Archive for مارس 2009
وهـذه الضـجة الكـبرى .. علام؟
نشرت عدة أخبار صغيرة خلال الشهرين الأخيرين ومرت مرور الكرام .. ولم تقم المظاهرات .. ولم يحرق علم .. ولم يقف أحد على سلم نقابة الصحفيين يلطم الخدود ، ولم تهتز أى لحية طويلة .. ولم يطالب أحد باجتماع طارئ .. ولم يطالب أحد بالتقدم إلى الخلف ثلاثين أو ستين سنة .. ولم .. ولم .. لا شىء ..
لم ينفعل لتلك الأخبار أحد سوى بعض الوطنيين الحقيقيين فى مصر!
كانت الأخبار تدور من قريب أو بعيد عن القدس. وعندما تتحدث عن القدس ستجد الكثيرين يهبون صارخين: أولى القبلتين وثانى الحرمين وأنها .. وأنها .. ويعطونك محاضرة طويلة عن الواجب وعن الجهاد الخ. ثم يهدأون ويعود كل شىء إلى السكون. تماما مثلما حدث منذ عامين على سبيل المثال عندما كانت الحفريات تهدد (للمرة المائة) مبانى المسجد الأقصى، وحدثت ضجة لفترة ، وكونت الدول العربية لجنة أسمتها لجنة القدس برئاسة المملكة المغربية .. ثم سكت الجميع. ولم تسكت الحفريات ولم أسمع شيئا عن لجنة القدس بعد ذلك.
مثلا خبر: إسرائيل (بلدية القدس) تأمر أصحاب 80 منزلا فى القدس المحتلة بإخلائها تمهيدا لهدمها. ومسألة تهويد القدس ليست خافية على أحد وتجرى علنا بتؤدة وبأحكام قضائية ونظم قانونية. ولم يرتفع صوت واحد من أصوات المجاهدين إياهم ولو متوعدا برَدٍ (كالعادة) غير مسبوق، ولم أسمع عن لجنة من نقابة المحامين للتدخل.
حجج الآثار والهيكل وخلافه التى ترددها إسرائيل تقنع العالم، لأنك لو حفرت فى أى مكان فى فلسطين فلابد أن تعثر على آثار. ثم هم ليسوا من الغباء حتى يتبعوا طريقة واحدة فى تهويد القدس. ولكن كل الطرق قانونية وشرعية وأهمها الضغط الإقتصادى. واقتصاد المجموعة العربية فى القدس منهار. ولم أسمع عن أموال ضخت لا بطريقة شرعية ولا غير شرعية لتقوية أى اقتصاد فلسطينى سواء داخل القدس أو أى من المناطق الأخرى. ولم أسمع عن أحد ينتبه إلى تقوية جماعات السلام من الإسرائيليين لزيادة الضغط على حكوماتهم.
كل ما سمعته فقط أثناء العدوان على غزة كان من أسامة حمدان (أحد مجاهدى الميكروفونات بالخارج) خلال خطبة حماسية طويلة ذكر فيها جملة: “وعلى عرب 48 أن يسببوا إرباكا للعدو الإسرائيلى”. والجملة استوقفت أيضا الصحفيين “الحقيقيين” (باقى الخطبة لم يكن يستحق الإهتمام). وبدأت التساؤلات: هل هناك تنسيق ما أو تدبير لعمليات معينة؟ ولما سألوا “مجاهدا” آخر قال: الحقيقة لا أدرى بالضبط ماذا كان يقصد. ثم اتضح للجميع أن الجملة كانت مثل باقى الخطبة! فعرب 48 وحيدون تماما .. تماما.
والأخبار الصغيرة الأخرى كثيرة كلها تسير فى نفس الإتجاه. والهدف الرئيسى هو فصل شمال الضفة عن جنوبها حتى تمهد الطريق لـ “غزة” أخرى! وعندما يصبح لدينا عدد 3 قرى منفصلة وعدد 4 معسكرات لاجئين متبعثرة، ويكون هناك أيضا بين هذه المعسكرات مراكز عسكرية (مثل تلك التى استغرق الجيش اللبنانى ثلاثة شهور كاملة لتفكيكها!) فمن ذا الذى يجرؤ عندها على الحديث عن دولة فلسطينية، خاصة عندما تتبادل كل من هذه الأقسام الإتهامات والسباب .. والقتل.
هذا ولم تهتز شعرة فى رأس المجاهدين إياهم، ولم يجدوا حتى الآن وسيلة للتفاهم غير السباب وتبادل التهم والقتل والسحل والسجن. ومازال الإعلام العربى الموكوس يقف عند حدث واحد يتحدث ويتحدث ويتحدث ولا ينتبه (أو لا يريد أن ينتبه) إلى أن الحدث والخبر الصغير هو حلقة فى سلسلة طويلة منظمة لا مانع أن يكون طولها خمسون سنة مثل تلك التى كان آخرها عام 1948. إعلامنا الموكوس يتوقف مثلا ليتحدث عن تعثر المفاوضات وتقدمها واقتراب الحل وابتعاده و “سيب وانا اسيب”، إلى آخر تلك المهاترات التى تستمتع إسرائيل بها جداً! ولا يتوقف عند حلقات أخرى إلا عندما تحدث فرقعة فينتقلون إليها لمزيد من الحديث والفلسفة، وينهض المجاهدون للتوعد برد (كالعادة) غير مسبوق! بالمناسبة: “غير مسبوق” هذه تعبير صحيح تماما عن واقع الحال، لأنه لم يكن هناك أبدا رد، كما لم يكن هناك أبدا “فعل” إلا فيما ندر.
ولا أدرى لماذا يوسوس لى شيطان خبيث دائما كلما جاءت المناسبة ليذكرنى بصورة محمد على وهو يفكر كيف يبدأ نهضة مصر فينفذ حادثة القلعة الشهيرة! رحم الله أبو عمار، ولا أعتب عليه أن فضَّل الديمقراطية، لأن الشيطان الخبيث لم يوسوس له!
وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله!
اللى مايعرفش يقول … إيه؟
فى أكتوبر من العام الماضى علقت على مقطع فيديو فنزويلى فى الفيس بوك كما يلى:
“لماذا شافيز وموجابى والبشير؟ .. شافيز قرر أن البترول ملك للشعب، وفشل إنقلاب دبرته السى آى إيه لقلب نظام حكمه عندما أحاطت الملايين من شعبه بالقصر وأعادوه للحكم. وموجابى قرر أن الأرض ملك للشعب (وربما نذكر كيف حاول موجابى أن ينصف مواطنيه من البيض الذين يملكون معظم الأراضى الزراعية فى بلاده منذ عهد الإستعمار). والبشير نجح فى خطوة للأمام لتوحيد السودان ضد إرادة النازيين الجدد. فالديمقراطية فى العالم الحر لا تحب هذه الأمثلة الشريرة.”
كان النازيون الجدد فى ذلك الوقت يشنون حملة قوية جدا ضد هؤلاء الثلاثة. وقالوا أيامها أنهم سيعتبرون الإنتخابات مزورة إذا فاز موجابى أو فاز شافيز!!! وأظهروا منتهى الإنسانية والرحمة والتمدن بتوزيع السلاح مجانا على كل من يريد الإنفصال فى السودان حتى تصير السودان هى الخرطوم فقط!
يعنى الديمقراطية، عند الولايات المجتهدة والدول الأوروبية أيضاً، هى فوز الأقلية فى أى انتخابات، وهى فى تقسيم البلاد إلى دويلات بحيث كل من هب ودب “ياخد حتة على أده كده”.
يعنى الأكراد والشيعة والسنة والمسيحيين الأرثوذكس والمسيحيين الكاثوليك والبروتستانت واليهود والدروز والبهائيين وعبدة الشيطان والبوذيين والأرمن و .. و .. وكل الملل فى الدنيا يقسموا كل بلد على نفسهم وكل واحد ياخد حتة، ويحمد رينا على كدة ويشكر العالم الحر على الديمقراطية الحلوة المقطقطة!
هذا العالم الذى يسمى نفسه “الحر” أو “الديمقراطى” الذى يظهر منتهى الإنسانية على “الناس الغلابة” فى مختلف أنحاء العالم الغلبان أصلا، كان يتفرج على الهوتو والتوتسى يقتلون بعضهم فى بشاعة، وقواتهم المسلحة هناك (الفرنسية والأمريكية) لا تحرك ساكنا وإعلامهم لا يتحدث عن شىء بينما يموت مئات الآلاف لا يدرون لماذا يـُقتلون ولا يدرى حتى القتلة لماذا يـَقتلون!
وشاهدت حديثا تليفزيونيا مع كلينتون (بعد انتهاء رئاسته) وسأله المذيع لماذا لم تتحركوا أو تفعلوا أو تقولوا أى شىء أثناء ذلك التطهير العرقى البشع؟ ولم يجب، فسأله المذيع: هل تعتقد أن عدم التحرك هذا كان خطأ؟ فابتسم كلينتون ابتسامة ذات مغزى وقال بعد تردد: نعم كان خطأ. والحقيقة أنه إقفال هزلى لموضوع شائك لا يمكن التحدث عنه … شفافية!
نحن العرب (وأنا أتحدث عن الشعوب وليس الحكومات) لا نصحو على البلاء إلا بعد فوات الوقت. ثم نلعب فى الوقت الضائع فنقيم المظاهرات ونسب حكوماتنا لأنها لا تحارب الأمريكان ونلعن الزمن ونرفع شعارات لا نفهمها ونشكو بعضنا إلى الدول “الحرة” ويطلب بعضنا معونة تلك الدول لقلب نظام الحكم. ويهتف بعضنا لخطبة حماسية هنا وشعار يرفع هناك وينتظر بعضنا قدوم “الفارس” الذى سيقوم وحده بتنظيف شوارعنا التى نوسخها وتعليم أولادنا الذين نغششهم بالميكروفونات ويقضى وحده على الفساد ويحارب وحده الشيطان. ولا احنا فاهمين ولا عايزين نفهم!
الهجوم على الثلاثى الذين ذكرتهم لم يهدأ منذ أكثر من عام ولن يهدأ، ولكننا كشعب وكإعلام موكوس ننسى من حين لآخر الأحداث المصيرية وننشغل بعاهرة قتِلت وتلميذ ضرب ومهاجرين غير شرعيين غرقوا والسحابة السوداء وأيمن نور البطل الفارس والكادر وخطف سفينة و.. و.. وطبعا أهم موضوع: معبر رفح .. المعجزة.
ذلك العالم الذى يسمى نفسه “الحر” هو نفسه الذى قامت ثروته على حساب مستعمراته، وهو نفسه الذى شنق صدام حسين يوم العيد ، وهو نفسه الذى أحكم الحلقة حول البشير، وهو نفسه الذى ما زال يحكم حلقات أخرى حول رقاب أخرى، وهو نفسه الذى تفرج لمدة ثمانى سنوات على النازية الجديدة تـنشر الفساد فى العالم كله، وتفرج على التهليب الذى وصل مداه فى آخر السنوات العجاف حين اكتشفوا “بالصدفة” (!!) أن لدى العالم أزمة مالية! .. يعنى استهبال لكن ديمقراطى وقانونى ومحترم!
يعرف هذا العالم الآن أن هذا هو وقت العودة إلى الزمن الجميل .. زمن الإستعمار. فالإستعمار ـ كما كان فى الماضى ـ هو المخرج من الأزمة مع فارق أنه سيستغرق هذه المرة بضعة أعوام تعد على اليد الواحدة ليستحكم.
قد يبدو هذا للبعض كلاما خياليا. بل ربما ما زال البعض يصدق خرافة إنسانية هذا العالم وخرافة محاربة الإرهاب وخرافة المحافظة على حقوق المرأة وخرافة حضارة مزعومة. ولكنها الحقيقة. نحن نشهد الآن نفس الخط الإستعمارى الذى امتد من القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن العشرين، ربما بتغييرات طفيفة فى الشكل ولكن المضمون هو نفسه.
كما شاهدنا أوائل المستعمرين البيض يصادقون الأفريقيين (الذين كان لديهم امبراطوريات فى ذلك الوقت) ويتبادلون هدايا السلاح الخردة مقابل قطع صغيرة من الأرض، فيقضى ذلك السلاح على تلك الإمبراطوريات بينما تكبر قطع الأرض (المقابل) مع الأيام بحيث لا يستطيع موجابى الآن أن يستردها، نشاهد اليوم الإستعمار الجديد يغدق الأموال والسلاح على معارضة هنا وجماعة مسلحة هناك ويضع الأسافين بين الجميع. ونشاهد اليوم الجمعيات “الإنسانية” التى “تنقذ” اليتامى الأفريقيين لتبيعهم فى أوروبا.
……….
كما سمعنا البعض منا يهتفون مرحبين بالإستعمار الألمانى فى يوم من الأيام، نسمع اليوم عن من يبحث عن فتوى دينية (!) عما إذا كان يجب تسليم البشير طوعا أو كرها للعالم الحر. ولن أتعجب غدا إذا شاهدت من يقف فى اعتصام عام أو إضراب يطالب بفتح معبر رفح لتحرير العراق.
ماهو اللى مايعرفش يقول .. ديمقراطية!
حقيـقة العنـف الأسـرى
قلنا أن الزواج مثل الزلزال، له توابع مؤلمة يختلف شكلها وتأثيرها وفى معظم الأحيان لا يمكن تفاديها. والمتشائمون يفضلون عدم الجواز من أصله، والمتفائلون يتزوجون على أمل، والمتحررون يفضلون سياسة النص نص. لكن الكل فى النهاية يتزوجون. وكل الذين لم يتزوجوا يتمنون الزواج، وكل الذين تزوجوا يتمنون عودة الزمن للوراء لكى يقولوا “لا” عند السؤال التقليدى.
وحدث فعلا أن شابا ألمانيا قال “لا”، ولم يكن جادا فى ذلك. فكلفه حب الإستطلاع وخفة الدم على ما أذكر أربع سنوات من “الشحتفة” لكى تقبل نفس الفتاة الزواج به فى النهاية. بالطبع ستتعجب معظم الفتيات وتقول: أنا لو كنت منها لا أقبل مهما كان. ولكنهن بعد تفكير سيفهمن ويقلن أنها تصرفت بحكمة. أما الرجال فيلزم الشرح التالى: ما قاساه الشاب خلال تلك السنوات الأربع لم يكن عقابا كافيا، لذلك قررت الفتاة أن يكون عقابه أبديا ، ومع الأشغال الشاقة كمان! فهمت؟
والزواج قدر .. ومن ذا الذى يعاند القدر؟! والقدر له بدائل أخرى متاحة غير الزواج.
مثلا أوتوبيس عادل إمام السياحى الفاخر تعطل وأثناء إصلاحه تنطلق شرارة تصيب غسيلك المعلق، فيحترق. ولكن الحريق لا يمتد إلى الشقة، وإنما إلى الشقة التى فوقك وهى مجهزة بأحدث تكنولوجيا السلامة. فتعمل أجهزة الإطفاء الآلية (رغم أنها صناعة مصرية) فينطفئ الحريق. سينتهى الأمر عند ذلك لو كان الزواج قد أصابك لأن خبطتين فى الراس توجع.
ولكن إذا لم تكن قد تزوجت بعد، فستستمر الحكاية:
لا تقوم بالوعة الشقة العليا بتصريف مياه الإطفاء (رغم أنها صناعة خوجاتية). فيتسلل الماء عبر السقف والجدران حتى يصل إلى صندوق الكهرباء، فتحدث شرارة تمسك بأقرب شىء لها فتحترق الشقة .. نفس الحريق الذى كان المفروض أن تتسبب فيه نفس الشرارة من نفس أوتوبيس عادل إمام.
يعنى .. خمسة وخميسة .. هذا المثال فقط ليعطيك فكرة عن وسائل القدر التى لن يمنعها الهروب من الزواج.
على كل حال العنف الأسرى ليس سيئا كله. وقد ذكرت قبلا أنه أحيانا ما يكون وسيلة مقبولة للصلح. فلا تيأسوا. وأعرف عائلة عاشت فى عنف متواصل لمدة حوالى خمس سنوات بعد الزواج مباشرة. ثم تحول الأمر بعد ذلك إلى تفاهم وانسجام تام لعشرات السنين.
أول ما سمعت عن العنف الأسرى كان عبر رسومات “رخا” لشخصيات: رفيعة هانم والسبع افندى! ومن يستطع الإطلاع على إصدارات أوائل الخمسينات من أخبار اليوم أو آخر ساعة أو البعكوكة أو غيرهم سيرى تلك الرسومات وسيندهش.
فالإنطباع السائد أن شخصية “سى السيد” هى الشخصية الرجالى فى ذلك الوقت. وهذا غير صحيح. فكما يوجد سى السيد فى كل الأزمان يوجد السبع افندى أيضا فى كل الأزمان. والسبع افندى كان يتباهى بأن له الكلمة الأخيرة فى البيت: حاضر!
وغير الشخصيات الفنية هناك مثلا عائلة فعلية كان الزوجان متفاهمان منذ البدء على اقتسام كل المصاريف بينهما .. كلها دون استثناء! وكان يبدو أنها عائلة سعيدة، ولكن المقربين كانوا يعرفون أنه عندما يحدث خطأ فى الحساب أو شك فى “خنصرة” معينة فى مصروف بدون فاتورة، وهو وارد كثيراً، عندها لك أن تتفرج على عرض للأطباق الطائرة من الجانبين!
وعائلة أخرى كان يسودها المشاكل والشتائم والمعايرة وتقطيع الهدوم من الجانبين لسبب واحد: أن الزوج كان ميكانيكى والزوجة كانت دائما تحلم بالزوج “الأفندى”. رغم أنه (باعترافها) يؤدى دوره الأسرى والإجتماعى والمالى أفضل من أى أفندى!
يعنى العنف الأسرى ليس من جانب واحد كما يتوهم الكثير من الناس. لماذا إذاً يشتهر العنف الرجالى بالذات؟
بعض من هذه الشهرة جاء من الغرب عبر الجمعيات النسائية وخيال المآتة الذى يسمونه الدفاع عن حقوق المرأة. ولكن الجزء الأكبر من تلك الشهرة سببه الذكاء الأنثوى فى استخدام أسلحة تحدث التأثير المطلوب ولكنها لا تدل عليها.
فرغم أننا نعرف أن المرأة أقوى جسديا من الرجل (نظرية البطيخة والأشهر التسعة)، ولكنها تفضل عليها استخدام الأطباق الطائرة مثلا. فتأثيرها مؤكد ولكن مصدر انطلاقها لا يمكن إثباته. ويقال أن الدش (بكسر الدال) هو الطبق الذى عندما يصيب هدفه .. يدشششش! بالإضافة لهذا فالرجل يعلم أنه سيضطر لشراء طاقم جديد إذا استمر فى العناد ، وإلا .. مافيش أكل!
“مافيش أكل” هذه أيضا أحد القنابل الذكية فى ترسانة الزوجة المسلحة، ولكنها لا تستخدم كثيرا أو لا تستخدم وحدها، لأنها رغم الإصابات المدمرة لا تحمل من الذكاء سوى الإسم مثل قنابل الولايات المجتهدة الأنتيكية (مع الإعتذار لسيد أبو حفيظة). فقد تسبب تدميرا وقتيا ولكن التمادى يجعل الزوج يكتشف أن الأكل “برة” أحلى. أما الزوجة الذكية فتستبدل هذا السلاح بآخر من كلمتين أيضا فيهم الشفا: مافيش فلوس. تقولهما بهدوء شديد وتتركك تخبط دماغك فى الحيط. إخبط .. يعنى هو كان دماغ أبونا؟
وهناك سلاح اقوى ولكنه ذو حدين ويحتوى على أخطار أكبر من “مافيش أكل”. ولا ينصح به إلا للمرأة الذكية جداً التى تعرف كيف تتفادى فى الوقت المناسب أن يلجأ الزوج إلى المضادات “الحيوية”. وهو سلاح: “أصل عندى صداع”!
أما أمضى الأسلحة فى العنف الأسرى، وقد تحدثنا عنه سابقا، فهو “ضرب البوز”!
يعنى تخيل السعادة التى تعيش فيها مثلا إذا تزوجت هيفاء وهبى، ثم هى سئمت منك .. عادى يعنى! فاستخدمت ذلك السلاح “المفرط القوة” حتى لم يعد أمامك سوى رفع قضية خلع (طبعا العصمة بيدها). فهل يكفى أن تقول للقاضى أنك “جوز بوز هيفاء وهبى”؟ وهل سيحكم القاضى عند ذلك بأقل من إدخالك بيت طاعة بوز هيفاء وهبى غصبا على بوزك؟ الغريب فى الأمر أن الرجال لديهم نفس السلاح، ولكن التجربة أثبتت عدم جدواه فى الإتجاه المضاد. لأن المهم ليس فى نوع السلاح نفسه ولكن فى طريقة الإلقاء!
هذه كلها أمثلة فقط لترسانة هائلة من الأسلحة، فهل يستطيع الزوج أن يثبت شيئا منها فى المحاكم؟
هذا هو الذكاء الذى لا يتوفر بالفطرة لدى الرجال، فلا يحصدون سوى الشهرة السيئة.
لذلك أؤيد مقولة: يارجال العالم .. اتحدوا! وأضيف إليها: “يا رجال العالم .. شىء من الذكاء .. أرجوكم!”
الحوار وإضاعة الوقت
كثير من دوائر الحوار العبثى فى مختلف وسائل الإعلام، بما فيها الإنترنت، والتى يديرها غير مسلمين، لا تهدف إلى شىء جاد. وربما هم يعتقدون أن دعوتهم لدينهم تكون عبر مهاجمة الآخرين، وينسون خلال ذلك دينهم ويحيدون عن الطريق الصحيح حتى لذلك الدين. يعنى هم الضالون تماما. ملحوظة: المغضوب عليهم ربما يفيقون يوما فيعرفون أن باب التوبة ما زال ممكنا. أما إذا أصروا فإنهم ضالون أى قفل باب التوبة دونهم. وليس المعنى كما قال البعض خطأ (أكرر: خطأ) أنهم المسيحيون واليهود.
هل يوجد عاقل يتبع طريق الضالين؟
يعتمد شياطين الإنس هؤلاء فى مهاجمة الإسلام على عامل رئيسى: رد الفعل الحماسى الوقتى الإنفعالى لدى كثير من المسلمين. هل تذكرون رد الفعل بالنسبة للرسوم الكاريكاتورية الدانمركية؟ تلك الرسوم لم تكن جديدة كفكرة، وهى ليست أول مرة ولا آخر مرة يلجأ الشياطين إلى الإثارة. ولأن أجهزة المخابرات فى العالم يهمها دراسة سلوكيات الجماعات، فإن إبراز أحد المهاجمات إعلاميا مقصود لاستمرار تلك الدراسة. وهكذا تم إبراز تلك الرسوم، كما تم إبراز بنيديكت الغبى بعد ذلك.
ماذا كانت نتيجة المظاهرات وتحطيم بعض الأشياء ودخول السارقين فى خضم تلك الفوضى ليزيدوها اشتعالا؟
بقدر أهمية دراسة تلك السلوكيات لدى الأعداء، بقدر ما هى أكثر أهمية بالنسبة لنا. وعلينا أن نفيق إلى ما هو أبعد من مجرد رسوم أو من مجرد لىْ التاريخ والكذب عليه. يجب أن ننظر إلى أنفسنا. وكما قلت فى ذلك الوقت، إذا سبـَّك أحد الأطفال فى الشارع فلن تنسى ما لديك من أعمال وتجرى وراءه لتمسك به وتؤدبه. أنت أكبر من هذا.
يظن البعض أنهم لا يتبعون طريق الضالين .. ولكنهم فقط يردون عليهم! يعنى فى مثال الطفل الهمجى الذى سبك، لا تجرى وراءه ولكن ترد عليه السباب أو تحاول تعليمه الأدب خلال الثوانى التى تحدث فيها تلك الحادثة. إضاعة وقت!
وهذه هى المصيدة التى يقع فيها للأسف كثير من المسلمين على اختلاف درجات ثقافتهم. ولكن هؤلاء لا يسألون أنفسهم سؤالا بسيطا جدا: ماذا يحدث لو لم يجد أولئك الضالون من يشاركهم فى ضلالهم بالرد والنقاش الفارغ؟
يقولون: عدم الرد معناه أنهم على حق! ويقول آخرون: إذا لم نناقشهم فإنهم سيضلون آخرين! وهكذا نلتمس لأنفسنا المعاذير فى مشاركتهم الضلال حيث نبغى الهداية.
ماذا تستفيد مثلا إذا دخلت فى مناقشة مطولة حول عما إذا كان الإنجيل الموجود محرفا عن الأصلى؟
هل فكرت قبل إضاعة الوقت فى محاولات غير المسلمين المتعددة فى جر الرسول الكريم (ص) إلى مثل ذلك؟
عَنِ أَبِى نَمْلَةَ الأَنْصَارِىُّ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَتَكَلَّمُ هَذِهِ الْجَنَازَةُ؟ فَقَالَ النَّبِىُّ (ص): “اللَّهُ أَعْلَمُ.” فَقَالَ الْيَهُودِىُّ: إِنَّهَا تَتَكَلَّمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): “مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلاَ تُصَدِّقُوهُمْ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ. فَإِنْ كَانَ بَاطِلاً لَمْ تُصَدِّقُوهُ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ.” سنن أبى داود 3646.
فكان رد الرسول فى النهاية موجها إلى المسلمين وليس إلى اليهودى المجادل. وهو رد مفحم لليهودى فى نفس الوقت، ويغلق باب الجدل العقيم. وهو أيضا درس للمسلمين فى مواجهة الضالين. فهل نستفيد؟
من يشترك فى الحوارات العبثية يكون مشاركا فى الإثم والعياذ بالله. ولكن لا مانع من الحوار بين المسلمين بهدف التنبيه وتوجيه النظر إلى الأمام والحث على القراءة والفهم. ربما لم يطلع أكثرنا على حشد المخابرات النازية لعدد كبير (بالذات من النساء) ممن يدعون الإسلام فى أوائل احتلال العراق، ومدوهم بكل المساعدات من أموال وأجهزة إعلام لكى يهاجموا الإسلام. الطريف فى تلك الخطة أنها اعتمدت على خط مخالف للهجوم الصريح، الذى توجد له الكثير من الأبواق. كان الخط الرئيسى للنازيين الجدد هو “تصحيح” الإسلام أو “تصحيح” مفاهيم المسلمين. واعتنوا فى اختيار أولئك الضالين من أصل عربى ومسلمين، ولكنهم اعتمدوا أساسا على وسائل الإعلام الغربية أو ربما كان المستهدفين هم مسلموا الغرب ومن يفكر فى اعتناق الإسلام.
على أى حال .. انتبهوا أيها المسلمين إلى المصيدة .. ولا تقعوا فيها. موقع الأزهر على الإنترنت به جزء خاص بالرد على الشبهات، وهو مخصص لتثقيف المسلمين وليس الهدف تعليم الضالين الأدب. وتوجد كتب ومواقع كثيرة تحوى نفس الموضوع وهدفها كلها مثل هدف موقع الأزهر. فمن يريد أن يفهم أكثر يقرأ. واتركوهم يعووا كالكلاب (مع الإعتذار للكلاب المؤدبة).
الحب والزواج و.. العنـف!
قطار الحياة ليس عربة واحدة، ولكنه مكون من عديد من العربات، وله شبكة معقدة من الخطوط. يستقل الناس القطار ابتداء من إحدى المحطات. وليس له خيار فى تلك البداية .. نصيب! والقطار، مثل قطار الشرق الأوروبي.
قطار الشرق الأوروبى يمتد بين اقصى الشرق وأقصى الغرب فى أوروبا. وهو مكون من عدة عربات كل منها له وجهة، بحيث تنفصل كل عربة عند نقطة معينة وتسير فى إتجاه آخر حسب ما هو مخطط لها. ولأنه يمر بين بلاد متعددة، فبين الحين والآخر يصعد مندوبوا الجوازات (حسب نقطة العبور التالية) لفحص جوازات الركاب والتأكد من أحقيتهم فى التقدم والعبور عبر تلك النقطة. ومن الممكن بسهولة جدا أن يحملوك على مغادرة تلك العربة فى المحطة التالية، إلى أن تثبت براءتك أو أن يجبروك على ركوب عربة أخرى إلى وجهة جديدة تتفق والشروط التى تثبتها أوراقك! وفى نفس الوقت يمكنك تغيير وجهتك أثناء الطريق على أن تلتزم بشروط ذلك التغيير.
على نفس النمط يسير قطار الحياة. له محطات يتوقف قليلا فيها. ليس لمجرد الراحة ولكن لإتاحة الفرصة للناس للإختيار. إما أن يكملوا على نفس الخط، أو ليبدلوا الخط ويتجهوا وجهة جديدة سواء كانت مخططة من البداية أو بناء على إعادة تفكير وتغيير العربة إلى عربة ذات وجهة أخرى. ورغم التخطيط الدقيق جدا لحركة هذا القطار، وكذلك لحركة الصعود والهبوط، إلا أن كل راكب لا ينتبه إلى تلك الدقة، ولا ينتبه أحيانا كثيرة إلى نقطة العبور القادمة بالنسبة للعربة التى يركبها. وتقوم “المصلحة” ـ بناء على معرفة جيدة بالركاب ومقالبهم ـ بتنبيه الركاب من حين لآخر بوسائل تنبيه متعددة بحيث لا يتبقى لدى أحد حجة عند صعود المفتشين: “أصل ماحدش قاللى!”
يختلف قطار الحياة عن جميع القطارات التى نعرفها فى أنه بدون محطة وصول عامة. ولكن هناك محطة وصول خاصة لكل راكب وحده! وهى أيضا، مثل محطة البداية، يكون فيها الراكب وحيدا وليس له خيار. كما يمتاز بأن نقاط العبور تتكرر وتتشابه بحيث من الصعب التفرقة بينها، ونقطة العبور المناسبة لك من حكمة رحلة القطار أنك لا تعرف مكانها ولا تعرف توقيتها.
قد تبدو هذه مقدمة فلسفية، ولكنى لست فيلسوفا ولا افهم فى الفلسفة، ولكنها قد تفسر ما سأقوله.
كثير من الناس يعتبر أن نقاط العبور هى محطة الوصول، ناسيا الفلسفة السابقة. وننجو من كثير من الأسى إذا لم ننسى هذه الفلسفة. يعنى يمكن أن نحزن قليلا على فشل قصة حب أو خطوبة أو زواج .. يوم يومين بالكتير .. ثم ننظر إلى الأمام وننتظر نقطة العبور التالية، فتلك التى فشلت لم تكن مناسبة لنا.
قصص الحب بالذات هى أكثر ما يلهب خيال الروائيين والشعراء ، ونحن نعرف أنهم يشتطون فى التعبير. ونحن حين نصدقهم لا نكون مخطئين فى ذلك الوقت، لأن الإنسان يجب أن يعيش لحظة السعادة بكل ما فيها من خيال وشطط. ولكن إذا بقينا محلك سر ـ إذا تبين أن تلك لم تكن هى نقطة العبور ـ نكون مخطئين فى حق أنفسنا وفى واجبنا داخل قطار الحياة.
وأريد هنا أن أضيف إلى ما قلته سابقا عن توقعات مرحلة ما بعد الزواج: موضوع آخر هو العنف. وبالمناسبة كانت الحلقة الماضية من برنامج أحمر بالخط العريض عن العنف ضد النساء وستكون الحلقة القادمة عن العنف ضد الرجال. وهذه نظرة صحيحة من جانب معد البرنامج، فالحديث ينبغى أن يكون عن العنف الأسرى، وهو التعبير المستخدم دائما فى الغرب.
وبالمناسبة أيضا لا ينفرد الشرق بالعنف الأسرى ولكنه مشكلة عالمية فى كل مكان. لافرق بين عرب وعجم ولا آسيويين الخ.
هناك نوعان من العنف الأسرى: مرضى وطبيعى. أما النوع المرضى فينشأ عادة فى فترة المراهقة حين يجمح الخيال فى آفاق بعيدة غريبة. وما يستمر بعد فترة المراهقة (يعنى من يجد فى العنف إثارة حسية) فهو مرض أو من تأثير إدمان الإعلام الإباحى. وهذا النوع يحتاج إلى علاج وطبيب متخصص فلن نتحدث عنه هنا.
أما العنف الأسرى الطبيعى فهو نتيجة لظروف محيطة متعددة وثقافة تتسلل إلى العقل الباطن من مصادر مختلفة، وإن كان جو التنشئة يلعب الدور الأكبر فى ذلك. وهذا العنف ليس مرضا ولا يحدث منه إثارة حسية، بل على العكس ينتج عنه ندم وحيرة.
ولا يجب أن ننظر لهذا النوع من العنف كمشكلة كبيرة. فأى أم تضرب أطفالها وأى مدرس يضرب تلاميذه. وليس معنى هذا أننا نوافق على هذا النوع من العقاب بطريقة مطلقة. ولكن نوافق عليه عند من يملك نفسه عند الغضب.
فرغم أنى أنصح جميع من أعرفهم بعدم الضرب مبدئيا، إلا أنى أعرف أنه جزء من التربية. صحيح أنه لا يجب اللجوء إليه إلا فى حالات خاصة، ولكنه لازم. وإلا فمتى يعرف الطفل أن هناك عقابا على الخطأ. لذلك فالضرب له قواعد مهمة:
أن نتأكد من معرفة وفهم الطفل للخطأ الذى يعاقب عليه تماما.
أن يفهم الطفل أن العقاب على قدر الخطأ. فالمشكلة أننا نفقد أعصابنا ويصير العقاب كله متماثل وهذا يضر كثيرا.
أن لا نلجأ إلى الضرب إلا فى حالات خاصة. يعنى العقاب يمكن أن يكون أكثر فعالية إذا كان تكشيرة مثلا أو خصام مثلا وهكذا. ولهذا ليست ثمة قواعد محددة ولكن كل أبوين يعرفان بالتجربة ما هو مناسب لهذا الطفل وغير مناسب للآخر. مع الأخذ فى الإعتبار دائما العدل فى المعاملة.
والقاعدة الأكثر أهمية هى: أن لا نلجأ إلى الضرب فى حالة العصبية. فإذا أثار أعصابك تصرف لطفلك فتذكر أن أفضل ما تفعله هو أن تسكت إلى أن تهدأ. وأهمية هذه القاعدة أن القواعد السابقة كلها تتوقف عليها. إياك أن تضرب طفلك وأنت غضبان.
أما العنف بين الزوجان فهو شائع، ولكنه أيضا لا يختلف عن ما ذكرته بالنسبة للأولاد .. مع الفارق طبعا. وهناك قاعدة هامة تزيد بالنسبة للزوجان: كثرة العنف الأسرى تؤدى حتما إلى فقدان الإحترام المتبادل. فإذا وصلنا إلى هذه الحالة فهى الدمار المحقق.
فإذا كان العنف الأسرى فى حدود المعقول (والمعقول يختلف من زوجين إلى زوجين آخرين) فهو ليس مشكلة ولا يصح أن يخرج عن دائرتهما مطلقا ولا حتى لأقرب الأقربين. أما إذا بدأ يزيد عن المعقول فيبدأ الحل أولا بالمناقشة بين الزوجين، فإذا لم تفلح فيمكن إدخال طرف واحد من العاقلين من كلا الطرفين، والمناقشة معهما. وفى الغالب هذا يحل المشكلة. فكل ما فى الأمر هو معرفة الإجابة عن السؤال: إذا غضبت فماذا أفعل؟
وأذكر موقفا قد يبدو طريفا فى فيلم “الستات” بين محمود ياسين وزوجته فى الفيلم عندما فى نهاية الفيلم يتم الصلح بينهما “بالعافية”! وهذا يحدث فعلا فى الواقع وليس مجرد خيال كوميدى. وعلى كل حال فكما قلنا أن من عظمة الخلق أن تختلف نفوس الناس بقدر عددهم فى الدنيا.
تبقى كلمة أخيرة من الناحية الدينية: فليس صحيحا أن نظرة الإسلام للمرأة نظرة متدنية كما يعتقد كثيرون. وقد بينت هذا المعنى فى السابق، وبالذات فى ملف “عقل المرأة ودينها” لتصحيح الفهم الشائع الخاطئ للحديث. وليس هناك فى الشرع ما يتعارض مع ما قلته أعلاه عن القواعد الهامة. وقد تلاحظون أن كلامى كله لم يفرق بين الرجل والمرأة، وأنى أشير دائما إلى الزوجين على حد سواء وليس إلى كل طرف على حدة. والمفهوم الخطئ للدين ينشأ بسبب اعتقاد البعض أن الإسلام يرسم خطا جامدا لحياة الإنسان وهو اعتقاد خاطئ تماما، فالإسلام لا يريدنا أن نكون آلات متحركة ولكن يريدنا أن نتحرك بعقولنا ونختار.
الحوار والدعـوة
لاشك أن الدعوة واجب على كل مسلم، وكما قلنا فإن أقوى وسائل الدعوة هى أسهلها لأنها لا تتطلب مجهودا ولا محاضرات ولا علما واسعاً فوق أساسيات الواجبات الشرعية، وهى القدوة الحسنة. فلا يلزم للمسلم لكى يحصل على أجر الجهاد فى سبيل الله (والدعوة للتوحيد من الجهاد) سوى أن يؤدى ما يفرضه الإسلام من أساسيات العبادة والمعاملات. وواجب التركيز على المعاملات فى تلك المرحلة ربما يكون أهم من ناحية التأثير فى الغير.
وتأخذ الدعوة بعد ذلك أشكال متعددة تتوقف على الزمان والمكان والظروف المحيطة، وأهم من هذا وذاك تتوقف على المتلقى. وفى حالة الدعوة عن طريق الحوار، لا يكون ذلك إلا بالحسنى، وإن لم يكن هذا ممكنا فلا حوار. والحوار كذلك له مستويات، تتوقف على مقدار علمك ومقدار علم محدثك.
وأيا كانت تلك الأشكال أو المستويات، فلابد أن يستقر فى ذهننا دائما أن الهداية من الله تعالى وحده، حتى الرسول ما كان عليه إلا البلاغ. فإن تعديت ذلك إلى محاولة إثبات هذا الأمر أو ذاك ، تكون قد خالفت القاعدة الأساسية. مثلا واجهت كثيرا سؤال: لماذا تحرمون الخنزير وها نحن نأكل الخنزير بعد أن نعتنى به ونحرص على نظافته ولا يسبب لنا أمراضاً. [ملحوظة: يهتمون فى الغرب فعلا بنظافة الخنازير لدرجة مدهشة، ولعل من يشاهد برامج الأطفال يلاحظ شخصية الخنزير منتشرة بشكل محبب. ولكن رغم ذلك فإن أبشع سبة تسب بها أى غربى هى أن تقول له أنت البعيد خنزير!] المهم .. كان ، ولا يزال ، ردى دائما: نحن لا نحرم الخنزير، ولكن الله تعالى هو الذى حرم لحمه علينا. فيكون السؤال التالى: ولكن لماذا، ألا تتساءلون لماذا؟ فأقول: الإيمان بالله فى الإسلام يعنى التسليم (ومن هنا أشرح الترادف فى التسمية). ونحن نسلم بالأوامر الإلهية كما أنزلت، وبعضها يفسر لنا القرآن الكريم والسنة الشريفة شيئا من الحكمة منها وبعضها يكون بلا تفسير. ويمكن للعلماء (سواء الدينيين أو البحثيين) أن يستنبطوا لها أسباباً أمس أو اليوم أو غداً ولكن: أولا: لن يحيط أحد بالأسباب (الحِـكـَم) كلها، وثانيا: لأن العلم الدنيوى قد يتغير ولكن الأحكام لا تتغير.
هذا طبعا ملخص لما يمكن أن تسير بنا المناقشة الجادة، ولكنها تبين عدم الخوض فى اكتشافات علمية هنا أو هناك، طالما أن القرآن الكريم والسنة الشريفة لم يقدما لنا سببا. فالمسلمون الأولون صدقوا أن الصاعد فى السماء يضيق صدره، بدون أن ينتظروا حتى تصعد الصواريخ إلى الطبقات العليا وتكتشف قلة الأوكسوجين تدريجيا.
وعندما نصل إلى هذا المثال (نقص الأوكسوجين) وعندما يبدأ محدثك فى الدفع بأن الإنسان يصعد الآن ولا يضيق صدره بفضل الأجهزة والملابس الخاصة، تعرف فورا أنه يلوى الحوار إلى اتجاه المراء وهو مجرد الجدال لأجل الجدال. ولن يفيدك المتابعة فتعتذر له بلطف عن إتمام الحوار وتقفل باب تبادل الإتهامات والتجريح.
باختصار يكون الحوار أفضل وأكثر فائدة ، بالإضافة إلى ما قلناه سابقا عن التركيز فى موضوع واحد ، عندما يكون موجزا بقدر الإمكان بدون محاضرات وبدون الخوض فى تفاصيل واستثناءات.
وقد أعطى الرسول الكريم (ص) أفضل مثال على طريقة الدعوة. ويكفى أن نقرأ بعضا من رسائل الرسول (ص) إلى الملوك والحكام. [أنظر ملف PrphtMssgs.doc] فنجد أن الرسائل تبدأ بعبارة “إسلم تـَسْـلـَم”.
قد يظن البعض أن المقصود من العبارة التهديد. وهذا خطأ. لأن “تسلم” هنا تعنى السلامة الشخصية من الكفر ومن النار فى الآخرة، وهو واضح لأهل ذلك الزمان لأنهم كانوا يعرفون أن الإسلام لا يكون بالإجبار ولا تقبل صحته عند ذلك. فلا يمكن بالتالى أن يفسرها أحد بأنها تهديد. أما مسألة الجهاد والحرب فهى مواضيع بحثها سهل لمن يريد الدراسة والمعرفة. ولكن بصفة سريعة نقول أن الحرب تكون أحيانا لا مفر منها وعند ذلك تكون جهادا. أما الجهاد فمفهومه عام يتعلق بحركة الإنسان فى الحياة وحركته هذه كلها جهاد ولكن ليست كلها حرب بل يمكن ألا يكون فيها حرب على الإطلاق.
سماحة الإسلام تبدو واضحة فى عدم منعه أصحاب الديانات الأخرى من ممارسة دياناتهم ، وحرصه على انضمام المجتمع الواحد داخل نسيج متماسك (وطنيا) فنجد كل الأوامر بالعدل والقسط شاملة عامة لا تختص فيما بين المسلمين فقط ولكنها تشمل المجتمع كله. وهذا متفق تماما مع مبدأ حرية الدين وشرط أن يكون اختيارا وليس بسبب وراثة ولا انتماء لقبيلة ولا حاكم ولا عصبية. وهذه قاعدة أساسية من قواعد بناء المجتمع الإسلامى (بصرف النظر عن نسبة عدد المسلمين فيه كما قلنا سابقا).
وبناء على هذه القاعدة الذهبية، وتساوى الحقوق والواجبات، فالمعرفة هى أول الطريق للإختيار. وأعنى هنا معرفة أساس الإيمان فى كل دين. ولم يكن الرسول (ص) ولا الصحابة ولا الخلفاء الراشدون (الأربعة) يمنعون الناس من التعرف على الديانات الأخرى. وحث الوالدين على تربية أبنائهم على معرفة الدين الإسلامى لا يتعارض مع المبدأ، فالتعرف على الأديان الأخرى يكون عندما يبلغ الطفل مرحلة الإدراك الواعى الذى يستطيع به أن يصل إلى الإختيار الذى يقـتـنع به. فالمفهوم إذا أن يتعلم الأبناء من أبويهم أولا ثم يتطلعون إلى المعرفة الأخرى لاحقاً. فالإنسان يحاسب فى الآخرة على اختياره. ونحن نعلم أن الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم بعد (أى لم يصلوا بعد إلى مرحلة الإختيار) لا يحاسبون، أيا كانت ديانة والديهم أو ما علماهم إياه.
إذا فمن حق غير المسلمين أيضا الدعوة.
أرى للأسف كثيرا من المسلمين يجزع لمجرد أن نقول هذا. وهذا خطأ كبير لأن من أول صفات المسلم أنه لا يجزع. وهذه قاعدة ذهبية وأساسية أيضا. فالجزع يعطل التفكير السليم ولو مرحليا، مما يدفع الإنسان إلى التصرفات الخاطئة أو غير المفيدة أو بدون حكمة. وهذا مناف لما قلناه عن القدوة الصالحة.
لننظر إلى موضوع الدعوة من وجهة نظر الجهاد. والجهاد هنا يعنى العمل الدؤوب والتقدم باستمرار والتطور، والمنافسة تدفع بعجلة الجهاد إلى الأمام، وفى النهاية يتـفوق الفريق الأفضل. ونحن جميعا نعلم كيف كان يتلقى غير المسلمين أحاديث الشيخ الشعراوى مثلا، بل إن بعض غير المسلمين كان يحفظ أجزاء من تلك الأحاديث ولى أصدقاء غير مسلمين كانوا يحفظون كثيرا من القرآن بالقراءة الصحيحة. ولم يكونوا يفعلون ذلك ليهاجموا الإسلام. والله تعالى أعلم بالقلوب.
وأرى للأسف أيضا مداخلات تليفونية فى التليفزيون وإلكترونية على الإنترنت من مسلمين فى برامج دعوية غير إسلامية تأخذ الطريق الخطأ وهو كيل الإتهامات للإسلام والتفتيش فيه ليس للدراسة ولكن للوقوع أكثر فى هوة الضلال. وربما يعتقد من يتدخلون من المسلمين أنهم بذلك يؤدون واجبهم، رغم أن مداخلاتهم تدفع بهم إلى طريق حلزونى لا نهاية له من الحوار العبثى الذى عادة ما ينتهى (إذا انتهى) بتبادل السباب. أما من لا يجزع فإنه يستفيد من تلك الدعوات كما قلت سابقا بالحث على زيادة العلم والإطلاع والمعرفة سواء فى الدين أو فى غيره.
ولا يختلف إثم أولئك المضللون عن إثم المسلمين الذين ما أن تصلهم رسالة “شكلها حلو” على البريد الإلكترونى فيقومون بدفعها فورا إلى قائمة العناوين التى لديهم، بدون تفكير ولا تحقيق ولا روية. فإذا كانت تلك الرسالة تحوى أحاديث ملفقة أو حكايات خيالية نالوا من الإثم بمقدار مؤلفيها وربما أكثر لأن إثم “الجهل” يضاف إلى إثم تلك الرسائل فى حد ذاته.
لماذا لا يتطوع شبابنا مثلا فى العمل الدعوى فى بلاد لا تتحدث العربية بمقابل زهيد أو حتى لوجه الله. أليس هذا أفضل من البطالة وانتظار الوظيفة والمكتب والمرتب المجزى؟ ولقد رأينا شباب من غير المسلمين يتطوعون لشهور فى خدمة الفلسطينيين والدفاع عن قضاياهم ويعيشون فى أحلك الظروف، بل ويموتون أيضا، ولا يختلف عنهم أقرانهم الذين يتطوعون فى إرساليات الكنائس إلى مجاهل أفريقيا مثلا لنشر الدين المسيحى، فيعيشون فى أكواخ عيشة الناس هناك ويقدمون الدواء والخدمات للناس، فيقترب الناس منهم ويرون فيهم قدوة حسنة فيسألونهم ويجيبون ويكسبون قلوبهم وعقولهم على مدى ربما عشرات السنين.
فهل نجزع من هؤلاء لأنهم يؤدون واجبهم بهذا الإخلاص أم نجزع لأن شبابنا لا يأخذ المبادرة ويفعل بالمثل على الأقل، أم نجزع لأن الملايين من أموال الخير تذهب إلى غير أوجه الدعوة، أم نجزع لأننا نكتفى بردود أفعال (غالبا ما يكون الدافع لها هو الغضب) بدلا من أخذ زمام الفعل فى أيدينا؟
المسـلم والتـعــداد
تشيع عبارات بين الناس فتتردد على ألسنتهم بلا وعى تقريباً ، ويتبع هذا أفكار ترسخ فى عقولهم دون كثير من التفكير. وأقرب مثال لهذا تعبير “الدول العربية والإسلامية” .. فلا يكاد أحد يذكر الدول العربية إلا وأضاف لها “والإسلامية” تلقائيا بداع وبدون داع. فإذا فكرنا قليلا سنجد أن الواو هى للإضافة .. يعنى الدول العربية (شىء) ويضاف لها الدول الإسلامية (شىء آخر). فهل هذا ما نعنيه؟ الحقيقة أن الفكرة الراسخة فى أذهان العرب هى أن الدول العربية هى دول إسلامية فى نفس الوقت. فالمفروض إذاً فى هذه الحالة أن نقول الدول العربية الإسلامية.
[من مقال فى 18/6/2004:] المسلم والدولة ، الدين والسياسة ، الأمة الإسلامية والأمة العربية والشرق الأوسط .. آهى لخبطة تسميات وشعارات. أريد هنا أن أتحدث عن السياسة من حيث علاقتها بالدين فقط.
الدولة الاسلامية بالمقصود الدينى موجودة فلا تبحثوا عنها ولا “تحاولوا” اقامتها. ولنسمها لعدم خلط الأمور: “الأمة الإسلامية” وهى مجموع المسلمين الحقيقيين (وليس بالإسم أو الوراثة) فى جميع بقاع الأرض. هذه الأمة لها قوانينها ودستورها المدون والمحفوظ فى القرآن والسنة .. وليس لها حدود جغرافية .. ولا ينبغى لها. وليس لها رئاسة واحدة ولا مناصب دينية.
أما الدولة الاسلامية بالمقصود السياسى فهى كبقية الدول ، لها حدود وشعب وحكومة الخ. ولكن كل ما فى الأمر هو أن القيادة السياسة بها تعتمد فى نهجها أساسا اسلامياً. وفى نفس الوقت لا تكون لهذه القيادة أى وضع دينى خاص. ومن قلدوا النظام الكنسى فى الإسلام (مثل الشيعة) ضلوا الطريق وأضلوا من تبعوهم.
وأنا شخصيا لا أحب كلمة “دولة إسلامية” وافضل عليها تعبير “أمة الإسلام”. يعنى يمكن وصف دولة ما بأنها عربية ولكن لا يستحب وصفها بأنها دولة إسلامية. وقبل أن تثوروا علىّ أقدم الأسباب التالية:
• التسليم بأن دولة ما إسلامية يقتضى بالضرورة التسليم بوجود دولة مسيحية ودولة يهودية ودولة بوذية وهكذا. وكانت هذه النقطة هى التى جعلت العرب لا يستطيعون معارضة تكوين دولة يهودية.، رغم أن الخطأ واحد.
• تصنيف الدول على أساس دينى تصنيف غير صحيح. فالدول تقوم على أساس سياسى وقد تختلف بين وقت وآخر من حيث المساحة وهوية السكان وأشياء أخرى كثيرة.
• ذلك التصنيف يقتضى بالضرورة تصنيف مواطنى كل دولة حسب الدين. مما يوجد نوعا من التفرقة العنصرية التى يحاربها كل الأحرار فى العالم بصرف النظر عن ديانتهم.
وقد كتبت من قبل عن الهوية والإنتماء ما مختصره أن الهوية تتعدد حسب العقيدة السياسية والعقيدة الدينية والمهنة والدراسة الخ. بينما الإنتماء لا يكون إلا للوطن .. الدولة. والهويات المتعددة لا تعارض بينها. أما الإنتماء فيتعدد فى شيئين فقط: الدولة التى أنتمى إليها والأمة الدينية التى أعتنق مبادئها. أما غير ذلك فهو ضياع. والإنتماء للدولة وللأمة فى نفس الوقت ليس بينهما تعارض. فالأمة الإسلامية أو المسيحية أو البوذية ليس لها كما قلنا حدود ولا رئيس ولا حكومة. وبالتالى فإنى أعتبر السؤال: “هل أنت مسلم أولا أم مصرى أولا؟” سؤال خبيث يريد أن ينتهى بنا الجدال حوله إلى فتنة.
تعالوا ننظر إلى المسألة من ناحية أخرى وسؤال أكثر دقة.
هل كل مسلم مسلم؟
يعنى المسلم بالوراثة فقط، هل ينتمى إلى أمة الإسلام؟ وهل انتماؤه لتلك الأمة مثل انتماء المسلم الأندونيسى مثلا الذى لا يعرف اللغة العربية ولكنه يمارس طقوس الإسلام ويقرأ القرآن بصعوبة؟ وهل انتماء هذا الأخير يماثل انتماء المسلم الشيعى أو الدرزى (على اعتبار أن الدروز يدَّعون الإسلام)؟
ثم .. الإسلام هو أكثر الديانات اهتماما بواجبات المسلم نحو مجتمعه. وهذا طبيعى لأنه خاتم الأديان. ولم ينص الإسلام على شرط أن يكون ذلك المجتمع كله من المسلمين. ولهذا دلائل ونصوص واضحة كثيرة فى القرآن والسنة، أكثر من أن نحصيها هنا. ولكن أذكر منها فقط واجب الدعوة. وهو واجب على كل فرد وليس على العلماء فقط. وأداة الدعوة بسيطة جدا يستطيعها كل فرد لو أخلص، وهى أيضا من أقوى الأدوات: هى القدوة الحسنة. والحقيقة أن هذا هو ما نشر الإسلام فى أرجاء الدنيا.
لنأخذ بلدنا مصر مثالا لهذا. عندما دخل العرب مصر أولا كان ذلك بترحيب من المصريين للتخلص من الإستعمار الرومانى. [تحدثت عن بشاعة الإستعمار الرومانى من قبل فى ملف حول موضوع العبودية. كما تحدثت عن ظروف ذلك الوقت من صراع الإمبراطوريات فى ملفات “مؤتة” و “تبوك”.] المهم أن من دخلوا مصر كانوا قطعا مجموعة قليلة نسبيا .. يعنى لن يزيدوا عن بضعة آلاف. ولم ينتج عن ذلك أن أصبح المصريون مسلمون بالتبعية. ولكن نتج عن ذلك أن أصبحت مصر دولة إسلامية بالتعريف السياسى الذى ذكرته قبل بضعة فقرات. يعنى حلَّ القانون المستمد من شرع الإسلام محل القانون الرومانى.
وظل المصريون على عقائدهم باختلافها لعدة سنين، ربما كانت عشرة سنين أو تزيد أو تقل. فى أثناء تلك المدة الطويلة رأى المصريون شيئين: رأوا عدالة القوانين والنظام الذى لا يقسم المجتمع (الشعب) إلى مسلمين وغير مسلمين، والذى يراعى تعاليم الأديان الأخرى فى الأحكام التى تتعلق بالدين فلا يمنع كنيسة مسيحية ولا يهودية، ولا يفرض معتقدات معينة على الناس. وكتب الأحاديث تروى لنا الكثير من أخبار غير المسلمين الذين فضلوا الإحتكام إلى الإسلام، مثل المصرى (غير المسلم) الذى ذهب إلى دار الخلافة ليشكو ظلما وقع عليه من ابن عمرو بن العاص، ولولا أنه على يقين من الإنصاف لما فعل ذلك.
أما الشىء الثانى والهام جدا فهو أنهم رأوا فى تلك القلة القليلة العدد القدوة الحسنة. رأوهم يتعاملون مع الناس بالحسنى ورأوا أمانتهم فى التجارة ورأوا نظافتهم الشخصية ونظافتهم الإجتماعية ورأوا اهتمامهم بالجار أيا كانت ديانته ورأوهم يحافظون على المواعيد كمحافظتهم على الصلاة ويحافظون على العهود مع أى إنسان و .. و .. وأخذ الناس يسألون والمسلمون يجيبون .. ثم اعتنق المصريون الإسلام جماعات جماعات حبا فى الإسلام وليس خوفا من سيف.
هل خرجت عن موضوع هذا المقال؟ كلا .. بل إن كل ما قلته حتى الآن ـ ولم أذكر خلاله التعداد إلا فى الفقرة السابقة ـ كله فى صميم الموضوع. وأخلص من هذا إلى القاعدة المهمة:
لا يتحتم أن تكون غالبية سكان الدولة الاسلامية (بالتعريف السياسى) من المسلمين.
والإعتقاد بأن للتعداد تلك الأهمية الدينية الكبيرة إعتقاد خاطئ لدى المسلمين والمسيحيين فى مصر على حد سواء.
يشكل التعداد العام أحد أهم عوامل التخطيط الصحيح للدول، وتتوقف عليه سياسات واستراتيجيات وبرامج تنمية واستثمارات الخ. أى أن له أهمية سياسية واستراتيجية فى المقام الأول. ولكن ليس له أهمية عقائدية كما يخيل إلى الكثيرين. التعداد يعطى صورة عن الأغلبيات والأقليات فى كل مجال من مجالات التصنيف (ومنها الديانة) كمؤشر لتلك السياسات ولكن ليس لتقسيم الناس إلى مواطنين من الفئة الأولى والثانية إلى العاشرة مثلا. الكل مصريون من الفئة الأولى، إلا إذا كانوا جواسيس أو ناشرين للفتنة.
ولا يختلف أحد على أن أغلبية الشعب التركي مسلمون. ورغم ذلك فإن تركيا لا تعتبر “سياسيا” دولة مسلمة لأنها لا تنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسى للتشريع. وهذا حقهم وقرارهم .. لا يؤثر فى “الأمة الإسلامية” بقليل أو كثير. وتمثيل تركيا أو أى دولة أخرى فى المؤتمرات الإسلامية والدراسات والأبحاث العالمية الدينية أيضا لا يتأثر، فمن يشتركون فيها يمثلون مسلميها سواء زاد عددهم أو قل. وهذا يسرى على كل الدول الأخرى مثل فرنسا وأمريكا وغيرهم.
وعلاقة هذا المقال بموضوع حوار الأديان تتبين فيما يلى:
إذا رأيت أثناء حوارك أن محدثك يريد أن يتطرق إلى أهمية النسبة بين المسلمين وغير المسلمين فى دولة ما، فلتعلم أن الحوار يتحول إلى حوار عبثى، إلا إذا بادرت إلى إسقاط مسألة التعداد وعدت بالحوار إلى الموضوعية والجدية.
أما إذا كنتم مصرين بعد على تسمية الدول العربية بالدول الإسلامية، فأذكركم بالمقولة المشهورة لأحد كبار المفكرين القدامى عندما عاد من أوروبا ليقول: رأيت هناك إسلاما بلا مسلمين وأرى هنا مسلمون بلا إسلام.
المسـلم والحــوار
تلقيت من المهندس محمود فاصل طويل من الحوار فى إحدى المجموعات، شغل أكثر من ثلاثين صفحة! ولابد أن كل منا التقى بمثل هذه الحوارات حول الأديان هنا أو هناك على الإنترنت أو حتى بين الأصدقاء.
ليس الإنترنت فقط ولكن الفضائيات التليفزيونية والنشرات وخلافه مليئة بنوعين من الحوارات: إما حوارات جادة أو مضللة. يوجد أيضا نوع ثالث هو المساجلات الطفولية والحماسية والإستهبالية الخ، وهى كلها لا ترقى إلى تعريف الحوار وحتى كلمة مساجلات كتيرة عليها ولا يلتفت إليها تماما ولا ينبغى إضاعة الوقت فيها.
فى نفس الوقت لاحظت عودة الأحاديث الموضوعة المضلـِّلة إلى الرسائل الإلكترونية والفيس بوك.
وقد تحدثنا عن كثير من تلك الموضوعات ـ موضوعات الحوار ـ سابقا، ولكن من المفيد استعادة بعض من ذلك مع الزيادة إذا أمكن. وسوف أتحدث عن كل موضوع على حدة حتى أتفادى الخطأ الشائع: وهو خلط المواضيع مما يؤدى إلى الضلال والإضلال ولو عن غير قصد. وليتنا ننتبه إلى هذه القاعدة فى أى حوار دينى أو غير دينى. إذا بدأ محاورك فى وضع أبو قرش على أبو قرشين، إنتبه فإما أن تعودا معا إلى موضوع واحد أو ينتهى الحوار فوراً.
ما هو الفرق الأساسى بين الحوار الجاد والحوار المضلل، أو فلنسمه الحوار العبثى؟
هدف الحوار الجاد دائما هو المعرفة. يعنى أنا أريد أن أستزيد من معلومات لدى الآخر وهو يفعل نفس الشىء. ويميز مثل هذا الحوار: الإستماع، ولا يصلح فيه ما تعودنا عليه من قطع حديث الآخر طول الوقت.
يكون الحوار عبثيا عندما يكون هدفه هو إثبات صحة ما أعتقده وخطأ ما يعتقده الآخر. لن يصل المتحاوران إلى أية نتيجة، فالإنسان يحتاج أولا إلى معرفة الرأى الآخر أو العقيدة الأخرى ، ثم يحتاج إلى وقت آخر للتفكير منفردا ، ثم يصل إلى قناعة معينة. ولن يحدث فى أى مناقشة أن يقول لك الطرف الآخر: فعلا أنا كنت خطأ وانت صح، حتى لو كان الكلام عن طعم نفس البامية التى تأكلاها معا.
وكثيرا ما يتحول أحد النوعين إلى النوع الآخر. فكما قلت عاليه يتحول الحوار الجاد إلى عبثى إذا بدأنا فى الخلط. والعكس أيضا صحيح. فالحوار العبثى يمكن أن تحوله بالذكاء والخبرة والمعرفة إلى حوار جاد.
وقد أجريت حوارات دينية كثيرة مع من لا يؤمنون أصلا بأى دين. وفى تلك الحالات بالذات يبدأ الحوار عبثياً. ونجد هذا أيضا فى مواضيع غير دينية. مثلا حين تتحدث مع أجانب فيبدؤون بالسؤال عما إذا كانت الثعابين والتماسيح تسير فى طرقات مصر، أو يسألون عن كيفية المعيشة فى الصحراء الخ. فمن الخطأ أن تبدأ بالإجابة المباشرة. يجب أولا تحويل الحوار إلى حوار جاد عن طريق مزحة أو مسايرة أو أى طريق حسب الحالة. فمثلا كنت أرد على مثل هذه الأسئلة بقولى: نعم، وأولادنا يتعودون على اللعب مع الثعابين والتماسيح من صغرهم بدون مشاكل .. وفى هذه الحالة سيستمر الحوار ، وبعد دقائق ستجد أن الحوار تحول إلى تبادل معلومات فعلية وستوفر على نفسك إلقاء خطبة عصماء عن حضارة سبعة آلاف عام، إلى آخر الإسطوانة التى تنفر الناس منك. بالمثل يبدأ حوار غير المتدين بالتهكم على الدين ـ أى دين. وتستطيع تحويله إلى حوار جاد.
ليس معنى ذلك أنها وصفة تنجح مائة بالمائة، فالأمر يتوقف دائما على من تحدثه. فبعد بضع جمل ودقائق معدودة ستعرف إذا كان يريد المعلومات أم يريد فقط تمضية الوقت والتسلية. وفى الحالة الأخيرة غير الموضوع وريح نفسك.
والمبدأ المهم فى نجاح أى حوار أن تدرك جيدا أنك لست عالما فى الموضوع ويدرك الآخر أنه مثلك ليس عالما. وعندما تأتى إلى سؤال من محدثك لا تعرف إجابته فليس عيبا أن تقول لا أعرف، ولكن العيب أن تفتى بما تعتقد أنه تقريبا الإجابة ، أو أن تقول ما يحضرك فورا دون تفكير، أو أن ترد بسؤال مضاد وهى طريقة شائعة لدفع الإحراج ، على أساس أن عدم المعرفة عند الكثيرين عيب! والحقيقة أن هذا يقودنا إلى إحدى الفوائد المهمة للحوار: فهذه المواقف تدفعك إلى البحث والقراءة والسؤال لكى تعود فى إلى محدثك بالإجابة أو تستفيد منها فى حوار مقبل، وقبل هذا وذاك تكون أنت قد استفدت كثيرا بزيادة معلوماتك.
أحيانا ما تكون المعلومة تقريبية ، خاصة لو كانت من الذاكرة ، والحوار الجيد هو الذى يبدأ معظمه بعبارة “أنا أعتقد”. وهذه قاعدة أساسية أيضا فى الإجتماعات الرسمية بالمناسبة، فهى تفتح لك عقل من تحدثهم ولا تجعلهم ينفرون مما تقول. وستلاحظ أن الكثيرين يستعملونها حتى ولو كانت المعلومة مكتوبة وموثقة أمامه ودليلها مؤكد.
تكفى هذه البداية الآن وسنتحدث فيما بعد عن المواضيع الشائعة فى حوارت الأديان، وأولها إن شاء الله سيكون عن التعداد.
ومـرَّ عـــام
قبل عام تقريبا فجر الحماسيون جزءا من الحدود مع مصر ودخلوا الأراضى المصرية عنوة، تحت زعم أنهم لا يجدون “اللقمة” (ياعينى!) بسبب الحصار. وبقى الآلاف منهم داخل مصر، ولا يعرف أحد ماذا يفعلون منذ ذلك الوقت. وبعد ذلك بدأت حدة الهجوم على مصر تتصاعد. وبعد أن كان الهجوم من حركة حماس كمندوبين عن محور أمريكا / اسرائيل / إيران انضم للمحور سوريا (مفاوضات مع اسرائيل بعد ثلاثين عاما من الصمت المطبق) وحزب جنوب لبنان (إتفاق هدنة دائمة مع اسرائيل) والسودان (دارفور والجنوب والبقية تأتى) وقطر (قاعدة الولايات الإستعمارية، والهرولة فى التطبيع مع إسرائيل) وإيران (حلم امبراطورية فارس والقسمة مع إسرائيل) والوجوه الصفيقة من مصر للأسف! وكلهم يتهمون مصر بالعمالة! ومن لم يحضر هذه الأحداث فى وقتها سيظن أن هذا الكلام من المزاح، ولكنها الحقيقة .. هؤلاء كانوا يتهمون مصر بالعمالة .. أى والله!
وبهذه المناسبة أنقل هنا جزءا صغيرا من حوار دار بين غالبية من الفلسطينيين على الفيس بوك حول الحدود مع مصر. وكان عنوان الحوار كما يلى:
هل سيفجر أهل غزة الحدود المصرية؟
10/4/2008، Ayah: نحن في غزة لا نعيش ولا نموت. معلقين مسجونين يائسين الا من وجهه الكريم. ومع ذلك فلن يغير تفجير المعبر من شيئ. أقول ذلك من منطلق أننا عشنا التجربة في التفجير السابق ولم تحل أزمة الحصار، بل على العكس ارتفعت الاسعار من يومها بشكل جنوني وأصبحنا نشتري البضائع بضعف الثمن. والداهية الأنكى من ذلك أنه لم تدخل بضاعة مهمة أصلا، كل ما أدخله التجار مستلزمات بسيطة نفذت من اول أسبوع للتفجير واليوم نعيش في حالة يرق لها الكافر فالاسواق فارغة وحتى من هو مستعد لدفع أغلى الاثمان في سلعة معينة فلن يجدها أصلا. ما حدث في المرة السابقة مهزلة صورت شعبنا بالهمجية والبربرية وان تكرر ذلك فستكون ردود الفعل من الجانب المصري هذه المرة دامية. لا اقول اننا لا نريد فتح المعبر لكن تفجيره سيزيد الامور تعقيدا. والأسف أننا ما عدنا نثق بحلول رشيدة تنقذنا لأن زعماء حماس خيبوا الآمال على كل الاصعدة كما فعل من سبقهم من اوغاد فتح. ليس لهذه الأزمة كاشف الا الله عز وجل. فاللهم عجل بفرجك وانظر الينا بجاه صبرنا ورباطن.
10/4/2008، رنا: “ان ما حدث في المرة السابقة مهزلة صورت شعبنا الهمجية والبربرية”!
من الذي قال ان صورة اهل غزة تشوهت وان عبورهم لرفح والعريش المصريتين تم بصورة همجية وبربرية؟!! على العكس كانوا في قمة الحضارة والرقي اشتروا ولم يسرقوا وعادوا الى بيوتهم بكل رقي وحضارة والكل شهد بذلك. يا ليت بلاش هذا الأسلوب الخبيث في تشويه صورة المقاومة الإسلامية وحكومة حماس. فألعابيكم مكشوفة وواضحة.
10/4/2008، Ayah: لم يكن انطباعا كانت صورة واضحة أمام الجميع (وبلاش نضحك على بعض كلنا عارفين الصحيح). ولن أتجادل معك في نقطة أنني أريد تشويه حماس الأبية أم لا .. فالأمر لا يستحق حتى ان احرق دمي ما يهمني هو خروجنا من الوضع البائس الذي نعيشه في ظل الحصار.
10/4/2008، أبو معاذ: تضطر قيادات حماس والجهاد بسبب الظروق وضغط الواقع أن يتلو آيات الشكر والعرفان للشقيقة مصر صباح مساء وعليهم أن لا ينسوا الدور التاريخي والإقليمي والدولي والعربي والإسلامي والوطني لهذه الدولة المتواطئة التي تؤدي دورها ببراعة في عملية الخنق والقتل والتجويع. طبعا الشعب المصري برئ من الدور الخبيث الذي يلعبه نظام مبارك لكنني لا أشك أن رجال وقيادات الفصائل يمدحون دور مصر وهم في قرارة أنفسهم يعلمون كما يعلم العالم كله أن النظام المصري يؤدي دوراً قذراً في هذا الحصار الخانق ويستخدم ورقة المعابر كأداة لتصفية حساباته مع حركة حماس والتخلص منها ولو كلف هذا الأمر قتل كل الشعب الفلسطيني. على الشعب الفلسطيني أن يقتحم معبر رفح وأن يفضح الجيش المصري العميل الذي لن يتورع في إطلاق الرصاص على الفلسطينين كما يطلقه كل يوم على كل من يحاول التسلل إلى إسرائيل، لكن لعلها تكون الشرارة التي تتسبب في خروج الشعب المصري ليقتلع هذا النظام من جذوره وليدق آخر مسمار في نعشه ليذهب إلى مزبلة التاريخ غير مأسوف عليه. مع الأسف سيكون أمام مصر مشورا طويلا كي تستعيد دورها ومكانتها ولكي تزيل التشويه الذي لحق سمعتها على يد نظام مبارك.
10/4/2008، عبد الغفور: وتلام شعوب الدول اﻹسلامية لتخاذلها عن نصرتهم. بل أرى أن من واجب الشعوب اقتحام الحدود من الخارج لفك الحصار. الصين رفضت طلبا لمفوض أممي لحقوق اﻹنسان قصد زيارة التبت. وزيارة غزة يتعامون عنها.
11/4/2008، ضيف: بالطبع لان المعاناة كبيرة في غزة وهناك نقص في جميع المواد الاساسية ومن حقهم ان يعيشواوان ياخدوا حقهم في الحياة وان لايتركوا للموت.
وكان تعليقى كما يلى:
11/4/2008، محمود أنور: السؤال ليس له معنى أولا، لأن الحدود بين البلاد ليست مبنى أو شيئا محددا يمكن تفجيره. السؤال يجب أن يكون: ما هى استراتيجية حكام غزة لمدة العشرين سنة القادمة؟ فإذا أجاب أحد على هذا السؤال ستكون إجابة التساؤل “ماذا نفعل فى حالة الحصار” نقطة من نقاط عديدة كلها مرتبطة ببعضها البعض داخل إطار استراتيجية. والإستراتيجية غير الأحلام والأمانى. الإستراتيجية دراسة وعلم، وذكاء. أما التصرفات الحمقاء بلا أهداف واضحة ولا مستقبل فمنتهى الغباء. هذا طبعا إلا إذا كان أحد أهداف استراتيجيات حكام غزة هو تحرير مصر! وبالمناسبة .. لماذا لا يكون السؤال هكذا: هل سيقتحم أهل غزة الحدود مع اسرائيل؟ أليس هذا سؤالا منطقيا ما دام لا توجد استراتيجية معروفة أو مفهومة؟
وبالمناسبة أيضا أعيد بعض التعريفات التى ذكرتها فى مقالات سابقة ذات علاقة بالموضوع للتذكرة:
حركة حماس: هى حركة بدأت فى الضفة الغربية وغزة بقيادة الشيخ أحمد ياسين ـ رحمه الله ـ وقامت بالإنتفاضة الأولى والثانية. والشيخ أحمد ياسين قاوم كل محاولات إسرائيل لإبعاده للخارج رغم السجن والتعذيب والمرض لأن القيادة لابد أن تكون بين المقاومين. وكانت الحركة تعمل بالتنسيق مع منظمة التحرير.
حكومة فلسطين: هى الحكومة التى يعترف بها العالم والتى تمثل منظمة التحرير ـ الممثل الشرعى والوحيد لشعب فلسطين. والحكومة هى جزء من مؤسسات ديمقراطية عديدة نجح ياسر عرفات ـ رحمه الله ـ ومن معه فى تكوينها فى ظروف مستحيلة. والمفروض أن إنشاء “دولة الظل” بمؤسساتها خط أساسى لكى تحظى باحترام العالم ويساعد هذا فى حل القضية.
حكومة حماس: عندما فازت حركة حماس فى الإنتخابات التشريعية، كان هذا تعبيرا من الشعب عن الغضب من فساد استشرى فى أجهزة كثيرة. واعتقد الناس أن حركة حماس لم يتسلل إليها ذلك الفساد. ولم تكن النازية الجديدة راضية عن النتيجة، ولكنها لم تستطع التدخل لأن الإنتخابات (التى كانت تشرف عليها منظمة التحرير) كانت نزيهة باعتراف العالم. كان المفروض أن تصير حكومة حماس هى حكومة فلسطين، حسب التعريف السابق. ولكن اتضح بعد قليل أن الحركة قررت أن تستقل بقطاع غزة ونفذت ذلك فعلا فى 2007 بعد مواجهات دامية مع حركة فتح، حدثت فيها مآسى يندى لها الجبين من الجانبين. ولم يعترف العالم بدولة الإنفصال الغزاوية. وكان من العجيب فعلا أن تقرر الحركة ذلك الإنفصال لأنه ليس فى صالحها ولا فى صالح الشعب الفلسطينى على أى وجه من الوجوه كما بينت فى مقالات سابقة.
الفصائل: اتضح بالتدريج أن الفصائل الأخرى (وأكثرها فصائل مشبوهة) تهادنت مع حركة حماس مرحليا فقط وأن لهم سلطات غير معلنة ومناطق نفوذ فى غزة، وعليه صارت حكومة حماس بلا دولة حقيقية ولا سلطات شرعية، يعنى لكى تمثل غزة لابد لها أن تصحب معها بعض الفصائل.
حماس غزة: حصرت الحركة نفسها فى غزة كما تقدم، وأصبح لا وجود لها عمليا فى الضفة الغربية. فقضت فى الحقيقة على نفسها وعلى الوطن الفلسطينى المأمول. أى أن تعبير حماس غزة أصبح البديل لتعبير حركة حماس.
حماس دمشق: هو الجزء الآخر من الحركة بشكلها الجديد، وهو القيادة الحقيقية. فتأكد بذلك أن حكومة حماس ليست إلا خيال وأن رئيس الحكومة ليس شريكا فى السلطة فانعدم أى أمل فى الإعتراف بها. والقادة الحقيقيون من خارج فلسطين. وتحالف القادة “المغتربون” مع سوريا وبالتالى مع إيران وذيولها ضد مصر. وانهالت عليهم آلاف الملايين من دولارات إيران، بدون حسيب ولا رقيب. ويعلم الله وحده حجم ثروات أولئك القادة الآن.
الوجوه الصفيقة: هؤلاء نوعان: نوع من الخارج وهم الذين انضموا إلى المحور المذكور فى أول المقال، والنوع الآخر أشد انحطاطا لأنه من الداخل .. مصريون إسما ولكنهم لا يستحقون شرف الإنتماء لمصر. تضامنت الوجوه الصفيقة فى الجهاد ضد مصر فى التجمعات والإذاعات والتليفزيونات. ومن كرم الله تعالى على مصر أن فضحهم وأفشل المخطط.
المحاكمة الثقافية: ناديت بعمل محاكمة ثقافية للوجوه الصفيقة التى قلت أنها أشد انحطاطا. وهذا لأنى لا أومن بتوقيع عقوبات قانونية عليهم، ويكفيهم عذاب المنافقين فى الآخرة. لهذا فإن تأثير محاكمتهم ثقافيا سيكون أشد من أى أحكام قضائية. وكنت أرجو أن يتولى أحد أو مجموعة مثل تلك المحاكمة. وأسماء بعضهم تجدونها فى عدة مقاطع فيديو على اليوتيوب فى قناة MAALI65 وياريت نعرف أسماء الباقى ممن تابعوا تلك الحملة. وعلى فكرة رئيس وفد حماس غزة فى المفاوضات الحالية لإنهاء الإنفصال (المغترب والذى دخل غزة أخيرا لأول مرة منذ عشرين عاما بفضل مصر) هو أول من اتهم (من دمشق) مصر بالعمالة فى أول يوم من أيام العدوان على غزة.
للذكرى فقط وحتى لا ننسى!
حــوار
رسالة من م. محمود زينهم:
صباح الخير. للاسف مجموعة من المرتزقة ارسلوا لي هذه الحوارات الخطيرة والتي بها يراد التشكيك وزعزعة العقيدة. لذلك اعتقد سيادتكم من احسن الناس يمكن ان يردوا بالبرهان او هل نهملهم ارجو النصيحة.
Sorry for those words I spent 15 min to write the upper Arabic, really I surprised from those people and I think they are very dangerous for Islam, as they can attract the weak Muslim people, so you see to answer or to ignore please advise. Mahmoud
مساء الخير يازين(هم) الشباب
رأيت أن أرد عليك بإيجاز على أن أطيل فيما بعد.
لأنك طبعا ليس لديك الوقت للإبحار فى الإنترنت والدردشة والمجموعات والفيس بوك وخلافه فعندك حق أن تقلق لمثل هذا الجزء من الحوارات.
ليس الإنترنت فقط ولكن الفضائيات التليفزيونية والنشرات وخلافه مليئة بنوعين من الحوارات .. ولكن مبدئيا أيا كان نوع الحوار لا أقلق ولا أجزع منها. الحوارات إما حوارات جادة أو مضللة. يوجد أيضا نوع ثالث هو المساجلات الطفولية والحماسية والهبلية الخ وهى كلها لا ترقى إلى تعريف الحوار وحتى كلمة مساجلات كتيرة عليها ولا يلتفت إليها تماما.
يبدو أن الرسالة عبارة عن حوار ولكن لا نستطيع الحكم إذا كان مضللا أو جادا إلا بعد أن أصحو وأقرأه كله مرتين ثلاثة.
مبدئيا الإثنان المتحاوران وقعا فى خطأ جسيم نقع فيه كلنا، وهو خلط المواضيع ووضع أبو قرش على أبو قرشين، وهو ما يؤدى إلى الإضلال ولو عن غير قصد.
وهما تحدثا عن مواضيع كثيرة يصلح كل منها أن يكون كتابا .. بل وفيها فعلا كتب وأبحاث. وكثير من هذه المواضيع ستجد إجابة مبدئية لها فى سلسلة المقالات التى أرسلتها من قبل بدءا من السنة الثامنة للهجرة وستجد بعضها فى مقال غزوة الأحزاب.
والسبب الرئيسى فى مقالات السنة الثامنة ثم “بعد فتح مكة” ثم “مواقع حنين والطائف” ثم “غزوة مؤتة” ثم “غزوة تبوك” وإلى جانب ذلك مقال “الرسائل إلى الملوك والرؤساء” .. السبب الرئيسى هو أن تلك الفترة هى التى تشغل بال المهاجمين والمدافعين عن الإسلام على حد سواء. وكان المفروض أن يتبع مقال غزوة تبوك مقال طويل جدا عن آية السيف التى ذكرها الحوار ويذكرها كثير من الفريقين وفعلا أمضيت أكثر من ستة اشهر فى جمع المادة ولكن للأسف ضاعت كل الملفات مع الهارد ديسك الذى فسد وهو جديد بعد أيام من تشغيله وكانت تلك الملفات ضمن ما نسيت عمل احتياطى لها.
أرجو أن ترجع مبدئيا للملفات المذكورة وكذلك إلى الملف المرفق وبه جزء هام عن أن المسلم لا يجزع.
ولو شاهدت المحطات الفضائية التى تهاجم الإسلام والتى أشاهدها كثيرا وأضحك بشدة فربما يجزع من لا يعرف أو يجزع المتحمس وعلى فكرة أنا لا أعارض تلك المحطات ولا أطالب بغلقها، وهى محطات عربية، بل على العكس أطالب ببقائها لسببين
أنها تحفز المسلم على القراءة والبحث أكثر ليعرف أكثر فيزداد إيمانا.
وثانيا لأنها لن تؤثر إلا على الجاهل وهذا أمره فى يده فإما أن يتعلم فيصير مؤمنا قويا كأمر الله لنا وإما أن يظل على جهله فالف سلامة له ويبعد عن المسلمين أحسن.