Archive for جوان 2010
أوراق قديمة 21
مغادرة ألمانيا
كان المفروض أن أغادر ألمانيا يوم الأحد 22/9. وكنا قد تسلمنا المنحة عن جزء من شهر سبتمبر قبل رحلة يوم 20/9 مباشرة. لهذا كان الوقت ضيقا .. مثله مثل قلة النقود. ويوم السبت تفتح المحلات نصف يوم فقط حتى الساعة 12 ظهرا.
نزلت يوم السبت لمحاولة استغلال الساعتين فى جولة شراء سريعة. ولكن كالعادة حين يكون الوقت ضيقا تجده يمر سريعا. وبعد شراء أشياء لا تذكر وجدت المحال تغلق. وفجأة أصبت بإحباط شديد. وبقينا أحمد شيرين وأنا نجوب الشوارع دون هدف ثم دخلنا سينما وعدنا للهايم فى الليل.
بالمناسبة الأفلام كلها هنا ناطقة بالألمانية أيا كان منشؤها. والدوبلاج متقدم جدا بحيث لا يختلف الصوت والتمثيل عن الأصل، واصبح لكل ممثل بديل أو أكثر يؤدى أدواره بالألمانية. وهذا منتشر فى أوروبا كلها تقريبا.
كنت أنوى حزم أمتعتى ليلا لكى أسافر فى الصباح. وعندما عدت إلى الهايم اكتشفت ضياع الحقيبة الكبيرة!
تذكرت كيف ضاعت الحقيبة: كان العمال يقومون بإعادة طلاء الحجرة فأخرجوا بعض الأشياء خارجها. ولم يكن هناك مشكلة إذ أننا نترك الحجرات مفتوحة ولا يضيع منها شىء. ولكن يشاء القدر أن يحضر إلى الهايم فى ذلك الوقت إثـنان فرنسيان ولم يمكثا سوى ليلتين. ففهمنا أنهما سرقاها خاصة أنها كانت شبه جديدة.
لم أسافر الأحد بالطبع، وقضيته بدون أى فائدة، فكل شىء مغلق يوم الأحد!
كان أحد موظفى مكتب المستشار الصناعى يريد إرسال أشياء لعائلته فى مصر وكان على الذهاب إليه يوم الإثنين. وكان على شراء حقيبة للأمتعة يوم الإثنين. وكنت أنوى شراء كاميرا كما تمنيت منذ سنين طويلة أيضا يوم الإثنين.
ذهبت إلى الموظف المذكور، فأخبرنى أنه لن يرسل شيئاً! قتركته الساعة 9 ولم يبق على موعد قيام القطار سوى ساعتين ونصف وفى جيبى 70 مارك. كلمت شيرين بالتليفون فأخبرنى أنه لم يجد لدى مديرة الهايم سوى حقيبة صغيرة جدا، وأنه حزم لى باقى أمتعتى فى أكياس بلاستيك. وفى انتظار حضوره لى اشتريت بعض الأشياء الرفيعة وحقيبة صغيرة على قدر ما سمحت به الميزانية الهزيلة وأنا كأنى أجرى داخل المحلات. ولم يتبق معى سوى 15 مارك. ثم حضر شيرين وجلسنا على الرصيف لإعادة تعبئة الأمتعة .. وهكذا أصبح معى ثلاثة حقائب كلها صغيرة وشنطة ورق كبيرة!
كتبت عن ذلك اليوم فيما بعد:
وفى الحقيقة أن خاتمة إقامتى فى كولن كان لابد أن تكون كذلك كنتيجة حتمية للإستهتار الذى كنت أعيش فيه، وعدم التعقل فى المصروف، وعدم التخطيط لتصرفاتى عموما. ولا شك أن سفرى أصلا كان قمة الإستهتار بينما كان علىّ أن أكون واقعيا ولا أسافر إلى الخارج بدون خبرة مسبقة ولا صحبة أعرفها ولا لغة قوية .. وفوق كل هذا أسافر بنقود استدنتها!
كولن ـ فينيسيا
قام القطار فى موعده من كولن، وكنت خائفا من مفاجأة أخرى، إذ لم يكن لدى فيزا ترانزيت لسويسرا أو النمسا (لا أذكر بالضبط) ولكن ربنا سلـّم وسمح لى ضابط الجوازات بالإستمرار فى الرحلة طالما لن أنزل من القطار.
وصلت ميلانو، ووجدت قطارا إلى فينيسيا بدون انتظار طويل فوصلت فينيسيا صباح اليوم التالى 24/9. واستمر عذاب نقل أحمالى الكثيرة الهايفة فى ميلانو ثم من محطة القطار فى فينيسيا إلى محطة الأتوبيس البحرى ثم من الأتوبيس إلى الميناء حيث وضعتهم فى الأمانات.
إستمتعت هذه المرة أكثر فى فينيسيا فتجولت فيها منذ الصباح حتى قرب المغرب. وكالعادة لم أتجول فى الأماكن السياحية فقط ـ وأهمها طبعا ميدان وكنيسة سان ماركو ـ ولكن فى المينة كلها. وشاهدت الحوارى الضيقة حتى أن بعضها لا يتسع لمرور أكثر من شخص واحد! ورأيت الأحياء القذرة والفقيرة. واسترعى انتباهى طريقة نشر الغسيل التعاونية فى جميع الحارات، فحبل الغسيل يمتد بين البيوت عبر الحارة وهو على بكر بحيث تشد السيدة الحبل لتصل إلى كل أجزائه بسهولة.
عند المغرب صعدت إلى الباخرة، التى أقلعت حوالى 9 م.
مصر واليمن والسعودية
هذه فقرة اعتراضية أريد فيها استعراض كيفية تدهور العملة المصرية وبعض الظروف السياسة فى ذلك الوقت، وذلك كمقدمة للمغامرة الجديدة التى ستأتى بعد.
تقريبا فى عام 1962 اكتشفنا أن مصر مشتركة فى حرب اليمن. وقد بدأ ذلك دون إعلان مسبق أو أى نوع من البيانات أو الإيضاحات. ولم تكن هذه المرة الأولى التى يحدث ذلك، وربما لا يذكر الكثيرون ـ حتى من أبناء جيلى ـ أن مصر تدخلت فى الكونغو عسكريا ايضا بدون أى إعلان أو بيان. ولكننا سرعان ما سحبنا أنفسنا من سكات عندما تعقدت العملية. وكل ما عرفناه أننا كنا نؤيد الرئيس لومومبا لأن روسيا تؤيده، فقتِـل لومومبا وداج همرشولد أيضا السكرتير العام للأمم المتحدة فى ذلك الوقت. وكفينا على الخبر ماجور.
المهم أننا غرقنا فى مستنقع اليمن. من العجيب فى تلك الفترة أن عساكر الجيش كانوا يفرحون جدا إذا تم اختيارهم للذهاب إلى اليمن. طمعا فى البدلات ليعودوا محملين بالأجهزة الكهربائية والإلكترونية التى لم تعد تشاهد فى مصر منذ سنوات طويلة. والعجب أن لا أحد ـ تقريبا ـ كان يفكر فى اليمن كساحة حرب، وأن “يعودوا” هذه أصلا مسألة بحث!
إلى هذا الحد كان التعتيم الإعلامى على الجميع، بما فيهم أفراد الجيش أنفسهم. ولم يكن أحد يعرف ماذا نفعل فى اليمن، ومن نحارب ومن نصادق. وكان قريب أحد زملائى بعد تخرجه من الكلية العسكرية بقليل هناك. وسألناه ولم يعرف الإجابة أيضا. وللأسف فإن ذلك الصديق فقد ساقيه الإثنتين فى انفجار لغم فى سيارته العسكرية. وكان لم يبلغ الثلاثين بعد. وغيره كثيرون فقدوا أعضاءهم وحياتهم بطعنة خنجر غادرة ممن كان يظنه صديقا أو بعيار نارى لا يعرف من أطلقه ولماذا.
لم نكن فى ذلك الوقت قد أفقنا من ضربة 1956 بعد وكان سباق التسلح دائما فى صالح إسرائيل وبينما كان الأمريكان يغدقون على إسرائيل، ليس فقط بالتبرعات ولكن أيضا بالهبات والمنح من الحكومة نفسها، كان الروس دائما مقترين تماما وشىء مقرف. ولكن الإستعراض العسكرى فى عيد الثورة كان دائما يطغى على عقولنا فنعتقد أننا أقوى دولة فى العالم .. ألم يكن لدينا القاهر والظافر!! وكانت موارد الدولة بالكاد تكفى لشراء الأسلحة الجديدة وشراء القمح الذى كانت أمريكا تذلنا به وتعلن أنها ستلقى الفائض منه فى البحر بدلا من أن تبيعه لنا! لاحظ أننا لم نكن نستجديه بل كنا نطلب شراءه فتشتريه الحكومة الأمريكية من المزارعين وتـلقيه فى البحر.
باختصار كانت حرب اليمن وبالاً تاماً من كل النواحى علينا. فلا الجيش استفاد مهنيا لأنها كانت أشبه بحرب العصابات، وذهب الإقتصاد إلى الحضيض، فقد كانت عدة ملايين من الجنيهات تصرف كل يوم ـ كل يوم ـ دون عائد ولو حتى معنوى. كان جمال عبد الناصر يعادى الملوك ويبدو أنه كان يعتبر أنه يحارب السعودية على الحدود اليمنية أم ماذا لم أفهم!
فى نفس الوقت كان استقلال الجزائر فى 1962 وعدة دول أفريقية يملأ عبد الناصر بالزهو، لأن ثورة 23 يوليو كانت هى الشرارة التى انطلقت منها الثورات وحركات الإستقلال فى أفريقيا والدول العربية. وهذا حقيقى. ولكنى أقول “الشرارة” وليست السبب الرئيسى، حتى لا تأخذكم الحماسة مثل يفعل الإعلاميون الموكوسون فينسبوا إلى مصر كل شىء وأنها الأخت الكبرى وأنها ذات الفضل على العرب كلهم وأنها وأنها .. إلى آخر تلك الخزعبلات، التى إن صحت فمن العيب التشدق بها وإن لم تصح فالكذب عيب أكبر.
ذلك الزهو الذى امتد فى الحقيقة لمدة أكثر من ثلاثين عاما بعد موت عبد الناصر، بدون سبب منطقى ولا سند من التاريخ، كان له التأثير الأكبر فى معظم خسائرنا من بعد. وقد انتبه السادات بلؤم الفلاحين إلى ذلك على الفور، وأدار الدفة إلى الإتجاه الصحيح، وكان هذا أهم سياساته على الإطلاق، وللأسف لم ينتبه إلى تلك النقطة أحد تقريبا ممن يظنون أنهم سياسيون. فهو الذى مد يده إلى الجميع بصرف النظر عن طريقة الحكم، وبصرف النظر عن الماضى، وبصرف النظر عن كونه الزعيم أم لا. بل إنه لم يكن لديه مانع من أن يصبح هذا أو ذاك زعماء أو أن تصير دولة هنا أو هناك هى التى تقود العمل العربى. ولا أنسى كيف أننا سمعنا عن بعض دول الخليج لأول مرة من السادات.
وحين كنا نتحدث مع بعض الناس فى ألمانيا ومنهم يهود عن مشكلة فلسطين وإسرائيل، ويسألونا: لكن انتوا بتعملوا إيه فى اليمن؟ لم نكن نعرف. وانهارت العملة تماما، وصارت لا تساوى حتى ثمن الورق المطبوعة عليه. وصدرت القوانين الإشتراكية وبدأت الأزمات التموينية وبدأنا مرحلة الطوابير فى كل شىء، ومرحلة الخناقات الدائمة حول التسعيرة ومنها خناقات دامية. وأصبح الناس كلهم موظفين لدى الدولة، وبدأ “أهل الثقة” فى التهليب، وبدأ المهرجون وضاربوا الدفوف فى الوقيعة لأصحاب الرأى والخبرة وأدخلوهم السجن بتهم عبيطة أو مصيدة خبيثة، مثل قضية مديرية التحرير وقضية الشركة العقارية (وسيأتى الكلام عنها قريبا)، وكلها تلفيقات ليخلو الجو للسارقين والطماعين. وسبحان الله .. هل يعيد التاريخ نفسه هذه الأيام؟
فينيسيا ـ الإسكندرية .. مغامرة جديدة
رحلة العودة لم تخل أيضا من مفاجآت أو لو شئت سمِّـها مغامرات. ما هى العملية ناقصة يعنى!!
الأربعة الذين يبيتون فى نفس القمرة يتعارفون عادة أكثر بحكم الإقامة معا. وكان من بين زملاء القمرة التى أبيت فيها واحد علمت أنه أحضر من خيرات ألمانيا الشىء الكثير، وعلم هو أنى لم أحضر لا كثير ولا قليل. وسرح بى وقال أنه اكتشف تركيبة كيماوية جديدة لمسحوق الغسيل لذلك أغدقوا عليه المكافآت فى المصنع الذى كان به، وكنت فاهم طبعا أن ذلك تبرير للمشتريات الكثيرة التى معه، وأعرف أن مثل ذلك لا يمكن إلا بتهريب العملة الصعبة بطريقة ما.
كما قلت فى الفقرة الماضية، لم يعد للقطاع الخاص مجال للعمل، وهرب من حضروا فى أول الثورة من أصحاب رؤوس الأموال مثل أبو رجيلة وغيره وكذلك اختبأ أصحاب رؤوس الأموال الذين كانوا موجودين اصلا، أو هرَّبوا أموالهم للخارج.
ما اشتراه هذا الزميل كان مصيبة. لأن دخول السلع بجمرك بصحبة راكب تكون فى حدود “المسموح” وحسب القانون فالمسموح هو ما قيمته مائة جنيه! وما زاد عن ذلك يحتاج إلى تصريح استيراد لأنه يصبح تعاملا تجاريا وليس شخصيا. وتصريح الإستيراد كان صدوره من رابع المستحيلات إلا إذا كنت من أهل الحظوة وتفتيح المخ. أضف إلى ذلك أن الأصناف المتكررة من الأدوات الكهربائية حتى لو أقل من مائة جنيه فيسرى عليها التعامل التجارى وتحتاج إلى تصريح استيراد أيضا. وصاحبنا جمع كل “الموبقات” فمعه كل شىء مما يزيد ثمن القطعة منه على مائة جنيه، وكل شىء منه اثنان وأحيانا ثلاثة.
كنت بالنسبة لذلك الزميل الذى لا أذكر اسمه لـُقطـَة نزلت له من السماء. وعرض على أن أدخل معه حاملا نصف الأشياء التى معه على أنها ملكى، وبهذا على الأقل يفلت من مصادرة البضائع المتكررة. وقبلت ذلك.
لم يصدق الزملاء فى القمرة ولا فى الباخرة كلها أنى قبلت إسداء هذه الخدمة التى ليس لها نظير والتى يمكن أن توقعنى شخصيا فى مشاكل فظيعة لو أن أحدا أبلغ عنا دون اشتراط مقابل. وكان الجميع يلحون علىّ فى أن بإمكانى تعويض ما خسرته فى سفرية ألمانيا هذه باشتراط مقابل مادى يسلمه لى فى الميناء من سيحضر لاستلام هذه الأشياء. وكنت أعرف أن لديهم الحق فى ذلك، ولكنى كنت محرجا أن أطلب ذلك بنفسى وقلت لهم: من المؤكد أن الأخ “س” يعرف قيمة هذه الخدمة ولابد أنه سيعرض علىّ شيئا فى النهاية ولو حتى على سبيل الهدية. وكان الزملاء يتعجبون منى وقتها.
فى ليلة الوصول إلى مصر ظل أكثرنا على البُرُوَّة ـ مقدمة الباخرة ـ طول الليل حتى لا يفوتهم أول ما يظهر من أرض مصر فى الأفق فى الفجر، من شدة الحنين إلى مصر رغم أننا تركناها منذ شهرين وشوية. وتعالى التهليل والهتاف عندما ظهر ميناء الإسكندرية فى الأفق.
الجمارك
خرج العبد لله من ألمانيا يكاد يكون معدما ، ودخل جمرك الإسكندرية وهو لديه ثلاجة ييجى 35 قدم (!) ومسجل جروندج وراديو وكيتشن ماشين وعدة راديوهات ترانزستور الخ الخ.
كانت القاعة ممتلئة بالطلبة العائدين، وعندما رآنا موظفو الجمارك بما نحمله قالوا لنا: لأ إنتو بأه تطلعوا فى الدور الأول فوق مع حاجتكم دى وتستنونا هناك .. لما نخلص كل الركاب سنحضر إليكما. وكان “س” عصبى جدا لأن والده (التاجر) لم يظهر بعد برغم مرور أكثر من ساعة على إعلان وصول الباخرة، وبالتالى لم يظهر ذلك الشخص الواسطة الذى كان المفروض سينهى إجراءات الجمارك بدون مشاكل.
أثناء وقوفنا فى الدور الأول الذى استمر على الأقل ثلاث أو أربع ساعات، أطلعنى “س” على مجلتين جنسيتين كان يضعهما فى جيب الجاكيت الداخلى. وطبعا أخرجهما بحذر فأثار انتباه أحد موظفى الحسابات من داخل مكتبه، فخرج إلينا وبدأ يتبادل الحديث معنا، وبدأ يلمح من بعيد لموضوع المجلات وصاحبه كان حضر من الخارج ومعاه مش عارف إيه .. يعنى حسوا على دمكم، واحنا شباب زى بعض. وأخينا “س” أصابه الهلع ولكنى اطمأننت لذلك الشخص واتضح أنه يعرف بعض أفراد من عائلة ابى من بحرى، فمددت يدى فى جيب “س” وأخرجت المجلات، وكاد يقع مغشيا عليه!
قلت للأخ المحاسب أنه يستطيع الإحتفاظ بهذه المجلات فنحن أحضرناها لمجرد حب الإستطلاع وكنا سنتخلص منها على كل حال. فقال انه سيذهب ليتقصى حالة الجمرك وماذا يمكن أن يحدث لنا. وكان “س” يرتجف ويقول أنه ذهب لإحضار المخبرين للقبض علينا. ولكن الرجل عاد وأخبرنا أن المثمن الفلانى هو الذى سيقوم بمراجعة بضائعنا، وإذا حاول أى مثمن آخر ذلك نقول له أن فلان ذلك يتولى أمرنا وقد بدأ معنا فعلا.
أفهمنى المحاسب أنه من حظنا أن المثمن الذى عليه العين هو فى الحقيقة منتدب من منفذ جمارك آخر هذا اليوم بالذات، وأنه الوحيد الذى سيمكنه خدمتنا فيما معنا من بضائع، ولولا ذلك لصودر كل ما معنا تقريبا. كل هذا والوالد التاجر لم يحضر بعد!
كان المحاسب يتابعنا من حين لآخر ليتأكد أن مثمن آخر لن يبدأ فى العمل معنا. وفعلا حضر أخيرا المثمن المذكور، وكانت الصالة قد فرغت تماما من الطلبة العائدين من ألمانيا. ودخل المثمن أحد مكاتب الحسابات وتطوعت فى الدخول أولا فقال لى أن أتكلم بصراحة لكى يستطيع أن يخدمنا كما أوصاه المحاسب. فكنت أقول له السعر الحقيقى التقريبى لكل سلعة دون لف ودوران. وكان الرجل يسجل أقل من ربع السعر الذى أخبره به. وأنا أعلم أن رجال الجمارك يحفظون الأسعار أكثر منا، ولكنه كان يريد الإطمئنان أننا لسنا مهربين محترفين واقتنع بذلك من صراحتى معه.
وبعد أن انتهى من تقييم بضائعى، خرجت وأوصيت “س” سريعا بأن يترك العصبية التى به والنصاحة وإلا سيقبضوا عليه. وعند ذلك فقط ظهر أبوه، ومعه إثنان يبدو أن أحدهما فراش فى الجمارك، فهما لم يفعلا شيئا مطلقا، وانتهت العملية بدون أى تدخل منهم. وهكذا كان إجمالى المبلغ المدفوع للجمرك هو ألف وخمسمائة جنيه. وهى ثروة عظيمة فى حد ذاتها، فما بالك بالقيمة الأصلية للبضاعة!
ظل معنا المحاسب لأن الحديث معه لم ينقطع حتى خرجنا من الميناء وكانت الساعة حوالى الثالثة بعد الظهر. فحمَّـلنا البضاعة على عربتين (على أساس أن كل منا بمفرده) وكان “س” وأبيه ايضا ما زالا عصبيين لبقاء المحاسب معنا، ولكن الرجل ودعنا خارج باب الميناء وانصرف.
وبعد انصرافه، استأذنت فى الذهاب أنا أيضا، فسلـَّم على “س” بحرارة شديدة .. وشكرنى شكرا شديدا..
وبس ..
يعنى الحقيقة الراجل ماقصرش… تقصيرا شديدا!!
وأنا كنت مغتاظا غيظا شديدا برضه! فى الحقيقة لم أكن طامعا فى شىء ولم أعتد حسد الآخرين على رزقهم منذ صغرى، ولكنها أبسط مبادئ الذوق والمجاملة التى غاظنى غيابها. يعنى إنت البعيد (يعنى “س” أو الأب الموكوس) معاك بضاعة تساوى على الأقل عشرة آلاف جنيه، وكل الحكاية سلام حار على باب الميناء؟
وضحكت من نفسى وأنا أستقل تاكسى إلى منزل خالى وأتخيل التريقة التى سأنالها وأنا أحكى لهم قصة السفرية العجيبة إلى بلاد الفرنجة وخيبتى فيها التى بالويبة! حتى خفى حنين لم أعد بهما!!
كشوف الحساب
أهم كشف حساب عن تلك الرحلة هو أكثرهم إحراجا وهو ما جعلنى أندم ندما شديدا بعد ذلك. فقد كنت أستعير من مكتبة المصنع كتبا وكتالوجات للقراءة، وأعجبنى كتابين وثلاثة كتالوجات فأممتهم! يعنى هو عبد الناصر أجدع منى ماهو بيأمم كل حاجة!
وكان الشيطان يهون على الأمر على اساس أن مصنع كبير كهذا لن يتأثر من غياب بعض الكتب.
ثم أحسست بالخجل الحقيقى حين تسلمت خطابا فى منتصف شهر نوفمبر يقولون فى أدب شديد أن تلك الكتب يبدو أنها دخلت ضمن أمتعتى “بطريق الخطأ” ويطلبون منى ردها إلى المصنع. وقد حاولت فعلا إرسالها لهم فى طرد، ولكن حال دون ذلك عقبات روتينية، واتضح أن إرسال مخدرات فى طرد أبسط وربما أرخص من إرسال “مطبوعات”! مطبوعات؟ يا ساتر .. إنت اتجننت؟
الكشف التالى هو كشف المشتريات والأرقام هى للسعر بالمارك الألمانى:
أدوات هندسية (للزملاء الذين أقرضونى نقودا) 72
مجفف شعر لأختى 42
قماش وملابس لإخوتى البنات 116
قماش وملابس لى وللذكور 100
شمسية وفم سجائر وطفاية لوالدى 30
حقيبة سفر صغيرة 11
مضرب تنس طاولة لياسر 12
سخان شاى ولعبة وأدوات منزلية أخرى 34
فيكون المجموع للمشتريات: 417 ، ويكون ما صرفته أكل ونثريات واشتراك مواصلات الخ: 350 يعنى بواقع 4 مارك يوميا تقريبا وهو يوضح أننا كنا فقراء ألمانيا فعلا كما تقدم.
والكشف الأخير هو كشف الديون
تنازلت أختى ـ أكرمها الله ـ عن مديونيتها لى، وهو جميل يضاف إلى جمائلها على الكثيرة. وتنازل مصطفى حسن عبده عن مبلغه، وقد تحدثت عن مصطفى من قبل وقلت أنه شخصية أسطورية بدون مبالغة.
الزملاء الآخرين كانت مبالغهم بسيطة لا تذكر. وبقى فى النهاية قيمة الدين الرئيسية لخالى فؤاد ولم يمانع أن أسددها له “بعد” التخرج وعلى أقساط.
وأفضال الناس علىَّ فى حياتى كثيرة، وربما نسيت بعضهم، ولكن ربنا لا ينسى كل من قدم معروفا. وبسبب هؤلاء الناس الكثيرون وبسبب تذكرى لمعظمهم تجدنى دائما متفائلا لا اسب الزمن ولا أغضب من القدر وأكره مقولة “جتنا نيلة فى حظنا الهباب!”
ولا اشك أن الشباب لو استعادوا ذكرياتهم سيكتشفون أن حالة الإحباط واليأس التى صدقوها هى من ترويج أرزقية الإعلام والعملاء الموكوسين، وسيتـنبهون إلى أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ونحن بأنفسنا كثير جدا جدا مما يلزم تغييره أولا..
وكسة رجال القضاء
بالمناسبة يعنى .. أتحدث عن العبط اللى قام به المحامون هذه الأيام، بزعامة وتحريض من نقيبهم الذى كانوا يتهمونه هم أنفسهم منذ أيام قبلها باتهامات الغش والتدليس عليهم! ولو كانوا ناس جهلة يمكن كان لهم بعض العذر، فما بالك بهؤلاء المفروض أنهم قانونيون.
هل انتبهتم أن ما حدث ليس مسألة عفوية .. أبدا والله ولا يمكن. هل تعلمون أن أقوى منصب فى مجال القضاء هو كل أعضاء النيابة؟ وأن الجميع يحسبون لهم ألف حساب؟ وأن المحامين مهما علا شأنهم يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى لمجرد الدخول إلى وكيل نيابة حديث التخرج .. مجرد الدخول؟
فنفاجأ هنا باثنين من المحامين يتهجمون على رئيس نيابة .. يا نهار مش فايت! رئيس نيابة مرة واحدة؟
وفورا تهتز النقابة بالهتافات وكأن الهتافون كانوا ينتظرون هناك أن تصل الأنباء من طنطا. وفورا يعلن النقيب الإعتصام .. وفورا يضرب البعض عن الطعام. وتسعون بالمائة من كل هؤلاء لا يفهمون ما حدث ولا يريدون أن يفهموا فالتعليمات (!) جاءت هكذا وما على العامة سوى السمع والطاعة … وافهموها انتوا بأه كما يحلو لكم!
هى مسألة مدبرة ولا شك والمفروض أن المختص بالكشف عن ملابساتها هو جهاز أمن الدولة، فهذه إحدى الفرقعات التى تحدث من حين لآخر، كتجربة وتمرين وجس نبض، حتى يصل المخططون فى وقت ما لنفس ما حدث فى السودان والصومال وقرقيزستان و.. و.. و..
فانتبهوا…
الوجوه القبيحة
كانت مجموعة من طلبة الهندسة المصريين عائدين من ألمانيا بعد الفترة الصيفية على ظهر سفينة. وتصادف أن سمع أحدهم شخصا من بلد عربى يتحدث مع بنت من الغرب وينصحها ألا تنزل ترانزيت فى الإسكندرية، وأن تبقى على ظهر المركب إلى أن تقلع إلى وجهتها التالية، لأن مصر بلد متخلف وربما يعتدى عليها أحد ولن ينقذها أحد وفيها مجرمين وسارقين و.. و..! الأخ الذى سمع هذا الكلام قال فعلا وأنا واحد من أولئك المجرمين، وأمسك بذلك الشخص وأعطاه علقة يحلف بها طول عمره وتركه لا يقوى على الوقوف. لم أشاهد هذه الواقعة ولكن حكاها لى من شاهدها.ـ
ذلك الطالب غيور على وطنه. هو يعلم أن مصر بلد متخلف أو بالكتير بلد نامى، وأن بها كل أنواع البشر الذين ذكرهم المضروب. ولكن هل هذه هى مصر؟ وهل ترضى أن يصور أحد بلدك بهذه الصورة الحاقدة الملتوية؟ وهل تحتاج إلى دراسة متعمقة لتعرف كيف تكون غيورا على وطنك؟ـ
طيب إذا كنت حاصلا على درجة دكتوراه فى السياسة وتدرس السياسة فى الجامعة، فهل يحتاج الأمر منك كثير تفكير لتعرف إذا كان محدثك حاقدا وموتورا على وطنك؟ بل هل تحتار فى معرفة القنوات التليفزيونية الموجهة ضد بلدك ولخدمة مصالح ونفوذ إيران أو أمريكا أو إسرائيل أو غيرها؟ ومهما كنت معارضا أو مؤيدا أو أيا كانت مبادئك (إذا كان عندك مبادئ)، فهل ستسكت على ذلك الشخص الذى كان على ظهر الباخرة؟ صحيح أنك ربما لن تضربه، ولكن من المؤكد أنك لن تسكت.ـ
الأخ حسن نافعة .. دكتوراه فى السياسة ورئيس قسم ومدرس وحاجة عظمة جدا وسمينة وعضو رئيسى (منسق) فى جبهة أو جمعية التغيير أو الوطنية للتغيير. يتحدث مع قناة فضائية معروفة بعمالتها، وهذا فى حد ذاته لا يحتسب ضده، فربما كان يريد أن يرد على الإفتراءات مثلا أو يوضح حقائق معينة. ولكنى فوجئت بالأخ حسن صورة أخرى من الوجوه القبيحة التى تحدثنا عنها أيام العدوان على غزة والتى رفعت عنها عدة مقاطع فيديو من قبل واقترحت محاكمتهم محاكمة ثقافية تعريهم.ـ
قد تقولون أنى أتهجم عليه بدون سبب واضح، ولكنى نقلت لكم جزءا كبيرا من حديثه على اليوتيوب فى الرابط التالى:ـ
قلت منذ شهرين أن الجمعية الوطنية للتغيير كان منتظرا منها أن تبدى قدرا من الموضوعية والجدية والإحترام لنفسها أولا حتى يحترمها الناس. وقلت أنى أصبت بخيبة أمل كبيرة فيهم، عندما قارنت مطالبهم الأساسية بتغيير الدستور مقارنة علمية تفصيلية بدون تحيز .. ولماذا التحيز ما دمنا نريد الخير لهذا البلد؟ ومن لم يقرأ ذلك المقال سيجده هنا:ـ
http://blogs.myspace.com/index.cfm?fuseaction=blog.view&friendId=491806230&blogId=532245550
ملحوظة: على فكرة إذا ظهرت الحروف بطريقة غريبة فاضغط على View فى شريط الأوامر ثم انزل إلى Encoding فى القائمة التى ستظهر فتظهر قائمة أخرى تضغط منها على Unicode (UTF-8).ـ
الأخ حسن الدكتور الكبير المتخصص يقع فى الغفلة ويشترك مع مذيع موتور فى إطلاق قذارة لسانه على مصر التى تضاءل دورها وأصبحت “ملطشة” حتى لأثيوبيا؟ هل هذا كلام دكتور جامعة .. لأ وإيه دكتور سياسة؟ الله يخرب بيت دى جامعة تقبل أن تدرس فيها يا شيخ! يا سلام .. ولما وقف أحد رؤساء أثيوبيا يشرب كوبا من الدم أثناء خطبة ثم يتوعد مصر بالويل والثبور أيام حكم السادات فهل نال ذلك من قيمة بلدك يا دكتور؟ هل عندما تمطع أحد أقزام حماس وادعى أن مصر متعاونة مع إسرائيل فهل أطال ذلك فى قامته، أو نال من مصر ولو بشعرة؟ وهل عندما شكر نفس ذلك القزم مصر على ما فعلته حتى الآن فهل جعله ذلك شيئا غير القزم الذى كان والذى سيبقى كما هو، وهل كانت مصر تنتظر سفاهته فى الحالتين لكى تبقى كما هى “محروسة”؟ـ
لو كان مكانك طالب إعدادى لما تركناه بلا توجيه اللوم والتقريع لغفلته. ولكن لأنك دكتور وراجل كبارة، سنسألك ببساطة: كم تقاضيت مقابل هذا الحديث عالى المستوى .. يعنى على قد مستواك؟ـ
يعنى لو كان مكانك شاب صغير وسأله المذيع السؤال التالى:ـ
“دار مؤخرا حديث فى الشارع العربى (؟) والأوساط السياسية (؟) عن أن النظام فى مصر ربما حاول تخفيف العبء عن إسرائيل (؟؟؟) منذ قافلة الحرية إلى حد الساعة. يعنى كان الحديث على أن ربما (!) مصر تقبل بدخول القافلة (؟؟) ثم .. يعنى .. جرى ما جرى للقافلة (؟؟). والآن الوفد المصرى قيل أن بإمكانه أن يعبر (؟؟ ما هذا الهجص أى وفد يعنى ويعبر ماذا؟؟) ولكن فى النهاية عبر الأفراد وبقيت المساعدات (أنت يا دكتور ما زلت منصتا باهتمام؟ أأنت غبى أم تتغابى؟). هناك سؤال أنا استمعت إليه من أكثر من شخص (!) ورائج بشكل كبير (!). من أين جاءت الحكومة المصرية بكل هذه القسوة تجاه مليون ونصف إنسان فى غزة؟ (لاحظ أن السؤال لم ينته بعد وأن الدكتور بتاع السياسة والتغيير والوطنية ما زال يستمع كأنه فاهم) هل هذه قسوة طبيعية موجودة فى قلوب هؤلاء؟ (وما زال السؤال “البرىء” مستمرا!) هل هو ابتزاز اسرائيلى وأمريكى لا يمكن للمصريين أن يفعلوا أكثر من هذا؟ (إنتظروا السؤال ما زال مستمرا!) ما هذا الذى يجرى فى السياسة المصرية تجاه غزة؟ هل لك تفسير لو سمحت؟”ـ
هل كان الشاب الصغير سيصبر على هذا كله بدون أن يوقف المذيع الموتور عند حده أو على الأقل ليتعجب من سؤال فى صيغة محاضرة موجهة؟ـ
أما أنت يا دكتور يا بتاع السياسة والتغيير والوطنية فتستمع إلى هذا التهريج وإلى ” الشارع العربى” و “الأوساط السياسية” و “العبء عن إسرائيل” و “جرى ما جرى” و “الوفد المصرى” و “الأفراد التى عبرت وبقيت المساعدات” إلى آخره! يظل الدكتور يستمع إلى هذا الخرف، ثم يهز رأسه هزة العارف ببواطن الأمور ويفتح فمه فتخرج الروائح النتنة ويقول بمنتهى الحكمة: نعم أنا عندى تفسير واضح جدا!ـ
عندك تفسير؟؟ وواضح؟ وجدا كمان؟ـ
طيب عندك تفسير لحكاية الحصار هذه؟
هل عندك أى فكرة هل الضفة الغربية ليست تحت الحصار؟ هل تفضلت وشرحت لنا ما الفارق بين حصار غزة وحصار الضفة الغربية؟
هلا تفضلت وشرحت لنا لماذا يصير الكلام كله عن غزة وحصار غزة الآن؟ حصار غزة؟ يا ساتر!!
هل فكرت لماذا تحولت القضية الرئيسية من قضية فلسطين إلى قضية غزة؟ أو لماذا تحولت قضية المستوطنات إلى قضية الحصار وحصار غزة بالذات؟ أو لماذا اختفت قضية تهويد القدس وتركنا مفتى القدس يؤذن فى مالطة وهو يرجو أن يحضر أحد للدفاع عن القدس التى يضطر أهلها العرب تحت ضغط الحصار أن يتركوها فتتهود طبيعيا .. لماذا لم نعد نذكر سوى قوافل الإغاثة الغزاوية؟ هل تعرف يا دكتور يا متعلم أن غزة لديها الآن طبقة مليونيرات وقطط سمان؟ ألم تصدر غزة الورود وغيرها من الصادرات كما كانت تصدرها دائما. هل غيرت غزة عملتها المحلية، الشيكل. وهل تستطيع، وهل تقبل أساسا؟
يا دكتور يا فيلسوف الغبرا .. نحن نقول “الناس فى غزة يجوعون”. هذا نقوله استجداء للمساعدة .. ولكن إذا قلناه لبعضنا البعض نكون نبيع الماء فى حارة السقايين!ـ
أم أنك يا دكتور لا تريد أن تفهم حتى لا تفقد السبوبة؟ـ
طيب أنا راضى حكمكم .. إسمعوا تفسير الدكتور بتاع السياسة والتغيير والوطنية والملوخية بالتقلية فى الفيديو المذكور وقولوا لى ماذا يستحق من صفات.ـ
أنا كما قلت مرات كثيرة لا أؤيد هذا ولا ذاك .. ولا يهمنى أن أرضى أحدا حاكما أو محكوما .. لكن أنا فقط أبحث عن الشخصية الوطنية وأحترمها حتى لو لم أتفق معها وأبحث عن الشخصية العميلة وأبصق على وجهها القبيح. وفى هذا السياق ليس هناك بين البينين!ـ
أوراق قديمة 20
فقراء ألمانيا
كان تعبير “فقراء الهنود” فى الخمسينات لا يعنى المعنى الحرفى ولكن يبدو أنه كان مرتبطا بمهنة الحاوى. الفقير الهندى هو من ينام على سرير من المسامير وغير ذلك. الحاوى المصرى كان فى الأساس لاعب سيرك. وكلما شاهدت الإستعراضات فى المحطات التليفزيونية الأوروبية والناس مندهشون لها أتذكر الحاوى الغلبان فى سوق الإثنين يؤدى نفس تلك الحركات وربما أصعب منها، ولكن بدون اللبس والإضاءة والموسيقى المبهرين. ما علينا!
فقراء ألمانيا شوهدوا لأول ـ وربما لآخر مرة ـ فى كولن عام 1963. إثـنان: أحمد شيرين والعبد لله! ولكنا لم نكن حواة ولا لاعبى سيرك.. كنا فقط نجيد لعب تنس الطاولة. وعندما يغلبنا الجوع ننزل غرفة تنس الطاولة فى الهايم ونظل نلعب إلى أن نحس بالدوار على أساس أن ربما ننام من التعب ولا نحس بالجوع. ومرة وجدت فى دولابى قطعة خبز قديمة جدا. وهى فى هذه الحالة لا تصلح لأى شىء إلا إذا اردت أن تبطح بها أحدا! فرحنا بتلك القطعة جدا وأخذنا نقرقض فيها فنظن أننا شبعنا من قضمتين. وهكذا كلما أحسسنا بالجوع نأخذ قرقضة على الماشى.
كان هذا يحدث فى أجازة نهاية الأسبوع يعنى السبت والأحد. أما فى وسط الأسبوع فكنا نعتمد على غداء المصنع. وربما قلت سابقا أن الغذاء الرئيسى فى ألمانيا هو البطاطس (الكارتوفل) وثمن الكيلو 20 فنج ـ يعنى حاجة ببلاش كدة. وكنا نبتز كوبونات غداء زيادة من الست سكرتيرة مركز التدريب، مستغلين إنشغالها الدائم. ولأن المصنع مساحته كبيرة جدا وبه على ما أذكر أربعة مطاعم متفرقة، يبدأ العمل بها الساعة 12 وينتهى الساعة 2. فنأكل فى أول مطعم يفتح ثم نسير بطول المصنع كله، وحين نصل إلى آخر مطعم نكون هضمنا بعض الأكل، فنأكل مرة أخرى قبل الساعة 2 مباشرة. يعنى يبقى غداء وعشاء الحمد لله!
وكانت المرة الوحيدة التى قررنا فيها شراء “خزين” لكى لا نقع فى مطب الجوع مرة أخرى، هى المرة التى حكيت عنها المرة الماضية، وهى التى أكلنا فيها تقريبا كل ذلك “الخزين” عند الباشمهندسة “عزة” دون أن ندرى.
الرياضة فى ألمانيا
كان التليفزيون من أهم العوامل التى تهون علينا الجوع فى عطلة نهاية الأسبوع. ففى اليومين لا يكف التليفزيون ـ وكان أبيض واسود ـ عن إذاعة مباريات رياضية. وكرة القدم ليست أساسية فى تلك البرامج. فلو أذاعوها فلا يزيد عن عشر دقائق من كل مباراة. بينما الرياضات الأخرى تذاع أكثرها كاملة.
الألمان كلهم يلعبون رياضة. والألمان كلهم لا يريدون من الرياضة فلوس ولا مكسب ولا شهرة ولا أى شىء سوى الصحة. ربما ذلك هو السبب أنهم مشهورون عموما بالقوة الجسدية .. وستعرف هذا عندما تسلم على واحد ألمانى أو واحدة.
رأيت فى التليفزيون بعينى رأسى ذلك البطل الروسى ـ لا أذكر اسمه ـ الذى تخطى حاجز المتر فى الوثب العالى، وكان ذلك حدثا عالميا رهيبا. طبعا طريقة القفز اختلفت بعد ذلك، فقد كانت أيامها “إيد ورجل” يعنى تتخطى الحاجز بيد ورجل معا ووجهك لأسفل. وعندما قفز أحدهم بيد واحدة ورأسه وبظهره (الطريقة التى تشاهدونها الآن) احتار المحكمون وانعقدت اللجان، ثم أقروا تلك الطريقة واعتمدوا قائمة جديدة لتسجيل الأرقام فقد أضافت تلك الطريقة على الأقل خمسين سنتيمترا لجميع الأرقام مرة واحدة. طبعا هذا الكلام من الذاكرة.
مسابقات جميع اللعبات فى الصيف لا تتوقف، وقليل منها محلية، وأغلبها يكون بين عدة دول. وهكذا رغم الفقر فقد استمتعنا بما نحبه من الرياضات ـ السباحة والتنس والريشة الطائرة وكرة الماء الخ الخ وطبعا أم الألعاب: ألعاب القوى بمختلف لعباتها.
وشاهدت لأول مرة “شبيلى أونى جرنزن” وهى مسابقات تعتمد على القوة والمرونة الرياضية فى ألعاب مسلية. وهذا هو البرنامج الذى نقلته عن ألمانيا كل الدول بنفس الإسم: “ألعاب بدون حدود”. والحقيقة أن البرنامج الأصلى كان أفضل ما قدم فى العالم كله. والمنافسة كانت بين مناطق ومدن ألمانيا. وكما قلنا فالألمان كلهم يلعبون رياضة، فكانت المنافسات قوية ومثيرة وفى نفس الوقت تموت من الضحك. وقد أصبح البرنامج شركة كبيرة قطاع خاص تصرف على نفسها وتكسب ملايين.
وبالمناسبة فإن أكثر المسابقات المشابهة فى أوروبا جوائزها لا تذهب إلى الأشخاص المشتركين فيها، وإنما تذهب الجائزة إلى عمل خيرى، مثل جمعية رعاية أيتام أو أحداث مثلا. أما المشتركين فى المسابقة فيحصلون على جوائز رمزية مثل كتب مثلا أو ميدالية الخ. والمنافسة عادة ما تكون لتحقيق أعلى رقم هو قيمة الجائزة المادية. ففى مسابقات “فور بويار” الفرنسية مثلا (وهى النسخة الفرنسية من البرنامج الأصلى “ذى كريستال دوم” الإنجليزى) حددوا حدا أدنى للجائزة وهى ثلاثة آلاف يورو، ولكن اللاعبين المهرة (الرياضيين) يحققون أحينا أكثر من عشرة آلاف يورو. ووجه الفخر فى الفوز هو تحقيق أعلى رقم لتكون مساهمتهم فى العمل الخيري تستحق الفخر!
ترى لو فعلنا نفس الشىء عندنا، هل سيقبل شبابنا على المنافسة بنفس الحماس والقوة؟ أم سيقولون .. ياعم كبـَّر!
التحطيب كان موجودا عندنا وكنت أتفرج عليه فى الخمسينات، فلا أحس بالوقت .. ساعة اثنين لا يهم. وهى لعبة القوة والمرونة والشهامة وأهم من ذلك الروح الرياضية .. فأنت من خارج الحلقة تسمع النبوت وهو يصفر فى الهواء، ولكن اللاعب لديه فرملة فى يديه عجيبة توقف النبوت على بعد سنتيمترات من مكان إصابة المنافس ويعلن الحكم الفوز. ولكن الشيق أيضا فى اللعبة أنها تبدأ ببعض الحركات الرياضية الرشيقة تبدو كأنها مباراة ولكنها فى الحقيقة إظهار للمهارات من الجانبين ليدرس كل متبارى منافسه من ناحية وللتسخين من ناحية أخرى. ولم أر مرة واحدة أحدا يغضب لهزيمته، أو يعترض على الحكم، ولا أحدا يتباهى بفوزه على منافسه!
بينما اختفى التحطيب فى مصر نجد اليوم التحطيب الصينى جزءا من التايكووندو ولها معجبين فى أكثر بلاد العالم. فكل دولة تعتز بشخصيتها تطور ما لديها من ناحية الشكل والقوانين والتنظيم فتفرضه على العالم. أما عندنا فنخجل عادة من “البلدى” بسبب عقدة الخواجة، وبدلا من أن نطور التحطيب ونعطيه رونقا مع الزمن .. ننساه وبدلا من أن نحطب، نحطم!
الفـســح فى ألمانيا
أهم نوع من الفسح فى حالتى هى الفسح المجانية طبعا. وقد استفدت كثيرا من الإشتراك فى كل المواصلات، إذ أمكننى الذهاب إلى أماكن كثيرة بدون سابق معرفة ودون مصاريف كثيرة. وكثيرا ما عثرت فى تلك الجولات العشوائية على حديقة كبيرة جميلة أو على بحيرة رائعة ومناظر طبيعية أكثر من رائعة. ولكن حسرتى كانت كبيرة لأنى ليس معى كاميرا لتصويرها.
على فكرة اشتراكات الترام والأوتوبيس تسرى أيضا على من يريد اصطحاب حيوانات فى وسائل النقل. الكلب هو الحيوان المنزلى المفضل جدا لدى الألمان. ونادرا ما ترى أحدا يتمشى فى وقت الفراع وليس فى يده كلب.
وقد تحدثت قبل ذلك عن رحلة مجانية مع الأستاذ أديب فى الحبال السبعة وكذلك عن رحلتى مع عائلة جلاسماخر إلى المقابر. وفى أغسطس ذهبت مع أحمد شيرين إلى دوسلدورف بالأوتوستوب. ووجدت دوسلدورف ـ كما حكى لى زملائى من قبل ـ بلد جميلة جدا وبها نافورات جميلة وطرق علوية وعمارات شاهقة. وعند العودة عرفنا أن الأوتوستوب ليلا من الأمور المستحيلة! فالكل يخاف من مخاطر الليل، والأوروبيون ليسوا ملائكة! فاضطررنا للعودة بالقطار.
فى نهاية فترة التدريب أعد المصنع رحلة بالأوتوبيس للمتدربين يوم 20 سبتمبر. خرجنا 7.30 ص من كولن إلى بون قضينا فيها زيارة خاطفة ثم توجهنا إلى شاطئ نهر الآر Ahr وبه بحيرة كبيرة تجولنا فيها فى لنش وبعد ذلك دار الأوتوبيس وسط الريف الألمانى. شبعنا فى الرحلة أبفل سافت (عصير تفاح) وجيلاتى وشيكولاته. وعدنا إلى الهايم حوالى 11 م.
أما الفسحة الجميلة الأخرى فكانت الأحد 18/8/1963. كنت مدعوا إلى الغداء عند ريسى كنوع من الإحتفال بنجاحى فى الكلية، وأيضا الإحتفال بمولد سانت هيلينا الذى له علاقة ما بوالدة ريسى ـ يمكن عيد ميلادها أيضا!
ملحوظة: حاولت على مدى سنين طويلة أن أفهم العلاقة بين الأسماء وبين “الموالد” فى أوروبا، ولم أستطع الفهم، خاصة وأنى لم أهتم بالقراءة عن ذلك. المهم أنه يبدو أن العلاقة هى بين تاريخ ميلاد الشخص وتاريخ ميلاد أو موت أحد القديسين. وهناك كتيبات تباع ليختار منها الناس الإسم المناسب لمولود مرتقب حسب تواريخ معينة، وهى مؤشرات لحسن أو سوء الطالع. وهى تضاف أيضا مختصرة إلى المفكرات السنوية.
والقديسون فى أوروبا كثيرون جدا ولهم موالد. ولكنها ليست مثل عندنا وإن كانت تشمل على كثير من الخرافات أكثر من عندنا. وفى ألمانيا يسمون مثل هذا الإحتفال ناميس تاج Namestag. وقد رفعت على الفيسبوك مثالا لبعض الموالد الإيطالية ولو كنت من أصدقائى على الفيس بوك لابد أنك شاهدته. وربما يمكن للجميع مشاهدته بالضغط هنا:ـ
http://www.facebook.com/home.php#!/video/video.php?v=50296948166
زيـجـبرج Siegburg
نزلت متأخرا بسبب المطر .. والمطر فى الصيف طبيعى جدا فى أوروبا. واشتريت فى الطريق باقة ورد رخيصة 1.8 مارك لأهديها لوالدة ريسى. ومع ركوب الترام ثم الأوتوبيس ثم المشى، وصلت عندهم الساعة 1.30م يعنى متأخرا أكثر من ساعة. وكانت الورقة التى بها الورد قد تحللت فى المطر وملابسى مبهدلة .. يعنى مثال حى لأحد فقراء ألمانيا! كانوا قد تغدوا ويأسوا من حضورى، فلم يكن لدينا موبايلات! ورأفة بحالى قدموا لى غداء وحدى. وبعد الغداء سألونى إن كنت أحب الذهاب لزيارة أخيهم كارل الذى يسكن مع عائلته على بعد حوالى 40 كم من كولن فى زيجبرج Siegburg. وهو يسكن فى شقة فى بيت من 4 أدوار، هو الذى بناه. فهو حاصل على شهادتين: مهندس تصميم ومهندس تنفيذ. وهذا نظام شهادات الهندسة فى الدول المتقدمة صناعيا. ولكن بالنسبة للدول المتخلفة لا يمكن ذلك ولابد من تخريج المهندس الكشكول. وكارل لديه ولد واحد فى المرحلة الثانوية.
بعد وصولنا للمنزل بقليل خرجت مع ريسى للتمشية فى البلد، وكان الجو قد تحسن، وشاهدت مناظر طبيعية رائعة خاصة وقد غسل المطر كل شىء، والشمس تميل نحو الغروب وتتخلل أشعتها السحب المتفرقة القليلة، مما زاد من بهاء وروعة الطبيعة.
دخلنا خلال الجولة ثلاثة كنائس بعد أن سألتنى ريسى إن لم يكن لدى مانع، فضحكت وقلت لها أنا دخلت كنائس كثيرة فى مصر. أحد الكنائس التى زرناها مقامة على جبل عالى والمنظر من فوقه ساحر فعلا، حتى أنى لم أكن أريد الإنصراف.
عندما عدنا للمنزل اكتشفت أن الجولة استغرقت ساعة ونصف لم أحس خلالها لا بالوقت ولا بالتعب من شدة الجمال الذى أراه.
إبن كارل لم يكن بالمنزل لأننا فى أجازة نهاية الأسبوع ومعظم الشباب هناك لا يبقون فى البيوت، ولكن يخرجون ليعسكروا فى الجبال أو الغابات أو ليمارسوا هواياتهم مثل ركوب الدراجات البخارية أو عزف الموسيقى وغير ذلك. وعندما تفرجت على الشقة توقفت كثيرا عند حجرة نوم الإبن، وهى صغيرة جدا. السرير ملتصق بالحائط ومعلق على الجدار فوقه الجيتار، والمكتب مجاور للسرير وفوقه مكتبة صغيرة بها الكتب، والحجرة عموما مرتبة وكل مستلزماته منسقة تنسيقا جميلا بحيث يستغل كل المساحات الصغيرة بها على الجدران.
بعد العشاء نزلت مع كارل إلى البدروم حيث يوجد السخان المركزى. وأخذ يشرح لى طريقة التسخين المركزى وأدوات التحكم والتوزيع على شقق العمارة كلها، ونظام الوقود المقنن. وفتح لى رسومات إنشائية ومعمارية و “سباكة” يعنى الخاصة بالمواسير والتوصيلات. الحقيقة أن شرح كارل لنظام التسخين كان مفيدا جدا وكأننى تدربت فى شركة كبيرة.
وللعلم فلكل سخان مركزى قيمة محددة من الوقود سواء الفحم أو المازوت فى السنة. ومن ينتهى منه المخزون قبل نهاية العام هو حر .. يموت من البرد! بجد! لهذا يكون الحفاظ على الطاقة عموما من واجبات كل الناس الأوتوماتيكية، ويراها الأجنبى واضحة فى تصرفات كل صغير وكبير ليس فقط فى المنازل ولكن فى كل مكان. ولا ترى فى ألمانيا لمبة كهربائية مضاءة بدون داع، ولا باب مفتوح طول الوقت .. أى باب. كما أنك لن ترى فى أوروبا كلها “النجفة” التى هى من لوازم الجهاز عندنا! الإضاءة فى معظم بيوت أوروبا تعتمد على الأباجورة، فهم لا يعرفون الإسراف الذى اعتدنا عليه رغم فارق الدخل لصالحهم .. ومن يدرى فربما وعيهم بالتوفير هذا هو الذى يجعل دخلهم أعلى ولو أنهم صرفوا بطريقتـنا لأصبحوا أفقر منا!
والمثال واضح جدا فى موضوع النظافة كما تحدثت عنه عدة مرات من قبل. فبلاد أوروبا بوجه عام نظيفة .. صحيح أنه توجد أماكن غير نظيفة وأحياء “شعبية” فى بعض البلاد الأوروبية، ولكن بوجه عام هى بلاد نظيفة. فلماذا؟
هل لأن عندهم ديمقراطية؟ هل بسبب تداول السلطة (برفع السين أو فتحها)؟ هل لأن عندهم شرطة مرافق أو تكنولوجيا سرية؟ أبداً بلادهم نظيفة لأن لا أحد يوسخ الشوارع .. ببساطة! وكما أن لدى الصغير قبل الكبير الوعى بالحفاظ على الطاقة لديهم الوعى بالنظافة .. رغم أنهم لا يعلمون أنها من تعاليم الدين التى نتشدق بها ليل نهار .. فنجرة بق فقط!
جلسنا بعد ذلك نتحدث .. وتطرق الحديث إلى إسرائيل ومشكلتها. وبدا عليهم الحرج أولا ولكنى قلت لهم أنى لا أغضب من الصراحة. فسألونى السؤال الأساسى الذى دائما ما يسأله اصدقاؤنا قبل أعدائنا الأوروبيين، وهو: أين يذهب الإسرائيليين؟ فأجبت بسؤال: ومن أين حضروا أصلا؟ وخيل إلى وقتها أنها إجابة مفحمة. على أساس أننا كنا مقتنعين أيامها بخطب جمال عبد الناصر التى كانت تدعو لإلقاء إسرائيل فى البحر. ولم نكن نفكر أن هناك جيل كامل فى الستينات هو من مواليد المنطقة سواء سميتها فلسطين أو إسرائيل .. يعنى من نطالب بإلقائهم فى البحر ليس لديهم مكان قدموا منه، بل هم فى الحقيقة مواطنون بالميلاد.
هذه الأسرة العادية حقيقة تتعاطف معنا ومع الفلسطينيين .. ولكنهم يفكرون بعقلهم، وليس بعاطفتهم. ولو فكرنا معهم بعقلنا نحن، لالتقينا ووجدنا الطريق للحل.
وسنتحدث عن موضوع اسرائيل فى مناسبة أخرى إن شاء الله. ولكن من المناسب أن أضيف هنا أن المصنع كان به قسم كنا ممنوعين من دخوله. وكنت اعتقد أن السبب مثلا تكنولوجيا متقدمة أو سر من الأسرار. ولأنى مشاغب فقد دخلت ذلك القسم. وفى النهاية اتضح أن المنع كان لأن معظم العمال هناك كانوا من اليهود. وكان الألمان لا يريدون مشاكل. وهكذا لأول مرة أتعامل مع يهود، وكذلك فعل لعض الزملاء المصريين. واتضح لنا أن اليهود ناس وليسوا مخلوقات أخرى. ومثل أى ناس فيهم الطيب والشرير وكل الأنواع الموجودة فى البشر. وبدأت نظرتى لمشكلة فلسطين تتغير إلى نظرة واقعية بسبب المناقشة مع عائلة ريسى وبسبب التعامل المباشر مع يهود مصنع دويتس. وبعد عودتى قرأت كثيرا عن المشكلة.
الفساد فى ألمانيا
الفساد كما قلت كثيرا من قبل موجود فى العالم كله، وليست هناك مدينة ولا دولة فاضلة. ولكن لا أستطيع التحدث عن ألمانيا من هذه الزاوية الآن ـ يعنى فى هذه الرحلة القصيرة لمدة شهرين ولم أكن أجيد اللغة إجادة كاملة ـ وإنما يمكن أن أتحدث عن فسادى الشخصى ، وآهو كله فساد، وليس من المعقول أن تتاح لى فرصة السفر إلى ألمانيا ولا أفسد شوية من نفسى!
أولا مشيت فى شارع الفساد فى كولن! وهو شارع موجود فى المدن الكبرى تبيع فيه النساء أجسادهن. وكانت هذه أول مرة أرى فيها ذلك المنظر! كل واحدة لها طريقة فى عرض جسمها .. فيهن من تغطى كل شىء ومن تغطى جزء ومن تعرى أجزاء، كما أنه يوجد أنواع من النساء وليس كما كنت أظن أن التى تبيع نفسها لابد أن تكون جميلة .. فالرجال أذواقهن مختلفة وأحيانا تجد امرأة قبيحة كثير من الزبائن! وقس على ذلك السمينة والمسنة والمسنة جدا (!) وكل بيت يختلف فى الشكل الخارجى ومعظم البيوت فى أسفلها فاترينات عرض البضاعة!
لم أكرر زيارة ذلك الشارع. فما يمكن أن يظنه الناس مثيرا لم يكن مثيرا لى بأى حال .. صحيح الأنوار والديكور وكل أنواع الإغراءات والفصال والتفاهمات .. ولكن كل ذلك مقزز. ولا تحدثونى عن حرية المرأة ولا التقدم. ولا واحدة من اللاتى تبعن أجسادهن حرة نفسها. والفتوات ومساعدوهم فى كل مكان وعلى أبواب البيوت وهم يدللون على البضاعة وفى نفس الوقت يتدخلون إذا واحد أراد أن “يقل أدبه” (!)
هذه ببساطة تجارة رقيق. وفى الغرب يسمونها أشياء كثيرة ويضعون عليها شىء من البهارات والفلسفة والقانون، ولكن كله تحلية بضاعة .. وكله فى الآخر فى الحقيقة تجارة رقيق. وسلم لى على الديمقراطية والتحرر والتقدم!
ثم قلت فى نفسى يا عم انت فى ألمانيا … يعنى انت حاتروح ألمانيا كام مرة؟ … أفجر بأه!
فأقنعت شيرين بتلك الفكرة. ليس لأنه أحد الثنائى الفاقد (أو الفاسد أو الفقرى كما تحبون) ولكن لخبرته. وهو كان معارضا فى الأول لأنه شبعان من حياة الليل فى مصر، وينتهز فرصة تدريب دويتس لكى “يكـِن” شوية. أما أنا فليس عندى أدنى فكرة عن ذلك. فذهبنا للسهر فى حانة رقص متوسطة الحال.
وأصبت بخيبة أمل كبيرة بصراحة. فالصوت فى تلك الملاهى يشبه الصوت فى أفراحنا الذى يصم الآذان. والشباب تقاليع وجنان. وحتى الفرجة على الراقصين ليس فيها متعة. وحصلنا ـ يافرحتى ـ على سيئة؛ هى شرب البيرة .. طبعا على قد فلوسنا!
وعندما خرجنا كانت مواعيد المواصلات كلها قد انتهت. وأن نستقل تاكسى بالطبع من الخيال. وإذا مشينا فأمامنا أكثر من سبع ساعات مشى متواصل للوصول إلى الهايم!
ولكن بدأنا المشى!
وبعد نصف ساعة مد شيرين يده لسيارة وهو لا يتوقع أن تقف كالعادة. ولكنها توقفت فجرينا إليها. وأول ما ركبنا سألنا الرجل لماذا توقف! قال لنا أنه يشارك السكن مع مصرى، وأنه علم من شكلنا أننا مصريون. وهو لا يتأخر عن مساعدة المصريين بسبب شريكه فى السكن.
أفقت من النوم فى اليوم التالى وأنا أتألم جدا ولا أطيق حتى ملابسى. واكتشفت وجود بقع حمراء ملتهبة فى جميع أنحاء جسمى! وأحضرت لى مشرفة الهايم طبيب المصنع. فقال أن هذا حساسية .. ويمكن من كثرة الإستحمام (!!) ولكنى كنت أعرف أنها بسبب البيرة. وعلى كل حال أعطانى مرهما وبعد يومين شفيت والحمد لله. بهذه المناسبة .. بطاقة التأمين الصحى هى من ضمن أوراق الدخول إلى ألمانيا وهى تغطى الكشف والعلاج المجانى لدى تقريبا أى طبيب فى أى مكان فى ألمانيا.
لم يفتنى مشاهدة السينما الألمانية بالطبع، وكانت أول مرة أرى فيها صالات عرض الأفلام الصغيرة التى أصبحت الآن موضة فى مصر فى المولات وكل مكان. والطريف أن عاملة التذاكر، عندما تحين ساعة العرض تغلق الباب وشباك التذاكر لأنها هى التى تقوم بتشغيل آلة العرض أيضا. وهى التى تفعل كل شىء. يعنى عاملة واحدة فى السينما.
وقد اخترت فيلما يبدو أن به بعض المشاهد العارية. ولكن لم يكن به شيئا سوى مشهد واحد لم يستغرق أكثر من خمس ثوانى! فكما قلت سابقا لم يكن “التقدم الإباحى” كبيرا فى ذلك الوقت. ولكن منذ أواخر الستينات تغيرت القوانين عدة مرات خلال حوالى عشرين سنة حيث اختلفت معايير تصنيف الأفلام إلى ثلاثة أو أربعة فئات سِنـِّيـَة، وأيضا تغيير قيمة الضرائب حسب درجة الإباحية، وهناك تصنيفات كثيرة وهى تفريعات من التصنيفين الرئيسيين وهما السوفت بورنو والهارد بورنو. وقد لزم تغيير مواصفات كل تصنيف عبر السنين حسب “تقدم الإباحية” يعنى! وعجبى!
عينى يا عينى!
كما قلت سابقا كان إعفائى من التجنيد بعد كشف النظر يؤرقنى جدا. فانتهزت فرصة التأمين الصحى فى ألمانيا وسألت عن طبيب عيون جيد، ووجدت أنه يقبل التأمين الصحى. العيادة كأنها قصر! والدور ماشى سواء تدقع نقودا أو تبع التأمين الصحى. وغرفة الكشف بها أجهزة كثيرة، كان بعضها موجودا فى مصر. [ملحوظة: الآن لا يوجد أجهزة طبية بالخارج غير موجودة بمصر].
فحص الطبيب عينىّ بمختلف الأجهزة لمدة طويلة .. وفى النهاية سألنى: إنت دخل فى عينك رايش. فتعجبت وقلت له نعم ، ولكن هذا كان من أيام .. فكتب لى قطرة. ولكنى لم أسكت فشرحت له بمساعدة بعض الإنجليزى وبلغة الإشارات أيضا القلق الذى لدى. ففهم أخيرا وهو يضحك، فبدأ الكشف من جديد بتدقيق أكثر بالأجهزة وبالأوفثايم سكوب وكله. وانتهى إلى: “مافيش مشكلة”!
ألمانيا ـ نظرة عامة
العمل فى ألمانيا شىء مقدس .. العمل عمل جدى .. إنتاج .. ورأيت مثلا واحد فى قسم حاجة زى أبحاث. فهو نظريا ليس لديه كمية إنتاج (طريحة) ليعملها. ولكنه كان يعمل من أول دقيقة لآخر دقيقة. ريسى تعمل من 7.30 ص إلى 6.0 م وتعود لمنزلها 6.30 م. السيدة “هامِـس” سكرتيرة مركز التدريب تظل تدور فى الشركة كلها من 8.0 ص إلى 5.0 م والله ما تستريح لحظة. وقد زوغت من المصنع عدة مرات، فعمل مدير المركز فى تقريرا بذلك عن يوم معين. ولكن لسوء حظه ذلك اليوم بالذات كنت موجودا، فتعاركت معه، وكانت فرصة لأقول له ملاحظاتى على التدريب، فمنذ نهاية المحاضرات تركونا بلا عمل محدد، فقط ننتقل من عنبر لعنبر حسب جدول محدد. وقلت له لا يمكن لأى إنسان أن يبقى واقفا 8 ساعات فى اليوم بدون أن يعمل شيئا. ولو أنى شخصيا كنت أشغل نفسى كثيرا وأحشر أنفى فى أشياء كثيرة وأسأل العمال والملاحظين عن تفاصيل الرسومات وتنفيذها ونظام العمل الخ. المهم الراجل المدير اتلبخ ولم يرد، خاصة بعد أن قلت له فى الآخر: نحن لم نقطع كل هذه المسافة وندفع 1000 مارك مصاريف الرحلة (حتة أبو لمعة على الماشى كدة) لكى نلعب ولكن لنتعلم.
الإهتمام بالزهور هنا جزء من الحياة العادية .. لن تسير فى شارع ولا تجد زهورا مزروعة فى كل بلكونة أو شباك. هذا عدا المساحات الخضراء فى كل مكان يزرعها الأفراد وليس الحكومة! ليس هذا ترفا ولكنه ثقافة .. ثقافة تقدر الجمال والنظافة والحياة وكل هذه يجمعها فى النهاية فكرة المسئولية المشتركة.
والناس لا تسهر إلا فى عطلة نهاية الأسبوع، يعنى يوم الجمعة أو فى الغالب يوم السبت ليلا. وفى الأيام الأخرى ترجع من الشغل على البيت يادوب تتعشى وتتفرج شوية على التليفزيون أو تقرأ ثم تنام بين 9 و 10 م.
كل شىء بنظام وترتيب وخطة وطريقة تنفيذ. إصلاح طريق مثلا لابد أن يسبقه إنشاء طريق فرعى محاط بحواجز ومسفلت جيدا وبدون عوائق، وبعد تحويل السير إلى الطريق الفرعى يبدأ الإصلاح. وعند نهاية الإصلاح تجد الطريق قد عاد كما كان. لن تجد بعد ذلك جزءا من حفرة لم تردم بعد ولا بلاعة مفتوحة ولا أى ما يدل على إهمال أو عدم اعتناء.
هذا رأيته وتابعته بعينى. كما رأيت مرة ما يخرج عن السياق العام. فقد كنت فى آخر ترام ليلا. وركبت واحدة كبيرة فى السن ومخمورة. المحصلة وجدت تلك السيدة تهذى. فأخذت تنظر حولها وهى تبتسم كأنها تقول “طب اعمل إيه دلوقتى؟”. والناس يبتسمون ولا يتدخلون. على فكرة كان المحصل فى وسائل النقل العام لديه حمالة الفكة المشهورة، وهى بها اسطوانات صغيرة تضغط على ذراع فيها لتخرج منها الفكة حسب فئتها. فكرة بسيطة من غير زيطة ولا زمبليطة!
فى ألمانيا أعداد كبيرة جدا من الغجر. وكذلك بها أعداد كبيرة جدا من “المهاجرين” بحثا عن الرزق، معظمهم إيطاليون وبولنديون ومن حين لآخر منذ ذلك الحين وحتى الآن تثور فى ألمانيا مناقشات حول الأجانب المقيمين بطريقة شرعية أو غير شرعية. وهنا أنا أتحدث عن ألمانيا الغربية. أما ألمانيا الشرقية فلها حديث آخر.
الأسعار والهدايا
طلبت من أختى أن ترسل لى بعض الهدايا التذكارية من مصر لأهديها لعائلة ريسى جلاسماخر، فقد أكرمونى كثيراً. وقبل موعد السفر بحوال عشرة أيام وصلنى طرد بالبريد أرسلته لى أختى. ثمن الأشياء التى بالطرد 3 جنيه، ورسوم البريد 3.50 جنيه، ودفعت رسوم استلامه (جمارك يعنى) 16 مارك! وكان مفقودا من محتويات الطرد خمس سجائر من إحدى العلب ومحفظة فرعونية سوداء. وأهديت محتويات الطرد إلى ريسى وعائلتها.
المدهش أنى عندما ذهبت إليهم قبل السفر بأيام لأقدم لهم هذه الهدايا البسيطة فوجئت بهم يقدمون لى هم هدايا. وكانوا من قبل قد استفسروا عن عائلتى كام واحد وسنهم وكنت أستغرب قليلا لسؤالهم عن تلك التفاصيل. وإذا بهم قد اشتروا هدية لكل واحد من إخوتى ولوالدى ولوالدتى. وتأثرت كثيرا من ذلك.
كما قلت الهدايا بالنسبة لهم ولى أيضا ليست فى قيمتها المادية ولكن فى معناها. ومعناها يزداد عندما تهتم بتفاصيل المهدى إليه بحيث تختار شيئا ملائما. هذه العائلة فعلا لا تـنسى. تصوروا أنى كنت أذهب إليهم ومعى قاموس ألمانى إنجليزى صغير. وأبحث عن كل كلمة لا أفهمها، وكانوا يصبرون على ذلك ولا يملون بل سعداء أنهم يساعدونى فى التقدم فى اللغة.
أرجو ألا يفهم من ذلك أن الألمان كلهم هكذا .. فهم مثلهم مثل أى جنسية فيهم كل الأنواع. ولكنه القدر كما قلنا.
بعد السلفة التى أخذتها من المصنع لدى وصولى كانت المنح الشهرية كما يلى (كله بالمارك): 170 أول أغسطس، 300 أول سبتمبر، 180 قبل السفر لجزء من سبتمبر.
أذكر ثمن بعض الأشياء التى “لم” أشتريها وإنما سجلتها للعلم فقط: مسجل 150، كيتشن ماشين 80، ماكينة تريكو حوالى 185، طاقم توينز 40، ساعة 60، سيشوار 70، متر الصوف حوالى 20 ولكن الصوف الجيد حوالى 50.
للأسف الشديد لم أستطع شراء شىء عليه القيمة لا لأمى ولا لأبى ولا حتى لخالى فؤاد الذى كما قلت أقرضنى 80% من مصاريف السفر كما أنه أتم زواجه بحمد الله وأنا هناك. فلم أحضر له حتى هدية بمناسبة الزواج .. حاجة تكسف صحيح!
السيارات المستعملة رخيصة وحتى الجديدة كذلك. أوبل ريكورد مثلا 6800 مارك يعنى تعادل ثمن السيارة نصر (فيات 1100) فى مصر. وبمناسبة السيارات كان معنا فى الهايم إثنين أتراك منذ حضورهم لم يفعلوا أى شىء إسمه تدريب، وإنما نزلوا السوق كام يوم ثم اشترى كل منهم سيارة مرسيدس مستعملة وتتراوح أثمانها بين ألفين وثلاثة آلاف وخمسمائة مارك أى مائتان وخمسين إلى أربعمائة جنيه مصرى .. ثم قضيا المدة كلها فى العمل على السيارات .. يذهبون إلى مقبرة السيارات، وهى الساحة التى يتم تكهين السيارات فيها، ولها رسم دخول للنفر، ويمكنك أن تفكك أى شىء تريده من السيارات التى بالداخل وتشتريه بأثمان تكاد تكون بالمجان. وفى آخر مدة التدريب كان لدى كل واحد منهم سيارة مرسيدس جديدة تماما كأنها من التوكيل، وقد قاموا بدهانها أيضا بانفسهم دهان معلمين!
ختام الرحلة
بدأ الإستعداد للرحيل بعد رحلة المصنع يوم 20 سبتمبر كان المفروض أن اسافر بعد يوم، ولكنى اضطررت لتأجيل السفر يوما إضافيا بسبب مشاكل آخر دقيقة.
ولم يقف الأمر عند تلك المشاكل، وإنما كان ما يزال فى انتظارى بعض المفاجآت فى رحلة العودة.
وهذه تستحق حلقة خاصة أخرى.
إقرفوهم!!
نسخة من التحقيق المنشور بالأهرام يوم الأحد 30 مايو 2010، موضوع المقال التالى
المترو يسقط في نفق الأعطال ـ تحقيق: سيد صالح
يبدو أن يد الاهمال امتدت الي مترو الانفاق لتصيبه بين الحين، والاخر بالشلل التام! فالمترو لم يعد تلك الوسيلة الآمنة، والمريحة، والسريعة التي يطمئن اليها المواطنون في تنقلاتهم.
بسبب اعطاله المتكررة، والتي يبدو انها بحاجة الي حل جذري، حتي تعود ثقة الركاب فيه، كما كانت فقبل ايام، ادي انقطاع التيار الكهربائي عن قطارات الخط الثاني لمترو الانفاق بين محطتي السادات، والاوبرا، لمدة ساعة الي توقف القطار بالركاب، مما اصابهم بحالة من الذعر والخوف نتيجة احتجازهم تحت الارض خلال مدة العطل، بينما تكدست المحطات بالركاب، وقام بعضهم بفتح الابواب يدويا، والسير في النفق المظلم للوصول الي اقرب محطة وقد استخدم مسئولو المحطة الاذاعة الداخلية لطمأنة الركاب.
والعطل الاخير، ليس هو الاول من نوعه، حيث يشكو مستخدمو المترو من الاعطال المتكررة في ـ خط حلوان ـ المرج ـ اثناء سيره بين المحطات، وفي احدي المرات، تعطل المترو بعد انطلاقه من محطة حلوان، وظل يتوقف في كل محطة يمر بها حتي تعطل بشكل تام في محطة المعصرة.
وبشكل عام، سبب اعطال المترو، حالة من الذعر، والفزع للركاب، خاصة اذا كان يسير في نفق مظلم تحت الارض .. هكذا قالت لي احدي السيدات وتدعي انعام محمد: وتضيف ـ لم اعد اشعر بالامان، ولا بالثقة في انني سوف اصل الي مقر عملي في وسط البلد في الوقت المحدد، فاثناء رحلتي داخل مترو الانفاق، والتي بدأت من محطة حلوان الي محطة السادات، توقف القطار لاكثر من ساعة، وكثيرا ما يتعطل نفس الخط ـ حلوان ـ المرج ـ مما يؤدي الي تكدس مئات الركاب بالمحطات، وبالتالي يتعطلون في الذهاب الي مقار عملهم.
وباستثناء الاعطال المتكررة للمترو بين خط واخر، وبين محطة واخري، يشكو محمد عبد العزيز ـ موظف ـ، والذي كان يستقل المترو من ضواحي الجيزة، متجها الي محطة انور السادات، من سوء التهوية داخل العربات، فضلا عن انتشار الباعة الجائلين، والمتسولين، حيث يستقلون عربات المترو، ويتنقلون بين المحطات، وقد رأيت ذات مرة سيدة تجر معاقا علي كرسي متحرك، وتطلب المساعدة المالية من الركاب، كما ان احدي السيدات تقوم بتوزيع الايات القرآنية، والاذكار الدينية، واخري كانت تبيع المناديل الورقية، بما يذكرنا بما يحدث في سيارات النقل الجماعي، واتوبيسات النقل العام.
اما المشكلة الاخري، التي يبدو أنها تستعصي علي الحل، فتتعلق بماكينات التذاكر التي تتعطل طوال الشهر، حيث تبتلع الماكينة التذكرة، وترفض فتح ابواب العبور، مما يضطر موظفو المترو لفتح باب جانبي للسماح للركاب بالعبور، وفي بعض الاحيان يضطر الركاب للقفز فوق الماكينات للعبور خارج المترو، كما يقوم البعض ـ بالتزويغ ـ من دفع التذاكر بالعبور خلف احد الركاب اثناء عبوره دون ان يسأله احد من موظفي المترو عن تذكرته!
ويتذكر حسين محمد طالب جامعي، ان المترو توقف ذات مرة، لحدوث عطل مفاجيء في دائرة التحكم الكهربائي الخاصة بالضغط العالي في محطة طره البلد كما قال موظفو المترو، مشيرا الي ان الركاب اضطروا للخروج من المترو، للبحث عن وسيلة مواصلات اخري، وفي بعض الاحيان اجد اعدادا كبيرة من الركاب في انتظار المترو، وعندما استفسر من احد الركاب عن سبب هذا الزحام يقول: يبدو ان المترو ـ عطلان ـ ولم يحضر منذ نصف ساعة، فتكون النتيجة تكدس الركاب فوق الرصيف.
ويتساءل لماذا لا تقوم ادارة المترو باجراء الصيانة بشكل دائم حتي نقضي علي الاعطال المتكررة التي يتعرض لها المترو؟ ولماذا لا يبحث المسئولون عن حلول لمشكلة اعطال الكهرباء التي فاقت كل الحدود؟ ثم لماذا يقوم مسئولو المترو برفع اسعار التذاكر مادامت حالته هكذا؟
وبرغم الحديث المتكرر للقائمين علي المترو عن اجراء الصيانة الدورية، والتطوير المستمر للمترو، الا ان ما يحدث من اعطال يؤكد ان الصيانة غائبة، حيث انشغل المسئولون في وضع الاعلانات علي المتر، حتي يجمعوا الاموال، بدلا من اهتمامهم باعمال التطوير، والصيانة!!
إقرفوهم
قد يكون مفهوما أن يكتب مدعو الصحافة عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وعن المناظر التى أصبحت معتادة لرجل محترم يبحث فى القمامة عن أكل، وعن الديمقراطية وطرق عمل الموخية، قد يكون مفهوما أن يفعلوا ذلك وجميع أنواع العك المقروء والمسموع فى صحف وتليفزيونات تحت مسميات مختلفة، ولكنها كلها ذات هدف واحد هو الثراء السريع عن طريقين:
إما عن طريق العطايا السنية من ولى النعم .. الباب العالى الحديث، سواء كان ذلك الباب فى الشرق أو الغرب، لا فرق.
وإما عن جهل بأسلوب ولى النعم فى نشر سمومه التى تحدث فرقعة وقتية، فيتولى الجاهل نقلها ونشرها بين الناس عله يحصل على ترقية أو علاوة أو “نقلة نوعية إلى عالم الفن” تكون هى كل زاده فى الحياة بدون مبدأ ودون شخصية!
أقول قد يكون مفهوما كل هذا، فالمدينة الفاضلة لم ولن توجد. والناس بشر وليسوا ملائكة.
وقد يكون مفهوما أن من بين أجيال تربت معظمها (أكرر: معظمها) على الغش والفهلوة، يتقدم 900 لامتحان وظائف فى وزارة الخارجية، وينجح منهم 15 (خمسة عشر نجحوا من أصل تسعمائة). والغريب بالمناسبة أن الـ 885 الذين رسبوا لم ينظموا اعتصاما على أى رصيف أو سلم نقابة .. ربما لأن جمعية المنتفعين بمصائب مصر لم تلحظ الخبر وبالتالى لم يوجهوا تعليماتهم للندابات والندابين التليفزيونيين لكى يسودوا عيشتنا من بعد المغرب حتى قبل فجر اليوم التالى بقليل بالتحقيقات الفذة التى فاقت تحقيقات ووتر جيت حرفية وشطارة، والتى عناوينها من نوع: “المساكين الذين أكلت الوزارة حقهم فى التعيين” ويصرخ أحدهم: أنا أطالب الوزير إنه يتعلم شغله! فهو يعتقد نفسه “عرابى” عصره!
والغريب أيضا أن وزارة الخارجية تلجأ إلى امتحان مسابقة، رغم أن لدينا من ضمن الندابين المذكورين أفضل خبراء فى كل شىء .. وبالذات فى السياسة الخارجية! مش مصدقين؟ طيب ما رأيكم أن فيهم خبراء حتى فى الآثار يعتبرون أنفسهم أكثر خبرة من زاهى حواس، المحترم من كل العالم إلا من المصريين الندابين والندابات والذين وراءهم من ناشرى الضباب والهم والغم.
والمفروض أن تتولى الصحافة التى تتبع مجلس الشورى مباشرة محاولة تصحيح المسار ورفع مستوى الصحافة والإعلام. وقد كتبت عن هذا من قبل، وقلت أنى أرى بصيص أمل فى اختيار شخصيات محترمة لمناصب معينة توسمت فيها الأمل فى ارتفاع المستوى. ولكنى أيضا كتبت من قبل أن يدا واحدة لا تصفق، وأننا إذا أردنا أن ننهض لابد أن نعمل كلنا. من يتخاذل أو ينحرف منا لا نتركه يجرنا معه إلى الندامة ولا ننشغل بالبحث عنه ودراسة حاله وانتشاله أو حتى إعدامه، فنتوقف عن المسير ونعود القهقرى بدون وعى منا.
وحدث فعلا تقدم طفيف هنا أو هناك. فوجدنا لأول مرة باب “المحافظات” يحتل صفحة كاملة بعد أن كان بالكتير عامود أو عامود ونصف. ووجدنا كثير من “التحقيقات” حتى أن العدد الواحد من الصحيفة بمكن أن يحتوى على أربع خمس تحقيقات. وهذا كله جيد جدا ولكن من الناحية الشكلية حتى الآن.
المحتوى فى الحقيقة متدنى جدا. وجيوش الجيل الجديد الذين دخلوا عالم الصحافة وانبهروا به ويتم تكليفهم بهذه الأعمال فيعتقدون أن “الإبداع” هو تقليد الصحافة الصفراء فى العناوين المثيرة وفى سب الحكومة وفى تلويث سمعة الشرفاء بغير علم، فأكثرهم من الصنف الثانى الذى ذكرته فى أول المقال، وهم الذين يتطلعون غلى أن يكونوا من الصنف الأول، إذا “لعبت معاهم البلية”!
بالله عليكم كيف يسمح رئيس تحرير فى الدنيا بمانشيت لتحقيق يقول: “المترو يسقط فى نفق الأعطال”؟ هل لأن العنوان ذو جرس موسيقى؟ أو لأن العنوان يعبر عن حرفية صحافية فذة؟ طيب على الأقل كان المانشيت الصادم كفيلا بأن يسترعى الإهتمام بمدى جدية “التحقيق” واتباعه الأساليب العلمية أو على الأقل الصحفية. ولا أعتقد أن رئيس التحرير فعل ذلك، أو أنه فعل ذلك وأنه موافق على الهذر الذى اتبعه صاحب التحقيق. بلاش رئيس التحرير .. أليس كل صفحة لها مدير عام أو حتى مدير غرق؟ اليس المفروض أن يكون ذلك المدير قبل أن يغرق من المتخصصين؟
هل تصبح الجريدة محترمة حين تنشر تحقيقا يعتمد على المصادر الأتية:
أولا: المصدر مجهول. ويقول المصدر أن “فى إحدى المرات” (!) تعطل المترو بعد انطلاقه وظل يتوقف فى كل محطة حتى تعطل بشكل تام فى المعصرة. تصوروا! المترو يتعطل بعد انطلاقه وليس قبل انطلاقه! يا سلام! ثم يتعطل بشكل تام! كمان!
ثانيا: المصدر إحدى السيدات. أى والله إحدى السيدات .. قالت: لم أعد أشعر بالأمان. تخيلوا! الدنيا باظت ياجماعة!
ثالثا: محمد عبد العزيز، موظف. ويشكو من الباعة الجائلين والمتسولين.
رابعا: حين محمد، طالب جامعى. قال أن موظفى المترو أخبروه بعطل مفاجئ بدائرة التحكم الخاصة بالضغط العالى. طيب هل فيه فى القانون “قالوا له”؟
خامسا: وصف صاحب “التحقيق” المصدر هكذا: وعندما استفسر من أحد الركاب عن سبب هذا الزحام يقول يبدو (!) أن المترو عطلان ولم يحضر منذ نصف ساعة.
هذه هى مصادر التحقيق الفذ للنابهة العبقرى الذى يريد أن يكون صحفيا.
وأنا متأكد لو أن رئيس مجلس إدارة تلك الصحيفة قرأ ذلك التحقيق المريع، لأمر بإطلاق النار على ذلك العبقرى. فلا هذه صحافة ولا هذا تحقيق والأمر كله غباء فى غباء وفرقعة خايبة.
نحن لا ننتج شيئا .. وبالذات لا ننتج أكثر قطع الغيار. وهناك أجهزة متابعة ليس فقط فى الوزارات ولكن أيضا فى مجلسى الشعب والشورى. يعنى كل نشاط له عندنا ثلاثة أجهزة متابعة وتخطيط، يرصدون له أهدافا ويحددون له خطة ويتابعون مراحل تنفيذ الخطة، ليعدلوها عند الحاجة إلى آخر النظام الإدارى المعروف لنا ولكل العالم. وتلك الأجهزة تعرف المشاكل وتشارك فى حلها وتضم العقول معا لتصل إلى أفضل الحلول. والحلول تستغرق مددا محسوبة. والمشاكل تتغير وتزداد أو تقل، وتحتاج خططا جديدة وهكذا. المهم أن يدا واحدة لا تصفق. والمهم أن يكون الهدف للجميع واحدا: البناء.
ولكن للأسف نجد البعض لا يعترف إلا بالعجول بدلا من العقول فيحشدها لإخراج أغبى ما تتفتق عنه أدمغتهم المريضة ليصلوا إلى أنجح طرق التشهير التى تؤهلهم لأن يكونوا من الصنف الأول المذكور .. حاصد الملايين الملوثة.
هناك عشرات المهندسين فى كل مكان فى الوزارات والشركات .. قضوا ست سنوات كاملة ليتعلموا معنى كلمة “صيانة” .. ثم نفاجأ بفيلسوف غبى يكتب بكل بجاحة: الصيانة غائبة! الصيانة غائبة ياروح طنط؟ طيب يا أخى استحى على اللى علمك الكلام واذكر أى شىء محترم فى التحقيق تغطى به جهلك. لكن أن تتحدث عن خالتى بمبة وعم الحاج طلبة كمصادر مؤكدة لمعلوماتك الخطيرة عن أهم مرافق البلد وصيانته .. أبشرك أنك لن تنجح حتى أن تكون عميلا!
هذا الذى أقوله هو مثال واحد من أمثلة كثيرة لما يسمى “تحقيقات” صحافة هذا العصر التى يبدو أنها ستظل موكوسة. وقد استرعى انتباهى هذا المثال لأنه لم يمض كثير وقت منذ أن كتبت آسفا عن استقالة وزير النقل السابق، واعتبرت أن استقالته جاءت قرفا من أشياء كثيرة منها النائب الغبى بمجلس الشعب الذى انجعص وقال: على الوزير أن يستقيل.
أقول إيه! إذا كان نائب الشعب الذى هو أيضا عضو لجنة النقل التى قلنا أنها إحدى ثلاث جهات تشترك فى التخطيط والمتابعة يوما بيوم، يضيف بعد انجعاصه ذاك: ماتكلمنيش عن خطة .. انتوا خدتوا 8 مليار وادى النتيجة القطرين طقشوا فى بعض! اقول إذا كان هذا المستوى المتدنى الجاهل يجلس فى ذلك المنصب المسئول، فلا يجب على أن أستكثر على صحافى مغمور يبحث عن الوصول عبر نفس الطرق.
يا سادة .. الوزير استقال قرفاً وليس استجابة لمطلب “صوت الشارع” و “ضمير الأمة” كما يحلو للأرزقية إطلاق العبارات الكبيرة .. استقال قرفا والله .. ولو كنت مكانه لاستقلت قبل سنوات ولكنه صبر كثيرا لعل حالكم يعتدل.
وكأنى بالشيطان الغلبان الذى تحدثت عنه سابقا .. يشير على هؤلاء الفاسدين المفسدين بحكمته: إقرفوهم حتى يستقيلوا ونقضى على كل الشرفاء ويخلو لنا الجو. فيصيح هؤلاء: أيوه أيوه ياعمو .. زى ما عملنا مع أحمد رشدى .. فاكر؟