Archive for أفريل 2009
الفــزع
“نحن نقترب بشدة من إعلان حالة وباء” .. هذا ما قالته السلطات الصحية فى المكسيك أو الولايات المتحدة على ما أذكر منذ أيام قليلة. وحالة الوباء لا تعنى احتمال إصابة عشرة أو عشرين أو حتى مليون شخص بمرض ما، بل احتمال إصابة شعب بأسره بذلك المرض. وفى تلك الحالة يجب إغلاق الدولة المصابة وعزلها أولا.
البداية كانت ظهور أنفلونزا الخنازير فى المكسيك ثم انتقالها سريعا إلى الولايات المتحدة فبعض البلدان الأوروبية والأسيوية. وبدأنا نرى الناس بالآلاف فى المطارات تضع كمامات ورقية. وبدأ المختصون فى الغرب يهتمون بدراسة المرض ويعزلون الفيروس تمهيدا للبحث عن مضاد له.
الأمر مفزع ولا شك لجميع الدول. إلا أن الفزع فى مصر يختلف عنه فى جميع بلاد الدنيا. فهو عندنا لا ينبع ولا يصب إلا فى دائرة الفوضى والصياح والتخبط و .. طبعا المزايدات السياسة! وهذا ما حدث فى بداية أنفلونزا الطيور.
رد الفعل لحالة الفزع عندنا ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
قسم متخصص (سواء هيئات حكومة أو مؤسسات خاصة أو أفراد) وهذا القسم يبحث ويقرأ ويستخدم العلم والمعامل والبحث والدراسة والتواصل مع مثيله فى الدول الأخرى. ولأنه ينشغل بشدة فى ذلك فلن تجد صوته مدويا ولا صياح ولا فوضى.
وقسم ثان خاص برأس المال (سواء شركات أو أفراد) لا يفكر إلا بعقلية الربح والخسارة، وهو يشمل أيضا أولئك المستوردين الذين أصبحوا الزبائن المعروفين لدى جهات التصدير الخارجية بأنهم يبحثون عن أقل البضائع جودة، ولا مانع أن تكون حتى فاسدة لأن ربحها أكبر بكثير. وأصبح المصدرون بدلا من إعدام البضائع الفاسدة يخزنونها فى أماكن خاصة مكتوب عليها: “مخصص للتصدير للشرق الأوسط”. أول رد فعل لهذا القسم هو كيف يخفون بضاعتهم موضوع الفزع بعيدا عن يد السلطة بصرف النظر عن النتائج. ولا يختلف فى رد الفعل هذا الشركات الكبيرة عن الأفراد العاديون. وهذا القسم أيضا يتصرف فى هدوء شديد ولا يسمع له أحد صوتا.
وقسم ثالث أسميه القسم الإستثمارى. ويشترك مع القسم الثانى فى صفة الغباء الشديد، ولكنه يتميز عنه بأن صوته عال وزعيقه منتشر فى كل مكان ولا يفيد سوى فى زيادة الفزع وعدم الفهم العامة. وهذا القسم يضم أساسا الإعلاميين والسياسيين وهم طبعا غير الإعلاميين والسياسيين فى كافة أنحاء العالم، فهم فى الشرق الأوسط من عجينة مختلفة أهم ما يميزها الفهلوة.
هذا القسم الثالث هو مشكلتنا المزمنة فى كل الأحوال، ولكن ضرره فى حالة الفزع أكبر وأخطر ويمكن أن يؤدى إلى كارثة. وإذا رجعنا بالذاكرة لمشكلة أنفلونزا الطيور وراجعنا الضجة المصاحبة لها ومن اشتركوا فى تلك الضجة سيمكننا تحديد أسماء معينة بدقة تستثمر مثل هذه الحالات لمصلحتها الشخصية. والمصالح تختلف: فبعضها “سبوبة” تأتى من الخارج، وبعضها “سبوبة” تأتى من الداخل فى صورة منصب أو شعبية (من نوع اللعبة اللى بتعجب المتفرجين) أو حتى مجرد علاوة، وبعضها تصفية حسابات. وبعضها أخيرا بحكم العادة القائمة على المثل المعروف: “يابا علمنى الهيافة، قاله تعالى فى الهايفة واتصدر. طب علمنى الغتاتة قاله اللى تقوله تعيده” وموعدنا القادم مع هؤلاء هو تغيير التوقيت إلى الشتوى القادم.
هذه الأقسام الثلاثة بدأت العمل بهمة ونشاط منذ اليوم الأول للإعلان عن أنفلونزا الخنازير. والقسم الثالث (قسم الفهلوة) بدأ الطبل والزمر والصياح. ثم أصدر مجلس الشعب قرارا بإعدام الخنازير وعلى الحكومة أن تدفع مئات الملايين تعويضات! وبالطبع ستبدأ هوجة أخرى أكبر من الفيروس نفسه تبدأ بهوجة الخطة والإمكانيات ومن يفعل ماذا ، ثم تنتقل إلى هوجة التعويضات ومن يستحق وكم ومتى ومن أين … إلى آخر القصة المعهودة، ويصحب ذلك كالعادة شوية استجوابات ومطالبات باستقالة فلان وعلان، ولا مانع أيضا من بعض الفتاوى الدينية والفتاوى شبه الطبية والفتاوى الخواجاتية الخ. وآهو كله أكل عيش!
عندما رأيت الناس (فى التليفزيون) يضعون الكمامات الورقية فى المطارات التى طبعا لا تربى الخنازير تساءلت: لماذا الكمامات؟
وفى نفس الوقت كنت أتساءل كيف سيتصرف الناس خارج الشرق الأوسط والخنازير عندهم تربى فى كل مكان وكل بيت؟
عندنا فى الشرق الأوسط، لكى تفهم أى شىء يلزم عليك أولا أن تغلق عينيك وأذنيك عن وسائل إعلامنا كلها سواء التابعة للسلطة أو التابعة لرأس المال أو التابعة لقسم الفهلوة. ثم تبحث عن أفراد القسم الأول السابق ذكره لكى تفهم منه فى هدوء. أو تبحث فى الإعلام الأجنبى.
ما فهمته حتى الآن هو أن الخطر الحقيقى الحالى ليس فى انتقال العدوى من الخنازير إلى الإنسان ولكن من الإنسان إلى الإنسان. فالفيروس غير فيروس أنفلونزا الطيور التى تنتقل العدوى فيما بينها ثم إلى الإنسان ويمكن احتواؤها قبل أن تتطور إلى الإنتقال بين الإنسان. ولكن الإحتمال الوارد هنا أن الفيروس تكون بطريقة ما (غير معروفة حتى الآن) بانتقال أنفلونزا الخنازير التى هى طبيعية وتحدث منذ قديم الأزل لهم إلى شخص أو أشخاص بعينهم فى المكسيك وتطوره لديهم بحيث أصبح ميكروبا ينتقل من إنسان إلى إنسان.
يعنى باختصار: الخنازير تصاب دائما بالأنفلونزا، وكذلك الناس الذين يربونهم. وقد تنتقل العدوى من الخنزير إلى الإنسان دون أن يشكل هذا مشكلة فى حد ذاته. ولكن المشكلة الآن هو فى ظهور ذلك الميكروب (الفيروس) الذى رغم أنه بدأ ـ كما تشير التحليلات العلمية الأولية ـ باختلاط الإنسان بالخنازير، إلا أن تلك البداية لا تشير إلى تكرارها. يعنى المشكلة الآن هو فى حصر الفيروس فى الإنسان لأن عدواه سريعة وتأتى بمجرد مخالطة الناس لبعضهم البعض بصرف النظر عن الخنازير.
إذا كان ما فهمته حتى الآن صحيحا .. فلماذا إعدام الخنازير؟ ولماذا خسارة مئات الملايين؟
أسئلة لن أجد الإجابة عليها ، ولا حتى فى المشمش!
زيارة السجيـن
أكاد لا أصدق عينى وأذنى! كنا قد سلمنا أمرنا لله فى الإعلاميين الموكوسين، ولكن أن يصلوا إلى التهييج والعبط فهذا كثير. تحدثت من قبل عن المذيعة التى تتهكم على القانون وواضعيه وحيثيات التشريع وهى لا فكرة لديها عن القانون ولا عن حتى الطبيخ! أمثال تلك فى السياسة كثير، ولكن ربما لهم أغراضهم السياسية، وفى السياسة كل شىء مباح خاصة كل ما هو ليس بنظيف. ولكن الإعلاميين .. ما عذرهم لهذا السقوط.
شاهدت لتوى مذيعة فى قناة الحياة، تعتقد مثل أشباهها من الإعلاميين، أن وظيفتها جعلتها نائبة عن نبض الشارع ورأى الشعب! والموضوع أن هناك “ضجة” حول كلام للسيد الدكتور وزير الأوقاف يؤيد زيارة القدس ولو بتأشيرة إسرائيلية. فظنت هذه المذيعة الحمقاء أنها أمام الكاميرا أكبر من وزير محترم له هيبته الدينية علاوة على هيبته الرسمية.
فهى تستضيف رئيس حزب الجيل والدكتور وكيل وزارة الأوقاف. فكلما تحدث وكيل الوزارة قاطعته ولغوشت عليه تريد أن “تعلمه”!! وهى لا تقاطع رئيس الحزب لأنه يقول: على الوزير أن يستقيل! سبحان الله. ألهذا الحد يكون الإسفاف وقلة الأدب؟!
أنا لا أتحدث عن صواب أو خطأ، ولا أتحدث عن وجهات نظر متعارضة، أنا أتحدث عن الأدب.
ومن ناحية أخرى إذا كان الإعلامى الذى يقدم رأيين منحاز إلى أحدهما فالمفروض أنه يشترك كضيف ويترك غيره يقدم البرنامج ولكن أن تكون مهمة الإعلامى هى الشوشرة على أحد الضيوف فهذه ببساطة قلة أدب، ولا أظن أن من ضمن مسوغات تعيين المذيع أن يكون قليل الأدب. وإلا ما الفارق بين مثل هؤلاء ومذيعى العمالة الإيرانية فى المنار والعالم والجزيرة وغيرهم؟
أما من جهة رئيس الحزب الذى شاء أن يدخل فى دائرة الضوء عبر التطاول على وزير الأوقاف والتطرف إلى أن يكون “واليا فقيها” مثل الإخوان الذين يدعون الإسلام ويقول “على الوزير أن يستقيل أو يقال”. فهو لا يزيد عن حجم حسن نصر الذى بتطاوله صغر حجمه وتضاءل حتى لا يكاد يبين.
ومن جهة الضجة، فأظنها تمهد لإحدى موجات الشوشرة التى حذرنا من الإنسياق وراءها دائما.
أما عن زيارة المسجد الأقصى فهى ليست قضية عويصة ولا موضوع إفتاء. وليست تأشيرة إسرائيل عار وشنار فى حد ذاتها إلا عند من يأخذون الأمور بالعاطفة ولا يرون ملجأ آمنا لهم إلا فى الإنزواء بدعوى المقاطعة والنحيب وهم جالسون بدلا من المجاهدة والعمل.
عندما تحدثت مؤخرا عن القضية الفلسطينية كانت تؤرقنى مشكلة القدس. وهى مشكلة ملحة جدا هذه الأيام ولن تمر بضع سنين إلا وتصبح القدس يهودية .. لو استمر الحال على ما هو عليه.
الذين يدافعون عن القدس منذ ثلاثين سنة هم أهلها الذين لا حول لهم ولا قوة سوى صدورهم فى وجه أسلحة الإستعمار. وبدلا من أن يساعدهم إخوانهم فى الوطن، نجدهم يتصارعون على الزعامة وليس لديهم أى استراتيجية للحركة. وبدلا من أن يساعدهم جيرانهم نجدهم يتعللون بالإجماع العربى ليبقوا مكانهم لا يتحركون ولا يتحملون مسئولية ولا يفعلوا شيئا.
إضاعة القدس أصبحت أقرب مما نتصور بعد ثلاثين عاما من العمل على ذلك فى هدوء شديد وعلى عدة محاور. فمن ناحية أغلق الباب أمام البيوت القديمة الآيلة للسقوط إذ لم يعد عند أصحابها ما يكفى تمويل ترميمها أو إعادة البناء فلم يبق أمامهم سوى البيع لليهود.
هذا محور. ومحور آخر: هو لعبة التراخيص. ومحور ثالث إثبات الوجود. عن طريق تنظيم زيارات لليهود فى جماعات صغيرة لا ينتبه إليه الكثيرون، ثم زيادة الزيارات .. ثم الصلاة داخل المسجد .. ثم السياحة والمشروعات التى أقيمت هناك. هذا غير محاور أخرى كثيرة.
ونحن نجلس ننوح على القدس و “نطالب” بتحريرها، و “نطالب” العرب أن يتوحدوا، ونطالب ونطالب ، ولا نفعل شيئا.
منذ أيام رفعت مقطع الفيديو التالى على اليوتيوب
أرجو مشاهدته لمن لم يشاهده بعد، وهو مثال فقط لما يجرى بتسارع الآن فى القدس بعد أن كادت المشروعات تكتمل وبعد أن اختفت أكثر من نصف الأسر العربية التى كان تواجدها فقط هو خط الدفاع الأخير والنصف الآخر فى طريقه إلى التهجير خلال سنة أو اثنتين على الأكثر. والتليفزيون والجرائد تعرض كل يوم أمثلة لذلك.
الفلاسفة الذين يثيرون ضجة، والفيلسوف رئيس حزب الخيابة الذى يطالب باستقالة الوزير والمذيعة التى لا تعرف شيئا عن أدب الإعلام .. كل هؤلاء هل يفضلون أن يظلوا ناشرين للضباب بدلا من أن يفعلوا شيئا. وهل هناك أبسط من استغلال الفرصة لنملأ المسجد الأقصى بالمصلين. يعنى التأشيرة الإسرائيلية وقفت فى زوركم قوى؟! طيب وهو اللى بيحج إلى مكة المكرمة من فلسطين المحتلة هل يخرج بدون تأشيرة إسرائيلية؟ يعنى هل نمنع المسلمين من الحج لأن تأشيرتهم إسرائيلية؟
هل يمتنع الإخوان مدعوا الإسلام عن زيارة سجين لهم ما دام يلزمهم تصريح من الداخلية التى قبضت عليه؟
ياخوانا فوقوا بأه .. ولا تدعوا الإسلام والإسلام منكم براء! بلا خيبة.
الأمة الإسلامية ، والأندلس
الأربعاء 22/4/2009
الأمة الإسلامية ، والأندلس
[رسالة إلى جريدة الأهرام seminar ahram.org.eg]
بسم الله الرحمن الرحيم.
قرأت الندوة التى نشرت الخميس الماضى بالأهرام بعنوان “العرب لم يخرجوا من الأندلس”، ولى عليها التعليقات التالية:
أولا: إشترك فى الندوة خمسة عشر من الشخصيات العلمية والعامة والفنية والصحفية. ومع احترامى لهم جميعا، أليس من المنطقى أن يكون نصف المشتركين فى الندوة على الأقل من أساتذة التاريخ، ملاءمة للموضوع؟ أليس العنوان الفرعى للندوة: “تصحيحا للتاريخ بعد خمسة قرون من سقوط العلم العربى فى غرناطة”.
ثانيا: جانب كبير من عرض الندوة كان عن إثبات أن “العرب” لم يخرجوا من أسبانيا. مع أن الأمر لا يحتاج إلى إثبات، ولم يقل أحد أن “العرب” (على إطلاق الكلمة بهذا النحو العام الغريب) خرجوا من أسبانيا. ولكن التاريخ يقول أن محاكم التفتيش التى أقامتها الكنيسة الكاثوليكية فى ذلك الوقت ألزمت الناس باعتناق الكاثوليكية بالقوة الجبرية. فهرب من تعذيب محاكم التفتيش (الذى يعادل فى وحشيته ربما سياسة الرومان القمعية) هرب كل من أراد أن يثبت على دينه. لم يقل أحد أن “العرب” هربوا أو خرجوا، ولكن الثابت أن كل العقائد غير الكاثوليكية (بما فيهم المسلمين والمسيحيين غير الكاثوليك واليهود) قد هربوا بدينهم، والأكثرية اتجهوا إلى بلاد شمال أفريقيا. وعليه فلم يكن هناك داعى لإثبات ما هو معروف وثابت.
ثالثا: معروف أن الحكم الإسلامى لم يكن يجبر الناس على شىء، لا على دين معين ولا على لغة معينة ولا على تغيير عرفهم الذى تعارفوا عليه. وإنما كان هذا يحدث طبيعيا فى ظل التطور الطبيعى للمجتمعات وتفاعل أفراده بينهم وبين بعض. وازدهار العلوم الدينية والدنيوية لم يكن منسوبا لجنسية دون جنسية، وكان العلماء للمرة الأولى فى التاريخ يسيرون من بلد إلى بلد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب آمنين ومنهم من كان يستوطن فى بلد غير التى نشأ فيها ومنهم من كان يجوب الأرض لينهل من علومها ويختلط بعلماء آخرين. وهذه حقيقة تاريخية لا تحتاج إلى إثبات جديد.
رابعا: تعجبت لدخول الخلط الشائع بين وصف “العربية” ووصف “الإسلامية” فى الندوة. وقد جرت العادة أن يقرن الجميع دون وعى بين الصفتين، وكأن كل ما هو عربى إسلامى والعكس أيضا! فيقول العرض مثلا:
[قال المفكرون الأسبان أنفسهم أن أسبانيا أقرب فى هويتها إلى العروبة والإسلام منها إلى أوروبا. لذلك لم يكن مستغربا أنها لم تعترف بإسرائيل إلا فى السبعينات!]
أعتقد أن هذا كلام مرسل يغفل أن السياسة منذ نشأتها وهى تعتمد على المصالح وليس على الأيديولوجيات. ولم تكن روسيا والصين على علاقة طيبة رغم أنهما مشتركان فى الأيديولوجية.
[فإن الأهم ـ تصحيحا للتاريخ ـ أنه ليس صحيحا أن المسلمين قد خرجوا من أسبانيا بسقوط العلم!]
ولا يكون “تصحيح التاريخ” هكذا، مع احترامى لجميع المشاركين. وقد استدلت هذه العبارة بالفكر العلمى المنطقى بدلا من أن يكون الحوار على أساس من التاريخ الموثق! على كل حال من ناحية المنطق، لا يستطيع أحد على الإطلاق أن يقول أن “جميع” المسلمين قد خرجوا، أو “جميع” المسلمين بقوا. ثم لماذ تتحدث الندوة عن المسلمين فقط، وكأن الكلمة مرادفة للعرب ، أو كأن مواطنوا أسبانيا كانوا كلهم مسلمين؟
[وكان دخولهم (أى دخول العرب) فتحا وليس غزوا. والفرق أن الفتح هو حمل رسالة إنسانية وحضارية وثقافية.]
مع احترامى الشديد للدكتور قائل هذا، فأعتقد أنه يعتمد على الحماس للإسلام وليس على سند علمى. وربما يقترن هذا بالخطأ الشائع أيضا منذ القدم بتسمية كل معارك الرسول (ص) بالغزوات، لأنه كان هناك فرق كبير بين المعارك قبل وبعد فتح مكة. ببساطة كان يلزم للدعوة مركزا تنطلق منه. وكان ذلك المركز فى البدء هو المدينة المنورة. وكان يجب الدفاع عن ذلك المركز بينما العين على المركز الرئيسى: مكة. لذلك سمى بعض المؤرخين فتح مكة “الفتح” معرفا. وبعد الفتح بدأ إنشاء نموذج للدولة لم يعرفه العرب ولا العالم من قبل بعد أن كان النظام قبليا حتى فى أوروبا وحتى تحت ظل الإمبراطوريات.
بعد الفتح بدأت القوى العظمى فى ذلك الوقت ينتبهون إلى أهمية القضاء على الدعوة الجديدة قبل أن تتعاظم أكثر. ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء الراشدين من بعده بغافلين عن استعداد القوى العظمى (الروم والفرس) للقضاء عليهم. فكان الواجب الأول الذى انتبهوا إليه هو إنشاء دولة قوية مستقرة. ولا تكون الدولة مستقرة إلا إذا تركت النظام القبلى إلى نظام جديد بدأه الرسول صلى الله عليه وسلم وسار على نهجه الخلفاء. وقد علم سكان الجزيرة العربية تماما ذلك الإتجاه، ولهذا بدأت “الوفود” كما تخبرنا كتب السيرة والتاريخ. على أن بعض القبائل لم يقبلوا بالنظام الجديد. فكانت الحرب لازمة لبناء الدولة على أساس النظام الجديد. وقد أرسى لها الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا نظاما جديدا فى حكم القانون لأول مرة فى التاريخ، مثل إعلان الناس بالحرب مسبقا ودعوتهم إلى الإنتماء للنظام الجديد (دون شرط الدخول فى الإسلام) إلى آخر ما تزخر به الكتب.
من ناحية أخرى ألم يكن الإستعمار ـ وما زال ـ يعتبر نفسه حاملا لرسالة إنسانية وحضارية وثقافية؟ ألم يقولوا هذا منذ ثمانى سنوات عن العراق، وما زالوا يقولونه وما زالوا ينشرون الفرضى؟ الحقيقة أن هذا التعريف للفتح (رغم أنه بنية طيبة) يفتح الباب لكثير من تزييف الحقائق لمن يريد. الفتح هو نتيجة انتصار فى حرب تحقيقا لمصلحة معينة سواء للفاتح أو للبلد المفتوحة، ويبقى بعد ذلك على الفاتح “إثبات” سبب الحرب. يعنى الفتح حرب والغزو حرب ولا فارق بينهما.
هذه أمثلة لما جاء فى الندوة ولا أريد الإطالة.
أما بالنسبة للخلط الشائع بين صفة “الإسلامية” وصفة “العربية” فأرجو الإطلاع على الملف المرفق الذى كنت قد انتهيت من إعداده قبل قراءتى لعرض الندوة.
ختاما لا أدعى أنى متخصص فى الموضوع ولكن وجهة نظرى تعتمد على قراءات كثيرة. وهناك عدة مقالات كتبتها فى الحروب التى تلت العام الثامن للهجرة، أى بعد فتح مكة، وفى عام الوفود، يمكننى إرسالها لكم إن شئتم.
مع تحياتى وشكرى مقدما إذا صححتم لى بعض أخطائى فيما سبق وفى الملف المرفق.
والسلام عليكم ورحمة الله.
[ملحوظة: لم يصلنى أى رد من جريدة الأهرام .. ولكنى لاحظت أنهم استحوا على دمهم، وبعد أن كان المفروض نشر جزء ثان من الندوة فى الأسبوع التالى لم ينشرواه، واكتفوا بأن كفوا “على الخبر ماجور” وكأن لم يحدث شىء .. لا اعتذار ولا احترام.. وعجبى]
الأمـَّــة
أى تصرف يحكمه العقل والعاطفة معا. ويقاس نضوج الشعوب بمدى تغلب العقل على العاطفة فى التصرفات ، خاصة الجماعية، بحيث لا ينساق الواحد إلى شعارات ترددها الجماعة ولا يعرف معناها أو المقصود منها لمجرد أن المجموع يرددها ويجد لها تجاوبا وجدانيا لحظيا قد لا يقبله العقل إذا أتيحت له فرصة التفكير بنفسه.
تزيد خطورة هذا الأمر عندما تكون الأوضاع منذرة بالخطر مثل ما تمر به مصر منذ ثمان سنوات ، أى منذ أن أخرجت المخابرات الأنتيكية مسرحية التفجيرات إياها وأسندت دور البطولة فيها لمنظمة فذة تفوق قدراتها قدرات العالم أجمع!! ويخطئ من يعتقد أن الخطر يقل بمرور الزمن أو أن المخطط ينتهى باحتلال دولة عربية أو حتى بالإنسحاب منها. على العكس تماما، فالخطر يتزايد بمرور الوقت ولا أبالغ إذا قلت أن كل البلاد العربية وغيرها من البلاد غير المتقدمة تقترب بتسارع أكثر الآن إلى العودة إلى عصر الإستعمار فى القرن التاسع عشر ولكن بوجه جديد وأساليب مستحدثة.
المؤسف أن البعض ما زال غير مدرك لحقيقة محور أنتيكا ـ إسرائيل ـ إيران وبالتالى غير مدرك لتبعية الأذناب له. وربما لا ينتبه هؤلاء بالتالى لتحالف المحور مع الدول الصناعية بعد أن اتضح فساد النظرية النازية فى الوصول إلى الأهداف. ولا يعنى تغيير الخطة أو تعديل النظرية أى تنازل عن الأهداف.
المؤسف أكثر أن نجد مثقفين مصريين ينساقون وراء العاطفة أكثر من ذى قبل ويدورون فى حلقات مفرغة من الشعارات التى عفا عليها الزمن فيؤدى بهم الدوران دائما إلى العودة إلى نقطة البداية، أى يتوقفون بينما العالم حولهم يهرول تجاه أخذ موقع من اثنين: مستعمر بكسر الميم الثانية أو مستعمر بفتحها. أو استخدام الذكاء واتخاذ موقف بينى هو الأصعب لكن الأذكى مثلما فعلت سويسرا مثلا فى القرن التاسع عشر والقرن العشرين.
من بين آثار الحرب الحالية نشر ثقافة عدم الإنتماء فى الدول الضعيفة ثقافيا. وما يظهر من هذه الآثار فى مصر لا يختلف عنه فى بقية البلاد العربية والأفريقية، وهى المناطق الأكثر جذبا لأى استعمار.
حول قضية الإنتماء هذه يدور الملف المرفق تحت عنوان الأمة الإسلامية والدولة.
وأرجو أن لا يمر هذا الملف مر الكرام ويحظى بقليل من الإهتمام بالتعليق عليه سواء سلبا أو إيجابا للفائدة العامة.
والسلام عليكم ورحمة الله.
مقـدمة
كثيرا ما نسمع تعبير “الدول العربية والإسلامية” أو الدول العربية الإسلامية”. وأحيانا تستخدم كلمة “الأمة” بدلا من “الدولة”. وقد شاع هذا التعبير حتى أصبح يتردد على ألسنتنا آليا، حتى أصبحت الصفتان متلازمتان كأنه أمر واقع.
وكلما سمعت هذا التعبير أود معرفة المقصود: هل هما نوعان يعنى دول العربية وأخرى إسلامية أم هما نفس الشىء يعنى أن الدول العربية إسلامية فى نفس الوقت. ويستطرد التفكير إلى التساؤل: متى توصف دولة بأنها إسلامية؟ خاصة وقد شاع أيضا استخدام هذا الوصف لكل شىء بالحق وبالباطل، وأصبحنا نجد شركات النصب تستخدم الخطاب الدينى وتسمى نفسها شركة ’كذا‘ الإسلامية ، وذلك لتسهيل أعمال النصب والغش. والإستعمار القديم والجديد دائما ما يستخدم شيوع مثل هذه التعبيرات ليرسخ سيطرته على عقول الناس ويغير طرق التفكير ويشجع التطرف ويزكى الفرقة ليسود.
يستدعى الأمر منا مراجعة ما هو شائع لتـنقيته، وليزداد وعينا بالإستخدام الصحيح لهذه التعبيرات حتى لا نـنجرف مع الوقت إلى نتائج تبدو بديهية وهى فى الحقيقة مغلوطة. ولنا حاجة ملحة الآن حيث ينشط الإستعمار الجديد فى زيادة خلط الشعارات والنظريات والمبادئ التى تقوم على ضبابيات شائعة، وتخدم فى النهاية مصالح سياسية تحت مسميات وشعارات دينية.
ونضرب مقدما مثلا بالسؤال الذى بدأ يشيع حالياً: هل أنت مصرى أولا أم مسلم أولا؟ ورغم ما يبدو من براءة السؤال فى الظاهر فإن الغرض منه خبيث ويستدرج الناس إلى البلبلة والجدل العقيم حول قضية الإنتماء.
وهذا المقال هو محاولة لمراجعة هذا التعبير مع جمع ما أعتقد أنه ذو علاقة من القرآن والسنة، حتى يمكن تبيـُّن المعانى المقصودة ونستطيع التفرقة الواعية بين ما شاع من خلط للمفاهيم وبين ما هو حقيقى.
ملحوظة: إذا كانت الآيات غير واضحة بسبب التشكيل، فيمكنك أن تحدد أى فقرة كاملة من الآيات ثم تختار حجما أكبر للحروف، فتتعدل كل الآيات بالمثل. وإذا لم يظهر التشكيل فابحث عن Diacretics فى Tools/options وضع عليها علامة.
هذا ونلفت النظر إلى الآيات القرآنية الكريمة منقولة إلكترونية، لذا فمرجع القرآن دائما يكون من مصحف موثق من قبل الأزهر الشريف. ونقدم الشكر مقدما لمن يجد خطأ فى هذا المقال فينبهنا إليه لتصحيحه.
تعريـف
لعلى أبدأ بالتعريف الأدق ـ فى مفهومى الشخصى ـ للكلمتين كما يلى:
الأمة يجمعها عقيدة واحدة، سواء كانت ديناً أو نظرية أو فلسفة. ولا حدود جغرافية لها.
الدولة لا يجمعها عقيدة واحدة ولكن يجمعها مكان محدد وعوامل مشتركة بين أفرادها (مثل المصلحة والعرف واللغة الخ).
[أنظر تعريف الأمة فى شرح القرطبى للقرآن الكريم تحت عنوان “الأمة فى القرآن الكريم” فيما بعد.]
وقد حاولـَت كثير من العقائد (وما زالت تحاول) أن تجمع العقيدة والمكان معا. ولكن التاريخ حكم على كل المحاولات السابقة بالفشل وسيحكم بالمثل على المحاولات الحالية والمستقبلة (ومنها إسرائيل، وبعض الأفكار المتطرفة). وهذا الحكم منطقي لأن انعزال العقائد ليس من فطرة الإنسان ولا من طبيعة الدنيا كما خلقها الله سبحانه وتعالى.
مفـهـــوم
كلمة “الأمة” إذاً لها دلالة عقائدية، وكلمة “الدولة” لها دلالة وضعية. ولا يختلف هذا عنه فى اللغات الأخرى.
ولا شك أن هناك مثلا أمة إسلامية وأمة مسيحية وهكذا غيرهما من الأمم. وكل منها لا تقتصر على دول معينة دون غيرها أى لا تحدها حدود جغرافية ولا يمكن لا منطقيا ولا عمليا أن تحدها تلك الحدود. وأى مؤمن بأى عقيدة فى أى مكان فى العالم هو جزء من “أمة” تلك العقيدة.
وذلك المنتمى لتلك الأمة ينتمى فى نفس الوقت إلى “الدولة” التى يعيش فيها، ويشترك مع باقى الإنتماءات العقائدية من مواطنى تلك الدولة فى المسئوليات والواجبات والإلتزام بالعرف والإشتراك فى المصلحة العامة ليعيشوا فى انسجام واستقرار فى “دولة” واحدة.
وإذا استخدمنا صفة الهويات للتعدد. نقول أن هَويَّـة الإنسان لها مراجع متعددة، منها نسبه وعلمه التخصصى وعمله المهنى ودينه إلى آخر تلك العوامل. واستخدمنا صفة الإنتماء لشىء واحد هو الدولة. فهذا يرفع الإشكال. ولا يوجد تعارض بين الهوية والإنتماء على وجه العموم، إلا فى بعض الأمور الإستثنائية. وهو ما سنتعرض له لاحقا.
الدولـة الإسلامــية
لا تكاد تبدأ الحديث عن المشكلة الفلسطينية حتى تجد محدثك ـ إذا كان عربيا ـ ينطلق فى الحديث عن الإسلام والجهاد، الخ. فقد رسخ فى ذهن العربى من ناحية أن المشكلة هى صراع بين الأديان ومن ناحية أخرى أن أى دولة عربية هى بالضرورة دولة إسلامية. والإستعمار لا يحاول مجرد المحاولة فى نفى ذلك لأنه يخدم أول ما يخدم فكرة “الوطن اليهودى” ولا نستطيع أن ننبس بكلمة حين تقول إسرائيل أنها دولة يهودية، رغم ما فى ذلك من عنصرية أجمع الناس فى العالم على محاربتها.
وبينما تكون حقيقة الصراع هى حول حق شعب بأكمله (باختلاف دياناته) فى دولته المغتصبة أو على الأقل فى جزء منها، نجد الخلط بين الدولة والأمة يقودنا إلى متاهة لا ننجح نحن أنفسنا (العرب) فى حل طرقها وإيضاح حقيقتها. وفى ظل هذا الخلط يستمر الإستعمار فى ترسيخ السيطرة.
لا يعنى هذا أن نتوقف عن وصف الأشياء بأنها إسلامية، ولكن المقصود أن نستخدم تلك الصفة الدينية فى محلها الصحيح وبالحرص الواجب (أكرر: الواجب) تجاه هذه الصفة الكريمة.
يقودنا هذا التفكير إلى التساؤل: متى توصف الدولة بأنها إسلامية؟ وأرى أن التعريف التالى هو الأدق:
الدولة الإسلامية هى التى تعتمد الإسلام كمصدر رئيسى للتشريع وللمعاملات بين مواطنيها.
يلاحظ فى هذا التعريف أنه يجمع بين السلطة التى هى مناط التشريع وبين مجموع الشعب الذى يقرر المعاملات بصفة عامة بين أفراده على اختلاف هوياتهم، مثل الإحترام المتبادل والحشمة والسلوك والجيرة والعمل المشترك الخ. بعبارة أخرى يكون مبدأ الحكم (وهو ما يسمى حاليا بالدستور) متوافقا بين مجموع المواطنين بصرف النظر عن دين كل منهم.
ملحوظة: أحاول هنا الإختصار بقدر الإمكان وأتحدث بصفة عامة دون الدخول فى تفاصيل وتفريعات لأسباب: أولها أن هذا ليس بحثا بالمفهوم العلمى، فالبحث العلمى يقتضى عشرات أضعاف هذه المساحة. وثانيها أنى لا أريد أن يمل القارئ العادى بإطالة لا داعى لها أو تفريعات واستثناءات تشتت تفكيرنا عن الأصل.
ولكن فى نفس الوقت ينبغى الإشارة إلى خطأ شائع لدينا: هو أنك عندما تتحدث عن تطبيق مبادئ الإسلام على التشريع يندفع فورا من يقول: قطع يد السارق! أو مثل ذلك من أقوال هى فى حد ذاتها صحيحة ولكنها تستخدم بطريقة خاطئة. فقد أوضح لنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأكد لنا الخلفاء الراشدون (وهم أربعة فقط كما قلنا مرارا) أن الشرع أوسع وأشمل وأكرم من أن يختزل فى مجرد عقوبات، وأن العقوبات ليست بالضرورة ثوابت، وإلا لأصبحنا دمى متحركة وألغينا إعمال العقل فى أمور الدنيا.
المواطنة فى الدولـة الإسلامــية
قد يبدو التعريف السابق ذكره للوهلة الأولى صادما لغير المسلم فيظنه مجحفا لحقه المتساوى فى المواطنة. وقد يبدو صادما أيضا للمسلم الذى ظن لفترات طويلة أن وصف الدولة بالإسلامية يرجع إلى التعداد. والإنطباعان خاطئان.
إذا نظرنا إلى الدولة المصرية فى وقت الفتح العربى سنجد أن المشهور تاريخيا هو انتشار المسيحية، إعتمادا على الطريقة القمعية المعروفة عن الدولة الرومانية. وبالمناسبة فإن تلك الطريقة كانت تطبق على المسيحى الذى يتبع غير مذهب الدولة.
وقد رأينا فى السيرة، فيما يتعلق بالرسائل أن استقبال رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس لم تختلف عن استقبال النجاشى فيما عدا أن المقوقس لم يعتنق الإسلام. فالرسائل كانت ذات هدفين: دعوة زعيم الدولة شخصيا إلى الإسلام والسماح بنشر الدعوة بين شعبه. فكان إرسال الهدايا من المقوقس يعنى الإجابة بلا على الهدف الأول ونعم على الهدف الثانى. ولا شك أن هذا قد تلاه اتصالات مستمرة بين الشعبين، ولا شك أن المصريين قد سمعوا قبل الفتح عن تنظيم الإسلام للمجتمع المتعدد الديانات الذى كان يجرى تطبيقه عمليا فى الدولة العربية آنذاك. لذلك ليس مستغربا ما هو ثابت تاريخيا أن المصريين قد تقبلوا السلطة الجديدة بترحاب وهم يعلمون أنها تعتمد الإسلام كمصدر رئيسى للتشريع. أى أصبحت الدولة المصرية تحمل صفة “الإسلامية” رغم أن المسلمين بها كانوا قلة قليلة جدا. ويرد هذا المثال ـ وغيره كثير ـ على الإنطباعين الخاطئين المذكورين.
المواطنة تعنى تساوى مواطنوا دولة ما فى الحقوق والواجبات والعمل معا لتحقيق مصلحة المجتمع، على أساس من الشراكة وليس على أساس من ديانة الأفراد. وهى توافق بين قوانين تنظيمية تقررها السلطة والاتفاق العام بين المواطنين. وهو ما يسمى “العرف” (بضم العين وسكون الراء). وهو ما يتعارف عليه أفراد المجتمع من معاملات تحقق لهم الأمن الإجتماعى والإستقرار. والإثنان (القوانين والعرف) بطبيعة الحال قد يتغيران بتغير المكان والزمان والظروف، ولكنه تغير تطويرى وليس تغير للثوابت والمبادئ الأصلية.
الإستخفاف بمكانة الإسلام
بالإضافة إلى ما سبق، أود الإشارة إلى أن صفة الإسلام ليست مطلقة. بمعنى أن الكلمة إذا أطلقت كصفة لشخص أو شىء فهى لا تعنى شيئا محددا مقطوعا به. فإذا قلت أن فلان مسلم مثلا، فهذا وصف مبدئى لا يفى بالغرض ولا يقول لك كل شىء عن ذلك الشخص، هل هو حقيقة مسلم بالمعنى الكامل للكلمة أو بأى درجة من درجات الإيمان، هل هو كذاب، هل هو منافق، هل هو مؤمن حقيقة، هل صفته هذه مجرد وراثة، الخ الخ.
وتتطرف بعض البلاد فتلزمك بتحديد “مذهبك” بالإضافة إلى دينك. كأنهم قد فرغوا من بيان أى مسلم أنت، ولم يتبق سوى معرفة أى مذهب تتبع! وقد فوجئت بذلك فى أوراق تعريف تصريح الإقامة فى إحدى الدول العربية. فقلت لهم أنى لا أتبع مذهبا معيناً ولكننهم لم يقتنعوا. وهذا مثال واضح عن الإستعمال غير الواعى لصفة “الإسلامى” والإصرار على ما لا يلزم.
فإذا كان هذا واضحا بالنسبة للأشخاص، فكيف يكون الأمر بالنسبة لشركة أو حتى محل بقالة؟ وقد وصل الأمر بالكثيرين من المسلمين إلى منتهى السذاجة بتصديق أمانة شركة ما لمجرد أن اسمها شركة كذا “الإسلامية” مثلا! أو ربما لم تكن تلك سذاجة بقدر ما هى طمع ورياء ونفاق مغلف بغطاء شبه دينى.
وقد خبرت ذلك بنفسى فى شركات توظيف الأموال. فالشركة التى بدأت هذا النشاط على مستوى واسع كانت تدار بأمانة وتحسب ميزانيتها آخر كل سنة كما هو عرف السوق فى زماننا هذا وبالتالى توزع الأرباح (أو الخسائر) بنسبة رأس المال. وكانت تلك الشركة لا تقبل إيداعات إلا فى حدود ما قررته من ميزانية أعمالها فى تلك السنة. وكان المفهوم للمودعين أنهم يستثمروا أموالهم فيها على المبدأ الإسلامى، أى على المكسب والخسارة. وفى إحدى السنين، رغم أنها لم تخسر، إلا أن الربح كان حوالى ثلاثة أرباع متوسط الأرباح السابقة. وفوجئت أن كثير من المودعين قد قرر سحب أمواله منها! وهؤلاء ليسوا مسلمين بالمعنى الحقيقى للإسلام، ولا يتضح ذلك بالشكل أو بالكلام وإنما بفعلهم ذاك.
ثم تنبه بعض المغامرين لنجاح تلك الشركة ورأوا فى التمثل بها وسيلة للربح السريع، فأنشأوا بعض الشركات التى لم يكن لمبدأ الشراكة فيها أى شىء إسلامى سوى الصفة .. يعنى شركة كذا “الإسلامية”. ونظر الناس إلى ذقون أصحابها وإلى الصفة الخادعة، وادعوا أنهم لا يفهمون أكثر من ذلك وأن ذلك يكفيهم مؤونة الحساب يوم يكون الحساب على الضمائر. فقد كانت حقيقة إقبالهم على تلك الشركات هى إغراء “الربح العالى” الذى يصرف مقدما لو شئت كل شهر.
الناس الذين سحبوا أموالهم من الشركة الأولى وأودعوها فى شركات النصب التالية لم يكونوا مسلمين كما يدعون وكما يوهمون أنفسهم والغير. وكانوا أبعد ما يكون عن الإسلام مهما صلوا وصاموا ونافقوا. فالنصب كان يطل من كل غرفة ومكتب وتصريح وموظف فى تلك الشركات. ورغم ذلك سال لعاب الناس على الربح فقط ولم يدفعهم لا إسلام ولا إيمان وإنما طمع.
من ناحية أخرى نجد أن وصف “إسلامى” يحمل أكثر من مدلول صفة أو اسم، فهو يحمل مدلول مسئولية الشهادة. ولكنا نجد الناس تطلق الصفة بمنتهى الإستخفاف وعلى ما يليق ولا يليق. ولو انتبه الناس لعلموا أن الإستخفاف فى أمر مثل هذا يعود على صاحبه وعلى من يتبعه بالوبال.
أما وصف دولة بأسرها أنها إسلامية فهو أكثر خطورة وينبغى أن يستخدم بحرص وبوقار، بما يليق بمكانة الإسلام. والأدهى من ذك هو وصف مجموعة دول بأنها إسلامية لمجرد أنها من الناحية السياسية دول “عربية”. وكأنه كما قلنا أصبح من اللازم إلحاق صفة “الإسلامية” بصفة “العربية”. وهذا هو الإستخفاف بعينه.
وللأسف الأشد أن بعض المغامرين أيضا قد استغل استخفاف الناس غير الواعى بتلك الصفة، فأطلقوها على جماعات أقل وصف حقيقى لها أنها جماعات خارجين على القانون ونصابين وسارقين. ثم تمادى الإستخفاف فانطلقوا يصفون حركات سياسية ومذاهب أيديولوجية بنفس الصفة التى امتهنت لدرجة أن تصر كل من تلك الحركات على احتكار حقيقة الصفة دون غيرها. وينطلى الخداع على الكثيرين فيتبعونهم للأسف الشديد، بسبب انخفاض الوعى الدينى والثقافى.
دولة الخلافـة
ما دمنا فى هذا السياق أود أن أشير إلى ما شاع بين الشباب عن “دولة الخلافة”. ويروج لهذا الشعار من يودون الوثوب على السلطة بالزور والكذب. فى الحقيقة لا يصح إطلاق إسم “دولة الخلافة” إلا على عهود الأربعة خلفاء الراشدين رضى الله عنهم وكان مجموعها حوالى ثلاثين سنة بعد وفاة الرسول (ص). باختصار شديد: الخلفاء الأربعة هم الذين استمروا فى تأسيس الدولة التى كان لابد منها لانطلاق الدعوة وإعطاء الأنموذج فى تطبيق مبادئ الإسلام على الظروف الحياتية المتغيرة.
وكان الإستعمار التركى من أسوأ ما يكون، وهو الذى تعاون مع الإنجليز والفرنسيين فى تقسيم الدول العربية بينهما. ثم يأتى بعض العملاء اليوم ليتحدثوا عن الدولة العثمانية كأنها دولة الخلافة!
واجب الإنتماء وتأكيد الهوية
من ينتمى إلى دولة معينة يكون له حقوق وعليه واجبات مثل غيره وحسب موقعه. والهوية الدينية تتأكد بطقوس ثابتة أصلية. وفى العصر الحديث يمكن أداؤها بدون مشاكل فى معظم الدول. وربما يحدث فى بعض الدول منع كامل لديانة معينة، وفى هذه الحالة يجب على المسلم أن يعلم أن أرض الله واسعة وعليه السعى للعيش فى دول تسمح بحرية الأديان. وفى مثل تلك الدول قد يحدث بعض التعارض فى أحوال استثنائية. ويقول علم الإجتماع أنه مثلما يؤثر المجتمع فى الفرد يمكن أن يؤثر الفرد فى المجتمع أيضا. وسنة الحياة فى الحركة والعمل والتغلب على المشاق. وعليه يكون واجب المسلم أن يتفاعل مع المجتمع ويصل مع محيطه إلى حلول لتلك التعارضات مع عدم الإخلال بواجبات الإنتماء. والمسلم مطلوب فيه أن يكون حصيفا دمث الخلق قادر أن يحصل على احترام المجتمع له باحترامه لنفسه وليس بمعاداة الدولة (أفرادا أو قوانين) التى ينتمى إليها. ومن ناحية أخرى نجد أن واجب المسلم الأول هو الدعوة. والتغلب على بعض التعارض هو نوع من الدعوة فى نفس الوقت، لأن أقرب طريق للدعوة هو أن يتفهم الناس والدولة مقتضيات الدين الذى تؤمن به بصرف النظر عن اعتناقه من عدمه. وبالصبر والذكاء وحسن الخلق يستطيع المسلم الوصول لهذا التفهم والإحترام المتبادل، وعندها لن يكون ثمة مشاكل.
فى إحدى الدول الأوروبية هناك وقت تتعارض فيه صلاة معينة مع مواعيد العمل، وعمل المسلمون مع أصحاب العمل على إيجاد وسيلة للوفاء باحتياج كلا الطرفين، فصلى من يريد الصلاة وعمل فى المقابل ساعات إضافية معادِلة. أما ما يفسد الأمر دائما فهم المتطرفون من كلا الجانبين. فتجد المرائى الذى يصر على أن يصلى فى أول الوقت مثلا، ولا يهمه أى شىء آخر، لا ساعات عمل ولا مصدر رزق ولا مصلحة المجتمع ككل! فهو إذا لم يكن مرائيا لكان علم أن “ديننا فيه سعة” وأن “الله يحب أن تؤتى رخصه” وأن الإيمان ليس بالمظاهر ولكن بالقلب والفعل.
الأمة فى القرآن الكريم
نجد كلمة “الأمة” كثيرا فى القرآن الكريم. ولا نجد كلمة “دولة”. ولكن حين يشير القرآن الكريم إلى ما نتعارف على تسميته حالياً بالدول، نجده يستخدم كلمة “القـُرَى”. كما نجد أيضا “شعوباً” و “قبائل”.
[ملحوظة: كلمة “دولة” (بمد الدال المضمومة) وردت فى سورة الحشر 7. وهى بمعنى التداول، ولا علاقة لها بكلمة “القرى” ولا بكلمة “دولة” (بفتح الدال وسكون الواو).]
[ملحوظة: أفضل دائما ذكر الآيات كاملة. وحين يكون المراد هو جزء منها فقط سأضع خطا تحت ذلك الجزء.]
الأمة الواحدة
{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} البقرة 213.
القرطبى: ” أمَّـة ” مأخوذة مِن قولهم: أمَمْت كذا، أيْ قصَدته. فمَعْنى ” أمَّـة “: مَقصِدهمْ واحِد.
ويُقال لِلواحِدِ: أمَّة، أيْ مَقصِده غير مَقصِد الناس.
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} النحل 120.
وَمِنه قَوْل النَّبِيّ (ص) في قـُسّ بْن ساعِدَة: “يُحـْشَر يَوْم القِيامَة أمَّة وَحْده”. وَكذلكَ قالَ في زَيْد بْن عَمْرو بْن نـُفـَيْـل.
[والأمَّة القامَة، كأنها مَقصِد سائِر البَدَن. وَالإمَّة (بالكسْر): النـِّعْمَة؛ لأنَّ الناس يَقصِدونَ قصْدهَا.]
وقد أجمع العلماء على أن “أمة واحدة” تعنى “على دين واحد”. وهو ما يؤيد التعريف الذى ذكرته فى صدر المقال.
أما “الناس” فقيل: أنهم الذين كانوا فى الوقت بين آدم ونوح عليهما السلام. وقيل: المُراد بَنو آدَم حين أَخْرَجَهُمْ اللَّه نَسَماً مِنْ ظهْر آدَم فأقـَرُّوا له بِالوَحْدانِـيَّةِ. وقيل: آدَم وَحْده، وَسُمِّيَ الواحِد بلفـْظِ الجَمْع لأنه أصْـل النـَّسْـل. وَقيلَ: آدَم وَحَوَّاء. وقيل: المراد نوح ومن فى السفينة. وقيل غير ذلك. وكلها اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ ولكنها لا تؤثر على المعنى. وقد قال الطبرى: فغَيْر جائز أن نقول فيهِ إلا ما قالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِن أنَّ الناس كانوا أمَّة واحِدَة. وَلا يَضُرنا الجَهْل بوَقتِ ذلِكَ، كما لا يَنفعنا العِلم بهِ.
فالمقصود أن الناس كانوا على عقيدة واحد “فاختلفوا” فبعث الله النبيين. وقال ابن عباس أنها فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه “كَانَ النَّاس أُمَّة وَاحِدَة فاختلفوا” وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْـتـَدْرَكه.
وأعتقد أن إطلاق كلمة “الناس” على هذا النحو مقصود، لعموم الآية والإشارة فيها إلى “النبيين” بالجمع. فقد تكررت نفس الحالة من اجتماع الناس على التوحيد ثم تفرقهم، ومِن ثـَمَّ إرسال الأنبياء. [ملاحظة: “الكتاب” إسم جنس بمعنى الكتب].
{وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} يونس 19.
{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} هود 118.
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} الأنبياء 92.
{وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} المؤمنون 52.
الفطرة الإلهية فى تعدد الأمم
{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} المائدة 48.
الطبرى: أصل الأمَّة الجَماعَة تجتمِع عَلى دين واحِد، ثمَّ يُكتـَفـَى بالخبر عَن الأمَّة مِن الخَبَر عَن الدِّين لِدَلالتِها عَلَيْهِ كما قالَ جَلَّ ثناؤهُ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَجَعَلَكُمْ أُمَّة وَاحِدَة}.
وهذه الآية تؤيد أن المجتمع الواحد (الدولة) لا يمكن أن يضم أمة واحدة فقط دون غيرها، وهو ما قلناه عاليه فى هذا المقال.
تفرع الأمة الواحدة إلى أمم
مع تكاثر الناس وتقدم الأزمان وتعقد الحياة، يمكن أن تقسم الأمة الواحدة نفسها إلى أقسام، يقال لكل واحد منها أيضا أمة، حسب المهام المنوطة بها أو التخصص الذى يبرعون فيه. وهذا غير اختلاف الأمة الواحدة وبالتالى ما ينتج بينهم إلى التفرق إلى أمم مختلفة عن الأصل. فمذاهب الأئمة الأربعة مثلا ليست تفرقا ولكن اختلافا فى التأويلات أو وجهات النظر، وهى اختلافات لا تفرق إلا من لا عقل له أو أراد الفتنة. وكل مذهب يعتبر أمة داخل الأمة الإسلامية. ولكن الحال يختلف مع المذاهب المتطرفة مثل الشيعة على سبيل المثال، فهم خرجوا عن الإسلام وغيروا ليس فقط فى التأويلات ولكن فى الأساسيات وحتى فى صلاة الجمعة وتقليد الكنيسة المسيحية فى تقلد المناصب اللاهوتية وغير ذلك مما نهى الإسلام عنه. وفى داخل الشيعة أنفسهم أمما منفصلة عن بعضها دون تآلف، فهذا يدعى أن على (ر) كان هو المقصود بالنبوة، ومنهم من يتهم الصحابة، ومنهم من يدعى أنه المهدى أو مندوب عنه .. الخ.
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} آل عمران 104.
{لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} آل عمران 113.
{وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} الأعراف 159.
وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} الأعراف 164.
القرطبى: وَقالَ جُمْهور المفسِّرين: إنَّ بَنِي إسْرائيل افترقتْ ثلاث فِرَق، وهو الظاهِر مِن الضَّمائر في الآية. فِرقة عَصَتْ وَصَادَتْ وَفِرقة اعتزلتْ ولم تنـْهَ ولم تَعْصِ [وفرقة تنهى عن العصيان]. وَأنَّ هذه الطائفة [التى لم تنه ولم تعص] قالتْ لِلناهِيةِ: لِمَ تعِظونَ قوْماً – تريد العاصية – اللَّه مُهلكهمْ أوْ مُعَذبهمْ عَلى غلبَة الظَّنّ.
الأمم الأخرى
{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} البقرة 128.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ} المائدة 66.
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} الأعراف 34.
{قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} الأعراف 38.
{وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} الأعراف 181.
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} يونس 47.
{قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} يونس 49.
{وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} هود 8.
[أنظر الآية (يوسف 45) التالية]
{وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} يوسف 45.
الجلالين: “وقال الذي نجا منهما” أيْ مِن الفـَتـَيَـيْنِ وهو السَّاقي “وَادكر” فيهِ إبْدال التاء في الأصل دالا وَإدغامها في الدال أيْ “تذكرَ “بعد أمَّة” حين حَال يُوسُف “أنا أنبئكم بتأويله فأرْسِلوني” فأرْسَلوهُ فأتى يُوسُف.
القرطبى: “بعد أمة” أيْ بَعْد حين. ومنه ” إِلَى أُمَّة مَعْدُودَة ” [هُود 8]. وَأصْله الجُملة مِن الحين. وقالَ ابن دُرُسْـتـُوَيْهِ: وَالأمَّة لا تكون “الحين” إلا عَلى حَذف مُضاف وإقامَة المُضاف إليه مَقامه .. كأنه قالَ – وَاَللَّه أعْلَم – : وَادَّكَرَ بَعْد حين أمَّة، أوْ بَعْد زَمَن أمَّة، وَما أشبَهَ ذلك. وَالأمَّة الجَماعَة الكَثيرَة مِن الناس. قالَ الأخْـفـَش: هُوَ فِي اللفـْظ وَاحِد وَفي المَعنى جَمْع.
{مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} الحجر 5.
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} النحل 36.
{وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} النحل 84.
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} الحج 34.
{لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} الحج 67.
{مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ 43* ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ 44} المؤمنون.
{وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ} النمل 83.
{وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} القصص 23.
{وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} القصص 75.
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ} فاطر 24.
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} غافر 5.
{وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} الشورى 8.
{بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ 22* وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ 23} الزخرف.
{وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} الجاثية 28.
{وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} الزخرف 33.
وهناك تأويلات كثيرة لهذه الآية لا تختلف عن بعضها البعض اختلافا كثيرا ولا نستطيع اختصارها هنا وعلى القارئ أن يطلع عليها جميعا فى مختلف كتب التفسير وليس فى كتاب واحد، وكذلك فى سياق السورة ككل. ولكن نستطيع إجمالا أن نربط هذه الآية بالآيات التى تتوعد الكفار بزيادة العذاب عن طريق زيادة ما يكسبون فى طريق الكفر، ولكن إلى الحد الذى لا يفتن المؤمنين فيصير الناس كلهم أمة واحدة أى أمة كفار طمعا فيما يرزق به أولئك الكفار. والله أعلم.
فقط أنقل من تلك الكتب الحديث التالى لما فيه من صحيح الدين فى المعاملات ومدى التزام الصادقين الأولين به.
وَقَدْ بَيَّنَ حَدِيث الْإِسْرَائِيلِيّ الصَّحِيح: أَنَّ رَجُلا بَاعَ مِنْ رَجُل دَاراً فَبَناها فَوَجَدَ فيها جَرَّة مِنْ ذَهَب. فَجاءَ بها إلى البائع فَقالَ: إنـَّما اشتَرَيْت الدَّار دُون الجَرَّة. وَقالَ البائع: إنما بـِعْت الدَّار بما فيها. وَكلهمْ تَدافَعَها. فَقَضَى بَيْنهمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُزَوِّج أَحَدهما وَلـَده مِنْ بنت الآخَر وَيَكُون المال لهُما.
العلاقة بين الأمة الإسلامية والأمم الأخرى
{كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} الرعد 30.
يعتقد المتطرفون أن العلاقة بين أمة الإسلام والأمم الأخرى هى علاقة عداء وكره وحرب! وهؤلاء لا يفهمون اسلام كدين متكامل ولكن يقفون عند آية أو حديث لذاته دون النظر إلى السياق العام. وأكثرهم يحتجون بآية السيف فى سورة التوبة، حيث قال أحد العلماء أنها ناسخة لكل الآيات التى تتحدث عن السلام وعن العهود الخ! وهذا غريب ومرفوض. وهو قد تفرد وحده بهذا التأويل. ولكن سورة التوبة كلها تستحق بحثا منفصلا أو ربما كتبا للحديث عنها، فلن نتحدث عن هذا تفصيلا هنا.
المهم أن المسلمين بالضرورة وعمليا وفطريا لابد أن يعيشوا فى مجتمع واحد مع غير المسلمين. وانتماء الجميع لابد أن يكون لهذا المجتمع، الدولة. ولا يكتمل إلا بتوافق بينهم على المصالح المشتركة والعمل جديا فى سبيلها وفى سبيل تقدم المجموع. فكيف تكون مصلحة المجتمع فى انعزال كل أصحاب أمة عن الآخرين؟
من ناحية أخرى قد يكون غير المسلم أكثر إسلاما من المسلم. ولتفصيل هذا نقول أن الإسلام شقين متكاملين لا ينفصلان: العبادات والمعاملات. العبادات تخص العبد فى علاقته مع خالقه ولا يعرف حقيقتها إلا خالقه، ولا يمكن لبشر أن يعرف حقيقة هذه العلاقة ودرجة القربب أو البعد والإتجاه الصحيح أو الخاطئ الخ. أما المعاملات فهى تخص المجتمع ويحكم لها أو عليها المجتمع ككل حسب أهداف ومصالح ذلك المجتمع المشتركة. ومن هذه الناحية نقول أن غير المسلم الملتزم بتلك الأهداف والمصالح التزاما كاملا يكون أفضل من المسلم غير الملتزم، أى يكون أكثر إسلاما حتى ولو كان ذلك المسلم يؤدى العبادات كاملة.
للأسف نجد نظريات المتطرفين تلقى رواجا بين الشباب المتحمس والمندفع الذى لم يعد يقرأ حتى أصبح بإمكان المتطرفين والعملاء التأثير عليه بسهولة ببعض الأقوال الحقة التى يراد بها الباطل وإلقاء أفكار إليه تهدم المجتمع. ومبتغاهم فى الحقيقة هدم المعبد على من فيه من مسلمين وغير مسلمين!
فى مجال الدعوة مثلا ليست هناك أى مشكلة أن يدعو المسيحيون كما يدعو المسلمين كل إلى دينه. واليهود لا يفضلون الدعوة على كل حال، لذا فالكلام عن المسلمين والمسيحيين. والفريقان يتنافسان فى ذلك، ولكنه التنافس الشريف، وقد نص القرآن الكريم والسنة على ذلك التنافس الشريف كما سنرى فى الآيات. طيب .. ينتج عن ذلك بطبيعة الحال اقتناع إنسان ما بهذا الدين أو ذاك أو حتى عدم الإقتناع بكليهما. فماذا فى ذلك؟
نحن نتحدث صباحا ومساءا عن أن “لا إكراه فى الدين” .. اليس كذلك؟ فلماذا نعتقد أن تحول أحد من الناس من الإسلام إلى المسيحية أو من المسيحية إلى الإسلام مصيبة كبرى وفضيحة ومثار منازعات طفولية لا هدف ولا معنى لها سوى ما تتركه من آثار مدمرة على المدى القصير والطويل معا؟
هذا الذى تحول من دين إلى دين (حتى لو كانت زوجة قسيس أو كان ذلك لسبب خبيث مثل الحصول على الطلاق وغيره) لو بقى على دينه الأصلى لأصبح من المنافقين الذين هم أخطر من أخطر الأعداء على أى دين. ومن ذا يرضى أن يبقى بين أمته منافق سواء مسلم أو مسيحي؟ وقد شاهدت برنامجا متلفزا حول هذا الموضوع تحدث فيه أحد شيوخ المسلمين بحرارة شديدة عن أولئك الذين يغيرون دينهم للوصول إلى مآرب معينة (مثل الطلاق مثلا) ثم يغيرون دينهم مرة أخرى ليعودوا كما كانوا. وكان الشيخ يدعو إلى تقرير قانون يمنع هذا “التلاعب”.
أتركوا المتلاعب فحسابه عند ربه ولن يردعه قانون ولا عقوبة. واتركوا الناس أحرارا يختارون ما يقتنعون به. فقط ليعلم الجميع أن الأساس هو خدمة المصلحة المشتركة للدولة، التى عن طريقها تتحقق مصلحة الأمة بطريق غير مباشر.
عندما كنت أعمل فى الحكومة، كان أحد المهندسين القدامى فى المصلحة، وهو مسيحى، يتصدر مكاتباته الرسمية بعبارة: “الدين لله والعمل للحياة والوطن للجميع” وكان المسلمون يتصدرون مكاتبتهم بالبسملة كما أمر بذلك الرسول (ص). ولم نكن نغضب من المهندس المسيحى ولا هو كان يغضب منا. وكنت أساعد صديقى المسيحى فى أعمال صيانة وإنشاءات فى كنيسة كان يقوم بها تطوعاً، وكانت مساعدتى له متبادلة وليست من طرف واحد، وهو صديق منذ أربعين سنة، ولم يكن أحد فى تلك الكنيسة ينظر لوجودى هناك لا شذرا ولا أملا فى تحولى للمسيحية.
أجد بعض الشباب منزعجين جدا من الأبواق التى تترصد للإسلام أو للمسيحية بالهجوم والإدعاءات الهوجاء والتى تصل إلى حد السب والقذف والتشكيك. وفى هذه الحالات لا لزوم للإنزعاج. فكل من يسب أو يهاجم أى دين ينضح بما فيه من سوء أدب وضحالة تفكير وعقدة نقص. ولا يساوى عندى أى قيمة وليس له أكثر من التجاهل التام. فأنا لن أنزل من مستواى إلى مستواه وإلا أصبحت مثله. وكما قلت فى مقال سابق: دعوهم يعووا كالكلاب، مع الإعتذار للكلاب المؤدبة.
{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} البقرة 134. البقرة 141.
{وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} الأنعام 108.
{وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ 92* وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ 93} النحل.
مكانة أمة الإسلام بـين الأمـم ومكانة الرسول (ص)
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} البقرة 143.
{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً} النساء 41.
{وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} النحل 89.
مسـك الختام ـ خير أمة
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} آل عمران 110.
الآية الكريمة لا تقرر الأفضلية كما لو كانت قدرا ولكنها توضح كيفية أن “تصبح” أمة الإسلام خير أمة (تأمرون بالمعروف، الخ). ويجب الإنتباه أن هذه الكيفية ليست للحصر، وهى على كل حال تجمع ثوابت الإسلام من العبادات والمعاملات. وتقرن الآية الكريمة هذا بالتأكيد على عدم علم البشر بقلوب الناس وعليه كان التأكيد بعدم تكفير أحد حتى غير المسلم.
ورجح الطبرى حمل الآية على عموم الأمة، وأيد ذلك بالحديث التالى:
عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ أنهُ سَمِعَ النَّبِىَّ (ص) يَقولُ فى قوْلِهِ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قَالَ: “إنَّكمْ تـُتِمُّونَ سَبْعينَ أمَّةً. أنتمْ خَيْرُها وَأَكرَمُها عَلى اللَّهِ.” الترمذى 3271.
وهو حديث حسن صحيح أخرجه الترمذى وابن ماجه والحاكم وصححه، وله شاهد مرسل عن قتادة عند الطبرى رجاله ثقات.
وفى مسند أحمد أحاديث عن ابن عباس أنه قال: هُمُ الذينَ هاجَروا مَعَ مُحَمَّدٍ (ص) إلى المَدينةِ.
ولكن عموم الأمة هو الأرجح كما رجحه الطبرى، وفى سنن البيهقى: ففضَّلهُمْ بكيْـنونَتِهِمْ مِنْ أمَّتِهِ دونَ أمَمِ الأنبياءِ قَبْلَهُ.
تسـاؤلات بريـئة
ما زلت أعد باقى برنامج الرياسة لأستكمل مقالى السابق، واتضح ـ عكس ما كنت أتوقع ـ أنها مهمة شاقة وتحتاج إلى تفكير طويل. وعندى فكرة أن يشترك الأصدقاء فى هذه المهمة. وربما يكون لدى أحدكم برنامج كامل إذا أصبح رئيسا للجمهورية. فهذه دعوة للجميع ليساهم بطريقة ديمقراطية فى برنامج الرئيس، وبهذا أكون مطبقا لأول بند فى البرنامج المزمع، وهو أخذ رأى الشعب فى كل الأمور.
أحداث كثيرة متشابكة ومتباعدة حدثت فى الفترة الأخيرة ويزداد تسارعها، وربما لا ينتبه الكثيرون إلى ترابطها وتسلسلها. واسترعى انتباهى مرور بعض المناسبات والذكرى فى نفس الوقت مرور الكرام فيما عدا طبعا عيد الأم وعيد الخواجة فلتان! ولنبدأ أولا بالذكرى. فى مثل هذه الأيام:
منذ 61 عاما حدثت مذبحة دير ياسين على يد منظمتا أرجون وشتيرن الصهيونيتان واستشهد فيها ثلاثمائة فلسطينى. (هل أحيا هذه الذكرى أحد من الإخوة المجاهدون أو الإخوة الصامدون أو الإخوة المقلدون بتوع الإستعراض؟)
ومنذ 51 عاما توفيت السيدة فاطمة اليوسف، المصرية حتى النخاع (رغم أنها لم تولد فى مصر) صاحبة أقوى صحافة وطنية (رغم أنها لا تستطيع القراءة والكتابة) والتى احترمها أكبر رجال الإعلام والأدب والسياسة الكبار فى ذلك الوقت. (أين هى من رجال الإعلام الموكوس الحالى، فيما عدا قلة يعدون على الأصابع الآن).
ومنذ 45 عاما بدأ عصر جديد من النهضة فى السعودية بعد أن تسلم الملك فيصل السلطة من أخيه الملك سعود بن عبد العزيز. وما فعله الملك فيصل للسعودية ولمصر يحتاج إلى كتب. (رغم أن توريث السلطة كما نعلم من المحرمات). وشاء القدر أن يموت شهيدا فى مثل هذه الأيام أيضا بعد 11 عاما، بينما استمر الدفع الذى بدأه حتى لا تصبح السعودية رهينة بالبترول فقط.
وفى نفس الوقت احتفلت القاهرة بعيدها الألفى. (نفس القاهرة التى تبعثر السيارات الفارهة الآن بقايا التيك أواى فى شوارعها ويصرخون “الحكومة لا تنظف!).
ومنذ 19 عاما بدأ المسلمون الروس يمارسون دينهم علنا لأول مرة منذ الثورة البلشفية. (ولم نسمع خلال 19 عاما عن أى نوع من التكاتف أو إنشاء العلاقات ممن كانوا ينادون قريبا: إنسوا إن احنا عرب .. إحنا مسلمين!)
ومنذ ستة أعوام منح جاك شيراك رئيس فرنسا السفير أحمد أبو الغيط، مندوب مصر لدى الأمم المتحدة فى ذلك الوقت، وسام الجمهورية. (رغم أن الناصح قوى عمرو أديب حاول أن يعلمه أن العمل الدبلوماسى “كان” يجب أن يكون أقوى!!!)
ومنذ خمسة أعوام اغتيل الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس إبان عودته من صلاة الفجر. (نفس الحركة التى وقفت أخيرا مع محور أمريكا / إسرائيل / إيران ضد مصر مقابل حفنة من الدولارات، بعد أن “شقت” الدولة الحلم إلى جزئين.)
هذه بعض الذكريات فقط، تثير الشجون.
أما الأحداث الجارية فكثيرة جدا:
آخرها ما يتبين الآن من تآمر المحور المذكور عن طريق أذنابه “الصامدون” وعملائه (ومنهم مصريون للأسف) على مصر، كامتداد لعملية الرصاص المصبوب! ولعل الإخوة الذين غضبوا مما قلته أيام تلك العملية وما بعدها يدركون حجم المؤامرة الآن. وربما تثبت الأيام ما قلته بأن المؤامرة هدأت مؤقتاً فقط، فالإخوة الأعدقاء هم وعملاؤهم المحظورون ما زالوا صامدين فى مواجهة مصر .. أيضا فى مقابل حفنة من الدولارات.
ومن الأحداث فرقعة إصدار أمر توقيف لعمر البشير. ذلك الأمر الذى بدأ إعداده منذ عامين، بعد عدة أعوام من إنشاء “البنية التحتية” للصراع العسكرى.
وبالمناسبة، سيسكتون على أمر التوقيف هذا لبضعة من الوقت، ثم يثيرونه مرة أخرى فى ظروف أفضل.
والفصل القادم من مأساة السودان سيكون فى شرقه، وبكرة أفكركم. وهو فصل كامن الآن ليظهر أيضا فى الوقت المناسب بعد أن يستوى على نار هادئة.
ومن الأحداث: الإهتمام الشديد لدول العالم الحر منذ ثمان سنوات بحقوق الإنسان وحقوق المرأة وعيد الخواجة فلتان والجمعيات “النسائية” التى تسعى لانتشال شعوبها من التخلف الدينى ويعلموهم “الدين الصحيح”. تلك الحقوق التى يحافظون (!) هم عليها فى نفس الوقت فى جبال أفغانستان بمسح قرى بأكملها من الوجود وفى مدن العراق وسجونه ووراء أسوار جونتانامو واختطاف الناس حول العالم واعتقالهم فى أماكن سرية فى دول أوروبا “الحرة”. وهى ذات الحقوق التى تبرئ جنوده المرتزقة مقدماً (!) من أى اتهامات .. مجرد اتهامات .. بجرائم حرب. وهى ذات الحقوق التى أهدت صك الغفران للنازيين الجدد لإعفائهم أيضا من أى اتهامات بجرائم حرب لأن جرائم الحرب كما نعلم هى وقف على صدام والبشير والبقية تأتى! وذلك الدين الذين يحاولون عن طريق أستاذات جامعة وألقاب كبيرة (عميلة) يحاولون إقناعنا بأننا فهمنا ثوابته خطأ (مثل تعدد الزوجات مثلا) وأن فهمه الصحيح لديهن هن فقط. تلك النساء التى تسعى فى المدى الطويل إلى الحصول على نفس حرية المرأة فى البغاء مثل ما فى العالم الحر، وهدم فكرة أن الأسرة هى نواة أى مجتمع يريد التقدم، وترسيخ فكرة أن المرأة والرجل ضدان وليسا متكاملان .. الخ.
ومن الأحداث: ما يجرى فى الصومال منذ حاولوا احتلاله وحتى الآن وما يجرى فى أنجولا وموزمبيق وتشاد.
وغيره وغيره .. هذه فقط أمثلة للأحداث الجارية.
فهل هى حقا أحداث متفرقة المغزى والهدف، مثل ما هى متفرقة المكان والزمان؟ وهل هى بعيدة عن المناسبات التى تحدثنا عنها فى الأول؟
ثم هل تسارع تلك الأحداث فى السنتين الأخيرتين ليس له علاقة بالأزمة المالية التى سببها فسادهم المغلف بالسيلوفان؟
ويبقى سؤال: إذا كان ما قلته سابقا أن الطريق الأساسى للخروج من الأزمة الإقتصادية هو الإستعمار بشكله العصرى المزوق، إذا كان هذا حقيقيا وأن حلقات الإستعمار يجب أن تكتمل فى عدد من السنين على اليد الواحدة، فهل نستطيع من الآن رؤية أو تخيل ما سيصير عليه الحال فى بحر الخمس سنوات القادمة؟ هل ما زلنا نقف مكاننا نسب الحكومة والرئيس والمفتى وشيخ الأزهر وكل من لا يتبع محور الشر ومتابعة أخبار مقتل عاهرة المجتمع الراقى ومتابعة صولات وجولات إعلامنا الموكوس الذى ينفذ عن جهل فى أغلبه وعن عمالة فى بعضه مخططا ما؟ هل ما زلنا غير منتبهين أن تعمير سيناء وإنعاش الصعيد هو مسئولية الشباب الذى ما زال كل اهتمامه بالوظيفة والمكتب والمرتب؟ هل سنبقى أسرى العاصمة المتخمة بمشاكلها؟
هل سنبقى أسرى حلمنا الخائب بأن معركتنا مع إسرائيل هى معركة “إسلامية” بينما نشكر “الدول المانحة” الغير إسلامية؟
هل سنبقى على الإعتقاد الخائب الذى يروجه العملاء أن هناك دولة خلافة غير تلك التى نعرف لها اربعة خلفاء راشدون فقط.
وفى النهاية .. هل ما زال يوجد بيننا من ينتظر الفارس، خليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه وصلاح الدين الأيوبى وجمال عبد الناصر؟
الغــاز
من الألغاز ما يستصعب على الحل ولكن مصيرها دائما إلى الإنكشاف يوما ما. ومن أصعب الألغاز لغز الغاز!
بدأ اللغز على ما أذكر منذ أربع سنوات، حين عقدت اتفاقية تصدير الغاز لإسرائيل. وله مقدمة لازمة كما يلى:
مفهوم المعارضة فى مصر والدول العربية هو تصيد الأخطاء والزعيق والتشهير ، ربما بسبب أننا ما زلنا فى سنة أولى ديمقراطية، وربما بسبب تأثير الإعلام النازى الجديد، وربما بسبب التسمية (المعارضة).
هذا المفهوم خاطئ ، وهو فى أغلب الأحوال يضر أكثر مما ينفع. المفروض أن العمل السياسى فى مجموعه له هدف واحد: هو مصلحة الوطن. والإختلاف يكون فى الطريق وكيفية التطبيق. أى أن المعارضة الحقيقية لابد أن تكون بناءة، وهى سلطة شريكة فى الحكم الذى يتكون فى المجتمع الديمقراطى من مؤسسات وسلطات متعددة.
نعود الآن إلى اللغز وكيف زاد تعقيدا. فبعد مرور حوالى أربع سنوات صحونا فجأة على مشكلة تصدير الغاز. ومع مفهوم التصيد والتشهير والزعيق لم نفهم الموضوع بوضوح، ووقعنا فى حيرة.
من ناحية السلطة فقد أشارت إلى أن بالأمر جانب يتعلق بالأمن القومى الذى بالتالى يحتوى بطبيعته على أسرار لا تصلح للنشر بأى حال وهذا منطق الدول كلها وليس عندنا فقط. ومثلا حين انطلقت المسيرة الليبية المشهورة عبر حدود مصر، بذلت السطة مجهودا خرافيا لضبط النفس وإقناع الليبيين بالعودة من العلمين “لأسباب تتعلق بالأمن القومى”. ولم نفهم وقتها المقصود، لكن تبين بعدها بسنة أن الإستعداد لحرب 1973 كان فى أوجه فى ذلك الوقت وكان يمكن للفوضى أن تهدم استعدادات ست سنوات لم تكن أصلا كافية ـ حسب المنطق العسكرى ـ لبدء حرب مثل تلك.
ومن ناحية أخرى، بدا تأخر المعارضة عدة سنوات لبحث الموضوع تأخرا ليس له ما يبرره بالمرة. خاصة وأن مثل تلك الإتفاقيات معروفة بالضرورة. فعندما كنت متابعا لدوريات البترول والغاز المتخصصة بطبيعة عملى كنت أعرف ما يدور من اكتشافات وتنقيب ومشاريع ومباحثات واتفاقيات وتصدير واستيراد فى كل بلاد الدنيا. وكل تلك الأخبار مزودة بالأرقام والمعلومات الصحيحة. وبالتالى فحجة المعارضة أن سرية الإتفاق هى سبب التأخر مرفوضة تماما ومردود عليها.
ومن ناحية ثالثة كان واضحا أن الإعتراض على السعر المتدنى للتصدير لإسرائيل كان اعتراضا وجيها مبدئياً.
ومن ناحية رابعة كانت الإشارة من جانب المعارضة إلى شبهة جنائية فى الموضوع، غير مقنعة لمن هم فى مجال البترول والغاز. فالشبهة الجنائية واردة مثلا فى مواضيع مثل منح تراخيص أو ما شابه ذلك (وقضية مسئولى الهيئة العامة للبترول ليست ببعيدة) ولكنها فى موضوع التصدير والإستيراد مختلفة تماما.
أذكر تحقيقا صحفيا مطولا فى الثمانينات (فى مجلة ألمانية) عن بعض المفارقات فى هذا المجال، منها مثلا طلب رئيس أسبانيا بصفة شخصية من ملك السعودية أثناء زيارة له هناك تخفيض سعر شحنة معينة من البترول استثنائيا وموافقة ملك السعودية ، وهذا وارد وليس به مشكلة. ولكن المشكلة كانت حين تلقى الجانب الأسبانى خطابات من شخص سعودى يطلب فيها عمولة حددها برقم لكل برميل لأنه قام “بتسهيل” الإتفاق. فوقع الجانب الأسبانى فى مطب، لعلمهم أن الملك السعودى ليس ضمن المعروفين بقبول عمولات، ناهيك عن طلبها، فى حين كانت خطابات الرجل واستعجالاته توحى أنه “مسنود”. والخطأ فى أمر كهذا، سواء بدفع العمولة أو عدم دفعها، يمكن أن يؤدى إلى أزمة دبلوماسية خطيرة. وأخيرا أبلغوا الملك الأسبانى فتحدث مع الملك السعودى شخصيا وسريا وبعبارات دبلوماسية شديدة الحرص. وانتهت المشكلة بتأكيد معلوماتهم عن الملك السعودى ومعاقبته ذلك الشخص.
المقصود من هذا المثال أن العمولات فى مجال تصدير واستيراد البترول هى من المعلومات العامة لدى المشتغلين فى هذا المجال ومن السهل اكتشافها والحديث عنها على الملأ مع ذكر الأسماء والتواريخ والتفاصيل.
ومن ناحية خامسة فقد خلطت المعارضة بين الإعتراض على السعر المتدنى وبين رفض مبدأ التصدير لإسرائيل فى حد ذاته. حتى القضية التى رفعت فى المحكمة الإدارية جمعت بين الإعتراضين، مما يسبب التشتت فى البحث والحكم.
وبدا الأمر فى النهاية مشوشا تماما ففقد الجميع (سلطة ومعارضة) مصداقيتهم، خاصة وأن أبواق المحور المذكور آنفا (قنوات الجزيرة والعالم والجديد وغيرها) أضافت كالعادة شوية البهارات بتوعها فزادت الظلمة عتمة. كما أن تصعيد الموضوع فى نفس الوقت حينما وصل الهجوم على مصر إلى منحنى خطير جدا على الأمن القومى لا يخفى على الصغير قبل الكبير وأحاديث بعض المعارضين فى تلك القنوات فيما وصفته سابقا بالوجوه الصفيقة كان أشبه شىء بجزء من المؤامرة. وكما قلت وقتها أن المعارضة بصفة عامة رسبت فى ذلك الإمتحان، رغم أن بينهم وطنيون مخلصون ولكن التيار العام كان ذو وجه قبيح.
بعد هدوء العاصفة ضد مصر نسبيا (وهو هدوء مؤقت طبعا)، يصبح الوقت الآن مناسبا للكلام العاقل. وأعجبنى معالجة البى بى سى للموضوع فى برنامج لجنة تقصى الحقائق. فالمعالجة، وإن كان عليها مآخذ عدة مثل عدم اختيار اللجنة من المحايدين وخروج الأسئلة فى أحيان كثيرة عن الموضوعية الواجبة لتأخذ اتجاهات سياسية وشعارات لا تصلح “لتقصى الحقائق”، إلا أنها على الأقل قد أوضحت أخيرا (على الأقل بالنسبة لى) وجهة النظر المعارضة وإن كانت لم توضح سبب تأخر تلك المعارضة لسنوات قبل إثارة المشكلة، كما أن مقدم البرنامج كان أمينا حين قال أن وجهة النظر الأخرى لم تعرض حيث امتنع المسئولون فى الهيئة والوزارة عن المشاركة فى البرنامج. وهو ما أكد (على الأقل بالنسبة لى) أن الأمر ليس خلافا فى وجهات نظر بقدر ما هو يتعلق بأسرار تتعلق بالأمن القومى لا يمكن مناقشتها على الملأ.
ربما كان اكتشاف إسرائيل لحقل غاز، سيكون إنتاجه ثلاثون ضعفا لما يستوردونه من مصر، ينهى الإتفاقية، وتصبح إسرائيل دولة مصدِّرة. ولكن الموضوع سيظل مفتوحا لعدة سنوات حتى يحين الوقت المناسب لمعرفة ما وراءه من أسرار.
ستجدون اختصارا لبرنامج البى بى سى فى مقاطع فيديو رفعتها على اليو تيوب يمكن مشاهدتها بالضغط على الروابط التالية:
ويلاحظ حدوث تكرار فى آخر الفيلم الأول بسبب خطأ غير مقصود فى الإختصار. فأعتذر عنه.
البـرنامــج
أود أن أتوجه بالشكر لكل من اتصل وهنأنى على قرب الوصول إلى منصب رئاسة الجمهورية، ثقة منهم فى البرنامج الذى أوضحته يوم الجمعة الماضى. وهذا شجعنى على التفكير فى الخطوة التالية .. فبرنامج الوصول كوم .. وبرنامج بعد الرئاسة أكوام! والرئاسة يمكن أن تكون مصيبة عظمى لو لم تكن متنبها. وأنا أعرف قواعد اللعبة. فرؤساؤنا ـ نحن العرب ـ متهمون حتى تثبت براءتهم. وإذا ثبتت براءتهم يصيرون ـ أستغفر الله العظيم ـ آلهة! وعندنا ليس هناك مسافة بين البينين .. يابيض، ياسود .. كما قالت السلطة لعادل إمام.
وأنا ـ ولله الحمد ـ لم أفقد إيمانى حتى أعتقد أنى سأصير إلها، كذلك الذى قال لمتملق “إبنِ لى صرحاً”. فهو كان غبيا ليس فقط لأنه اعتقد أنه سيصير إلها ولكن لأنه صدق المتملق. ومن يدرى .. ربما كان ذلك المتملق هو نفسه الذى أعلن على الملأ أنَّ يوم ميلاده (ميلاد الريس يعنى) هو “يوم ولدت مصر” .. بالأحمر وبالخط العريض!
لا .. لا يا جماعة، المسألة فن ولعب وهندسة. يعنى المسألة تحتاج إلى برنامج آخر أعقد من البرنامج الذى أوصلنى للرياسة.
أولا من الآن وحتى أصل سأقرأ وأتعلم وأشرب وآكل وأحلم .. زعامة، قسم خطابة، شعبة حماسة.
بس خلاص .. من أول خطبة أستطيع أن أحكم العالم العربى كله لمدة خمسين سنة مقبلة، حتى ولو لم أفعل شيئا بالمرة. ليس سحرا ولا شعوذة ولكنها خفة يد .. أقصد لسان.
شوف مثلا: “برنامجى أن أسير على درب عمر بن الخطاب رضى الله عنه وصلاح الدين الأيوبى وجمال عبد الناصر ورجب أردوغان واسمه إيه ده شافيز.” وتخيل معى التصفيق والهتافات التى يقال أنها شقت عنان السماء!
خذ مثلا: “لن أفعل مثلما فعل غيرى واتخذ قرارات دون أخذ موافقة إجماعية من الأشقاء العرب.” صحيح لن يصفق الجميع .. لأنى حين غمزت بعينى لم يفهم الناس هل قصدت قرارات الحرب (سواء 67 أو 73) أم قصدت قرارات السلام (سواء كان قرار الزيارة 77 أو اتفاق إطار السلام 78 أم التوقيع على المعاهدة مارس 79) أم قصدت قرارات الولاء لإيران. لكن لا بأس .. فلا يهم التصفيق الجماهيرى، وإنما تصفيق “الأشقاء” وما سينهال علىّ من ملياراتهم.
خذ مثلا: “أشكر للجميع، المؤيدين لى والمعارضين على حد سواء، وأعاهدهم أنى سأعمل من أجل الجميع وسأقضى على الفساد وأنشر العدل وأطبق الشرع وأمنع الدروس الخصوصية وأضاعف الرواتب لمن يعمل ولمن لا يعمل.” أظن بأه دى حاتهد الدنيا جماهيريا! صحيح أن الكلمتين اللى فى الأول منقولين .. لكن مين فى الوقت ده حايفتكر السادات!
خذ مثلا: “نحن لا نعترف بالكوسة ولا بالقرع .. شعارنا هو الخيار، وسنظل نقاوم ونقاوم إلى آخر جندى.” لن يفهم المحللون السياسيون بالطبع السبب فى الهتاف الهادر من الجماهير الفاهمين. ولا العلاقة بين المنتجات الزراعية والشعار والمقاومة .. وبالمرة زكى جمعة وبتاع العصير اللى تحت نفق العباسية! وربما اعتقد الأجانب منهم أن الخيار مثل القطن تصيبه الدودة التى يلزمها مقاومة ولكنهم سيتساءلون لماذا لم نطلق على القطن اسم قطن المقاومة مثل خيار المقاومة. لن يفهموا أيضا ماذا قصدت بـ “حتى آخر جندى”، فهم يعلمون أنى لا أقصد طبعا “آخر جندى مصرى” ، ولكنهم لم يروا خلال الستين سنة الأخيرة جنودا فى المنطقة سوى الجنود المصريين.
لا داعى للإطالة وكشف كل أوراق الخطبة الآن حتى أضمن عدم التقليد. على كل حال الخطبة ستكون أقوى من كل خطب “الأشقاء” المجاهدين التى قيلت فى ديسمبر ويناير الماضى والتى لم تنجح سوى فى حرق العلم المصرى ومقاومة السفارات المصرية والجهاد المقدس ضد الحدود المصرية … من باب “الذلع” على “الشقيقة الكبرى” (مع الإعتذار لبنى آدم شو).
وستضمن لى الخطبة تأييدا عارما من “الأشقاء” وفى نفس الوقت تأييدا محليا واسع النطاق من القوى الموالية والممانعة (مع الإعتذار للأنتيكيين الذين اخترعوا هذا التعبير وقلدهم الجميع على عماهم).
بمناسبة التقليد .. سأتجاهل فى خطبتى أن حرب 73 وما تبعها من اتفاقيات ومعاهدات سلام كان الهدف الرئيسى منها والموضوع الأساسى فيها هو إقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة الإسرائيلية. وسأقلد ـ مؤقتا ـ الأغبياء الذين صدقوا وقلدوا الغبى الأكبر حين قال ـ ليس خداعا ولكن لفرط غبائه ـ: “أنا أول رئيس أنتيكى يطرح فكرة دولتين متجاورتين.” فصار هذا نوع جديد من الخيار يسمى “الخيار الأنتيكى المخطط على احمر”. وآهو كله بيجعجع حتى الغبى!
وفى بلادنا العربية: جعجع تكسب.
برنامجى يتضمن الكثير من التفاصيل والتوقيتات. هذه هى البداية فقط. أطلت فى وصفها لأنها مفتاح المهمة الصعبة.
ويتبع قريبا إن شاء الله بقية البرنامج .. إوعى تغير المحطة!
الإنتخابات وسنينها
خبر صغير منذ حوالى عشرة أيام، ربما لم يلتفت إليه أحد، يقول: رفضت محكمة القضاء الإدارى الطعن ضد قرار قبول أوراق ترشيح وزير الإسكان السابق محمد إبراهيم سليمان لعضوية مجلس الشعب. ورفضت المحكمة طعنا مقدما من مصطفى موسى يطالب وزير الداخلية بمنع أى اجتماع عام لحزب الغد إلا بتصريح من رئيس الحزب!
بصرف النظر عما أشيع حول الوزير من اللغط حينما كان فى الوزارة، وعن المآسى والصراعات داخل الأحزاب، أريد التحدث هنا عن الموضة التى انتشرت فى المدة الأخيرة .. موضة محكمة القضاء الإدارى! ولا شك أنها الآن تغرق فى آلاف الملفات، ربما كان ربعها فقط هو الجاد أما الثلاثة أرباع .. فربنا يجازى اللى كان السبب!
وبما أننى فرد من هذا الشعب “المقلـِّد” ، رأيت أنه لا مانع من رفع قضية أيضا أطالب فيها بقبول أوراق ترشيحى لانتخابات الرئاسة القادمة. وهذا اختصار للوقت، حيث أنى أعلم مقدما أنى لن أستطيع الحصول على التوقيعات المطلوبة. ليس لقلة الأصدقاء والأقرباء، ولكن لأن تأييدهم بالتأكيد سيكون مماثلا لتأييد أصدقائى فى الجامعة قبل أكثر من 40 عاماً.
فقد رشحت نفسى آنذاك لعضوية اتحاد الطلبة. وما أن رأى الزملاء والأصدقاء إسمى ضمن المرشحين حتى انهال على اللوم والتقريع من كل صوب: “يا ابنى (ونحن فى الجامعة عادة ما نكون ابناء بعضنا البعض) يا ابنى التفت لمستقبلك أحسن وانت قربت تخلص آهه” .. “يا عم (ونحن أيضا أعمام بعضنا البعض) هو انت أد الحكاية دى! دى بيتصرف فيها فلوس كتير!” .. “إنت مجنون! (وهذا وصف عادى لمن اقترب من السنة النهائية فى كليات الهندسة!) إنت أد حليم؟” و حليم هذا ليس عبد الحليم حافظ ولكنه أحد المخضرمين فى الكلية ولا يريد تركها .. فقط حباً فى الإتحاد!
قلت فى نفسى: أنا أصلا داخل غلاسة من ناحية، ومن ناحية أخرى ربما أحصل لزملائى أدباء أسرة د/ بطرس مينا على مادة لمقال آخر من مقالاتهم الثورية فى مجلة الأسرة، التى كانت دائما سببا للنزاع مع حرس الكلية، عادة ما كان ينتهى “بضياع” المجلة من على الحائط! ومرة واحدة وعَدَنا أحد الدكاترة بالرسوب كلنا فى مادته تلك السنة بعد أن هاجمناه بسبب الملازم. لكنه لم ينفذ وعده. ربنا يخلليه ويسامحنا على التطاول عليه!
المهم .. فى يوم التصويت لاحظت حرص جميع الأصدقاء على الإدلاء بأصواتهم على غير عادة الأغلبية. وكانت المظاهرات تجوب الكلية: “إن جيت للحق، حليم الحق”. وحيث أنى لم أحصل على المادة المأمولة لمجلة لأسرة إذ لم أستطع اختراق عمليات الشقق المفروشة و .. والا بلاش! قلت: على الأقل سأحصل على بعض الأصوات لحفظ ماء الوجه.
عندما ظهرت النتيجة وكلما جاء صديق ليهنئنى بالفشل، كنت أحاول إقناعهم أنى لا أعرف من صاحب الصوت الوحيد الذى فى صالحى. فيبتسمون ويسألون: لماذا لم تعط صوتك لحليم الحق؟ وبعد أن نتبادل بعض الشتائم ويشبعونى تريقة يعودون إلى الجد فيعلموننى أن حرصهم على التصويت لغيرى كان فى حقيقته حرصا على مصلحتى.
بعد ذلك بحوالى عشرين سنة، كنت أحضر اجتماع مجلس الآباء فى أحد المدارس. وهو الإجتماع الذى يتم فيه انتخاب المجلس الجديد لتلك السنة الدراسية. وبينما كانت تجرى المشاورات عما إذا كان يكفى التجديد للمجلس القديم أم قبول ترشيحات جديدة بانتخابات جديدة، كان البعض يدور صائحا بأعلى صوته لعدم التصويت للمجلس القديم. وأخذوا يعددون الفضائح من تهليب فلوس التبرعات واللعب فى مقاولات إصلاح الحديقة، وتجديد مش عارف إيه، وتوريد ما ادرى إيه، الخ. وطالبوا بتحقيقات .. ونيابة .. وحساب دقيق .. الخ.
وبما أن انتخابات الجامعة لم تكن فى بالى فى ذلك الوقت فقد رشحت نفسى. ثم طلبوا من كل مرشح الحديث عن نفسه و برنامجه. قلت أنى أعمل بنظام دورى 9/4 وأن هذا يعطينى الوقت الكافى لأربعة أسابيع متتالية كل شهرين للتركيز على أعمال المجلس والدفع فى اتجاه تحسين التعليم ومتابعة تقييم المدرسين فنيا والتأكد من التزامهم جميعا باليوم الكامل داخل المدرسة، ومحاولة حصر الدروس الخصوصية لتكون داخل المدرسة وبمدرسينها فقط وبأسعار رمزية و .. و .. ثم أثـنيت على إخواننا الأفاضل الذين فضحوا المجلس القديم وكانوا محل إعجاب الناس لوطنيتهم.
وبدأ التصويت. ولا أذكر الآن عدد الأصوات التى حصلت عليها! .. مش ناقص تريقة من فضلكم.
ولكن الأهم من عدد الأصوات، هو أن المجلس الجديد .. المنتخب .. كان هو هو نفس المجلس القديم .. المفضوح!
والأهم من هذا وذاك: تبيَّن أن زعماء المعارضة (إخواننا الأفاضل!) هم أعضاء المجلس القديم الجديد! وغطينى يامَّه وصوَّتى.
طيب .. أليس خبطتين فى الراس تكفيان لأن أكف عن هذه الغلاسة؟
أنا أقول لا.
فبعد عشرين سنة أخرى ها أنا أعيد المحاولة. ثم إن الظروف الآن تغيرت وفيها أشياء كثيرة يمكن أن تكون فى صالحى.
لدى مثلا الفيس بوك. وبشىء من الذكاء أستطيع أن أقود إضرابا عاما يهز البلد ويجعلنى أشهر المناضلين السياسيين ويفتح لى أبواب جرائد المعارضة. بل ربما عرض على أحدهم منصب رئيس مجلس إدارة عموم الزير مثلا فى حزبه.
ولدى مثلا 90 دقيقة مجانا فى التليفزيون. وبشىء من الذكاء منى سيرحب الأخ معتز بعرض قضيتى على الرأى العام مشفوعا ببعض المصمصات والهمهمات وهزالرأس (كأنه فاهم) بينما أنا أخبره (كأنى أتحدث عبر الهاتف يعنى كده وكده) عن ملاحقة أمن الدولة لى لأنى يتيم وليس لدى واسطة. ويكفى فى النهاية الدرامية أن يقلب الأخ معتز شفتيه مشمئزا من ذلك النظام الذى يعيق يتيما مثلى عن الترشيح لانتخابات الرئاسة .. ويتساءل فى لهجة مؤثرة: هو يعنى “باراك أو بابا” كانوا أحسن من هذا اليتيم؟ هذا برغم أنى أخبرته بوضع الميم الصحيح بدلا من الباء .. لكن مافيش فايدة، هو مازال يعتقد أنهم شخصين.
ولدى أيضا مثلا كل منتجى البرامج “الوطنية” فى التليفزيونات القومية والحزبية والعالمية. فبعد خطبتى القوية فى 90 دقيقة، سيتهافتون علىّ وتبدأ العروض بتخصيص ربما 180 دقيقة لى لأصير نجما تليفزيونيا فى قناة الساعة مثلا. وعندما أعرض عليهم موضوع الحلقة القادمة سيقولون: سعادتك .. المهم سعادتك هى نسبة المشاهدة .. يعنى سعادتك تقول سعادتك زى ما يعجب سعادتك .. إحنا مالناش دعوة سعادتك .. بس ماتنساش سعادتك نسبة سعادتك فى دخل الإعلانات!
لا أريد الإطالة فى احتمالات المستقبل بعد ذلك وكيف سأصير مليونيرا على آخر الزمن، وكيف سأنجح فى الحصول على تأييد الولايات الأنتيكية .. ومن يدرى .. ألا يكفى هذا التأييد لأن أصير رئيسا للجمهورية ، أو على الأقل أصير أميرا على إمارة شبه أنتيكية ، أو حتى مرشدا أعلى لإخواننا ، أو زعيما لتنظيم جهادى يتاجر فى الأسلحة والمعلومات و.. (والا بلاش علشان الرقابة)، أو رأس تنظيم عالمى وهمى أمد الأنتيكيين بشرائط الصوت والصورة من فندق عشر نجوم تحت الأرض .. حسب الطلب؟
بلا انتخابات بلا وجع قلب!
هى قضية فى محكمة القضاء الإدارى لا تؤذى أحداً .. والباقى سهل!