أستدين حتى خمسين قرشا من أحد أصدقائى لأستطيع السفر فى مأمورية. ولم أكن أستطيع سداد ديون السفر إلى ألمانيا بل كانت الديون تتزايد شيئا فشيئا دون أى أمل فى تحسن الحال، حتى ولو تنازل الجميع عن الديون السابقة!ـ
وكانت فرص الثراء الحرام متوفرة بوفرة وافرة موفورة (صيغ مبالغة!)، خاصة عندما تكون تعمل فى مجال المشروعات، ويوجد إثنين مهندسين حديثى التخرج وواحد مهندس خبرة (دبلوم صنايع وخبرة عشرات السنين) هم الموكل لهم استلام وفحص وقبول أو رفض أعمال المقاولين وكذلك حصر الأعمال. وكان ذلك المهندس الخبرة يعمل وحده (!) .. يعنى يتبع مكتب المشروعات تنظيميا فقط ولكن لا أحد منا ولا حتى رئيس المكتب يوقع معه على شىء ولا يحاسبه على شىء! أما الإثنان الآخران (م. روبرت والعبد لله) فكانت سمعتنا معروفة فى أرجاء الهيئة كلها وبالتالى لايطمئن الدكتور السمنى إلى نظافة عملية إلا إذا كان توقيع أحدنا عليها. واعذرونى فى الإطالة، ولكنى أريد ذكر هذا المثال:ـ
أبلغنا الأستاذ إبراهيم مصطفى بأمر الدكتور السمنى أن نذهب صباح اليوم التالى لحصر أعمال مقاول ببساتين سراج الدين. كان هذا خاصا بمشروع الرى بالرش هناك. [توضيح: د/ السمنى هو الذى كان يجاهد لنشر الرى بالرش فى مصر بدون استجابة من أحد. وأخيرا وافقوا له على مشروع بالشرقية لكى يسكتوه. والمضحك المؤسف أننا بعد ذلك بعشرين عاما تقريبا تعلمنا الرى بالرش من العرايشية (أهل العريش) الذين اشتروا أرضا (وضع يد) فى الشرقية وأقاموا مشروعا كبيرا للرى بالرش من المياه الجوفية، وهم تعلموه من إسرائيل أثناء احتلال سيناء! وربما لا ينتبه الناس إلى أن أسماء المعدات اللازمة عبرية.]ـ
ما علينا .. لم نكن مختصين بالإشراف على ذلك المشروع. لذلك فهمنا (طالما حدد السمنى أسماءنا نحن الإثنين معا) لمأمورية بسيطة جدا لا تتجاوز قياس أطوال مواسير، بأنه يريد أن يتم ذلك بأمانة! وهذه كانت مواسير كبيرة على ما أذكر 24 بوصة وسيتم الردم عليها بعد حصر أطوالها.. وكان المتر بحوالى مائتين جنيه، يعنى يساوى خلو شقة خمس حجرات وصالة من بتوع زمان فى مصر الجديدة أو جاردن سيتى التى إيجارها كان حاجة ببلاش كدة!ـ
طيب إذا كنا نحصر ما مجموعه بضع مئات من الأمتار، فهل من الصعب الخطأ فى ثلاثة أربعة أمتار يعنى غير الفكة؟ـ
بدأنا فى صباح اليوم التالى مع مندوبى المقاول فى القياس الذى يستعمل فيه الشريط العشرين متر. والخطأ المعتاد فى قياس الشريط حوالى عشرة سنتيمترات لكل طول (من حصر أعمال مدنية يعرف هذا) يعنى كان من السهل حتى بدون أى تعمد الحصول على “عرقنا” على هذا الأساس فقط! بعد أن انتهينا من القياس مع مندوبى المقاول وتسجيل كل شىء، وبدأوا يعدون المحضر قلنا لهم: معلهش استنوا شوية عاوزين نراجع تانى. قالوا مافيش مانع ياللا. قلنا: لأ .. إحنا حانراجع لوحدنا! وكأن الناس نزل عليهم سهم الله كما يقولون فى الأمثال! واضطربوا وراحوا وجاءوا وتحججوا بقرب قدوم الإفطار لكى يؤخرونا فقعدنا ننتظر. وبسرعة أحضروا لنا إفطارا ملوكيا! يعنى عيش فلاحى وزبدة وجبنة وبيض وسلطات وعسل ولبن .. [يمكن قالوا فى نفسهم: إطعم الفم تستحى العين!].ـ
كان الأكل شهيا فعلا وانبسطنا .. ولكن العين لم تستح! فبدأنا القياس كله من أول وجديد واستغرق ذلك حوالى ساعتين … وحدنا. واتضح فرق لا يقل ـ على ما أذكر ـ عن عشرين متر. ووجدنا صاحب شركة المقاولات رجل فخم وشكله محترم جدا قد حضر فى سيارة مرسيدس ومعه سيارتين أخرتين.. يعنى موكب استعراضي قوى! وجلس يتحدث معنا باحتراس (يعنى بأدب وباحترام وبطريقة غير مباشرة) ونحن نفهم أنه يريد أن يصل إلى سعرنا. والمقاولون عادة لا يصدقون أن أحدا فى هذه الدنيا ليس للبيع. وبعد أن قضى أكثر من ثلاثة أرباع الساعة، اقتنع أخيرا أننا لسنا للبيع بأى ثمن ولا حتى بثمن العشرين متر كلهم!ـ
هذا المثال المختصر ليس المقصود منه الرياء، ولكن المقصود أولا: بيان أن الله يعاونك إذا خلصت نيتك. يعنى أن يكون زميلى فى المكتب ورئيسنا المباشر بنفس النظافة، فهذا بلا شك توفيق من الله تعالى. وثانيا: بيان أن د/ السمنى ليس كما أشيع عنه أيام مديرية التحرير يقبل الرشوة، وإلا ما كان أمرنا بهذه المأمورية وغيرها مما كانت الدقة والأمانة مطلوبين فيها.ـ
ثالثا وهو الأهم، مناسبة هذا المثال هى التعبيرات التى لقيت رواجا بعد هوجة يناير 2011 والتى تقول: هو يعنى لو كان دخله كويس كان عمل كده؟ـ
يدهشنى هذا التعبير كثيرا عندما أسمعه تبريرا لخطأ أو رشوة .. ويدهشنى أكثر عندما ينتشر ويصبح كأنه حكمة اليوم التى يرددها الجميع! المصيبة أنه يتردد بصفة انتقائية، يعنى يستخدم فقط إذا لم يكن المخطئ من الفلول .. وهى الركوبة التى امتطاها الراقصون والأراجوزات لكى يقسموا الناس ويظهرون هم!ـ
كرم الله
كان من أعضاء مكتب المشروعات أيضا الأستاذ وديع (رسام) والآنسة ن (رسامة) ثم انضم لنا أيضا زكريا الذى علمناه الرسم والتحبير وساعدنا فى تعيينه رساما. وكان زكريا شابا مستقيما جدا ومؤدبا جدا وفقيرا جدا! وكان هو العائل الوحيد لأمه، وربما أن ذلك البر من أسباب كرم الله له. وكان يتبعنا أيضا ورشة متنقلة تقوم بأعمال التركيبات الخفيفة إذا قررنا عدم الحاجة إلى مقاول لها، ويشرف على تلك الورشة من المكتب واحد خبرة حكايته حكاية ليس مناسبتها الآن. وكان الجميع عبارة عن أسرة واحدة. وهذا أيضا من كرم الله لنا جميعا، فقد كانت العلاقة النظيفة بيننا عاملا مساعدا كبيرا وسط خضم التهليب الذى نراه حولنا. ومثلا أحد المديرين بنى فيللا فى بلدته بدون أن يدفع فى مواد بنائها مليما واحدا .. ولكنه توفى فى نفس اليوم الذى كان مقررا انتقاله وعائلته لها!ـ
وتطورت العلاقة بالذات مع الآنسة ن إلى علاقة أخوة نادرة فى صفائها ونقائها. وكانت وحيدة أبويها. علم كل منا أخبار وأسرار “وجع القلوب” لدى الآخر أولا بأول وكنا نتبادل النصائح والآراء. ولما تعرفت بشاب كنت متابعا لذلك عن قرب، وبعد أن تأكد له أنها “مش من إياهم” [ولم تكن محجبة ولا منقبة على فكرة] عرض عليها الزواج. ووقفت بجانبها والتقيت بالأخ عدة مرات وحضر عندنا بالمكتب مرتين. وكان الإثنان مثلنا من مهدودى الدخل، وكل ما استطاعه أبوها هو بناء غرفة على السطوح وفعلا تم الزواج فى تلك الغرفة بدون تشطيب وأنجبا ولدا فى منتهى خفة الدم، وكان عندى فيلم كامل (36 صورة) صورتهما معا فى حديقة وزارة الزراعة قبل أن أترك الإصلاح وتنقطع الصلة بوقت قصير.ـ
أما زكريا فقد توسط له م/ روبرت بعد أن انتقل للعمل فى مجمع الصلب ليعمل هناك بمرتب أفضل. وظل على اتصال به وكنت أتابع أخباره عن طريق روبرت وكان إلى جانب عمله بالمجمع، قد وفقه الله فى واحد صاحب تاكسى، وثق فيه فسلمه التاكسى من بابه. وهذا لا يحدث عادة حتى بين الإخوة! كان زكريا يستخدم التاكسى فى تنقلاته وكذلك فى توصيل الناس، ويورد حصيلة التاكسى بمنتهى الأمانة إلى صاحبه الذى لم يكن يراجعه فى أى أرقام.ـ
كرم الله واسع جدا يا جماعة .. لدرجة أنك تحتار فيه، ولا يمكن أن تقيسه بمقاييسنا الدنيوية!ـ
عندما تصبح الوكسة أوكس
عندما قامت الهوجة العام الماضى بدأ المولد. ورقص الرقاص وأنشد المداح وطبل الطبال وأتى الحاوى بأعاجيبه ليعجب المتفرجين و.. ويسترزق!
ومثل كل الموالد اشتمل المشهد أيضا على الشرفاء .. ولكن الشرفاء لا يبقون طويلا بالمشهد فمنهم من لديه أعمال لابد أن يعود إليها، ومنهم من يكدح من أجل الرزق ويكفيه يوم أو يومان ليعبر ويشارك. ومثل كل الموالد لن تجد هؤلاء الشرفاء فى نهاية الليلة وسيبقى فقط الطبال والمداح والراقص والـ “متعودة” (واخد بالك .. بتاعة الليل وآخره!)! وبتوع التلات ورقات.
فى مثل هذا اليوم منذ اثنى عشر عاما أعيد مقر جامعة الدول العربية من تونس إلى القاهرة بعد أن ظل منفيا حوالى عشر سنوات. واستعادت مصر مكانها بعد أن حاصرها العرب حوالى عشر سنوات. ترى هل ذكر إعلامنا ذلك؟ وإذا لم يكن ذلك الحدث يستحق التذكر، فهل مظاهرات الطلبة سنة 1919 هى التى تستحق التذكر؟
يطلع علينا ملحق الجمعة من الأهرام بمانشيت واحد: “إحنا التلامذة” يحتل نصف صحة كاملة مع وصورة ضخمة لتلميذ فى أرذل العمر(!) مع التنويه بأن الزعيم مصطفى كامل اعتمد فى كفاحه على تلك المظاهرات! ثم صفحة 3 كاملة يتصدرها عنوان: “بين فبراير 1946 وفبراير 2012 الثورة مستمرة”. يعنى يكتشف أرزقية الجريدة أن الثورة مستمرة منذ حوالى تسعين عاما (فى الصفحة الأولى) أو منذ حوالى خمسة وستين عاما (فى الصفحة الثالثة)، الثورة الوطنية القائمة على مظاهرات التلامذة!
هل هذه هى جريدة الأهرام التى كانت على قمة الإعلام الرصين يوما من الأيام لتصبح الآن لا تفرق عن الجرائد الصفراء؟
تزامن ذلك مع دعوة عمر الخائن والحركة العميلة 6 إبليس إلى تظاهر التلاميذ. تلك الدعوة التى انتقلت فورا إلى مرحلة التنفيذ فرأينا الأطفال يخرجون من مدارسهم فى مظاهرات لا هم يفهمون ـ ولا نحن نفهم ـ هتافاتها. والهدف واحد منذ أشهر طويلة: ضرب الجيش .. تلك الخطوة التى تأخرت كثيرا ويستميت العملاء من أجل تحقيقها، وللعلم: لم يهدأوا حتى الآن.
هذا التزامن ليس وليد الصدفة، ولكنه وليد الوكسة التى ازدادت بعد الهوجة فأصبحت مصيبة ودمل كأنه مزمن فى جسد الوطن. وهى نفس الوكسة التى حشدت كل الأقلام وكل الخبراء ليؤكدوا بمناسبة وبدون مناسبة أن الثلاثين سنة الماضية هى أظلم سنين مصر، بل أنها كانت هى الإظلام التام والظلم الفادح والتأخر والفساد والإفساد والسرقة والـ…. 70 مليار زفت.
وهى نفس الوكسة التى تزف خبر بداية نظر قضية “كشف العذرية” مثلا مع موضوعات مطولة عن “الحرائر” اللاتى كشفهن الجيش كأنما هو خبر الموسم أو مثل قضية محاكمة مبارك التى أسماها الطبالون قضية القرن. ثم ينشر خبر البراءة ـ سواء براءة الطبيب أو براءة السنى ـ فى مربع صغير لا يكاد يبين بصفحة الحوادث.
وهى نفس الوكسة التى تدعونفس الجريدة للطبل والزمر والتهليل لما سموه “الوفد الشعبى” الذى حل مشكلة مياه النيل بمجرد زيارة إلى أحد دول المنبع، مع مقارنة ذلك بفشل النظام “البائد” فى حلها عبر عشرات السنين! ثم يتضح بعد ذلك من بين سطور أخبار صغيرة متفرقة أن الموضوع كان فرقعة كدابة ولا حل هناك ولا شىء سوى أوهام.
وبمناسبة الوفد الشعبى .. نتذكر الوفود “الشعبية” التى دعتها دولة الفرس فى موجات متلاحقة والتى هللت لها أيضا الأهرام مع أحاديث مطولة لمسئولين من الفرس يعدون بحل مشاكل مصر المالية كلها وفتح الخزائن لنغترف منها ما يغرقنا فى بحار العسل إلى الأبد!
فمنذ الهوجة وقيام مولد الشيخ العبيط ، ظهر النجم القادم مباشرة من الجامع إلى التليفزيون وملايين الرزق الوفير بالتليفزيون. وأصبح “سلو بلدنا” هو السب واللعن “بما لا يخالف شرع الله”! ومحو ثلاثين سنة من عمر البلد، كأنها لم تكن. وظهر الطبل والزمر والرقص على الطريقة الحديثة الأنتيكية، التى ضحكت علينا وأفهمتنا ـ أو أفهمت الكثيرين منا ـ أننا قمنا بمعجزة لم تحدث فى العالم ولا فى التاريخ كله. وكما يقول المثل: رزق الهبل على المجانين!
وبعد الهوجة وما تلاها من هوجات لا معنى لها ولا رائحة سوى رائحة الخيانة والموت .. ظهر من سيخلص البلد من الفساد بأن يرفع الأذان وسط جلسة مجلس الشعب، ولابد أن يفكر المسئولون فى تعيينه مبعوثا دائما إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة ليرفع الأذان هناك! على الأقل هناك يكون له حجة أنه يدعو للإسلام فى وسط غير مسلم، أما أن يدعو (أو يتفشخر) بين المسلمين، فهى الوكسة والخيبة بالويبة.
وما زال الناس تنام وتصحو على برامج النكد كل ليلة، وقد استرحت شخصيا منها والحمد لله بالإمتناع عن مشاهدة أجزاء منها كما كنت أفعل فقط من باب حب الإستطلاع والمعرفة العامة، فقد أصبح الأمر أكثر من ممل ومقرف ويثير غباء محترفيها الغثيان. ونصيحتى للجميع أن يفعلوا أى شىء فى الدنيا غير مشاهدة التليفزيونات العربية كلها من بعد العشاء إلى صباح اليوم التالى.
عندما قدمت دولة أنتيكا مسرحية تفجيرات نيويورك فى 2001 سخر زعماء النازية الجديدة من عقليات المستعمرين التقليدية القديمة التى كانت تعتمد على الإحتلال المباشر، وقالوا أن المعركة الحديثة سلاحها الأساسى هو الإعلام المعتمد على تقارير المخابرات. ولم تخل هذه المقولة من الفائدة، فقد نبهتنا منذ الأيام الأولى إلى العملاء الأساسيين، فهم الذين ظهروا (أو ظهرت أصواتهم) فى المحطات الفضائية وعلى صفحات الصحف من أول يوم فى الهوجة .. وسبحان الله .. كأنهم جميعا ـ العملاء والطبالين والرقاصين والمداحين ـ كانوا على موعد.
وأعود إلى ما بدأته:
فى مثل هذا اليوم أعيد مقر جامعة الدول العربية من تونس إلى القاهرة عام 1990 بعد أن ظل منفيا حوالى عشر سنوات. هل لا يستحق ذلك كلمة عن السبب والكيفية والتحليل، أم سيظل إعلامنا موكوسا؟
أظنه سيظل موكوسا .. ليس كما كان من قبل الهوجة، ولكن .. أوكس!!