anwar68

Just another WordPress.com site

Archive for أوت 2010

النــور والظــلام!

leave a comment »

جمعية المنتفعين بمصائب مصر تفرح بأى مما يصيب مصر ولا مانع لديها ـ لو كانت المصيبة ضئيلة ـ أن تنفخ فيها وتنميها لكى تصير كالفيل. والجمعية تفخر بذلك أكثر من فخر فؤاد المهندس عندما أعلن بمنتهى الشجاعة أن القانون مافيهوش زينب! وللأسف فقد هيأوا الناس عبر سنين طويلة ليصدقوهم، كما ساعدهم فى ذلك غباء بعض المسئولين المصريين بتصريحاتهم الفشنك مثل “لا مساس” .. فاكرين؟
وكان من نتيجة هذا كما قلنا سابقا أن صرنا كأننا جمهور حلبة مصارعة العبيد الرومانية نهلل للمصارع ونستحثه ليقتل المغلوب فنفرح ونرقص وننسى المدنية والإنسانية والحضارة. ولا يهمنا فى أى “قضية عامة” سوى البحث عن دم مسفوك أو رقبة مقطوعة لنهدأ ونستريح ونعود إلى السبات العميق. ولذلك لا نستفيد ـ مثل الناس الأسوياء ـ من المصائب لنكون أكثر خبرة وأكثر قوة على مواجهة المستقبل.

من الأمثلة على ما أقول: اللبانة التى انتشرت أخيرا فى أفواه الندابين والندابات فى إعلامنا الموكوس عن عدم تصنيف أى من جامعاتنا ضمن أفضل 500 فى العالم. فجزعنا كثيرا من الخبر ودرنا حول أنفسنا نبحث عن رقبة مسئول نقطعها لنستريح وننسى الأمر بعد ذلك.
فى نفس الوقت لم نسأل أنفسنا ما هو ذلك التصنيف؟ ومن الذى يعده؟ وعلى أى أساس؟ ومدى اعتراف العالم به؟ وهل هناك تصنيف آخر؟ وهل التصنيف الذى تصدره الصين هو نفسه الذى تصدره أمريكا أو فرنسا؟
ثم الأهم من هذا وذاك: ماذا يعنى ذلك التصنيف فى النهاية لنا؟ يعنى نحن نعلم أننا لسنا دولة صناعية ولسنا دولة متقدمة. ونعلم أن لهذا السبب بالذات فإن وظيفة الجامعة الرئيسية هى تخريج الطالب الكشكول، وأن التخصص الحقيقى لا يبدأ إلا بعد الجامعة. والظروف لهذا جد مختلفة تماما. وفى النهاية ليس فى تأخرنا فى التصنيف ما يزعج إلى هذه الدرجة .. وهو ليس من أولوياتنا. ثم إن ذلك التصنيف لا يخص مستوى خريج الجامعة كما يظن أكثرنا بناء على ما أوهمنا أعضاء الجمعية المذكورة. صحيح هناك ضعف عام فى مستوى خريج الجامعة هذه الأيام ولكن هذا راجع بصفة أساسية إلى الأعداد الكبيرة للطلبة وبعض الدكاترة الذين اشتروا شهاداتهم بدون علم حقيقى إلى جانب أساباب كثيرة أخرى. ولكن فى نفس الوقت فالصورة ليست بهذه القتامة. فلا تزال جامعاتنا بخير وما زالت نسبة كبيرة من خريجيها على درجة عالية من العلم.

ضحكت كثيرا عندما سألت المذيعة ـ وهى تتحفز لتبدأ موشح الندب ـ سألت د/ مصطفى السيد عن رأيه، فقال والله أنا بييجى عندى كتير من خريجى الجامعات المصرية لعمل دراسات فى الجامعة أو رسائل، والحقيقة أن كلهم كويسين جداً. وما أضحكنى أكثر أن الندابة ـ أقصد المذيعة ـ بدا على وجهها خيبة الأمل (كأنه أثبت لها أن القانون فيه زينب!) ثم قالت لتخفف وقع الصدمة على نفسها: يعنى سيادتك متفائل!

تابعت بقدر الإمكان فى التليفزيون تركيبات “المصادم الهايدرونى” وهو النفق الدائرى الهائل الذى يمتد بين فرنسا والنمسا لتجربة البج بانج أو التصادم العظيم وهو نظرية نشأة الكون التى لا يصدقها ولا يكذبها أحد حتى الآن (!) وهى التجربة التى بدأت أوائل هذا العام بينما كان نواب الشعب الأفاضل يتبادلون الشتائم ورفع الأحذية على بعضهم البعض، وبينما كان محترفو الضجيج يهللون للمهدى المنتظر القادم بدلال وتمنع لمقعد الرئاسة. فهؤلاء وأولئك لا يتابعون ـ ولا يفهمون ولن يفهموا ـ مثل هذه الأخبار.
ما علينا .. انبهرت بتركيبات ذلك المصادم خاصة حين تتعرض الأفلام التسجيلية لبعض الصعوبات التى لا يخلو منها أى مشروع. وبعد التجربة الرئيسية توالت تجارب عديدة أخرى. ويمثل مصر فى إحدى التجارب فريق برئاسة د/ شعبان سعيد خليل ويشارك فريق من المركز المصرى للفيزياء النظرية فى تجربة ثانية.

وبات معروفا أيضا أن أكثر من فريق جامعى يعمل فى مجال النانو تكنولوجى وهم دائمو الإتصال بالدكتور مصطفى السيد ويحصلون على منح دراسية من أمريكا بناء على جديتهم فى العمل والبحث.

أما النكتة الكبيرة التى تلقفها أعضاء الجمعية المذكورة فقد كانت منذ أيام عندما نقلوا عن صحيفة معاريف خبرا يقول أن مصر تعيد استيراد الغاز الذى صدرته لإسرائيل بسبعة أضعاف ثمنه!! فسارعوا ينشرون الخبر وكأنى بهم يرقصون طرباً .. وأيا كان مقصدهم فهناك أشياء معينة لا تصيب الحكومة أو النظام فقط وإنما تصيب مصر والشعب والحكومة جميعا فى نفس الوقت. وهذا منظور من الوطنية لا يفهمه ـ أو يتجاهله ـ أعضاء الجمعية المذكورة.
ضحكت كثيرا وأنا أتخيل الوسائل التى يمكن من خلالها عكس اتجاه الغاز فى الأنابيب وخلال المصافى والكمبرسورات و.. و.. الخ ليعود إلينا .. وإيه؟ بسبعة أضعاف ثمنه!! يا سلام!! أبو لمعة نفسه لم يكن قادرا على هذا! وأعضاء جمعية المنتفعين ـ وفيهم دكاترة جامعة باسم الله ما شاء الله ربنا يحرسهم من العين ـ صدقوا وربما رقصوا أيضا!
فى نفس وقت وكسة أعضاء الجمعية كانت الصحافة الموكوسة مشغولة بأخبار جدو وابن خالته وعمته والملايين التى “تبعزق” بدون عائد. وبعيدا عن هؤلاء وأولئك كان “أولادنا” الهواة فى آخر الدنيا يحصلون لمصر على ميدالية أوليمبية فى كرة اليد وفى الجمباز الإيقاعى. ويكاد لا يحس بهم أحد، كما تمر أخبار انتصارات الإسكواش الكثيرة مرور الكرام.
وكان فى نفس الوقت الشيخ هانى الحسينى يفوز بالمركز الاول علي مستوي العالم في تلاوة وتجويد ومقامات القرآن الكريم في المسابقة الدولية التي أقيمت في ماليزيا.
وإذا كانت الصحافة الموكوسة قد ذكرت أولاد أولمبياد الشباب فى خبر صغير فهى لم تذكر شيئا بالمرة عن الشيخ هانى، وإنما ذكره قارئ فى رسالة بعث بها إلى بريد الأهرام.

كانت هذه الخواطر تدور فى رأسى وأنا أمر على موقع من مواقع إنشاءات خط المترو الجديد، وعساكر وضباط المرور يجرون فى عز نقحة الشمس ليخففوا من زحام السيارات ويفضوا اشتباكها. وابتسمت أسفا وأنا أرى الناس ينظرون إلى الشرطة على أنها عدوهم الأول ويلعنون الحر والزحام (وهو خطأ النظام طبعا) ولا يرفعون أيديهم عن أبواق السيارات كأنهم فريق عزف موسيقى بدون مستمعين ولا مشجعين، وفى نفس الوقت لا ينظر أحد لما يجرى تحت الأرض .. وأكاد أرى نفس هؤلاء الناس يستخدمون فى المستقبل القريب ذلك الخط الجديد ليبدأوا فورا فى الشكوى من عدم النظافة والزحام والحر .. ولا مانع أيضا من الشكوى من السيول والفيضانات فى العالم والطائرات التى تقع فى الهند وباكستان وجرائم الإغتصاب الأمريكية .. عادى يعنى .. أكيد فيه حد فى الحكومة عندنا مسئول!
إييييه … دنيـــا!!

Written by anwar68

أوت 27, 2010 at 11:30 م

الضـجـيـج

leave a comment »

الشارع السياسى .. نبض الشارع .. الحس الجماهيرى .. الديمقراطية .. تلاحم قوى المعارضة .. المحظورة المحظورة .. جمعية المش عارف إيه .. حركات 6 إبريل وأخواتها .. حركة الإخوان غير المسلمين .. جمعية التغيير الـ.. مش عارف إيه برضه .. النقاء والشفافية .. الفساد الفساد .. المدينة الذكية والدولة المدينة والدين لله والعمل للحياة والوطن للجميع.
وأهم من هذه الخطرفة الإعلامية: المنسق العام!
تذكروا عندما علقت إحدى الجماعات الإرهابية (باسم الإسلام) فى الثمانينات على جماعة أخرى فقالوا: حتى العيل بتاع شبرا عمل أمير؟!! حسنا .. أمير أصبحت موضة قديمة .. “المرشد العام” محجوزة .. تيجى نعمل “منسق عام”؟
موسم، أو مولد يعتقد البعض إن مالوش صاحب. واللى مايتسموش يملأون الدنيا ضجيجا:
واحد منهم كاتب: الدستور يعطى الحق لكل من هب ودب بالترشح، والمحافظ يفرض “رسوم” ألف جنيه وثلاثة آلاف جنيه .. يعنى اللى دخله ثلاثمائة جنيه كيف يرشح نفسه؟ قلت له: يا عم ارفع عليه قضية.. هو بيشتغل محافظ والا “رسام”!
جماعة عاملين حلقة وبيفقروا: التوريث! (ويلطمون) التوريث! (ثم يمزقون ملابسهم) الحقونا (ثم يشدون شعر بعض) التوريث حايموتنا (ثم .. الخ). فتسأل سيدة طيبة وهى تمصمص: مافيش حد طلب الإسعاف يا جماعة، والا السراية الصفرا؟
واحد تانى وقف فى وسط ميدان عام وأخذ يهذى: مادة 76 مادة 77 مادة 88 ثم ينظر حوله كالتائه. فقال واحد من المتفرجين: هم مش لسه متعدلين قريب؟ طب إيه الهيافة دى؟ الواقف وسط الميدان لم يسمع واستمر: مادة 76 مادة … الخ. واحد تانى قال للواحد الأول: بتقول هيافة؟ طب لما اللى يقوله يعيده .. يبقى إيه؟
واحد فيلسوف قوى.. سكت الجميع حين تحرك ليتكلم بوقار: لا .. لا يا سادة .. لازم رقابة القضاء! واحد خبيث همس فى أذن جاره: يعنى هم القضاة ملايكة؟ أمال إيه حكاية القائمة اللى قال عليها وائل الإبراشى عن القضاة اللى زوروا فى الإنتخابات السابقة؟ رد الآخر: والا القضاة اللى راحوا فى قضية لوسى أرتين!!ـ
ويصف البرادعى جماعة الإخوان المسلمين بأنها «المعارضة الوحيدة الفعالة فى مصر» مضيفاً أن قياداتها أوضحوا له أنهم لا يسعون إلى وجود «دولة دينية» ولكن «دولة مدنية تقوم على القيم الإسلامية». وهذا خبر بجد فى إحدى الصحف المستقلة وليس نكتة ولا تشنيعة .. والله!!
ويحضر الجلبى ـ آسف .. أقصد سعد ابراهيم ـ خصيصاً “ليستجم” فى القرية! ويتوافد الأصدقاء على الولائم تلبية للدعوة الكريمة، ولا نعلم إن كانت الميزانية المعتمدة لهذه “الرحلة” أيضا مليون دولار فى الشهر أم أكثر!
وأحاول أن أفهم:
أولا: التغيير يحدث فعليا منذ أكثر من عشرة ـ خمسة عشر سنة. والتغيير عملية مستمرة ولم تتوقف ولن تتوقف. فلماذا يرفع البعض شعار “التغيير” كأنه مذهب جديد.
ثانيا: المسألة العويصة التى يحلو للإعلام الموكوس ترديدها لاعتقادهم أنها أيضا مذهب جديد هى مسألة ارتباط رجال الأعمال والسلطة. هى اسمها كلية الإقتصاد .. وإيه؟ العلوم السياسية؟ يعنى السياسة والإقتصاد مرتبطين؟ طيب إيه بأه؟
ثالثا: أبطال الضجيج هتفوا من قبل لعمرو موسى على أساس أنه المنقذ الوحيد. ثم تخلى هو عنهم. أما الآن فإنهم ـ بذكاء غريب عليهم ـ عندما وجدوا البرادعى يتأفف منهم سبقوه وتخلوا هم عنه وقالوا أنه ليس على قدر المسئولية. والثعلب قال من قبل عن العنب: ده حصرم! عندما لم يطله.
رابعا: سعد ابراهيم حث أو طالب الولايات الأنتيكية بتخفيض المعونة لمصر .. ثم يحضر إلى مصر بوجهه الصفيق .. فهل من يجلس فى ولائمه أقل صفاقة منه؟
خامسا: حددت الديمقراطية الأمريكية فترة الرئاسة بأربع سنين. ولكن الديمقراطية الإنجليزية لم تحددها (أقصد رئاسة الوزراء التى هى رئاسة الدولة السياسية، أما الملـَكية فحالة خاصة تستمر طول العمر وتورث)، والديمقراطية الفرنسية تحدد ستة سنوات للرئاسة ولا تحدد مدة لرئاسة الحكومة. واضح أن أبطال الضجيج يريدون لنا أن نتبع النموذج الأمريكى بالذات .. بينما هو أفشل نموذج .. واسألوا العراق وأفغانستان .. بل اسألوا الأمريكان أنفسهم الذين على مدى أكثر من خمسين سنة ليس لديهم سوى حزبان عاملان، وأحزاب أخرى كمالة عدد فقط! وحتى الحزبان على رأى المثل: اتلم المتعوس على خيب الرجا! ولا هذا منع حربا ظالمة ولا ذاك رفع الظلم، ولا هذا تعلم من خيبتهم فى فيتنام، ولا ذاك اقتنع أنها نفس الخيبة فى العراق وأفغانستان وفى النهاية هم النازيون الجدد هم أنفسهم الحكام الحقيقيين منذ أكثر من عشرين عاما وهم الذين خططوا ونفذوا تفجيرات نيويورك لتصير هى البعبع الدائم للشعب للموافقة على أى شىء، بما فيها إبادة قرى أفغانستانية كاملة وتقييد الأطفال فى العراق وتعذيب المساجين فى كل مكان … لأ والمصيبة يقولك إيه: البشير .. اقبضوا عليه! طب هى الديمقراطية دى ماعندهاش حصوة ملح؟
والنتيجة؟
لسه مش فاهم!
وكل سنة وانتم طيبين .. الناس اللى نزلوا على نقطة معينة محددة مسبقا على سطح القمر بيقولوا إنه سيكون ظاهر قبل غروب شمس اليوم. صدق أو لا تصدق .. إنت حر!

Written by anwar68

أوت 10, 2010 at 11:28 م

أوراق قديمة 23

leave a comment »

عمى وحيد
عمل عمى فى أوائل حياته العملية فى أسمرة عاصمة إريتريا فى مجال صيانة الطائرات، وهى من أدق أعمال الصيانة الميكانيكية. ويبدو أنه من هناك التحق بشركة شل، ثم انتقل للعمل فى رأس غارب. وبعد عدة سنوات عهدوا إليه بمشروع محطة توليد الكهرباء. وأرسلوه فى بعثة إلى المصانع التى تنتج التربينات والمولدات. ثم رأس لجنة الإختبار النهائى بالمصنع، وهو ما يطلق عليه اختصارا FAT. كان عليه بعد ذلك استلام المعدات فى مصر وتركيبها، ثم تشغيل المحطة. وأصبح فى الخمسينات المسئول عن كل أعمال الصيانة فى موقعى رأس غارب والغردقة معا. وكان ـ رحمه الله ـ لديه شهادة من “شل” أن مجهوده يعادل مجهود أربع مهندسين إنجليز.
فى 1963 كان عليه، بناء على أوامر الأطباء، الإبتعاد عن العمل فى مجال البترول. وكان لهذا تأثير نفسى سىء لأنه قضى فى ذلك العمل عمره وكان يحبه. وفى ذلك الوقت فوجئ فى الطريق بمن يناديه بإسم شهرته من أيام مدرسة المساعى المشكورة. كان هذا هو المهندس يحيى رفاعى .. المهندس المدنى الذى كان أول دفعته، وكان فى ذلك الوقت رئيس مجلس إدارة الشركة العقارية لاستصلاح الأراضى. وإذا لم تخنى الذاكرة فقد كان هو مالك الشركة الأصلى واستمر فى رئاسة مجلس إدارتها بعد التأميم. يشاء القدر أن الشركة كانت تبحث فى ذلك الوقت عمن يدير ورشة العمرات الرئيسية فى القاهرة. وبعد السلامات والأشواق واجترار الذكريات السعيدة، كان الإتفاق على أنه فى اليوم التالى يتسلم عمى عمله فى السبتية!
لم نكن نلتقى مع عمى قبل ذلك إلا قليلا بسبب ظروف العمل فى المناطق النائية. ولكنى كنت أعتبره أهم المثل العليا فى حياتى. وتدور الأيام وها هو القدر يحقق لى أمنيتى أن أعمل مثله وفى نفس المجال!
كان عمى هو الذى يداوم متابعة علاج والدته رحمها الله. وكان يحضر خصيصا من رأس غارب فى مواعيد الكشوفات والتحاليل وجلسات الأشعة الذرية الخ ويسافر عائدا فى نفس اليوم. وتزامن انتقاله إلى القاهرة مع تفاقم أمراضها. ورغم إنشغاله بالبحث عن مسكن والإستقرار فى العمل الجديد الخ إلا أنه استمر فى المتابعة.
كان عمل عمى فى القاهرة وكانت منطقة العمل الرئيسية للشركة فى العامرية (الإسكندرية). وهذه فرصة لا يمكن تفويتها دون الإستغلال الأمثل من جانبى. فلم أكن أفوت فرصة سيارة عمل مسافرة إلا وأقفز فيها إلى مدينتى الحبيبة .. الإسكندرية.

راحة القلوب
أحد طرق راحة القلب ـ كما قلت من قبل ـ كان المفروض أن يحدث بعد أعوام. وأقصد بذلك المصارحة المتبادلة بالحب. وكنت أقدِّر أن يكون ذلك بعد عامين مثلا؛ حيث أكون ـ ربما ـ فى وضع مادى أفضل وتكون “س” فى سن مناسبة.
ويتدخل القدر فى أحد أيام يونيو 1964 حين رأيت لمحة قلق، وسمعت كلمة حيْرَى. ولم يعد ممكنا الإنتظار خاصة وأنى جربت قسوة هذه الحيرة. وكتبت أول خطاب يمكن أن أسميه خطابا غراميا فى حياتى ولو أنه لم يكن به أى شىء مما تشاهدونه فى الأفلام! بل كان أقرب ما يكون إلى محاضرة فلسفية صغيرة! وهذه خيبة قلة الخبرة .. مش عيب يعنى! ثم أردت فى اليوم التالى أن أصلح ما أفسدته فكتبت خطابا آخر أكثر صراحة “قليلا” وأقل فلسفة! وفيه طلبت منها أن تكتب لى. كنت فى ذلك الوقت قد قرأت روايات يوسف السباعى كلها وإحسان عبد القدوس وغيرهما، وأستطيع الحديث عن قرص الشمس الدامى الذى يضرب غطسا فى بحر الإسكندرية و.. اذكرينى .. وكيف تواضع القمر ونزل على الأرض .. وحاجات زى كدة! ولكنى لا أحب التصنع وأعتقد أن الحب طفل فى نقائه وطبيعيته.
المبدأ لدىَّ أن الحب لابد أن يكون فى النور .. ولم أكن أحب أن أحيد عن ذلك المبدأ. لذلك ـ وبعد أن كتبت ذلك الخطاب السرى لم أكن راضيا عن نفسى، وكتبت هذه الخواطر التى لم يقرأها أحد قبل الآن:
أغلب الظن أنى بذلك (أى بطلب خطابات) تخطيت حدود الذوق والمعقول، وقد أكون بذلك أشجعك على مخالفة تقاليدنا الصحيحة. .. ولكنى فى الحقيقة كنت أريد الإنتصار على المسافة التى بيننا .. أن أعيش حياتك لحظة بلحظة ..

أختى الرابعة
يتحدث الناس عن الصداقة بين الرجل والمرأة .. البعض يؤكد أنها ممكنة، والبعض يقول أن البعد عنها غنيمة، والبعض يقول أن وجودها مستحيل! والحقيقة أن العلاقات الإنسانية تبلغ حدا من التعقيد أنى أحسب أن كل علاقة هى متفردة فى نوعيتها ودوامها وتطورها الخ. ومن إعجاز الخلق أن لا تتشابه العلاقات كما لا تتشابه الخلقة.
منذ صغرى وحتى أنهيت الدراسة الجامعية وأنا أحب زيارة الأقارب، خاصة أولئك الذين تنقطع الزيارات بين الكبار لفترة طويلة. فى إحدى زياراتى لأقارب لى فى الإسكندرية، التقيت بابنتهم “م” التى لم أكن قد رأيتها منذ أكثر من عشر سنين. وبعد أن تحدثنا قليلا وجدت كأننا لم نفترق كل تلك السنين. أكثر ما أثار إعجابى هو مدى الثقة التى يسبغها والداها عليها، ومدى ما تبين لى من جدارتها بتلك الثقة التى كانت تحافظ عليها بقدر ما كانت تستمد منها ثقة فى نفسها. صارت علاقتنا فى نهاية تلك الزيارة علاقة أخوة. وقد تبادلنا الرسائل بعد ذلك ـ بعلم والديها ـ مدة طويلة وأصبحت لى أختا رابعة! وهى منزلة عزيزة جدا، أعتبرها أكثر سمواً من منزلة الحب العادى بغرض الزواج. فإحساس الأخوة هو حب بدون شروط ولا هدف ولا نهاية.
وهذه فقرات من بعض خطاباتها:

“أحسن حاجة قولتها فى جوابك الفقرة الأخيرة: إن الإنسان لازم يعيش لهدف معين وإلا ضاع. وده اللى أنا كنت شاعرة بيه إلى انتهاء الأجازة. كنت ضايعة فعلا لا مذاكرة ولا خروج إنما قاعدة فى البيت أفكر وأفكر .. إنما فى إيه مش عارفة .. فى حاجة مجهولة مش عارفاها .. خايفة من المستقبل، خايفة ليه؟ برضه مش عارفة!
كانت سلوتى الوحيدة الدموع. أسبوعين بكاء متواصل من غير أكل لدرجة النهاردة أخدت جوابك من عند البواب وكنت جاية من المستشفى الجامعى. والدكتور قاللى حالتك النفسية هى اللى تعبانة وضعف عام. أعطانى برشام مهدئ للأعصاب. وأنا نفسى لقيت إن البكاء مش بيجيب فايدة وخصوصا إنى مش عارفة سبب بكائى. وعلشان كدة بحاول اليومين دول إنى أحضر كل المحاضرات وإنى أشغل نفسى فى المذاكرة، ومافكرش فى أى حاجة تانية، وأعيش لهدف واحد وهو الشهادة، لأنها حتكون حياتى ومستقبلى.”
“الحب هو التفاهم والشعور المشترك. وهما أساسيان فى الحب. وإن ترجموا الحب وهو الحاجة اللاحسية إلى شعور حِسِّى فيكون هو الشعور المتبادل. وحيث لا يكون هناك شعور متبادل فليس هذا بحب بل إعجاب بهذه الشخصية. وبما إنك فى مشكلتك الشخصية لا تعرف شعور الإنسان الذى تحبه. ولو أن يظهر أنك لا بتحب دى ولا بتحب دى! لأن يابنى القلب لا يمكن أن يساع اثنين أبدا.”
“تأكد أن الحب لا يأتى عن طريق كلمات مبتذلة، لأن الفتاة تسمع فى هذه الأيام كثيرا من هذه الكلمات من عديد من الأشخاص، ولكنها تنظر إليهم بعين الإحتقار على هذا الإبتذال. ولكن تأكد أنها حين تسمع هذا الكلام من شخص تميل إليه وتعجب به وتتأكد من صدق كلامه فسوف تصارحه هى الأخرى.”
“بذمتك مش لاقى إلا فريد الأطرش علشان تنقد الكلام اللى بيغنيه. إنت مش عارف إنه أعز اصحابى ومش ممكن أسمح لك أبدا تتريق عليه .. وإلا…!! ده القلب اللى انت ظلمته فاكرك .. وانت نسيته!! ده مش ذل زى ما بتقول، ده وفاء، ده قوة حب وإخلاص قلب، ولو انى من أنصار المثل اللى بيقول اللى باعك بيعه.”
“أما من ناحية العائلات التى لا ترضى أن تزوج بناتهم إلا لأثرياء ولعاطلين بالوراثة، فتلك العائلات مصيرها للإنقراض. وأنا أرى أقرب الناس إلى وهو أبى يقول لى دائما إذا أحببت عاملا، وعرفت أنه سيقدرك ويسعدك وأعرف أنه رجل بمعنى الكلمة فلا مانع عندى أن أزوجه لك وأساعده، وليس فى ذلك أى حرج. وأنا نفسى عندما أختار شريك حياتى سأراعى فيه قوة الشخصية والثقافة دون النظر لفقر عائلته أو غناها.
تعرف يا محمود إنك بقيت فيلسوف فى الحب. ده إيه ده كه! يابختها ياسيدى لو تعرف إنها خلقت منك فيلسوف. وعلى فكرة قولها إنى حما طيبة جدا. والا انت شايف إيه؟ ومن ناحية إشاعة ان الحب الأول لا يدوم .. أنا سمعت إن الحب الأول يظل فى الذكرى ومش ممكن يتنسى أبداً. الحقيقة مش عارفة ده حقيقة والا خطأ.”
“ربما تعذرنى إذا عرفت إن أمك التى تستطيع أن ترتاح على صدرها والتى تحنو عليك لا تجد من ترتاح على صدره أو تفضى إليها بمشاكلها. فإننى الآن فى مشكلة وحيرة لا أستطيع منها الخلاص. وإنى لأعتبرها مأساة حتى أننى مرارا فكرت فى التخلص من حياتى. ولكن وقوف أمى بجانبى ورحمة بها كنت أتراجع وأتطلع إلى الرحمة من السماء لعل وعسى.
تصور أن الفتيات فى الكلية يظنوننى أسعد الناس. وعندما أغمى يوما على فى الكلية من شدة الإجهاد والتفكير فى الهم، لم يصدق أحد وأصيبوا بذهول، لأنهم لم يتصوروا أن أصاب يوما بالحزن فهم دائما يخدعون بالمظهر.”
“وانت غلطان إذا كنت فاكر إن زعلك مايهمنيش. بالعكس ده يهمنى جد، والا انت ناسى ياسى بابا إنك شخص الثقة بينى وبينه متبادلة بالرغم إنك راجل. وانت عارف رأيى فى الرجالة كلهم. واليومين دول زاد والحمد لله عدم الثقة فيهم أكتر وأكتر. ولكن معاك انت لسة الثقة موجودة لأنك بالنسبة لى أخ عزيز أعطانى ثقته وبادلته نفس الشعور.”

الشركة العقارية واستصلاح الأراضى
إستصلاح الأراضى كان من أهم المشاريع بعد الثورة، وبدأ بإحياء مشروع مديرية التحرير وهو الذى كانت شركة جناكليس قد قررت عدم جدواه الإقتصادية فتم صرف النظر عنه فى عهد الملكية. أعيدت دراسته بعد الثورة وتقرر إنجازه. وهو عمل كبير رائد ولا يذكره أحد الآن بالطبع لأنه لن يساهم فى برنامج الولولة ولطم الخدود.
الذين نفذوا مشروع مديرية التحرير مصريون ولم يأتوا من المريخ. وهم كانوا مثل الجميع لا تكفيهم مرتباتهم، لكنهم كانوا يعملون. كانت المواصلات والإتصالات والخدمات تكاد تكون منعدمة، لكنهم كانوا يعملون.
أول ما سمعت عن الدكتور/ محمد السمنى أستاذ الهندسة المدنية بجامعة الإسكندرية كان فى ذلك الوقت من الخمسينيات. وكان من رواد ذلك المشروع. وكان ضحيته أيضا عندما وجد نفسه متهما فى ما سمى بقضية مديرية التحرير. وقال لى أبى ـ وكان منتدبا للعمل بالمشروع ـ أن الدكتور/ السمنى وقف كالأسد فى المحكمة يرد على جميع الإتهامات من الذاكرة ويفند كل الحسابات بالمليم والقرش وبدون الرجوع إلى مستندات ـ ومن أين له بها وهو فى الحجز! ـ وأخيرا وبعد عامين حكم له بالبراءة!
وعندما عرفت العبقرى الدكتور السمنى عن قرب فيما بعد ـ كما سأتحدث فى وقته ـ عرفت كيف يمكن للطابور الخامس أن يحول حياة الشرفاء من الناس إلى جحيم ويحرم البلد من مجهود المخلصين بشعار: إقرفوهم ليستقيلوا أو يدانوا ظلما ويخلو لنا الجو. وأسأل نفسى الآن: كم تكرر السيناريو بتفاصيل أخرى منذ الخمسينات إلى الآن؟ هل تستطيعون العد؟
الشركة العقارية شهدت قضية من ذلك النوع ولكنها ربما أخطر!
أصبحت الشركة فى ذلك الوقت أكبر شركات الإستصلاح الخمسة، حين فازت بمناقصة استصلاح ثمانين ألف فدان غرب النوبارية (مركزها عند العامرية). ومثل هذه المساحة المهولة المترامية استدعت دراسات مستفيضة عند إعداد العرض. وعندما بدأ العمل فوجئت الشركة بأن المعدات الثقيلة والآلات اللازمة والتى كانت المؤسسة هى المسئولة عن شرائها حسب ما هو متفق عليه فى العقد لم تصل. ولا تستطيع الشركة بالطبع مساءلة المؤسسة بينما العكس صحيح. وبصبر وافقت إدارة الشركة على استخدام العمالة بدلا من المعدات فى حفر الترعة الرئيسية. وكان هذا يعنى استخدام آلاف من عمال التراحيل ـ على ما أذكر ثمانية آلاف! وكانت يومية التراحيل على ما أذكر 9 قروش.
تقدم مقاول على استعداد لتوريد العمالة المطلوبة كلها وبسعر أقل قليلا من 9 قروش للفرد فى اليوم. ولكن هذا كان يعنى أن العقد معه سيزيد عن حد كانت الدولة وضعته للتعامل مع مقاول واحد. ولكن الشركة كانت تعمل بمنطق أن إنجاز العمل هو الأهم، فتعاقدت معه، مع تغطية موقفهم بدراسات لجان ومحاضر .. الخ.
فوجئت الشركة صباح أحد الأيام بخبر القبض على رئيس مجلس الإدارة ومعظم مديرى العموم. وظهرت مانشيتات صحف مثل التى ترونها هذه الأيام: إهدار المال العام .. رشاوى ومخالفات قانونية .. فساد .. الخ. والنيابة تحقق .. وخيرة مهندسى وإداريى الدولة ـ وليس الشركة فقط ـ فى الحجز وفى سين وجيم! وكانت التهمة غير واضحة .. فى الأول قالوا أعداد التراحيل لم تكن صحيحة .. ثم قالوا المقاول دفع رشاوى .. ثم قالوا أن الشركة تعدت القيمة القصوى للتعامل مع مقاول واحد .. ثم قالوا كيف ينقص السعر عن تسعة قروش .. ثم .. ثم .. كأنما النيابة قد وضعت يدها على عصابة محترفى الإجرام!!
كل ذلك بناء على بلاغ من المهندس “فلان” الذى يعمل بالشركة! والحقيقة أن ذلك الشخص لم يكن مهندسا فى يوم من الأيام وإنما ملاحظ أنفار (دبلوم صناعى). ولكنه ظل طوال سنوات المحاكمة فى أخبار الصحافة وفى محاضر النيابة “المهندس”! ولا تسألونى كيف! ذلك الملاحظ كان واحدا ممن يتولون مراقبة التراحيل والتأكد من عددهم لعمل الحساب الشهرى للمقاول ومتابعة إنتاجهم. ويدور الناس المحترمون فى دوامة لا تنتهى لمدة على ما أذكر أربع سنوات. وفى النهاية براءة! وهى البراءة التى لا معنى لها والتى تحدثت عنها فى مقال سابق. إذ ماذا تنتظر من خيرة المهندسين والإداريين بعد أربع سنوات من العذاب .. هل تعتقد أنهم “يفرحون” بالبراءة عندئذ؟ أو حتى يكونون قادرين على “العمل” مرة أخرى؟
المثير أيضا أن الخاسر ليس فقط الأشخاص، ولكن أيضا الشركة عندما تفقد كل مديريها هكذا بشكل مفاجئ، فلابد أن يتوقف الإنتاج فيها. واستمر مسلسل تحطيم الشركة بعد ذلك وظهر فى اللعبة مدير كبير فى المؤسسة (كما سأحكى فيما بعد) .. والله أعلم إن كانت البداية ـ يعنى إطلاق الملاحظ للطلقة الأولى ـ أصلا من تدبيره.
بالمناسبة: هل تذكرون قضية أكياس الدم التى أطلقت الطلقة الأولى لها منذ سنوات “موظفة حسابات”؟ وهل تذكرون دور إعلامنا الموكوس فى “تهييج” القضية؟ وتتغير التهمة من يوم إلى يوم، فبعد أن كانت عن عدم مطابقة المواصفات تصبح فجأة: أكياس الدم “الفاسدة”! (حد عارف يعنى إيه “فاسدة”؟) ثم تصبح المشكلة فى الإبرة! (فعلا .. تبرعت بالدم فى ذلك الوقت ولاحظت أن الإبرة “شكلها وحش”!!) ثم أصبحت “أكياس الدم الملوثة”! (لم يقولوا ملوثة من الداخل أم من الخارج!) ثم اتفق الجميع فى النهاية على أن الإتهام يكون على الكيف .. أى أن كل واحد من الشعب يختار الإتهام الذى يعجبه .. المهم أن يتوقف مصنع عن العمل وأن نستورد الأكياس اللى “مش قليلة الأدب” (!) من الخارج.
لا أريد بهذا دفاعا ولا اتهاما .. أريد فقط إبراز خداع المانشيتات الساخنة وأن الإعلام الموكوس ـ الذى يعتقد أن الإعلام تشهير وطق كلام بدون وعى ولا فهم ولا حتى رغبة فى الفهم ـ يمكن أن يكون وبالا ليس فقط على من يعملون ولكن أيضا على البلد ككل.
لعلنا نتوقف قليلا قبل أن ننساق وراء كل هوجة أو موجة يغرقنا بها الموكوسون، ونسال أنفسنا: هل هذه الهوجة حقيقية أم لا. لقد عودتنا الدعاية العميلة أخيرا على تصديق الصحافة الصفراء والفضائيات المشبوهه دون مناقشة وعلى “عدم” تصديق الحكومة حتى لو قالت أبيض على الأبيض! ولكن آن الأوان أن نفحص هذا وذاك وأن نفرق بين الصحيح والمدسوس وأن نتوقف عن الهتاف فى ساحة مصارعة العبيد الرومانية، لأننا فى الواقع جزءا من هؤلاء العبيد.
رأيت صورة فى جريدة فيها اثنين من الصيَّع يضحكان بسعادة شديدة، والتعليق تحت الصورة أنهما فرحان بالحكم بالسجن على مسئولى المحافظة فى حادثة الدويقة. ربما كان الحكم صحيحا أو غير صحيح .. ليست هذه هى المشكلة. ولكن روح التشفى (التى بالمناسبة يمكن أن تكون فبركة صحفية) هى التى تحزننى. تماما كما أحزننى أن نصبح جميعا قباطن بحرية ومفتشين سلامة سفن وشراليك (جمع تكسير) هولمز وطالبنا برأس صاحب العبارة من أول يوم؟
فهل نريد العدالة أم أصبحنا عبيد الصحافة الموكوسة والإعلاميين العملاء والأغبياء؟ بالمناسبة: تطرد نقابة الصحفيين العضو الذى يذهب إلى إسرائيل، أو على الأقل تهدد بقطع رزقه! النقابة التى تملأ الدنيا ضجيجا حول حرية الرأى تعتقد أن الذهاب إلى إسرائيل “تطبيع” ولا يهمها (أو ربما لا تريد!!) أن يكون لنا “عيون” داخل إسرائيل! هل هناك غباء (أو ربما عمالة) أكبر من هذا؟
بالمناسبة فوجئت منذ مدة بمقال للنقيب مكرم محمد أحمد يمدح فيه الشيخ القرضاوى مدحا شديداً، فأرسلت للنقيب رسالة شخصية على عنوانه الإلكترونى، أرجوه ـ مادام صديقا للشيخ ومعجبا به لهذه الدرجة ـ ومع احترامى للشيخ، أن يسأله تفسيرا لوجوده فى صدارة المنصة وسط علماء “دينيين” فى قطر تندد بموقف مصر “السياسى” ليلة القمة المشبوهة فى قطر التى دعوا إليها رأس الإمبراطورية الفارسية (!) زمن العدوان على غزة الذى أثبتنا أنه جزء من مخطط ضد الأمن القومى المصرى، ورجوته أن يسأله تفسيراً لتحمسه لـ “ولاية الفقيه” فى برنامج تليفزيونى مصرى الخ. وقلت أنى لا أعنى المساس بالدرجة العلمية الدينية للشيخ ولكنى أتساءل عن مواقفه السياسية، وهل هى “مصرية” أم ماذا؟ وبالطبع لم يرد النقيب لا برسالة شخصية ولا بمقال ولا حتى بتنويه! عجبى!

أمر التكليف
بعد أن قال عبد الناصر أن البلد فى حاجة إلى خمسة آلاف مهندس، تقرر تشغيل المهندسين (والأطباء أيضا) بمعرفة الدولة.. أى بأمر تكليف، وهو أمر عسكرى، مع منعهم من السفر إلى الخارج. وكان ذلك من أغبى قرارات الدولة فى ذلك الوقت وفى كل وقت.
أذكر أن الأول على دفعتنا وكان إسمه “ابراهيم” عندما اكتشف أنه مكلف كمعيد بالجامعة، سارع إلى الجيش وأصبح ضابط احتياط، لكى يهرب من التكليف. وقال نار الجيش ولا جنة الجامعة! وقد تبين لى بعد نظره، حين وجدت زميلا آخر عين معيدا بالكلية وهو يكلم نفسه عن قلة دخله (مش قادر يعيش، فما بالك بالكتب والمراجع) وعن عقم الروتين (ظل سنة يحاول شراء ماسورة ومواد لعمل تجربة معملية ولم يستطع) وعن افتراء الدكاترة (بلاش نتكلم .. خللى الطابق مستور)!!
أمر التكليف كان فرصة للواسطة .. فقد كانت بعض الجهات متميزة عن الأخرى مثل شركة المقاولون العرب وقطاع البترول وغير ذلك، وهى محجوزة مقدماً. أما الغلابة فحسب الحظ! صديقى الحميم “جمال” زميل المشروع كان نصيبه فى محطة توليد كهرباء، وفيها ـ بالإضافة إلى العمل فى مجال التخصص ـ ميزة كبيرة وهى السكن المجانى بالمحطة. وصديقى الحميم الآخر “على” كان نصيبه فى وزارة التخطيط، وكنا نحسده .. على أساس أن عمل المهندس ـ أيا كان تخصصه ـ يدور محوريا حول التخطيط وجودته. ثم فوجئنا بالحقيقة: “مليون فوق مليون تحت .. مش مشكلة .. مشى حالك ياسيد!” و .. “يعنى إيه يطلع متوسط دخل الفرد انخفض؟ إنتوا عايزين تخربوا بيتى؟ اتصرفوا!” ويتصرفوا ويزيد دخل الفرد بقدرة قادر إرضاء للزعيم! وبعد سنة أو أكثر لم يحتمل صديقى ففعل مثل ابراهيم: انضم إلى القوات المسلحة. على الأقل هناك استطاع أن يمارس تخصصه فعليا ودون حبة فوق وحبة تحت!
أما العبد لله، فقد كنت مرة أخرى على موعد مع القدر.
بمجرد ظهور النتيجة ذهبت إلى عمى وسألته أن يتوسط لى للتكليف فى الشركة العقارية. فسألنى عن السبب فقلت أنى أريد العمل أولا كعامل وليس كمهندس، ولا أريد أن يعلم أحد بشهادتى طوال مدة العمل الأولى التى يمكن أن تكون سنة. ومثل هذا الترتيب لا يكون ممكنا إلا من خلاله. ابتسم عمى وأعجب بالمنطق لأن هذا كان يماثل طريق بدايته العملية أيضا. وفى الحقيقة لم يكن الأمر يستدعى واسطة. فلا أحد يرغب أساسا فى دخول مقبرة الزراعة واستصلاح الأراضى، لذلك بمجرد أن وجدوا فى إدارة القوى العاملة طلبا منى للتكليف بالشركة العقارية حتى وافقوا فوراً.

بداية الحياة
الإنتقال من مرحلة الدراسة إلى مرحلة العمل كأنه انتقال من حياة إلى حياة مختلفة تماماً. وفى أثناء فترة الدراسة، مهما تخيلت حياتك بعدها فستجدها شيئا آخر. لذلك أعتبر هذا الإنتقال بداية حياة.
لذلك أنصح كل الشباب الذين ما زالوا فى مرحلة الدراسة أن يعيشوها بكل ما فيها .. يعنى ليست تلك المرحلة فقط معسكر مذاكرة وصم وصراع من أجل المجموع .. النشاطات والهوايات ذلك هو وقتها، ولن تستطيع ممارستها فيما بعد إلا فيما ندر وحسب الظروف وليس حسب الرغبة. وهذه على نفس قدر الأهمية كالدراسة نفسها لنمو الشخصية والثقافة والوعى. فما يتحدث عنه فلاسفة الإعلام عن الضعف العلمى لخريجى التعليم سواء الثانوى أو الجامعى ليس شيئا بالقياس إلى ضعف الشخصية. ونحن نرى ذلك مثلا كلما خرج بطل رياضى إلى المجال العالمى، عادة فى سن 18 أكثر أو أقل. هو عندنا ما زال طفلا وهو فى البلاد الأخرى يستقل بنفسه ويعمل ليوفر لنفسه مصاريف الدراسة إذا أراد استكمالها. أنظر إلى إبننا حين يتحدث إلى الصحافة مثلا، وقارنه بمثيله فى بلاد أخرى. وسترى الفرق أيضا شاسعا فى الإلتزام .. الإلتزام بالمواعيد وبالعقود وبالوضوح. يعنى: ميعادنا سبعة، إنت تستنى لحد تمانية، لو أنا ماجيتش تسعة إمشى بأه عشرة! عمركم سمعتوا إن جون ماكنرو ـ وكان بطلا فى سن السادسة عشرة ـ أو غيره أنه وقع عقدا على بياض؟ عمركم؟!!!
دور المدرسة أو الجامعة أو الدولة بوجه عام ثانوى فى بناء الشخصية. الدور الرئيسى فى المنزل. وما يفعله أكثرنا لأولادنا الآن هو فى حقيقته تدمير بطىء .. حتى أننا نشجعهم على البقاء فى البيت بدلا من المدرسة والدوران نهارا وليلا على المدرسين الخصوصيين حتى أن بعض الأبناء لا يجد وقتا للمذاكرة نفسها أو الفهم. قليل جدا من الناس الذين يعلمون أولادهم تنظيم الوقت بين المدرسة والنادى (أو الساحة الشعبية) وبين المذاكرة والهواية والقراءة العامة.
قبل صدور أمر التكليف الرسمى، وقبل أن آخذ نفـَسى من هم الإمتحانات والمذاكرة، بدأت أول أغسطس العمل فى الورشة بالسبتية. قضيت العشرة أيام الأولى أدور بالورشة متفرجاً (ولا أصعد إلى مكاتب المهندسين طبعا) وفى نفس الوقت أستكشف الأسماء البلدى للعدة وأحصل على خبرة معرفة قياس العدة المناسبة بمجرد النظر والآلات المساعدة بورش الصيانة والعمرات وتلقيط الكراسى لترييح الكرنك وغير ذلك من “سر المهنة”. وكنت أيضا أتعرف على العمال وأفهمهم أنى عامل مبتدئ فى انتظار تكليفى بعمل رسمى من رئيس الملاحظين. وفى نصف ساعة الإفطار كنت أحيانا ما أخرج مع العمال لأكل الجبنة القديمة (المش بدوده) بالعيش الشمسى من عربة بالشارع، وأحيانا ما أشارك البعض فنفترش الأرض صحبة في وليمة طعمية وفجل وطماطم .. وهكذا.
رئيس الملاحظين كان إسمه “قاعود” ويدعوه الجميع “الأستاذ” قاعود، احتراماً. وهو أيضا كان يعرفنى من قبل وكان يعمل مع عمى لمدة سنين فى رأس غارب. وبعد عشرة أيام طلبت من الأستاذ قاعود أن أبدأ العمل، وكان مشفقا على، ولكنى أكدت له أنى أتحمل ما يحدث، فقرر أن يكلفنى بعمرة ماكينة صغيرة .. كنا نسميها موتوسيكل مجازا، وهى فى الحقيقة محرك بنزين اثنين سلندر يتم تقويمه بالحبل ليقوم هو بالتالى بتقويم ماكينة الجرار الديزل الرئيسية. وبدأت العمل.

Written by anwar68

أوت 7, 2010 at 5:23 م

أرسلت فى أوراق قديمة

Tagged with