Archive for سبتمبر 2010
أوراق قديمة 25
مقال جمال الشاعر و4مقالات أخرى فى هذا الرابط
http://www.ahram.org.eg/297/2010/09/22/10/index.aspx
والمقالات الأخرى للشاعر أحمد عبد المعطى حجازى وشريف الشوباشى ونبيل عمر وإلى جانب الشاشة تجدون مقالا بعنوان عبد الناصر بين طبيبه وكاتبه.
رغم أخطاء صحيفة الأهرام ـ وجلَّ من لا يسهو ـ إلا أنها لا تقلل من ثقل الأهرام كمؤسسة تحاول أن تخرج من وكسة عالم الصحافة عموما فى مجتمعاتنا. وأخطاء الأهرام فى الأرقام أصبحت شيئا معتادا، فأنت وحظك .. قد تقرأ الأرقام من اليمين للشمال أو بالعكس وفى الحالتين سيكون الرقم غير صحيح .. لأن كثيرا ما تسقط أصفار وتدخل أصفار أخرى فى أماكن أخرى والعلامة العشرية تصبح علامة أحادية .. فالأرقام فى الأهرام سمك لبن تمرهندى!
ما علينا .. لكن كما قلنا هذا عدد جيد جدا من المقالات الرصينة والجادة قلما تجدها كلها فى إصدار واحد من أى جريدة. وهو ما يجعلنا نغفر بعض الزلات مثل زلة “يوم ولدت مصر” فى مناسبة عيد ميلاد الريس التى كانت سمجة إلى آخر حدود السماجة! والزلة التى لم يكن لها أى لزوم بالمرة بخصوص صورة خبر محادثات شرم الشيخ، ولا أؤيد د/ سعيد فى دفاعه عن رئيس تحريره أو غيره. الصورة بمقدار حجمها وتوقيتها هى زلة سخيفة أكرر لا لزوم لها بالمرة. وقد قلت نغفر ولم أقل ننسى.
وبالمناسبة، فإن مقال نبيل عمر عن تمثيلية تفجيرات نيويورك، جاء ربما متأخرا تسع سنوات، والحقيقة أن التساؤلات بدأت فى نفس يوم 11 سبتمبر بمجرد أن أذاعت الـ سى إن إن أن المبنى سينهار بعد ساعة. وأنا شخصيا بدأت أبحث فى كل المواقع منذ ذلك الخبر الذى لم يكرروه لشدة سذاجته وفضحه للعملية كلها. فأولا لم يحدث فى التاريخ أن انهار مبنى لاصطدام طائرة به. وثانيا مبنى مثل موضوع 11 سبتمبر مصمم على مقاومة ليس فقط الرياح ولكن أيضا الأعاصير والزلازل لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يسقط بسبب طائرة، وثالثا انهيار المبنى رقم 7 بدون لا طائرة ولا يحزنون .. وقالوا وقتها أن ذلك بسبب النيران، رغم أن المبنى لم يحترق .. يعنى شعلات بسيطة هنا وهناك، ولكنه والله لم يحترق. ثم توالت الدلائل بعد ذلك وأهمها مبنى البنتاجون. والإعلام الأمريكى الموجه يتحدث عن مبنيين التجارة ولا يتحدث تقريبا بالمرة عن البنتاجون، رغم أن مفتاح المسرحية كلها هناك .. فى البنتاجون.
المهم ما علينا .. نعود إلى المقالات التى ذكرتها ويهمنى منها الآن مقال جمال الشاعر عن “كازانتزاكس” الذى لا أعرفه وربما لا يعرفه سوى طلبة الفلسفة الجدد الذين ـ مثل جمال الشاعر ـ لم يكفوا عن القراءة بعد الليسانس! والرابط المباشر له هنا:
http://www.ahram.org.eg/297/2010/09/22/10/40112.aspx
الحقيقة أن المقال كما يقولون “جه على الجرح”. ولو أن هذا القياس طبعا مع الفارق الشاسع، فلا أدعى أنى مثل كازانتزاكس أيا كان حجمه فى عالم الفلسفة، ولا أنا مبدعا ولا أى شىء. ولكن جمال الشاعر عبر بطريقة غير مباشرة عن السبب الذى دفعنى للبحث فى أوراقى القديمة والكتابة عنها. وأنا لم أستطع التعبير عن ذلك السبب كما فعل هو. فهو مثلا يقول على لسان كازانتزاكس: “آه على بعض الوقت .. ما يكفى فقط لإنهاء عملى وبعدها فليأت إله الموت.”
ثم يعلق: “لكن لماذا يشغل الإنسان نفسه بقضية إتمام مشروعه الإبداعى وهو يعلم أنه ميت ميت لا محالة. واضح أنها مسألة اختيارية.” ويقول: “والمبدع والفنان والأديب مَثـَل.. يظنون أن الله يحاسبهم عن تقصيرهم فى إظهار عظمة الله فيهم إلى الخلق.”
وأكرر: القياس مع الفارق الشاسع .. ولكن بما أنى كنت مقدما على عملية قلب مفتوح الأسبوع الماضى فقد أحسست بشىء مما جاء فى ذلك المقال، لأن الهدف من “أوراقى القديمة” أساسا هو أن تصل التجربة بمزاياها وعيوبها إلى الشباب من الجيل الحالى ليحدث التواصل ولكى نوقف ـ ولو فى حدود متواضعة جدا ـ ذلك الزحف الشيطانى المخيف من الإعلام الخارجى والأرزقية الداخليين الموكوسين لغسل العقول وإلقاء الرعب واليأس فى القلوب وتبرير عدم الأمانة فى العمل وفى المعاملة.
وتأجلت العملية أسبوعا فسعدت بكتابة حلقة أخرى من تلك الأوراق، لأن حظى كان أوفر من كازانتزاكس الذى كان يتسول ربع ساعة فقط ليكمل عمله، أما أنا فقد أهدانى القدر أسبوعا كاملا.
لا أقول أن ما أكتبه إبداعا أو حتى مقالات هامة، ولست أقارن نفسى بأى شخص، ولكنى أرجو أن يكون صدقى مع نفسى كافيا لأن تتفهموا الشعور الذى أتحدث عنه ولا تعيبوه علىّ.
والآن إلى الحلقة 25 من الأوراق .. ومن يدرى … ربما نلتقى مرة أخرى بعد العملية .. إذا كان لنا عمر!
أوراق قديمة (25)
أبــلا والأفـندى
كنت أقول دائما “أبـلا” .. وكان إخوتها وأخواتها يقولون لى: عيب ياولد .. إحنا بنقول لها أبلا، لكن انت تقول “طنط”! كانوا يقولون ذلك احتراما لأنها أكبرهم. أما أنا، فلأن الحب بيننا كان متبادلاً وقوياً فلم “أسمع الكلام” ، ولم تغضب هى.
ورغم أنها من جيل اليشمك إلا أنها كانت رياضية وسباحة جيدة، فقد كانوا زمان يخصصون يوما أو وقتا منفصلا للسيدات فى حمامات السباحة بالنوادى. وأعتقد أنها عزفت علي البيانو الذى فى منزلها أمامى مرة ولكن كان هذا منذ زمن طويل، وأعتقد أنها ربما نسيت العزف بعد ذلك .. يعنى بعد إنجاب الأبناء الواحد تلو الآخر … ستة!
كان إذا ما افتقدنى أحد يقولون: لازم عند “أبلا”! وأحيانا ما كانوا يعاكسونى بالتندر على ذلك. أمى كانت تبتسم سعيدة فقط.
أما الأفندى فهو زوجها. وهكذا كانت تدعوه: “اللفندى”، ويدعوه الجميع حين لا يكون موجوداً .. وهو “بابا” حين يكون موجودا. وكان اللفندى عصبيا بطبيعته وابن نكتة وسريع البديهة وقفشاته تموت من الضحك. وإذا تعصَّب على “أبلا” فليس أكثر من لحظة أو أقل، فابتسامتها وهى تنظر بطرف عينها لم تكن تقاوَم.
وكان الحب متبادلا أيضا بين اللفندى وبينى. وكنت أصحبه كثيرا فى جولاته التى تستمر طيلة النهار. فهو لا يعود للمنزل إلا ليلا، والمرة الوحيدة التى فهمت أنه أعطى نفسه أجازة، كانت عندما حضر إلى القاهرة مع أبلا لقضاء أسبوع فى الكبريتاج بحلوان. فهو يعمل فى الأعمال الحرة، وهو نموذج للعصامى الذى ربما تسمعون عنه .. لكن أنا رأيته! وهو ذكر لى أطرافا من حكاياته!
مثلاـ وجد نفسه فى الجمرك بالإسكندرية، وسأله أحدهم تعرف “تخلص” الورق ده؟ لم يتردد فأخذ الورق وجرى إلى أقرب موظف يسأله عن الخطوة التالية، وهكذا كلما حصل على توقيع يسأل عن الخطوة التالية حتى أنهى التعاملات كلها. وكان عندما يحس بالتعب آخر النهار من الدوران كالنحلة يكون سعيدا بما كسبه من رزق حلال.
مثلا ـ وجد نفسه بائعا متجولا ففضل أن يدور بتجارته بدلا من أن يقف مكانه. فكانت سعادته تزيد بزيادة تعبه وعرقه طول النهار بين البلاد. وعمل فى البورصة وعمل فى كل مكان. ولم يتحرج يوما أن يقول كنت أعمل هنا أو هناك. بل كان يفخر بأى عمل ولو كان صغيرا .. وزاد نشاطه بعد الزواج، حيث كبر لديه الإحساس بالمسئولية وصمم أن يهيئ لعائلته أفضل الظروف.
كثير هو الكلام عن الحب والزواج والسعادة وكثيرة هى النظريات والفلسفات والحكم المأثورة. وما أتحدث عنه هنا هو زواج تقليدى أقصى ما يمكن أن يسبقه هو بعض القبول أو الإستلطاف بعد رؤية واحدة .. فلم يكن مسموحا بأكثر من ذلك فى الأربعينيات أو ربما فى الثلاثينيات. ولم يحتاج الإثنان إلى كلام كثير ولا نظريات .. كان لديهم المفتاح السحرى: الإخلاص والإحترام المتبادل.
تحولت جواهر العروس إلى محل صغير بفضل ذلك المفتاح السحرى، وهذا الخبر من مصادر مخابراتية وليس من “أبلا” نفسها، لأنها لم تبح بذلك السر إلا لأشخاص معدودين فى وقتها ولكن لا لأحد فى أى وقت لاحق.
وكبر المحل الصغير وتخصص أخيرا فى الملابس الجاهزة. ويتعلم التفصيل ويتقنه فيزيد ربحه لأن نصف ما يبيعه من تفصيله هو. ثم يصير المحل اثنان .. والمسألة ليست ببساطة السطرين الذين عبرا عنها، ولكنها سنين طويلة من التعب والعرق والوقوف كتفا إلى كتف أمام مصاعب الحياة .. بفضل نفس المفتاح السحرى.
وعندما أراد الدخول فى مجال المعمار تعلم الصنعة أولا بنفس الطريقة .. من الحياة، ثم بنى بنفسه .. يعنى يستأجر العمال ويشرف عليهم بنفسه ويشترى المواد بنفسه ويشرف على التنفيذ وعلى الصبة وعلى كل شىء. وأصبح يفهم رسومات المدنى والمعمارى ومقاس الحديد وأنواع الأسمنت ونسب خلطة المسلح و.. و.. الخ. وكانت العمارة الأولى عملا أكثر من ممتاز، ظل يفخر به إلى آخر أيامه ولم يبيعها مثل ما تلاها. حضرْتُ معه عمليات بناء فيما بعد وكنت أراه يعمل بيده وقد شارف على السبعين فيستحى العمال منه ويعملون بأمانة أكثر. وعندما أصبح “خلو الرجل” هو العرف السارى عند الجميع، لم يجارى “اللفندى” الموجة ولم يقبل أى خلو رجل من أى ساكن.. أبداً. أقصى ما كان يقبله هو مقدم من الإيجار، يخصم فورا من الإيجار بمجرد السكن. كان يهتم فقط بسمعة الساكن ومكانته الأدبية وليس بمكانته المادية.
ولا تتبرم العروس وتقضى يومها مشغولة طيلة الوقت فى بيتها. تتفنن فى عمل الأكلات الشهية ـ وكانت أعظم أستاذة فى ذلك ـ وتخترع كل مدة نوعا مختلفا من الحلوى أو المربى أو الفطائر ـ ولو فتحت محل حلوانى لضربت قويدر والحلويات الشامية على عينهما ـ أما أشغال الإبرة فكانت محترفة، سواء تريكو او آجور أو كانفاه، وتزيين البيت لا ينتهى. وعند عودة اللفندى آخر النهار ينشرح صدره باستقبال جميل لم يفتر يوما ولو بعد خمسين سنة زواج، وتستمع “أبلا” بتركيز إلي تفاصيل العمل والخناقات والمشاكل والعمال والضرائب وتدلى برأيها، ولا تحكى تفاصيل الخضار والأسعار والجيران ومشاكل الأبناء. وأحيانا ما كان يطلب منها الذهاب معه لمعاينة قطعة أرض أو لأخذ رأيها فى مشروع. ولكنها أبدا لا تطلب منه مرافقته وأبداً لا تسأله السؤالين سبب مشاكل كل العائلات: “رايح فين؟” و “كنت فين؟”
موقفان لا أنساهما. الأول كنت أطلب منها شيئاً، ولم تستطع تنفيذه لى حينئذ، ولكنها لم تغلق الباب. والموقف الثانى كانت تطلب منى شيئاً، اعتبرته أنا إهانة رغم منطقيته، ولم أستطع تنفيذه، ولو أنى نفذته بطريقة غير مباشرة فى اليوم التالى. ولم يسفر الموقفان إلا عن تعميق الحب والإحترام المتبادل بيننا. والتفاصيل عندى وحدى ولا يعلمها أحد تقريباً.
رحم الله “أبلا” ورحم الله “اللفندى” وأسكنهما فسيح جناته وجمعهما على خير فى الآخرة كما حَبَـاهما فى الدنيا بنعمة الحب بعد الزواج وهداهما إلى المفتاح السحرى. وما زالت الذكريات معى لا أنساها (وهى بحر لم أذكر منه سوى قطرة هنا) وما زال حبى لهما على قوته لا تنال منه السنون.
نقابة المهندسين
وجدت نفسى فجأة من مرتادى نقابة المهندسين الدائمين! على الأقل جدا ثلاث مرات أسبوعيا، ألعب تنس طاولة وبلياردو. وبالنقابة فى ذلك الوقت طاولتان سنوكر وطاولة تنس طاولة، كان مستخدموها قليلين جداً .. يعنى الشلة التى أنتمى إليها وشلة أخرى من مهندسى محطة كهرباء جنوب (على ما أذكر). ولا أحد تقريبا سوى ذلك.
لم تكن لعبة البلياردو منتشرة فى القاهرة سوى فى النوادى الإجتماعية (كل النوادى فى ذلك الوقت كان يطلق عليها النوادى الإجتماعية) وهذه كانت وقفا على علية القوم! وكان هناك نادى البلياردو فوق سينما ريفولى، ولكنه ناد أرستقراطى باشتراك خاص، كنا أحيانا قليلة نتسلل إليه، بعد أن نلبس اللى على الحبل حتى لا ننكشف.
ملحوظة: لعبة السنوكر نسميها فى مصر مجازا البلياردو. وما نسميه البلياردو الفرنساوى ـ يلعب بثلاث كور فقط ـ فهو فى أوروبا “البليارد” وهناك أنواع أخرى من البلياردو تستطيعون مشاهدتها على قناة الرياضة الإيطالية غير مشفرة. أما البلياردو الأمريكى واسمه الـ “بووول” بثلاث نقط تحت الباء، فهو نسخة مشوهة كعادة الأمريكان فى تشويه كل شىء.
وشاهدت بطولة عالمية فى فندق شبرد اشترك فيها أبطال مصريون فى ذلك الوقت. وملحوظة أخرى: بعد ذلك بسنوات طويلة اكتشفت أن قانون السنوكر يمنع اللعب على أى لون قبل إصابة كرة حمراء أولا، لماذا نفعل ذلك فى مصر؟ لا أدرى!
لا يوجد بالنقابة بعد الظهر سوى رجلان، هم فى نفس الوقت عمال البوفيه ومديرو النادى وتأجير البلياردو وتنس الطاولة والحراس وهم أيضا حاملو المفاتيح لفتح وغلق النقابة. وكنا نقسم إيجار البلياردو ـ على ما أذكر كان خمسة قروش فى الساعة ـ على الشلة. وبالمناسبة كان هذا مبدئى دائما منذ صغرى فى الخروج مع الأصدقاء: إنجليزى!
وفى ذلك الوقت أيضا شبعت من الرقص الشرقى! فلم يكن يمر يوم خميس على النقابة إلا ونجد فرح فيها. وكان يقام فى المدخل بعد غلق الباب الكبير. بمجرد سماعنا بدء الموسيقى الراقصة، نترك السنوكر وننزل فورا لكى لا تفوتنا الفرجة على الراقصة! وكان من بينهن راقصة، ربما كان اسمها نوال الصغيرة أو شيئا من هذا القبيل. واسمها يرجع إلى صغر قامتها. كانت تجيد الرقص إجادة رائعة، وكان معها طبال صغير الحجم مثلها كالعفريت. ورغم أنها لم تكن تظهر فى التليفزيون أو السينما إلا أن شعبيتها كانت تغلب على أكثر الراقصات شهرة ربما ـ فى رأيى ـ لأنها لم تكن ترقص للإثارة فقط.
علمت بعد ذلك أنها سافرت حول العالم كثيرا، وعندما شاهدتها مرة أخرى بعد حوالى عشرة أعوام كانت مخلوقة أخرى، صحيح ما زالت ترقص ولكنها ترهلت وسمنت ولم تعد هى نفسها .. انطفأ البريق!
تعب القلوب
بعد التخرج دخلنا فى الجد .. وظهر الحق! وبدأنا نعتقد أنه بعد الحب والغراميات .. لا أمل فى شىء! ولكنى لم أفقد الأمل. حتى عندما كان يقهقه الشيطان ويقول: مافيش فايدة! كنت أقول: الصبر! وإذا اعتقد شباب هذا الجيل أن الزواج زمان كان أسهل من الآن فأقول لهم: هذا وهم! وأقتطف من خطاب من صديقى “على” فى 3/6/1965:
“… وبالنسبة لموضوع الحب فهو لذيذ فعلا …. وبالنسبة للموضوع الأخرانى اللى انت ماتعرفش حاجة عنه فأنا أحب أعرفك أنه ليس هذا الموضوع فقط اللى الواحد مستظرفه، وإنما هناك مواضيع أخرى الواحد مستظرفها، وكل من هذه الموضوعات لها ظروفها. إنما تقول إيه للى بيفكر فى النهاية قبل أن تكون البداية. إذ أنى أسائل نفسى دائما: طيب وآخرتها؟ وطبعا الطرف الآخر دائما يفكر فى نهاية معينة. والمسألة دى طبعا تثار عادة بعد فترة غير قصيرة من بدء العلاقة. والواحد طبعا ماعندوش استعداد لهذه المسألة ولن أفكر فيها قبل مضى فترة طويلة قد تصل إلى ربع قرن من الزمان!! لذلك تجدنى محتار فى هذا الشأن ومش عارف أعمل إيه بالضبط!”
على فكرة: “ربع قرن” هذه ليست على سبيل المجاز، ولكن بحساباتنا العادية على أساس الخمسة تعريفة المرتب الذى لا يكفينا فرادى. ولكن لا أعلم أحدا من أصدقائى فقد الأمل وكل واحد ظروف زواجه تختلف عن الآخر تماما، ولكنها كلها تتوقف على توفيق القدر وليس على الحسابات الصماء.
وأنا نفسى أتعجب الآن من حالى فى ذلك الوقت، فلم يفتر أملى فى الزواج من “أمل حياتى” يوما. ولم أكن أيامها أتخيل أنه بعد سنوات طويلة من الحب المكتوم، ثم بضع سنوات من المصارحة، لن يكون زواج. صحيح أن الحسابات المادية كان منطقها مخالفا، ولكن لا يهم! لم يكن لدى أدنى شك أننا سنتزوج فالحب لا يعرف المنطق، وهنا يكمن قوته، وينتهى الأمر دائما لصالح الحب، حتى ولو كان ضد المنطق.
لا تتعجلوا .. فالزواج فعلا لم يتم .. ولم أنتحر .. ولكن هذه حكاية أخرى لم يأت وقتها بعد!
عـزام والمـحراث
كما ذكرت سابقا كانت الشركة تمر بظروف صعبة لاعتقال أكثر مديريها والتحقيق معهم. وكانت المؤسسة لم تستورد معدات العمل الثثقيلة كما جاء بالعقد. ولذا اضطرت الشركة للتعاقد على عمال تراحيل زيادة بالآلاف، على أساس أن شىء افضل من لا شىء. ومن هذه المعدات محراث ضخم لتكسير الصخور، وعمل محراث كهذا لمدة يوم يغنى عن عمل عمال التراحيل كلهم فى شهر أو يزيد! عند ذلك تقدم المهندس محمد عزام فى الورش الرئيسية عارضا أن يقوم بتصنيع محراث ليعمل على الجرار دى-8 الكاتربيلر. وأشفق المهندس وحيد عليه من المسئولية ولكنه وافق.
وبدأ م/ عزام فى شراء المواد اللازمة وتم تخصيص جزء من ساحة الورشة للتصنيع. ولكى تدركوا حجم العمل يكفى أن أذكر أن الحديد الذى كان يقطع منه جسم المحراث سمكه حوالى أربع بوصات، أو يعنى عشرة سنتيمترات. وصمم م/ عزام كل خطوات التصنيع ورسمها بما فيها مجموعة الهيدروليك التى ستحرك تلك الكتلة العملاقة من الحديد.
وكنت قد انتقلت إلى منطقة العامرية حين تم العمل. ووصل الجرار بالمحراث عندنا ونزل الترعة الرئيسية يشق الصخور وسط فرح الجميع عمال وموظفين ومهندسين. طبعا العمل كان يلزمه أكثر من محراث، ولكن كما قلنا شىء أحسن من لا شىء. وطبعا لم يكن م/ عزام يبغى مكافأة خاصة ولا شهرة تليفزيونية ولا منصب كبير، ولم يسأل نفسه هل المرتب (الخمسة تعريفة) يساوى تعبى هذا وأيضا المسئولية التى أتحملها لو فشل التصنيع.
لا أقول أن كل المهندسين عزام، ولكنه أيضا ليس حالة فردية. عزام موجود فى كل وقت .. فى الجيل السابق والجيل الحالى والجيل القادم. وفى المقابل فإن تنابلة السلطان الذين يبررون تنبلتهم بالمقولة الخائبة: “على قد فلوسهم” فهؤلاء موجودون أيضا فى كل الوقت وفى كل جيل. المسألة فى النهاية اختيار .. أن تسال نفسك: هل أريد أن أكون م/ عزام أم من تنابلة السلطان؟
التقارير
أصبحت مسئولا عن الصيانة فى “الخط الأول” للتسوية النهائية، أى الصيانة الميدانية للجرارات التى كان معظمها روسى دت 45 عند انتقالى للعمل فى منطقة العامرية. وهى تتكون من “المنطقة” وهو مركز المشروع على الطريق الصحراوى على بعد حوالى خمسة كيلومترات من قرية العامرية (أيام كان ذلك الطريق “صحراويا” وكانت العامرية “قرية”) وفى المنطقة مكاتب الإدارة وورشة الجرارات المركزية وورشة السيارات والجرارات الكاوتش والمخازن الخ. ثم هناك خطان أولان: التسوية الأولية ويعمل بها الجرارات الكبيرة والتسوية النهائية ويعمل بها الجرارات الصغيرة (55-65 حصان) وسنطلق على أى خط منهما اسم “الموقع” للسهولة والتفرقة عن “المنطقة”. يتحرك “الموقع” فى عمق الصحراء مع تقدم العمل فى تسوية الأرض. وكما قلت سابقا فالمشروع كانت مساحته المترامية ثمانون ألف فدان. لذلك كان يوجد بكل موقع فرقة لعمل الصيانات الدورية والإصلاحات الخفيفة، كما تقوم بسحب الأعطال الكبيرة إلى الورش المركزية بالمنطقة.
بعد مجرد مراقبة ما يجرى فى الموقع لمدة أيام، بدأت “العمل”. وأول ما فعلته هو أن طلبت نقل الملاحظ إلى أى مكان آخر. وانزعج جدا المهندس ضياء، إذ لم يكن متصورا كيف سأتحكم فى العمل والعمال بدون ملاحظ معى، ولكنه نفذ لى ما طلبته. والحكاية أنى اكتشفت أن ذلك الملاحظ كان يتبع سياسة فرق تسد بين العمال وكان أكثرهم مغتربون ويسكنون قرية العامرية فى ظروف معيشية صعبة.
ملحوظة ربما تهم الندابين فى إعلامنا الموكوس: لم تكن العامرية فى ذلك الوقت تشكو من انقطاع الكهرباء ولا تشكو من تلوث مياه الشرب، كما لم تكن تنفجر فيها مواسير الصرف الصحى. هاه؟ طبعا سأسمع فاصلا سريعا من الندب ولطم الخدود على الزمن الجميل الذى ولـَّى، ولكن مهلا. ألا تسألوا لماذا لم تكن هذه المشاكل لا فى العامرية ولا فى غيرها من القرى الكثيرة فى مصر؟ حسنا .. إذا لم تكن الكهرباء موجودة أصلا فكيف تنقطع؟ وإذا كنت تعتمد على مياه الآبار أو تشرب من النيل مباشرة بعد ترشيحه بدائيا فى الزير فماذا ستشكو؟ أما شبكة الصرف الصحى فهى قطعا لن تنفجر إلا إذا كانت موجودة أولا!!
المهم كان الملاحظ اللئيم يعتقد بذلك أنه يمسك الخيوط كلها ولم يكن ينتبه إلى أن العمل يتأثر كثيراً. وبعد إبعاده، فوجئ العمال بأن “المهندس” يعمل وسطهم ومعهم يدا بيد ويتحدث بلغتهم، بينما كان الملاحظ يعتبر نفسه قائد طابية أو أمير الجماعة. ولم تمض أيام حتى كان الموقع وحدة واحدة .. “فرقة عمل” (بكسر الفاء وليس بضمها).
كان لدينا فى الموقع جرار كاوتش يستخدم فى الإنتقالات أول اليوم وآخره وكذلك فى مشاوير بين المنطقة والموقع. أحد العمال كان متفرغا لسواقة ذلك الجرار. فأخذته تحت باطى (مجازا يعنى، فقد كان يفصَّـل منى اتنين): إيه يابنى حكاية الجرار ده؟ قال: ده عهدتى. ـ تمام، ياللا بينا على المخازن فى المنطقة. وهناك غيرت العهدة على إسمى بينما أمين المخزن لا يكاد يصدق أن المهندس الجديد سيصبح سائق وأمين عهدة الجرار.
ثم لاحظت وجود سيارة ضخمة فى المنطقة لا تتحرك، وعلمت أنها ورشة متنقلة. فنخورت حتى عثرت على مفاتيحها وفتحتها لأجد كنزاً! فأن يجد أى ميكانيكى فى أى ظروف ورشة بها تزجة ومخرطة صغيرة ومثقاب وجلخ وعدة كاملة فبالتأكيد تكون أمه داعياله، ولكن أن يحدث هذا لمن يعمل فى قلب الصحراء والآلات التى بالورشة تعمل بمولد متصل بموتور السيارة، فهو كنز أكبر من كنز على بابا الذى أفقده عقله حتى أنه نسى أن يبلغ الشرطة عن العصابة!
طلبت من سعد فورد (هكذا كانت شهرته لأنه يقود السيارة الفورد البيك اب التى توصلنى بين الإسكندرية والمنطقة) أن يقود الورشة المتنقلة إلى الخط الأول. ملحوظة: رغم أنى كنت أقود كل أنواع الجرارات إلا أنه لم تكن لدى رخصة قيادة وهى لازمة فى المسافة التى على الطريق الأسفلت قبل الدخول إلى الصحراء. وكذبت علي سعد (ربنا يسامحنى) وأكدت له أننى تسلمت الورشة “رسمى”. والحقيقة أنى استوليت عليها بوضع اليد … بلطجة .. واللى خايف يروح! ولو أنى فى الحقيقة فى ذلك الوقت كان ممكن لو قامت ريح قوية نوعا ما أن تطيرنى مثلما فى حكايات مجلات سندباد وعلى بابا القديمة.
كانت هذه نقلة نوعية كبيرة، فقد سهلت الورشة أعمالا كثيرة لم تكن ممكنة فى الموقع من قبل. ثم أتاحت لى الورشة حفظ ملفات هامة. وربما يلزم هنا شرح آخر: كان بالموقع إثنان من المهندسين: واحد مدنى للإشراف على التسوية وواحد ميكانيكا للصيانة. وكان لنا نحن الإثنان كرسيان ومكتب واحد تصنيع محلي به درج واحد بدون مفتاح. وهذا “الفرش” كان موضوعا فى كرفان لا يحتوى على أى شىء آخر. ولعل هذا يضيف شرحا آخر لما سميته بالكنز.
من تلك الملفات أنى أعددت كراسة خاصة بكل جرار تحوى تاريخه وتاريخ أعطاله وإصلاحاته وزيوته وشحوماته.
ومنها إعداد نظام مصغر لنظام المخازن الفرعية. وكنت عندما أصرف قطع غيار من المخازن الرئيسية بالمنطقة أزيد العدد قليلا، وأحتفظ بالزيادة فى الورشة المتنقلة. وبالطبع كان يمكن أن يؤدى ذلك إلى الطمع فى السرقة، أو إلى اتهامى أنا شخصيا بذلك. لذلك كنت أمسك دفاتر مخزنى الصغير هذا بحرص شديد، ولا أسمح لأحد مهما كان بدخول الورشة إلا فى حضورى.
وهكذا كنت أعمل سائقا للجرار الكاوتش لنقل العمال ومشاوير أخرى، وسائقا للعربة الورشة، وعاملا للأعمال الدقيقة فى تلك الورشة، وأمينا لمخزن فرعى، وكاتبا لتسجيل بيانات الجرارات. وإلى جانب ذلك كله، قررت أن أقوم أنا بإصلاح طلمبات الهيدروليك فى الموقع بدلا من إرسالها للمنطقة. وكنت أختار بعض من توسمت فيهم الذكاء من العمال ليعمل مساعدا لى وكأننا فى مركز تدريب، فيتعلم منى ذلك العمل الذى يحتاج إلى دقة خاصة ونظافة. وهذه نقطة مهمة أخرى .. فالعامل حساس جدا من جهة “الصنعة” وبمجرد أن يشعر أنك تحاول أن تعلمه شيئا ولكن بدون عنجهية ولا تكبر والأهم من ذلك: بدون أن تقول له أنك تعلمه، فهو يصير لك عبداً .. حقيقة .. وليس فقط كما يقول المثل.
بدأت بعد ذلك أفكر: من سينتبه إلى ما افعله وما أغيره فى الموقع؟ وفكرت فى كيفية محاسبتى مثلا آخر كل شهر أو آخر كل سنة، وعلى أى أساس؟ ثم، والأهم من ذلك، كيف سأحاسب نفسى؟ هل أسير فى اتجاه صحيح، وما هو المقياس لنجاح أو فشل هذا الإتجاه؟ لذلك بدأت فى عمل تقارير دورية عن سير العمل أقدمها للمهندس ضياء. وكنت المهندس الوحيد فى المنطقة الذى يعد هذه التقارير ولو توقفت عنها أو لو لم أقدمها أصلا ما سألنى أو عاتبنى أحد.
بدأت تلك التقارير بالحديث عن المشاكل مثل نقص قطع الغيار ونقص العمالة الماهرة الخ. ثم بدأت تدخلها ارقام تدريجيا مثل متوسط عدد الجرارات الصالحة للعمل فى شهر ومعدل تكرار الأعطال ومتوسط استهلاك المواد من زيوت ووقود الخ.
وهكذا تطورت التقارير شيئا فشيئا، حتى أصبحت تحتوى أكثر على رسوم بيانية بالألوان أكثر وأقوى تأثيرا وإقناعا من كتابة صفحات كثيرة! وليس أفضل من الأرقام والرسوم البيانية لتقييمك لنفسك وعملك وكذلك لتقييم الغير لك .. والقطنة مابتكدبش!
معذرة لبعض الإطالة فى هذه الفقرة ـ وإن كنت قد اختصرتها اختصارا شديدا فعلا ـ ولكنى قصدت أن أنبه شباب الجيل الجديد إلى أن الخبرة تكتسب (بضم التاء الأولى) ولا توجد فى كتاب. وأهم أدوات اكتساب الخبرة هى القدرة على الإبداع والنقد فى نفس الوقت. والإبداع ليس كما يظن البعض هو اختراع شيئ جديد، ولكن الإبداع بمفهومه الواسع هو التطوير واستمرار التطوير بحيث ربما يكون المنتج الحالى مختلفا كلية عن المنتج الأول، ولكن يبقى لكل مبدع عمله ومكانته ودوره فى هذه السلسلة من التطوير. أما النقد فهو مكمل لعملية الإبداع، وإلا توقفنا عند مرحلة واحدة فى طريق الإبداع حيث لا نجد جديدا أو تطويرا.
م/ ضياء الدين طنطاوى
نعم .. هو الذى كان يوما رئيس مجلس إدارة الحديد والصلب. وهو نفسه الذى كان قبل ذلك فى منتصف الستينات وكيل المنطقة للشئون الميكانيكية، ورئيسى المباشر فى منطقة العامرية بالشركة العقارية لاستصلاح الأراضى.
ولا أنسى كيف كان الباشمهندس يجتمع معنا (م/ سمير اسكندر وأنا) حيث لم يتبق مهندسون غيرنا بالمنطقة بعد خروج م/ مختار بطريقة ما من أمر التكليف. وكلمة “يجتمع” هنا لا تعنى ما قد تتخيلونه من غرفة اجتماعات وتكييف وكرافتات الخ. يجتمع هنا يعنى فى فضاء المنطقة العريض وفى عز الحر والبرد وهو يكون عادة آخر يوم العمل مع اقتراب الشمس من المغيب. وهو اجتماع “ماشى” (من المشى يعنى أو السير!) وكنا نتناقش فى أمور العمل ونحن نمشى فى المنطقة ونعد الجرارات والمعدات والسيارات، فإذا اكتشفنا نقصا ما عدنا نعد من الأول .. ثم نبدأ البحث إذا تأكدنا من النقص، حتى نعثر على المفقود الذى ربما نسيه الإهمال فى مكان ما بالصحراء!
ولا أنسى م/ ضياء بصوته الخافت الهادئ الأقرب إلى الهمس ونظرته الثاقبة وحركته التى لا تهدأ وهو يقف فى وجه العاصفة التى بدأت بالقبض على المديرين كما قلنا والتى بدأ يتضح أنها ما زالت فى أول عنفوانها وأنها تنظر إلى (وتنذر بـ) اقتلاع أشياء كثيرة والقضاء على نجاحات سابقة، وليذهب مشروع الدولة والـ 80 ألف فدان للجحيم. نعم .. لم يكن م/ ضياء “صلاح الدين” عصره ولم يركب جوادا قط ويحارب الفساد، ولكنه كان يحاول أن يسير بالمركب داخل العاصفة ربما استطاع على الأقل ألا يجعلها تغرق حتى تهدأ العاصفة! وبالمناسبة ليس صلاح الدين ولا سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه هما المطلوبان للإصلاح فى كل وقت وفى كل الظروف ـ مع الإعتذار للمنافق على كل لون ابراهيم عيسى والإخوان غير المسلمين وغيرهم من الأبواق العقيمة ـ فكل عصر وله أدان وكل فساد وله طرق محاربته. ولا يعيب سعد زغلول أبدا ـ رغم محاولات المشككين ـ ولا رفاقه أنه كان يطالب بنوع من الإستقلال عن بريطانيا وليس الإستقلال التام وكذلك لم يكن يطالب بتغيير النظام الملكى الذى كان يسمح بأن يصير فتى صغيرا ملكا بين عشية وضحاها، ينوب عنه “مجلس وصاية” إلى أن يبلغ سن الثامنة عشر فيحل “المجلس” ويقوم هو وحده بالعمل فيجلس على العرش آمرا ناهيا كل كبارات البلد وموزعا “النعم” من الأراضى والأموال على من يريد!
ولى حكاية مع المهندس ضياء اشتركنا معا فى كتابتها. والحكاية أنى فوجئت به يوم 1/8/1965 يحضر إلى الموقع وسط النهار، وإذا به ينزل شخط ونطر فى العمال دون أن يسأل عنى. فذهبت إليه ووقفت بجانبه لعله يهدأ، ولكنه تجاهلنى واستمر فيما هو فيه. فتركته أنا الآخر وجلست فى الكرافان ردا على الإهانة. وهكذا انصرف دون أن أقابله. وفى صباح اليوم التالى لم أذهب إلى العمل، وكنت فى المساء قد أعددت مذكرة مطولة عما حدث وعن عدم قبولى به، وقلت ضمن ما قلت:
“وإنى أأسف لنفسى إذ فكرت أن أستشهد بأحد بأنى أعمل يوم الجمعة أكثر من أى يوم آخر [توضيح: يوم الجمعة هو يوم توقف التسوية لراحة الجرارات فطبيعى أن يكون حجم عمل الصيانة أكبر من أى يوم آخر وتقتضى ساعات أطول] لست أنا فقط ولكن جميع العمال الذين يحضرون يوم الجمعة.
أسفت لنفسى لأنى لم يكن يجب أن أستشهد بأحد، لأنى لا يدفعنى إلى العمل سوى ضميرى وهوابتى، ولأنى بهذا الإتهام قد أهِنت فى كرامتى وكان من الواجب أن لا أرد الإتهام عنى ولكن كان من الواجب استرداد كرامتى. فأنا لا أحضر يوم الجمعة لكى أقبض، بدليل أنى حضرت يوم الجمعة 25/7 متأخرا ووجدت أنه لن يمكننى العمل كما ينبغى، فرفضت التوقيع فى دفتر الحضور والإنصراف. ولهذا فأنا أطلب وقف صرف الجمع المستحقة لى عن شهر يوليو مؤقتا إلى أن يتم تحقيق ويتبين إذا ما كنت أعمل أم لا، ويتبين إذا كانت الصيانة الأسبوعية تتم كما ينبغى أم لا.”
وختمت المذكرة بطلب نقلى إلى أى منطقة أخرى.
ذهبت إلى ورشة الإسكندرية فى الأزاريطة، وهى ورشة سيارات تابعة للشركة كان م/ ضياء يمر عليها عادة قبل ذهابه إلى المنطقة. وعندما حضر وبعد صباح الخير التى تعمد أن تكون طبيعيا وقابلتها أنا بصباح الخير جافة (!)، قدمت له المذكرة ووقفت أنتظر رده.
قرأ م/ ضياء المذكرة بتمعن كعادته إلى نهايتها، ثم ابتسم وهو ينظر لى، ولم يتكلم. وإنما أخرج القلم الأحمر وكتب:
السيد المهندس محمود ـ أولا ـ لا يمكن لأى شخص أن يقلل من مجهودك بالخط الأول وما تقوم به من الإشراف على العمال مما كان له أثر كبير فى ارتفاع ساعات التشغيل الفعلية.
ثانيا ـ بالنسبة للقصابيات فتعلمون أن السبب هو عدم وجود رولمانات بلى وسنقوم بالتفكير فى إحلال جلب نحاس مكان رولمانات البلى.
ثالثا ـ فى حالة أى شكوى أرجو الإتصال بى شخصيا.
وأخيرا أكرر لك شكرى لما تقوم به مع عمال موقع د.ت بالخط الأول من مجهود.
أعاد لى المذكرة، وقال: عاوز أروح المنطقة ألاقيك هناك .. وبلاش دلع.
وسرعان ما كنت أقفز فى البولمان (كما كان يسمى وقتها) لأنزل عند منطقة العامرية وأعود إلى عملى. ولم يزرنى م/ ضياء فى الموقع بعد ذلك أبداً! وإنما اقتصرت زياراته على “الإجتماعات الماشية” التى تحدثت عنها.
ظللت على اتصال بالمهندس ضياء من حين لآخر لمدة على الأقل عشرين سنة بعد ذلك. وكان دائما ما يسأل عن آخر أخبار جنونى المهنى ومغامراتى مع العمال وخناقاتى مع المديرين.
بداية المؤامرة
لو توقف الأمر عند بلاغ كيدى من نـَكِـرة أدى إلى ظلم عدد من المحترمين والتحقيق معهم على غير اتهام حقيقى فقد يعتبر حادثا عارضا، سرعان ما يتم احتواءه وحل إشكالياته. ولكن الأمر تجاوز ذلك إلى انهيار مقومات الشركة. ولاشك أن عصب الشركة الرئيسى ـ إذا تركنا مسألة المعدات الجديدة التى لم تصل للمؤسسة المسئولة عنها ـ هو قطع الغيار. فعلى الأقل إذا عملت معدات الشركة الموجودة كما يجب واستطعنا تصنيع محراث وغيره بالمجهودات المحلية، فربما يمكن الإستمرار فى المشروع بدون خسائر. والوقت فى مثل هذه الأعمال هو من ضمن المكسب أو الخسارة.
وبعد التأميمات والقرارات الإشتراكية أصبحت الشركات قطاعا عاما تتبع كل مجموعة منها مؤسسة عامة. والمؤسسة ـ وهى تشبه إلى حد ما “الشركة القابضة” الآن ـ تكون مسئولة تقريبا عن كل شىء. وليس هناك مجال لحرية الحركة فى أى من هذه الشركات. إستيراد قطع الغيار كان إذا مسئولية المؤسسة، وكنا نصرخ فى الشركة فى عرض قطع غيار ولا نحصل على شىء! ويتضح من تأشيرة م/ ضياء عاليه أن المشكلة لم تكن فقط فى قطع “الغيار” بل فى كل “القطع”، يعنى رولمانات البلى والأويل سيلات (جمع أويل سيل) وما شابه تصنف على أنها قطع عامة وليست خاصة بمعدة معينة. وفى نفس الوقت لم يكن مفهوما لدينا كيف توقفت كل القطع العامة والخاصة عن الوصول إلينا، رغم أن مصدرها كان من الكتلة الشرقية التى لم تكن تحاصرنا اقتصاديا مثل كل الدول الغربية.
وبدأ الحال يتدهور. فبعد أن كان متوسط الجرارات العاملة فى خط التسوية النهائية حوالى 8 فى منتصف 1965 أصبح فى آخر السنة يصل أحيانا إلى 3! ولا أذكر كم كان إجمالى هذا النوع من الجرارات ولكنه كان يزيد عن الثلاثين. فقد تساقطت الجرارات واحدا بعد الآخر، واتسعت وامتلأت الساحة المجاورة للورشة المركزية والتى كنا نسميها مقبرة الجرارات، وكنا نستعملها فى الكانيباليزم ـ وهو دستور أكلة لحوم البشر! يعنى نأخذ من المقبرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الجرارات التى ما زالت تصارع الموت.
لم يكن لدينا فى ذلك الوقت متسع من الوقت لاعتصامات أو مظاهرات، حتى لو كان مسموحا بها. كما قلت كان هناك اثنان فقط من المهندسين الميكانيكيين وعليهم إدارة الخط الأول بموقعيه الإثنين وورش الجرارات والسيارات المركزية وكذلك متابعة ومراقبة المخازن فى المنطقة والتابع لها محطة الوقود. وكنا ندور (م/ سمير اسكندر وأنا) كالنحلة طيلة النهار بدون مبالغة. وساعدنا التفاهم بيننا على نجاح دورنا رغم الصعوبات، حيث كنا نعمل كفريق واحد يعمل بعقل وتفكير وخطة واحدة، رغم عدم وجود الموبايل وقتها. وكان أمامنا تحديا مهما لن يلاحظه أى من الجيل التالى لنا. ولابد من شرح هذا:
عند تأميم الشركات كان بها عدد كبير من أصحاب الخبرة بدون شهادات، حتى أن بعضهم لم يكن يستطيع القراءة والكتابة. وجابه المسئولون عند ذلك مشكلة كيفية تسكين أصحاب الخبرة فى أماكن وظيفية. يعنى لو نقرب ذلك بورشة تستا الذى تحدثت عنها سابقا والتى كان الترقى فيها يعتمد على الموهبة والخبرة المكتسبة فى مجال معين وليس على الشهادة. فإذا فكرت فى تأميم ورشة تستا مثلا، فعلى أى درجة ستضع المعلم تستا نفسه، وكذلك كل المعلمين والصبيان تبعه؟
وهكذا كنا نتعامل ـ ونحن فى الدرجة السابعة ـ مع “رؤساء ملاحظين” على الدرجة الثانية والثالثة! ولم نكن نفهم هل نرأسهم أم يرأسوننا رسميا. ولم يكن أحد يفهم .. لا فى الإدارة ولا فى الشركة ولا فى الدولة كلها.
رغم أن م/ سمير اسكندر كان يختلف عنى فى أشياء كثيرة ـ فهو مثلا كان يصمم على القميص النايلون الأبيض الذى كان موضة ذلك الوقت كنت أنا مصمما على البدلة الكاكى التى تحاكى شكل الأوفرول ـ ولكن اختلافنا كان ربما فى الشكل ولكن ليس فى المضمون. وهو لم يكن يقل جنونا فى العمل عنى وإن كان بطريقة أخرى. فكان مثلا يحفظ أرقام قطع الغيار حتى العامة منها عن ظهر قلب. ويكفى أن يخبره أحدهم أنه يحتاج الترس الفلانى فى الجيربوكس، لكى يكتب إذن الصرف ويسجل فيه رقم المخزن ولا يخطئ!
المهم اتفقت مع سمير على أننا الرؤساء .. هكذا بالبلطجة ووضع اليد، واللى مش عاجبه يخبط دماغه فى أى حائط يريده أو يمكننا توصيله بسرعة إلى شاطئ البحر حيث يمكنه ارواء عطشه هناك. وكان م/ ضياء منحازا لنا ولكن بهدوئه المعتاد. وقد زاد هذا من مسئولياتنا كما زاد من احتمالات نصب الشباك لنا وتوقيعنا فى شر أعمالنا. وهذا حدث فعلا ولم ينقذنا منه سوى بركة دعاء الوالدين سواء لى أو لسمير اسكندر.
وتأتى إشارة تليفونية أن هناك اجتماع “مفاجئ” فى المؤسسة غدا صباحاً ويجب تقديم كشوف قطع الغيار المطلوبة فى هذا الإجتماع .. وإلا!!! ويجرى م/ ضياء ليلمنا من مكان تواجدنا ويخبرنا. فنقول: طب ما احنا مقدمين ييجى عشر مرات من قبل! فيقول: معلش .. إعملوا طلبية جديدة .. أصلهم قالوا على السابقة كذا … و “كذا” هذه هو يعرف قبلنا أنها حجة والسلام!
ونضطر إلى البقاء فى المنطقة ليلا لإعداد الكشوف المطلوبة .. طبعا يدويا فلم نكن بعد نعرف الحاسب الآلى .. وننتظر سيارة م/ ضياء بعد الفجر بقليل على الطريق الصحراوى لنسلمه الكشوف ليقدمها صباحا فى القاهرة.
ولكن لا قطع غيار تأتى ولا حتى عمالة مطلوبة ولا شىء، وبدأنا نسمع عن اقتراض مرتباتنا من الشركات الأخرى واحتمال توقف المرتبات وبلاوى كثيرة أخرى. هكذا تم فى حوالى عام واحد تحطيم أكبر شركة استصلاح اراضى فى ذلك الوقت لدرجة أن تقف فى الطريق تشحذ مرتبات أبناءها الذين يأكلون رمل الصحراء ويستحمون بشمسها الملتهبة فى محاولات مستميتة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ثم يأتى الخبر اليقين:
البيه العضو المنتدب فى المؤسسة لا يوافق على اعتزام مجلس الإدارة حل الشركة. ثم يتقمص دور عنتر بن شداد، ويخطب فى المجلس خطبة عنترية، ملخصها أنه يتقدم بمحاولة أخيرة لإنقاذ الشركة … بمقدراته الفذة وعبقريته التى كان يتمنى مثلها أينشتين! وعندما يحاول البعض إثناءه عن ذلك يقول أنه يستطيع “إصلاح” الشركة فى ثلاثة أشهر. وبعد ذلك يمكنهم حل الشركة، ولكن على شرط أن يكون له خلال الأشهر الثلاثة “سلطات مطلقة”!
خلاص بأه .. بانت آهه!
العضو المنتدب هو الكل فى الكل .. فى يده أن تأتى قطع الغيار أو لا تأتى. وفى يده أشياء كثيرة غير ذلك.
وهذا العضو المنتدب هو الذى سيكون فى نفس الوقت رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب بل مجلس الإدارة نفسه فى الشركة .. وبسلطات مطلقة .. لا حسيب ولا رقيب. يعنى الراجل معاه عصا سيدنا سليمان السحرية وسيحرك الجن!
ثم نفاجأ ذات يوم بقوافل سيارات النقل تدخل المنطقة محملة بكل ما لذ وطاب من قطع الغيار! ماذا حدث؟ قالوا أن “الشركة” أرسلت “للمؤسسة” تطلب قطع غيار فأصدرت “المؤسسة” قرارا بتكوين لجنة من كبار مهندسى المؤسسة مهمتها توفير قطع الغيار للشركة. وأخذت اللجنة تعميما صادرا من “المؤسسة” إلى الشركات الخمس التابعة لها يقضى بفتح المخازن للجنة لأخذ ما يريدونه منها وتحويله إلى الشركة العقارية بدون أى اعتراض على أى قطع غيار أو غير غيار!
ثم نفاجأ فى يوم آخر بقوافل من البشر تصل إلى المنطقة. ماذا حدث؟ قالوا: صدر قرار من “المؤسسة” بتحويل مقر مركز التدريب إلى منطقة العامرية. يعنى المركز ومديروه ومهندسوه ومدربوه ومعداته بالكامل سيعملون بالشركة العقارية سعيدة الحظ. ويشمل ذلك أيضا العمال الذين يتدربون في المركز.
يعنى باختصار .. بعد الشكوى المرة بدون مجيب، غرقنا فى بحر من قطع الغيار والعمالة الفنية والمدربة ونصف الفنية وامتلأت المنطقة بالبشر.
هل علمتم الآن ماهية العصا السحرية؟ وهل لدى أحد شك فى عنترية العضو المنتدب الهمام؟ وهل يتضح لكم الآن أن مسألة مهلة الثلاثة أشهر كانت خدعة لسبك التمثيلية فقط. حيث لم يكن الأمر محتاجا لأكثر من قرارين بسيطين لا يستغرقان أكثر من ربع ساعة لإصدارهما.
والله ياجماعة أنا لا أصدق نفسى وأنا أكتب هذا الكلام بعد أربعين سنة من حدوثه، ولكنها الحقيقة. ورغم أنى أتعمد اختصار الأحداث كثيرا حتى لا تملوا منى، إلا أنه ما زال عندى كلام آخر.
ولكن الوقت يداهمنى ..
وربما ما زال فى العمر بقية لنكمل مشوار المؤامرة حتى الآخر ونستكمل رحلتنا مع الذكريات المجنونة .. أو مع جنون الذكريات فنلقاكم على خير .. لو كان لنا عمر!
كل عام وأنتم بخير
هذا ختام الشهر الكريم وكل عام وأنتم بخير. وقد مر الشهر الكريم ـ كما هى عادته ـ سريعا خفيفاً.
لعل الجميع قد استمتعوا بـ “حاجات رمضان” وهى بالنسبة للمصريين “ضرورات”! يعنى الياميش وقمر الدين والكنافة والقطايف وما إلى ذلك! ولعل الجميع استمتعوا ببرامج التليفزيون والبعض أصابتهم التخمة منها والبعض أصابه القرف! ولعل البعض قد استمتع بفواصل النوم اللذيذ فى أماكن عملهم كما هى عادة “المسلمين” فى بلادنا أو على الأصح من يظنون أنهم مسلمين! المهم أن يكون الجميع قد استمتع أيا كانت وسائل ذلك الإستمتاع على كل حال.
لم أستمتع بأى من هذه الأشياء خلال رمضان. وهذه ليست المرة الأولى وإنما هى عادتى منذ عشرات السنين. وللأمانة أقول أن ذلك لم يكن بسبب شدة التدين والتزام سجادة الصلاة طول الوقت كما يحب بعض الكتاب إيهامنا به. ولكن كل رمضان لا أجد سوى برنامجا أو اثنين يستحقوا المشاهدة. وهذه السنة كان هناك ثلاثة برامج جيدة فقط. أما المسلسلات، فأنا لا أشهدها عادة.
أثناء البرامج يجرى شريط الأخبار أسفل الشاشة، وهو المفروض أن يحمل ملخص عناوين أهم الأخبار. وفى يوم استرعى الشريط اهتمامى أكثر من حديث الحبيب الجفرى. فأخذت أسجل سريعا هذه الأخبار لمدة خمس عشرة دقيقة.
أخذت أتأمل ما سجلته وأصبت بدهشة شديدة. وتساءلت هل هذه “أخبار”؟ وهل هكذا يعلمون الطلبة فى كلية الإعلام؟ وسأعرض عليكم ما سجلته بتحكموا بأنفسكم. فقط أود أن يمتنع عن القراءة من يشكو من ضعف القلب أو سريع التأثر، كما أحب أن أوضح أنى لن أكون مسئولا لو أن أحدا منكم انتحر بعد قراءة هذه الأخبار أو مات على روحه من الضحك. كل واحد حر!
مصرع شاب بأزمة قلبية أثناء صراع على الخبز قبل الإفطار بقنا
عامل يطعن زوج أخته بسبب الخلاف على التموين بكفر الشيخ
حبس شرطى قتل زوجته بسبب صراخ طفلهما بالمنيا
مصرع سيدة مسنة طعنا على يد جارها قبيل الإفطار
يحاول الإنتحار لفشله فى الحصول على وظيفة بالإسماعيلية
قناة السويس تحقق أعلى إيراد يومى منذ الأزمة المالية العالمية
إعلان الفائزين بقرعة أراضى المستثمرين سبتمبر المقبل
إستمرار انقطاع التيار الكهربائى فى عدد من محافظات الجمهورية
موجه حارة على جميع أنحاء مصر تستمر 48 ساعة
روسيا تدرس مد حظر تصدير القمح بعد أكتوبر والحكومة تتعهد باستمرار دعم الخبز
أسرائيل توافق على شراء مقاتلات إف 35 أمريكية
الأموال العامة ـ علاج كبار الشخصيات على نفقة الدولة تم بأوامر مباشرة من نظيف والجبلى
النيابة توافق على استدعاء وزير الصحة فى قضية نواب العلاج
إقتحام مقر الحزب الوطنى بالدقهلية للحصول على شنطة رمضان
المفتى يحدد زكاة الفطر من 5 – 125 جنيها للفرد
رئيس حزب التجمع 77% من القيادات يؤيدون المشاركة الإنتخابية
مركز البحوث الزراعية يكتشف أصناف قمح جديدة معالجة وراثيا تضاعف الإنتاج
توقف 35 أتوبيس نقل جماعى بالجيزة و 6 أكتوبر عن العمل
إنقطاع الكهرباء عن مستشفى العريش العام لساعتين ونصف
إنقطاع الكهرباء عن مستشفى الإسماعيلية العام وتعطل المولد الإحتياطى
إرتباك فى عديد من مستشفيات أسيوط بسبب انقطاع الكهرباء
تعطل حركة القطارات بقليوب لمدة ساعتين بسبب عطل فنى
أهالى الخصوص بالقليوبية يهددون بقطع الطريق الدائرى لانقطاع مياه الشرب منذ 3 أيام
حالات إصابة بالتيفود فى قرية ترسا بالقليوبية والمحافظ يؤكد سلامة مياه الشرب
بنى سويف – 50 أسرة بدون مرافق فى انتظار موافقة المحافظ
تخصيص 2500 شقة بـ 6 أكتوبر لسكان الدويقة وعزبة خير الله
وقفة احتجاجية للمزارعين فى بورسعيد لانقطاع مياه الشرب والكهرباء
عصابة من البلطجية تثير الفزع بحى الضواحى ببورسعيد
إضراب 1000 من العاملين بالقطاع الصحى بالمحلة للمطالبة بحقوقهم المالية
إعتصام عمال شركة السويس للمهمات بسبب عدم صرف حوافزهم
50 ألف جنيه غرامة الرى بالمجارى و 25 ألفا للمخلفات بالنيل
القوى العاملة تمنح 59 شركة تراخيص إلحاق عمالة بالخارج
رئيس قطاع التعليم الفنى يقدم استقالته لوزير التعليم
مصرع وإصابة 55 فى حوادث متفرقة بالشرقية والبحيرة والفيوم والقليوبية
مصرع وإصابة 9 وتحطم 7 سيارات فى حادث انفصال مقطورة نقل بالطريق الدائرى فى شبرا الخيمة
إذا كنت وصلت إلى آخر الخمس عشرة دقيقة من هذه العناوين المهمة للأخبار العاجلة، فهناك مسابقة من سؤال واحد: بعد كم ساعة تعتقد أن هذه الدولة ستنهار تماما؟
كل سنة وانتم طيبين!!
أوراق قديمة 24
فلسفة إدارة المستخدمين
إدارة المستخدمين ـ التى هى الآن إدارة شئون العاملين أو إدارة القوى العاملة أو البيرسونيل ـ تعمل فى مصر مثلما فى كل البلاد العربية “ضد” المستخدمين! وهى فى الحقيقة كان المفروض أن تكون تابعة لأمن المؤسسة، على أساس أن العامل متهم ما لم يُـثبت ـ بضم الياء وكسر الباء ـ براءته. والحكمة من ضم الياء هو أن العامل “المتهم” عليه هو إثبات براءته بنفسه ولا يمكن أن تـَـثبت ـ بفتح التاء ـ دون مشقة ومجهود منه مهما كان الحال.
المدهش أنك كـ “عامل” لا تعرف عادة ماذا أنت متهم به، لذلك يصعب عليك إثبات براءتك، وهكذا تكون قد وقعت ولم يسمى عليك أحد! وستظل متهما فى المصلحة ربما لحين خروجك على المعاش. وقد حاول بعض العمال معرفة تهمتهم بكل الطرق فكان جزاء أكثرهم الفصل وبعضهم بقى عمره كله فى الأرشيف.
فى أحد الشركات فى دولة عربية، نجح مهندس فى المقابلة الفنية بدرجة ممتازة وحولوه إلى الإدارة الرهيبة ـ المستخدمين ـ لاستكمال الشكليات مثل الإتفاق على المرتب والسكن الخ. وخلال المقابلة “الإدارية” اعترض المهندس على المرتب الذى يعرضونه عليه لأنه أقل من الحد الأدنى للشريحة (الدرجة) المفروض أنه سيعين فنيا عليها، وعندما سألوه كيف علم بذلك، قال أنه يعرف بعض العاملين فى الشركة. وفى الحال تحرك قرن استشعار غريب فى رأس موظف الأمن ـ أقصد المستخدمين، فكتب توصية برفض تعيين المهندس، وفعلا تم رفضه! والله هذه حقيقة وليست نكتة!
أتذكر هذا وأنا أطالع الآن ورقة قديمة هى نسخة من “عقد عمل محدد المدة” فى الشركة العقارية المصرية!
المفروض أنى “مكلف” من التعبئة العامة. والمفروض أن أمر التكليف يجُـبّ أى عقد. ولكنها “إدارة المستخدمين” ياولدى ولا تستطيع لها اعتراضا. والمفروض أنى بدأت العمل منذ أول أغسطس ولكن العقد ينص على بدء العمل من أول سبتمبر لأن موظف المستخدمين السوسة أفتى بأنه لابد أن يكون مثل تاريخ أمر التكليف.
ومن البنود التى تستوقفنى:
الأجر شهرى أصلى فقط عشرون جنيها لا غير، ” وليس للطرف الثانى ـ اللى هو المتهم! ـ الحق فى المطالبة بأى أجر خلاف ذلك. ” لاحظ كلمة ” أى ” هذه، وحاول أن تجد لها معنى.
” يقر الطرف الثانى ـ وهو مازال المتهم طبعا ـ بخضوعه لأوامر الطرف الأول فيما يصدره إليه من تعليمات وأوامر بالنقل إلى أى قسم من أقسام الشركة أو إلى أى منطقة من مناطقها دون أن يكون له حق الإعتراض على هذا النقل لأى سبب من الأسباب.”
يعنى باختصار: عبدى وانا حرة فيه … الخ. فإذا علمنا أنك لا تستطيع الهرب من أمر التكليف ولا تقديم استقالة ولا يمكن رفتك (رفدك بس هى فى الحكومة رسميا بالتاء) ولكن يمكن سجنك أو تغريمك أو كليهما أو حتى إرسالك فى بعثة علمية لمعرفة ما الذى خلف الشمس، فهذا يفسر كيف أنك أصبحت عبداً، وكنت تتوهم أن السيدة أمك قد ولدتك حراً!
” من حق الطرف الأول فسخ هذا العقد قبل انقضاء مدته (التى هى سنة واحدة .. رغم أن أمر التكليف لمدة سنتين قابلتان للتجديد!) .. المهم يمكن فسخ العقد دون أن يكون للطرف الثانى “المتهم” حق الرجوع على الطرف الأول بأية تضمينات.” يعنى بصراحة، ومع التسليم بأنك صرت عبدا ولا شىء سيقر حقك فى هذه الحياة سوى الموت!، إلا أنى نفسى أعرف ما معنى “تضمينات”!
الحقيقة أن موظف المستخدمين هذا كان يعاملنى كأننى أنا الذى قتلت أباه! هذا على الرغم من أن أباه لم يكن قد مات بعد .. ولكن تذكر القاعدة: “أنت متهم … الخ الخ”.
الموتور نطق
أجابنى الأستاذ قاعود إلى طلبى مساعد (صبى ميكانيكى) بالذات، وهو ولد لا أذكر اسمه للأسف، ولكنه كان سودانى فى حدود السابعة عشرة وكان وجهه بشوشاً لدرجة أنه يبعثك على الضحك والتفاؤل بمجرد الحديث. وكنت قبلها قد أخذت موافقة شفهية من الأسطى “على” الذى يعمل معه وكنا قد أصبحنا أصدقاء. وانتهيت من عمرة الموتوسيكل الذى كما قلت هو محرك اسطوانتين ثنائى الدورة. وحضر الأستاذ قاعود تجربة الإدارة وعلى وجهه القلق، ولكنه فرح عندما شددنا حبل تقويم الموتور عدة مرات قبل أن يطلق تلك الطقطقات التى يفرح لها أى ميكانيكى لأنها تعلن نجاح العمرة.
لم أضيع وقتا وطلبت موتور كبير فى نفس اليوم. وبعد تردد قبل الأستاذ قاعود وسلمنى موتور مائة حصان روسى C100. وصنعت لنفسى تزجة ـ يعنى طاولة عمل بمستلزماتها ـ خاصة بى وأحتللت ركنا فى الورشة بعد أن صار اعتمادى “أسطى” بعد أن نطق المحرك الصغير. وبدأت عمرة الموتور الكبير.
بعد تنظيف أولى للموتور يتم فك أجزائه ثم تبدأ عملية تنظيف دقيقة إلى جانب الكشف على الكرنك وأجزاء أخرى. كانت من وصايا الدكتور العظيم/ على كامل، بهندسة عين شمس الإهتمام بالمجارى التى تتشابك وتتلوى داخل جسم الموتور، وهى مجارى مياه ومجارى زيت. وتتبعت تلك المجارى بالطرق التى علمنا الدكتور على وتم التنظيف بالماء والصابون والجاز، ولكنى شككت فى إحدى المجارى. وقضيت حوالى ثلاثة أيام أحاول تنظيف هذا المجرى .. حتى أن الأسطى “على” كان يشفق على ويقول: بس لو اعرف انت بتدور على إيه! يا أخى الموتور بأه بيلمع، إحنا عمرنا ما ننضف موتور بالشكل ده. فأقول له: هذه الفتحة مسدودة أنا متأكد! فينفخ فيها ولا يجد مقاومة كبيرة فيقول: ماهى سالكة آهى. وأنا مصمم أن هناك تفريعة أخرى لها مسدودة. وأغير وسيلة الغسيل مرة بعد أخرى. حتى أنى جربت الخل المركز.
وفى اليوم الثالث كنت أوجه مسدس التشحيم وأعمل لكى يتركز الضغط كله فى تلك الفتحة دون تسريب. وفجأة اندفع فى وجهى من فتحة أخرى فيضان الماء والكيروسين مختلطا بما كان فى المجارى يسدها، من رمل وقاذورات متجمدة. وجاء الأسطى “على” يسلم علىّ مهنئا، بعد أن اقتنع بأنى كنت على حق. وأنا كنت سعيدا رغم أن الأوفرول أصبح قريبا إلى السواد منه إلى اللون الكاكى الأصلى. وكذلك وجهى وشعرى. وصار هذا حديث الورشة عن التنظيف الفعال للموتورات فيما بعد.
مع اقتراب العمل فى هذه العمرة من نهايته، شعرت بهمس يدور بالورشة. ثم علمت من أصدقائى العمال أن الخبر قد انتشر عن أنى مهندس وعن قرابتى لمدير عام الورش. فلم أنكر ذلك حيث لا فائدة من الإنكار، وفى نفس الوقت لم أغير من تصرفاتى وذهابى للورشة بالأوفرول واستمرار عملى كعامل، وصداقتى لعمال كانوا على درجة عالية من الأخلاق والذوق والخبرة.
وأخيراً حضر الأستاذ عوض قاعود ليشرف على تجربة إدارة الموتور. وبسبب الأخبار التى انتشرت، تجمع تقريبا كل العاملين بالورشة حول منطقة التجربة، لدرجة أنى قلقت شخصياً، وبدأت أتخيل الفضيحة التى سأتعرض لها إذا لم “ينطق” الموتور. ولكن الحمد لله، فهو سبحانه بفضله لم يشأ أن يخذلنى، وكان الصبى السودانى أكثرنا سعادة حين طقطق الموتور ونطق، وكيف لا وهو شريك فى النجاح بالطبع. وأقبل الجميع مهنئين كأنى فتحت عكا مثلا!
التلمذة الصناعية
كانت ورشتنا ملاصقة لورشة تستا متعددة التخصصات المشهورة فى السبتية. وكان تستا هو القومنده الذى تخرج على يديه كثير من الأسطوات الذين لم يكن ينقصهم سوى ربما بعض الدراسة النظرية ليصبحوا من أشهر المهندسين فى البلد .. كل فى تخصصه. أقول “بعض” الدراسة النظرية لأنها لم تكن تنقصهم بالمرة بل كانوا يقبلون على قراءة الكتالوجات ويفهمون الرسومات الهندسية ويتابعون التصميمات الجديدة الخ.
وكنا نصب سبائك كراسى الكرنك هناك، حيث لم تكن تأتينا سبائك جاهزة ضمن قطع الغيار الشحيحة. وكانت ورشة تستا هى التى تتولى تجربة الكرنك المراد تعميره وتحديد إذا كان فى حاجة إلى تجليخ ـ وهى عملية لابد أن تجرى بدقة شديدة وتحسب بواحد على ألف من البوصة ـ وبالتالى يقومون بحساب مقاس السبيكة الملائمة … يعنى لن نشرح كل الخطوات بالتفاصيل .. ولكنى أردت أن أبين كيف كانت تلك الورشة التى أنشأها تستا اليونانى الذى استوطن فى مصر حتى صرت لا تفرق بينه وبين المصرى القح .. كانت تلك الورشة كأنها عبارة عن مدرسة صناعية. وأعتقد أن شهرتها ما زالت مستمرة الآن. وأنت تبدأ فى ورشة تستا صبيا تكنس الأرض ربما من سن عشر سنوات أو أقل. ثم يتعهدك الأسطوات بالتعليم ويبحثون عن الإتجاه الذى تميل إليه ليدفعوك فيه، فإذا كنت ذكيا بما فيه الكفاية ولديك موهبة حقيقية فالطريق مفتوح أمامك لتصير أسطى ضمن هؤلاء الأسطوات المهندسين.
للأسف عندما قامت الثورة واستمعت إلى فلسفات الأمريكان ـ حيث كانوا أصدقاء حميمين لرجال الثورة فى أول سنواتها حتى 1956 ـ وفلسفات حقوق الإنسان والتقدم والديمقراطية الخ، قررت الثورة إلغاء تشغيل الأحداث أى من تقل سنهم عن ستة عشر عاما. وبالطبع لا يصلح الفتى بعد هذه السن لكى يبدأ تعلم مهنة من أول السلم كما هو المفروض.
لم يكن القرار خاطئا فى حد ذاته ولكن كان المفروض أن يصير “تنظيم” عمالة الأحداث تدريجيا، وليس مجرد إلغائها فجأة. لأن البديل، الذى تمثل فى المدارس الصناعية، كان يحتاج إلى تدرج وميزانيات كبيرة ليصبح على المستوى المطلوب ويصبح مماثلا لنظام التلمذة الصناعية Apprenticeship فى الغرب الذى يمزج بين الدراسة والعمل بالورش الخارجية، ولكن لأن الإلغاء جاء باتراً فقد حدثت فجوة أفلح الزمن فيما بعد والظروف القاسية التى مررنا بها فى زيادتها حتى صار لدينا هوة بين الجيل “الأسطى” ذو الخبرة وبين الجيل “الموظف” الذى لا يصلح لأن يكون “أسطى” ولم “يشرب” الخبرة منذ صغره.
الميـزانيــة
أثناء المرحلة الدراسية نعتقد أننا أذكى وأفضل من الكبار وأننا نفهم كل شىء وأن حياتنا العملية ستكون مثالية وأننا سنربى أولادنا أفضل ولن نكرر أخطاء آباءنا وأمهاتنا و.. و.. وأشياء وأحلام كبيرة وكثيرة!
وأول مرتب هو أول خطوة فى طريق تحقيق هذه الأحلام .. والمهندسون والأطباء أكثر حظا من باقى المؤهلات العليا لأن بداية مرتباتهم أفضل. فبالنسبة للمهندسين يوجد بدل يسمى بدل تفرغ ـ ولا أدرى سر هذه التسمية ـ وهو على ما أذكر كان تسعة جنيهات كاملة. وهكذا كان صافى المرتب بعد الخصومات 26 جنيها كاملة … تخيل؟ يعنى حانشترى كل ما نريده حتى ولو كان شراب أستك منه فيه! ونـفـْجُـر بأه!!
ثم تسلمت أول مرتب ..
وإذا به لا يسير وفقا للمنطق ولا وفقا للآمال المعقودة عليه! وإذا بالمرتب يتلاشى مع اقتراب الأسبوع الثالث من الشهر على أقصى تقدير! وأحاول تنظيم الميزانية ولكن بدون جدوى. ومن ضمن بنود ميزانية أحد الشهور للمصاريف التى تخصنى فقط: 5 جنيه تسديد ديون ألمانيا (بالتقسيط المريح الممل)، 1.16 جنيه اشتراك الترام، 3 جنيه أحذية، 5 جنيه إفطار ونثريات … الخ.
بالإختصار .. كل التقدم الذى حدث نتيجة هذا الدخل الجديد هو أن أصبح فى استطاعتى أن “أأمر” صاحب كشك السجائر: خمسة فى علبة يا ريس! .. بدلا من اثنين فى علبة يعنى.
ثم حدث تقدم آخر بعد حوالى خمسة شهور من بداية العمل، وهو تفصيل أول بدلة فى التاريخ للعبد لله. ودفعت 4 جنيه قسط أول للقماش والتفصيل. وصدق أو لا تصدق أن سداد آخر قسط كان بعد أكثر من 10 سنوات!
والحمد لله.
الصناعة .. بين الشرق والغرب
بعد عمرة المحرك الروسى سى ـ100 بدأت بمبادرة شخصية فى فحص موتوسيكلات (مقوم محرك الجرار) كاتربيلر دى-6 الأمريكية. وكان فى الورشة أربعة منها لا يوجد لها قطع غيار. وفكرت أن أوفق منها ولو موتوسيكل واحد. وهكذا لمست عمليا الفرق بين الصناعة الشرقية والغربية. وهو فرق شاسع فى نواحى كثيرة.
الأمن الصناعى
شهد عام 1964 بداية الأمن الصناعى فى مصر لأول مرة، بإنشاء إدارة عامة تابعة لوزارة العمل، فى 317 ش بورسعيد الدور الثانى. وكانت الإدارة تضم عددا محدودا جدا من المهندسين والعاملين على رأسهم المهندس/ أحمد عبد الحفيظ.
وصدر القرار الوزارى رقم 97 لسنة 1964 بشأن حصول المشرفين على إدارات الأمن الصناعى على دراسة معتمدة. وحصلت جمعية إدارة الأعمال العربية على موافقة وزارة العمل بأن تعد تلك الدراسات.
ويشاء القدر أن يتم ترشيحى لحضور الدورة التدريبية الأولى فى مصر على الأمن الصناعى، ليس عن طريق الكوسة ولكن لأن مدة الدورة كانت 8 أسابيع تفرغ كامل ولا تستطيع الشركة الإستغناء عن قدامى مهندسيها لهذه المدة الطويلة.
وجاء فى خطاب جمعية إدارة الأعمال أن الدورة تشتمل على 96 محاضرة و 8 زيارات ميدانية و 8 مناقشات عامة. رسم الإشتراك للدارس الواحد 20 جنيه إذا كانت الشركة عضوا بالجمعية وإلا فالإشتراك 25 جنيه شاملا المطبوعات والكتب.
كانت الدراسة فى مقر إدارة الأمن الصناعى بشارع بورسعيد. وكان المحاضرون من خيرة المهندسين. والدورة تعتبر النواة فى تطبيق قانون الأمن الصناعى وإعداد ما كان يسمى فى ذلك الوقت “مشرف أمن صناعى” فى كل منشأة يكون مسئولا أمام منشأته وأيضا أمام إدارة الأمن الصناعى بوزارة العمل. والفائدة العلمية للدورة شملت النواحى الفنية وأيضا النواحى التنظيمية والإدارية.
وبالتدريج، وخلال حوالى ثلاثين سنة تالية، تحولت مهمة لجنة الأمن الصناعى التى يسيِّرها مشرف، إلى إدارة كاملة فى كل منشأة ذات مسئوليات كبيرة، وتحولت الدورات التدريبية إلى برامج دراسية أساسية فى كليات الهندسة. وواكبت مصر فى ذلك بقية العالم المتقدم فى الإهتمام بالأمن الصناعى وتطويره التدريجى خلال نفس المدة .. وذلك من ناحية التشريعات والتعليم والتدريب والهياكل التنظيمية .. ولكن …
ولكن تبقى دائما مشكلة أو آفة عدم الإستمرارية فى أداء الإنسان المصرى ـ والعربى أيضا ـ فى كل المجالات. فنحن نتحمس فى البداية ثم يفتر هذا الحماس سريعا جداً (أحيانا بعد ساعات وأحيانا بعد بضعة أيام)، ثم لا نكتفى بفتور الحماس، وإنما ننحدر بسرعة أيضا إلى ميزاتنا الأخرى مثل الإهمال والتراخى واللكلكة وعدم النظافة الخ الخ.
نحن ـ باستثناء القليل منا ـ نتحول بسرعة من محبة العمل إلى الخمول والركون إلى الروتين، ولدينا عبقرية فى تحويل مكان العمل من مكان جذاب نظيف إلى مكان كئيب ممتلئ ببقايا الأكل والأوراق المهملة والتراب … قرف!
أنظر فى المؤسسة التى تعمل بها، وقل لى كم من زملائك ينظف مكتبه أولا عند بداية يوم العمل. ثم أيضا قل لى كم من زملائك يستنكف عن تنظيف مكتبه على أساس أن هذا عمل “الفراشين”.
لو استطعنا القضاء على هذه الآفة لتبدل حالنا كثيراً .. ولكن رغم علمنا بها فإنا نعلق القضاء عليها ـ مثلما نعلق كل مشاكلنا ـ على شماعة الحكومة .. أى حكومة. ولذلك لم ولن نحل أى مشكلة، إلا إذا أفقنا إلى أهمية دور الفرد داخل الجماعة.
أرسلت فاكس منذ أيام، وإذا بالتاريخ المطبوع من الجهاز هو 23 ابريل 1999! فهل هذا خطأ الحكومة؟
وهذا لا يختلف عن الميكانيكى الذى حين يصلح لك شيئا تتبقى بعض القطع فيلقيها بعيدا ويقول: “مالهاش لازمة!”
ما علينا …
نعود إلى الأمن الصناعى من 46 عاما مضت:
بعد انتهاء الدورة التدريبية والنجاح فى الإمتحان، أصبحت بموجب القانون “مشرف أمن صناعى” الورشة. وأصبحت شريكا فى المسئولية إذا حدث حادث بسبب عدم تطبيق قواعد الأمن الصناعى. وبعض العقوبات فى تلك الحالة يمكن أن تصل إلى السجن. ولكن ليس هذا هو السبب فى إقبال على ذلك العمل، بل السبب أنى اقتنعت به جدا وأردت تطبيقه لمصلحة العمال قبل أى شىء آخر. ويبدو أنى كنت متحمسا أكثر من اللازم.
أعددت السجل الدائم لأعمال الأمن الصناعى، وهو مستند قانوني صفحاته مرقمة تسلسليا لضمان عدم العبث به، ويسجل فيه كل أعمال الأمن الصناعى يوما بيوم. ويجب أن يكون متوفرا فى كل الأوقات لاطلاع مفتش وزارة العمل عليه واعتماده.
وأعددت النماذج والإستمارات اللازمة للعمل حسب التعليمات. وكانت هذه فرصة لكى أستفيد مما لاحظته قبل ذلك دائما أن كل الإستمارات الحكومية والرسمية 80% من بياناتها لا تسدد، ولا يهتم بها أحد لأن فى الغالب لا لزوم لها. والعجيب أن هذا يتكرر فى كل استمارة جديدة دون التفكير فى أن نكون عمليين ونضع فقط البيانات التى نعرف أنها لازمة.
هل لاحظ أحد أن فى البطاقة القديمة كان هناك خانة لفصيلة الدم عادة لا يكتب فيها شىء، وهناك خانات أخرى للون العينين وغير ذلك لو تعب الموظف نفسه فبالكتير يكتب أمامها: أنظر الصورة!! طيب ما احنا بننظر للصورة من غير ما يقول!
لكن بالمناسبة أيضا أكثر ما كان يغيظنى فى موضوع الإستمارات الرسمية هى استمارة طلب مستخرج رسمى. ومستخرج شهادة الميلاد مثلا كان يلزمه استمارة تشتريها من عند الست الغلبانة اللى قاعدة أمام السجل المدنى! هذا طبعا كرم منهم ومساهمة فى تخفيف معاناتك .. وإلا كان عليك شراءها فقط من البريد المركزى .. بالعتبة. وهذه الإستمارات تجدها مكومة فى أكوام مهولة بالسجل المدنى بعد ذلك. وأسألهم: ماذا تفعلون بكل هذه الإستمارات المكدسة فى كل مكان على الأرض وفى الدواليب وفوق الدواليب وفى البلكونات الخ. فينظرون لى بتعجب كمن يصحو من حلم جميل ويقولون: ولا حاجة! فأقول: طيب ليه ماتحصلوش فلوس التمغة (ثمن الإستمارة) من غير استمارة فتوفروا تكاليف طبعها وتوفروا وقتنا. فيبتسم الموظف بسخرية: ها ها! من غير استمارة! ها ها ها! فأبتسم أنا أيضا كأنى قصدت النكتة.
واستغرق الأمر حوالى أربعين سنة لكى نتمكن أخيرا من الحصول على مستخرج رسمى من شهادة الميلاد بعد دفع فلوس التمغة فلوس فقط .. ومن غير استمارة .. ولا أحد يضحك على هذه الفكاهة!
وبعدين بأه؟ ما قلنا: ما علينا ….
كونت “لجنة الأمن الصناعى” من نائب مدير عام الورشة رئيسا، والعبد لله مقررا، و 24 عضو!! منهم 11 مختارين بمعرفتى مهندس محمد عزام ورؤساء الملاحظين والملاحظين ورئيس الشئون الإدارية، ومن الأعضاء 13 مختارين بمعرفة اللجنة النقابية ممثلين عن العمال. وبدأت فى عقد اجتماعاتها، وإقرار التوصيات ومتابعة تنفيذها. كما أصدرت عدة منشورات متوالية (سأرفق عينة منها مع هذا) كجزء من حملات التوعية … الخ. يعنى بالإختصار كان النشاط مكثـفاً وكنت أضغط لتنفيذ توصيات الأمن الصناعى “حالا”. وقد أدى هذا إلى بعض المناوشات بينى وبين الملاحظين الذين ضاقوا باجتماعات اللجنة والحديث الدائم عن طفايات الحريق ونظام الورشة والنظافة ولبس ملابس الوقاية إلى آخر هذه الأشياء التى كانت تمثل تحولا فى فكر العمال. والتغيير دائما ما يقابل بالرفض والإستهجان فى كل مكان ـ وبالمناسبة أرجو ألا تعتقدوا أننا نختلف فى هذا عن الأجانب شرقا وغرباً ـ فكانت حماستى تزيد من رد الفعل الرافض. وهكذا تصاعدت المشاكل بدون وعى منى إلى أن فوجئت بمدير الورشة (عمى) يثور قائلا أن الملاحظين هم عماد الورشة، ولن يسمح “لأحد” بإزعاجهم.
وهكذا فهمت الإشارة، وهكذا تنبهت إلى خطئى أخيرا، وتنبهت إلى أن كل تغيير يحتاج إلى خطوات عاقلة ووقت.
التدريب المضاعف
تقرر إلحاقى مع المهندس/ محمد عزام (وهو مهندس بالورشة ويسبقنى بدفعتين) بمركز التدريب التابع لمؤسسة استصلاح الأراضى بدار السلام اعتبارا من الإثنين 4 يناير 1965. وكانت دورة الأمن الصناعى لم تنته بعد. ولكن أمكن التوفيق لأن الأمن الصناعى كان دراسة مسائية.
ولكن المهندس محمد عزام لم يتمكن من ذلك حيث كان منشغلا فى إنهاء تصنيع المحراث، فذهب بدلا منه المهندس/ مختار عبد العزيز (وهو مهندس بمنطقة العامرية ويسبقنى بدفعة واحدة). وسوف أتحدث عن قصة تصنيع المحراث هذه فى فقرة منفصلة .. المهم ألا أنسى لأنها قصة لها علاقة بمشكلة الشركة فيما بعد.
كما قلت سابقا عملت بيدى فى الورشة لخمسة أشهر فى الجرارات ومحركاتها، وكنت قد بدأت بعد ذلك العمل فى قسم السيارات بنفس الطريقة لتحصيل الخبرة فى مجالها. لذلك كان إرسالى إلى مركز التدريب يثير سخريتى. ولم يكن م/ مختار يختلف كثيرا، فهو كان يعمل فى المنطقة بطريقة مشابهة أى كان يشترك مع العمال يدا بيد فى العمل، ولا يحتاج إلى “تدريب”.
وقد شاهدت هذا الموقف الروتينى من التدريب فى شركات أجنبية ومصرية أخرى. ويبدو الأمر متشابها كثيرا فى كل مكان. إدارة التدريب تريد القيام بواجبها .. والمديرون فى مختلف المواقع لا يريدون فقد المتميزين لديهم فيرسلوا الأضعف عملا، ولا تتم الفائدة المرجوة من التدريب. أما فى الحكومة فعلى العكس، حيث عادة ما يكون التدريب من نصيب المحظوظين.
وهذه ملاحظة ربما تفيد القارئ: إذا وجدت فى صحيفة بيانات أحد المتقدمين للعمل كثيرا من دورات التدريب عندما كان يعمل فى أماكن غير حكومية، فيجب أن تفكر عشر مرات قبل تعيينه. أما إذا كان يعمل فى أماكن حكومية، فعينه فورا، فهو من المحظوظين وسينالك من الحب جانب إن شاء الله!!
علشان تكمل!!
خلال كل هذه الفترة كانت الأحوال الأسرية تزداد تدهوراً مما أثر على أعصاب الجميع. وبدأ أخى يتأخر فى دراسته ولأول مرة نسمع فى بيتنا عن التزويغ من المدرسة .. وكان هذا وحده بمثابة كارثة. وكان التأثير على أعصاب أختى وأعصابى باعتبارنا كبار الأبناء أكثر. وكنت أثور على إخوتى لأهون سبب، حتى أختى الصغرى التى كانت ـ وما زالت ـ نسمة التخفيف عن الجميع لم تسلم من أن أقطع لها كراسة أو أغضب منها بسبب وبدون سبب. وقذفت أخى بشىء فى يدى. وثارت أمى وبكت. فاندفعت أحملها المسئولية لأنها تدافع عنه دائما، ولم تلبث أن أصابها حالة تشنج!
كانت هذه إحدى الأحداث التى لم أزل من يومها وإلى الآن أتذكرها وألوم نفسى. ولا أقول أنها الحدث الوحيد، بل تحملت أمى منى كثيرا، فقد كنت مندفعا كثيرا فى تلك السن مما زاد فى أخطائى بفعل الضغوط المادية والأسرية من حولى. وانفلات الأعصاب يمنح الشيطان مرتعا ليخرب فى العقل كما يحب ويهوى! وأمى رحمها الله كانت تغفر لنا جميعا الكثير الكثير. وأنا لم أغفر لنفسى ذلك الموقف وغيره حتى الآن … آه لو يعود الزمن للخلف!!
بعد أن عملت على إفاقة أمى واطمأننت عليها نزلت أسير على غير هدى ست ساعات من الساعة 11 ص حتى وجدت نفسى فى دار الكتب الساعة 5 م وعقلى طول الوقت يدور فى دوامات. ومن ضمن ما كتبت فى ذلك اليوم: “إنى أخشى أن أكون كما قالت لى أمى اليوم بأن قلبى أسود!”
لا شك أن تلك العوامل كانت ضاغطة أيضا فى العمل، ولها نصيب فى المشاكل التى بدأت تكبر مع عمى بسبب تسرعى واندفاعى. وكان واضحا أنى لابد أن أبتعد عن الورشة. فقط كنت أريد أن يكون ذلك بهدوء.
فى نفس ذلك الوقت كانت أختى ترسل “استغاثات” إلى أخوالى .. ولم أكن أعلم شيئا عن ذلك إلى أن علمت فى أحد الأيام أنها أرسلت تلغرافا ليحضروا للطلاق! .. للطلاق؟!
زلزلتنى تلك البرقية. وأجهزت على ما تبقى لدى من أعصاب! وفعلا دارت الأرض بى. وكنت أحاول دون ملل أو يأس إحداث التوازن المطلوب فى العلاقات. وكنت الوحيد الذى لم ينحاز لأى طرف. وأرجو أن لا يخوننى التعبير هنا. فأنا منحاز لأمى فى كل الأحوال وأيا كانت الظروف والأسباب والنتائج وبدون قيد ولا شرط .. هذا مبدأ عام لدى. ولكنى أتحدث هنا عن مشكلة محددة لا يصلح الإنحياز فى حلها، بل على العكس سيزيد النار اشتعالا.
وحضر أخوالى وخالاتى، وتحدث أكبر خيلانى مع والدى، والحمد لله أنهم توصلوا إلى تغليب صوت العقل وتهدئة الأمور .. ولو مؤقتا.
بالمرة .. ما دمنا فى مجال تراكم المشاكل والمصائب، أتذكر ما نسيت أن أحكيه عن أحد مهندسى الورشة (ولنرمز له بالرمز ح.ح) وكان قد قبض عليه قبل تخرجى بقليل. وكان رقم تليفونه مدونا فى مفكرة زعيم تنظيم إخوانى سرى قبض عليه فى أواخر 1963. يعنى هو صاحبه ولكن ح.ح بعيد كل البعد عن أن يكون فى التنظيم السرى ولا العلنى ولا علاقة له أصلا بالسياسة ولا بالدين، ولكن كل ذنبه أن ذلك الزعيم حضر لزيارته عددا من المرات فى الورشة. وهكذا “راح” ح.ح فى الرِّجلين، ولم يعد أحد يعرف عنه شيئا.
هذا مثال بسيط لأحد الشباب فى عهد “إرفع رأسك يا أخى فقد مضى عهد الإستبداد”! وعندما كتبت لشباب اليوم أنكم لم تروا شيئا مما تهتفون به عن الظلم والإستبداد والمعتقلات، وأنكم لا تعرفون شيئا عما يحشون به رؤوسكم، لم أكن مبالغا. فها هو المهندس ح.ح الذى كان يستعد للزواج بقريبته التى أحبها طيلة عمره بعد أسابيع قليلة، وكان جميع عائلتهما يطيرون من السعادة وهم يعدون للفرح. ثم تأتى الصدمة لوالده بأن ابنه الوحيد قبض عليه مع الإخوان. فيقع من طوله وينزف ويمرض فى لحظة. ثم يدور الأب كالمجنون على أقاربه وأصدقائه. والأب ـ للعلم ـ من عائلة معروفة وفى عائلته كثير من المسئولين والوزراء والوزراء السابقين والأعيان. وعندما يذهب إلى أحدهم يبادره قريبه (الوزير أو صاحب المنصب الكبير) بأن يرجوه ألا يذكر لجنس مخلوق أنه جاءه يخصوص إبنه! الوزير يخشى أن يصل إلى أسماع المباحث أن الأب طلب منه التوسط، حتى ولو كان ذلك لمجرد أن يعرف مكانه فقط لا غير!
وتوالت الصدمات على الأب وتكاثرت عليه الأمراض، خاصة بعد أن اضطروا لفسخ خطوبة القريبة بعد عام، حيث أصبح ح.ح فى عداد المفقودين! ولم تمر بضعة شهور بعدها إلا ومات الأب دون أن يرى ابنه الوحيد ودون أن يعرف له مكانا أو إذا كان حيا أو ميتا. وكنا فى السنوات التالية نتابع محاكمات الإخوان، ولم نجد ح.ح ضمن المتهمين ولم يحاكم ولم يظهر. وتمر السنين، ويأتى أنور السادات وأول ما يفعله هو هدم المعتقلات. وأخيرا وأخيرا جدا يخرج ح.ح من المعتقل ونحن لا نصدق أننا نراه مرة أخرى! والحق يقال أن أنور السادات لم يفعل ذلك مراءاة لأحد وإنما عن اقتناع، ثم إنه عوض كل أولئك المعتقلين بأكثر مما كانوا يحلمون به، فقد أمر أن تدفع جهات عملهم كامل مرتباتهم عن المدة التى اعتقلوا فيها كلها، وبعضهم معتقل منذ سبع سنوات أو أكثر، بما فى ذلك أى علاوات وايضا أى ترقيات حصل عليها أى من زملائهم. يعنى ييجى كدة بـ “جنيه” فلوس! (وهذا تعبير عفا عليه الزمن الآن ولكن فى ذلك الوقت كان الجنيه جنيه!) كما أمر بإلزام الجهات التى كانوا يعملون بها بقبولهم للعودة للعمل على الدرجة التى رقى إليها أي من زملائهم، وإذا لم يتعذر ذلك تدفع جهة العمل تلك تعويضا كبيرا (أعتقد أنه كان مرتب سنة أو أكثر) ثم يستحق ذلك الشخص معاشا كاملا أيضا حتى لو عمل فى مكان آخر.
وللأسف ومن سخريات الأقدار أن من قتلوا السادات فيما بعد خرجوا من عباءة نفس هؤلاء الذين أفرج هو عنهم. وكان الواجب أن يشكروه أو على الأقل لا يتآمرون عليه. بل من سخريات الأقدار أكثر أن نجد من هؤلاء أنفسهم من يتحالف الآن مع الدولة الفارسية ضد بلده مصر، بل ويتفق مع الفرس الملاعين فى تمجيد قتلة السادات. رغم أنهم نفس الفرس الذين يخصصون مكاتب عبر طول البلاد وعرضها لتسجيل عقود الزواج “المؤقتة” مقابل رسم بسيط. تاخد البنت على أقرب مكتب وتتفق على مدة “الزواج” يعنى ساعة أو اثنين حسب ما تشخشخ جيبك ثم تأخذها إلى أقرب بنسيون أو ماخور، واللى يكلمك تحط العقد فى عينه .. ويا دار لا دخلك شر ولا رجم ولا جلد .. وكله جيتو مبسوط .. وكله بالقانون و… “إسلامى”!
وعلشان تكمل…
فوجئنا فى أواخر 1964 أو أوائل 1965 لا أذكر بالضبط بحكاية القبض على معظم مديرو الشركة كما حكيت من قبل. ولم يكن عمى ضمن من قبض عليه. ولكن الأمر كان ضربة قاصمة للشركة، وإن لم نكن نستشعر ذلك وقتها بوضوح، حيث لم تكن اليد الخفية قد ظهرت بعد. كل الذى نعرفه أن رئيس مجلس الإدارة ومعظم مديرو العموم قبض عليهم وجارى التحقيق معهم. وظلت أماكنهم شاغرة لفترة طويلة.
وعلشان تكمل…
تسلمت فى مايو 1965 من رئيس لجنة شئون الأفراد خطابا يوضح تسوية حالتى وفقا لقرار السيد رئيس الجمهورية رقم 546 لسنة 1962! وجاء فيه:
الوضع قبل التسوية: أساسى الأجر 20 جنيه، إجمالى الأجر 20 جنيه برضه!
الوضع بعد التسوية: الفئة السابعة. الربط المالى من 20 إلى 40 جنيه. المرتب 20 جنيه برضه!!
ورغم أن البراءة تبدو فى الظاهر إلا أن المقلب كان فى الوظيفة وهى: مهندس الهندسة الميكانيكية. ثم زاد عليها أحدهم بالقلم الأحمر وبخط اليد كلمة “بالمناطق”. وكان من الواضح أن هذا بعد الوشايات والوقيعة بينى وبين عمى بمجرد أن أحس ذوو النفوس الضعيفة ببعض الإحتكاك الذى قلت عنه سابقا.
كان اتفاقى مع عمى أن أعمل فى المناطق بعد فترة عام فى الورشة فى القاهرة. والوظيفة لو تركت كما هى، لكان من الممكن أن أصرف بدل سفر عندما أعمل فى المناطق يعنى ما يقرب من خمسة عشر جنيها فى الشهر. وهذا حدث مع أكثر من مهندس .. بل إنه كان العرف فى ذلك الوقت. ولكن .. علشان تكمل بالنسبة لى .. فقد حرمنى أحدهم بجرة قلم أحمر من هذه الزيادة فى المرتب التى كنت فى أمس الحاجة إليها. منه لله!
والطريف أن تزامن هذا مع عيد ميلادى فى مايو. وانتقلت للعمل فى منطقة مريوط، فى أشد الظروف صعوبة بالنسبة لى وكذلك فى ظروف كالحة السواد بالنسبة للشركة.
ولكن هذه حكاية أخرى .. حكاية طويلة أقرب للمسلسلات الدرامية ولكنها أقوى من سانجام وأفظع من دالاس ونهايتها تصلح لباب “صدق أو لا تصدق”. وهى أولا وأخيرا حكاية الأقدار التى يعيشها دون أن يدرى كل منا، وهى تشبه تلك التى حيرت سيدنا موسى عليه السلام ولم يستطع صبرا على تفسيرها! فإلى لقاء إذا كان لنا عمر بعد العملية!