Archive for فيفري 2009
القـيامـة قـربـت!
تخيل أنك فى مواصلة عامة وجلست بجوار واحدة بدون الإلتزام بالقياس القانونى للمسافة بينكما، فتـقوم هى، منطورة واقـفة! لاشك أن كل العقلاء (لو كان الركاب عقلاء يعنى) سيجدون ذلك طبيعيا ولا يحتاج إلى تعليق. وتحكى حضرتك لزملائك فيما بعد: أما انا شفت النهارده بنت، ياسلام! أدب إيه! وأخلاق إيه! كدة (وتشير بإصبعك الإبهام) .. “مابتـقعدش جنب حد”.
واحدة أخرى أكثر أدبا، بحيث إذا لم تلتزم سيادتك بالمسافة القانونية كانت تخجل أن تقوم منطورة واقفة، وتكتفى بأن ترقع بالصوت (تصرخ يعنى)، وعندما يلتفت الركاب، تقول لهم: هو ماعملش حاجة، بس أنا عندى مبدأ … (أنظر عاليه).
لأنى شاهدت مؤخرا خمس حالات خلال مشوار واحد فى أحد المواصلات العامة، إثنان من النوع الأول (نطرة) وثلاثة من النوع الثانى (صويت)، وأسفر ذلك عن خناقة واحدة أصيب فيها عشرة أشخاص، وحالتين جرجرة قفا إلى قسم البوليس، والباقى تصادف فيها أن الركاب وقتها كانوا عقلاء، فقد رأيت أن الإحتياط واجب. فسألت واستقصيت.
اختلف الخبراء (فى السلك القضائى) فى تفسير القانون، فبعضهم قال أن المسافة القانونية 15 سم بينما قال آخرون أنها 17.5 سم، وذهب فريق ثالث إلى أن القانون يترك تحديد المسافة لتقدير القاضى حسب حلاوة المنطورة أو جمال صوت الصارخة، ويفضل القانون أن يستعين القاضى بلجان تحكيم تتكون من كبار السن من البنات (وليس السيدات) لضمان حياديتهم بين الشاكية والمتهم! وكثير منهم قالوا أن هناك عوامل أخرى يراعيها القاضى مثل سن المتهم وظروفه الشخصية والحالة الإجتماعية وإذا كان قد تم تأديبه أثناء الواقعة بمعرفة الركاب من عدمه حسب تقرير المستشفى، الخ.
يعنى المسألة يمكن أن تدخل فى متاهات تشكيل لجان فحص حلاوة وتدخل المباحث وأبحاث اجتماعية وعرض على المستشفيات، ويظل المتهم أثناءها فى الحجز إلى أن يظهر له أصحاب يجمعون له التبرعات للإنفاق على تلك المتاهات و “تسليكها”، أو أصحاب فى أحزاب “جماهيرية” تقف خمسين دقيقة احتجاجا، أو أصحاب فى نقابة يراسلون رئيس جمهورية الكونغو لرفع المعاناة عن شعب مصر، أو أصحاب يطالبون بمقاطعة وسائل المواصلات العامة ويحثون الناس على الدعاء على وزراء النقل والتجارة والتعليم والصحة .. كل واحد هو ونصيبه من الأصحاب. أما من ليس له أصحاب فنصيبه أن تتولاه الصحافة المعروف عنها النزاهة (!) بما لديها من خبراء فى البحث والتحرى وكشف المستخبى منذ ولادته.
وعندما سمعت واحدة (آنسة) هذا الكلام قالت: والله فكرة، ياريت يطلع حظى فى واد حليوة وابن ناس أتـنطر له. وفى القسم بأه يخيروه: ياإما الحبـس ياإما تتجوزها. وطبعا حايفضل الجواز على الحبس مع قطاع الطرق وتجار المخدرات وقتالين القتلا. ثم أخذت ترقص من الفرح وتقول: وأخيراً اجوزت. ملحوظة: معظم الرجال ما زالوا يصدقون أن الجواز أفضل!
وعندما سمع واحد صاحبنا ذلك، اختمرت فى ذهنه فكرة تحل مشكلته. فهو يحب واحدة تركب نفس المواصلة يوميا. ونفسه يكلمها، ولكنه يعلم أنها تعلم أن الرجال بالضرورة ذئاب بشرية، وربما تصيبه المشاكل المذكورة. وعليه فقد قرر أن ينتهز أى فرصة ويجلس بجانبها ثم يتـنطر هو فورا قبلها، وهو يقول لا، لا، أنا عندى مبدأ! (نفس المبدأ المذكور فى الأول) فيحمر خد المؤدبة عندما تكتشف عدم ذئبيته، ويستطيع أخيرا أن يسألها: أبوكى مين ياصبية وساكنة فين ياعنيه؟
واحد ضحك كثيرا عندما حكيت له كل هذا، وقال: لا .. أنا بأه حويط. من زمان وانا عارف القانون كويس، فقطعت مسطرة على 20 سم (لزيادة الإحتياط) وأحملها معى دائما. فإذا تصادف جلوس واحدة بجانبى، وكانت لا تستطيع تقدير المسافات بدقة، لا أتنطر ولا أصوت، فقط أضع المسطرة بكل هدوء بينى وبينها وأشير لها على علامة ال 20 سم. وزيادة فى الإحتياط أطلب من أقرب واحد أو واحدة أن يشهد على الواقعة. فوجود شاهد هو احتياط مهم. فأنا غير مستعد أن أكون ضحية نطرة أو صويتة لأى سبب. مش جايز تكون معقدة نفسيا، أو تريد لفت نظر شاب معين إلى أدبها الجم، أو تكون ذئبة بشرية تريد الزواج؟ وبدون ذلك الشاهد، لن يصدقنى أحد ولو حتى غنيت ظلموه!
ولكن لأن ذلك الحويط يجد دائما العظم فى الكرشة، فقد سمعت بعد ذلك أنه يبحث عن أصحاب! فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله، إيه اللى حصل؟ فقالوا أنه بمجرد أن وضع المسطرة اتـنطرت جارته وقالت: بيغزنى بالمسطرة. وزيادة فى العظم الذى فى الكرشة، عندما خيروه بين الزواج والحبس صاحت هى: لا .. جواز إيه المعفن ده .. احبسوه!
وفى الحلقة القادمة إن شاء الله سنتحدث عن معفنين آخرين يستخدمون حيلة السلام باليد (تصوروا!) للتحرش الجنسى.
ماهى القيامة قربت كما أكد ذلك دراسة نشرها معهد أبحاث الكيمياء التابع لجامعة علوم البحار فى بلاد الجن والملائكة. ونقلتها عنهم وكالة أنباء إيرانية تأييدا لقضية اللاجئين الأفغان. وربنا يستر على ولاياه .. الرجالة.
مبــالغــة منـار
الصدق من الفضائل التى حضت عليها الأديان جميعا بشدة، كما حذرت بشدة من الكذب. والصدق والكذب ضدان. فماذا بينهما؟
لنأخذ مثلا: تبدأ الإشاعة بخبر صادق فى العادة، ثم ينتقل الخبر من فم إلى أذن. وفى كل مرة يزيد الخبر جزءا جديدا، وهذه عادة الناس فى كل مكان تقريباً، ولا يستثنى من ذلك الصحفيون، ولو أن جريمتهم تكون أكبر لأنهم فى هذه الحالة لا يهمسون فى أذن واحدة وإنما يزعقون على الملأ واللى ما يشترى يتفرج، خاصة وأن عقوبتهم فى الدنيا ـ إذا حدثت ـ فلن تزيد عن بضعة آلاف من الجنيهات يدفعها غيرهم، وهو ما يزيد عقوبتهم فى الآخرة إن شاء الله. الإشاعة إذاً تبدأ بصدق، ولو جزئى، وتنتهى بكذب كبير وإفك وفتنة أشد من القتل وعذاب أبدى فى الآخرة. وما بين البداية والنهاية: المبالغة.
تحدثت المهندسة منار عن المبالغة حديثا شيقاً تعرضت فيه لأمثلة من أمثال المبالغة، خاصة فى مسائل الحب والخطوبة والزواج. وكما كان متوقعا أثارت تلك المسائل كالعادة ردود فعل كثيرة ومتباينة. وحدثتنا م.منار عن بعض تلك الردود والتعليقات، ومنه نرى أن كثيرا منها ـ كما هو متوقع أيضا ـ خرج عن الموضوع إلى مواضيع متشعبة يلزم لكل منها مقالات منفصلة، فحدث التشابك المعهود عندما نتناقش فتضيع المعالم الأصلية.
وأريد هنا التعليق على أحد ردود الأفعال فقط، وهو تعجب بعضهم من الصدمة الكبيرة التى تحدث للرجل أو للمرأة إذا فشلت قصة حب أو مشروع زواج. واعتبروا ذلك سقوطا فى المبالغة نفسها التى كان المقال ضدها أساساً. وربما رأى البعض ايضا أن الصدمة قد تؤدى بالمرأة إلى الإنهيار أو الإنسحاب داخل النفس، ولكنهم استنكروا ذلك عند الرجال. فأقول:
المشاعر الإنسانية واحدة بين الإنسان، رجلا كان أو امرأة. مع ملاحظة أنى أتحدث عن المشاعر الإنسانية ككل. فرغم أنها ترتبط أحيانا بأعراض حسية (وقد تختلف) لكنها تشتمل أكثر على الأعراض النفسية وما يعتمل فى القلوب (وهى لا تختلف).
ملحوظة: لمزيد من الحديث عن القلوب أنظر ملف Sodoor السابق إرساله وهو موجود بملفات المجموعة هنا:
http://groups.yahoo.com/group/MasrFina/files/
المثال (الرجالى) الذى ورد بمقال م. منار ليس من وحى الخيال ولا هو حالة استثنائية، كما أنه ليس أيضا حالة عامة. هو حالة واقعية قد تحدث لك أو لغيرك، ولا تستطيع أن تعرف ذلك من “على البَر”، يعنى لن تعرف نفسك ما لم تجربها.
ليست هناك حالات عامة فى مسألة القلوب والحب والزواج هذه. فمن عظمة الخلق أن تكون كل تلك النفوس التى لم نخترع رقما بعد لحصرها، والتى خلقت من نفس واحدة، أن تكون مختلفة عن بعضها البعض بمقدار عددها غير المحصور!
{وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ 20* وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ 21*} الذاريات.
وربما ألتمس العذر لمن علقوا. وأنا شخصياً لو لم أشاهد لربما لم أصدق كذلك. ولكنى شهدت مثلا حالة صدمة عاطفية أدت إلى حالة مرض جسمانى شديد. والحكاية لم تكن من نوع الأفلام ولا كان بها عقدة درامية ولا أى شىء، فقط واحد أحب زميلة حبا شديدا، وعندما اكتشف أنها تحب زميلا آخر لم يتحمل ومرض مرضا شديداً، وكنا فى غربة. وقال الطبيب أنه ليس مرضا عضويا (رغم الآلام العضوية الشديدة) وإنما صدمة .. وفهمنا!
المهم لحسن الحظ أن صاحبنا قد شفى بعد أكثر من عشرة أيام من آلام فظيعة كنا نخشى أن حياته ستنتهى بها.
أضيف شيئا قد يخفف من ميلودرامية الحكاية: الزميل الآخر لم يكن يحب الفتاة بالمعنى التقليدى للحب. وصارح الفتاة بذلك عندما صارحته بحبها له. ولكنها ظلت تحبه .. ربما على أمل. وعندما علمت الفتاة بمأساة الحبيب الأول رقت لحاله كثيرا ولكنها برضه ظلت على حبها للزميل الثانى .. يعنى لخبطة كدة تنفع للأفلام وإن كانت حقيقة. وفى الآخر كل واحد راح لحاله ولبلده.
مثل ذلك الثلاثى: إلتقت شلتنا بفتاة فى صدفة من الصدف القدرية. واحد منا مسلم أحب الفتاة بينما هى أحبت الآخر المسيحى، والفتاة مسلمة! وبعد قصة طويلة (أكثر من سنة) فيها كثير من الأحداث والمفارقات والأعاجيب، انتهى الأمر بسلام، كل واحد راح لحاله برضه ولكن لم يكن هناك مرض ولا دم مراق!
والأمثلة كثيرة، يختلف كل منها عن غيره. ودور البطولة فى هذه الأمثلة لا يقتصر على الرجال وحدهم ولا على النساء وحدهن.
باختصار مقال م. منار كان عن الصدق والمبالغة، وكان مقالا ممتعا .. وصادقا من القلب.
وكلامى هنا ليس تعليقا علي المقال وإنما ردا (بعد إذن م. منار طبعا) على اتهاما بالمبالغة أثاره بعض المعلقين.
وأحيى فى النهاية م. منار على مقالاتها الممتازة التى تضيف إلى مجهوداتها الرائعة فى العمل الخيرى.. ولى تعليقات على المقالات، لكن ربما فيما بعد، إن شاء الله.
الحرب 7 – 8
(7) المعــركــة
لم يكن التوقف عند الأسبوع الأول منطقيا. ولم تحدث الفوضى المفروضة (أو الموعود بها) فى مصر خلال ذلك الأسبوع. فلابد أن يبدأ الهجوم البرى إذاً فى بداية الأسبوع الثانى. وهو ربما يعطى فرصة أن يحدث شىء فى مصر، خاصة وأن القصف الجوى ما زال مستمرا والضحايا يزدادون والمشاهد بشعة وتثير عاطفة الغضب لدى الجماهير والحملة النفسية تضغط أكثر وأكثر.
اتخذ الهجوم البرى نفس الإستراتيجية التى توقعها أكثر المحللين، فلم يكن به مفاجأة لأحد، ولكنه اتخذ طابعا مسرحياً وبدأ ببيان لوزير الدفاع الإسرائيلى يوضح لشعبه صعوبة المعركة (!) وأنها ستستغرق مدة طويلة. وهو بيان لتبرير مسرحية التحرك البطىء جداً. وهو موجه إلى كثيرين غير شعب إسرائيل، وفيه أن لديهم فرصة أخيرة (أياماً) بالتحديد لينهوا المهمة فى مصر.
كان شعورى الشخصى ودعائى فى ذلك الوقت مثله أيام العدوان على جنوب لبنان. كنت أتطلع فقط إلى الصمود وإلحاق بعض الخسائر البشرية وفى المعدات. فأنا أعرف أن هدف إسرائيل الأول منذ 1973 هو استعادة الأسطورة عن الجيش الذى لا يقهر والذكاء المفرط الذى لا يستطيع العرب مجتمعين أن يصلوا إليه. وهذه العقدة نتجت لديهم لأن مصر أثبتت لهم وللعرب جميعا أن دولة واحدة عربية يمكنها التغلب عليهم بإمكانيات أقل ولكن بحسن استخدام ما لديهم وقوة إيمانهم، فيكرمهم الله تعالى جزاء على الجهود والإيمان فى الوصول إلى الهدف المرحلى الذى كان مرسوما.
استطاع أبطال المقاومة اللبنانية أن يثبتوا نفس الإمكانية، ولكن وقعها كان أشد، لأن المقاومة لم تكن جيشا بالمعنى المفهوم بل كانت جزءا من دولة. يعنى الأسطورة تحطمت تماماً. ملحوظة: لا يقلل من شأن أولئك الأبطال أخطاء حسن نصر الأخيرة، فهو الذى يتحمل وحده تلك الأخطاء وهى قللت من شأنه هو كثيرا ولم يتبق له شىء يتباهى به.
كان فى مخيلتى وأنا أشاهد تقدم المشاة والمدرعات والبحرية والطيران (!) إلى داخل قطاع غزة، معارك الدبابات التاريخية الليلية على أرض سيناء. وهى تدرس الآن فى جميع الأكاديميات العسكرية. وليس هنا المجال للدخول فى تفاصيلها. ولكن لأول مرة فى التاريخ يتغلب مشاة على مدرعات. ولأن المراسلين وقتها كانوا مراسلين حربيين وليسوا خريجى آداب وخطابة، فقد أمكن للناس معرفة تفاصيل المعركة بدون تليفزيون ولا فضائيات. وأصبح الصبح والإسرائيليون الأسرى لا يصدقون أنفسهم ولا يفهمون كيف قضى المشاة المصريون على اللواء المدرع الإسرائيلى.
لم أكن أتطلع إلى نفس الشىء ولكن إلى بعضه على الأقل. كان نفسى أرى دبابتين إسرائيليتين يتحطمان (كما رأيناهم فى جنوب لبنان) وبعض الخسائر الإسرائيلية بين قتلى وأسرى. وكان هذا هو الوقت الحاسم للمواجهة. والمواجهة هى أخطر ما يخشاه الصهيونيون، فهم أشداء طالما كانوا فى مدرعاتهم أو طائراتهم، أما المواجهة فهم خاسرون بإذن الله.
وانتظرت اليوم الثامن والتاسع والعاشر .. ولم تحدث المواجهة. صحيح أن أصوات المقاومة رددت بعض البيانات وصحيح أن ثمة عدد من القتلى بين الإسرائيليين، وهذا طبيعى. ولكن اكتشفنا فى النهاية أنه لم تحدث المواجهة، وكأن حماس غزة تعتقد أن الصهاينة من الغباء بحيث يدخلون بمدرعاتهم وسط مدينة غزة، وهو ضد ألف باء العسكرية فى الدنيا.
وبما أن هذا ليس اجتياحا بالمعنى المفهوم، ولابد أن المقاومة بالخبرة أيضا تعلم ذلك. وبما أن الهدف ليس إسقاط حكم حماس لأن مصلحة إسرائيل فى تقسيم الوطن الفلسطينى لا تحتاج إلى دليل. ولابد أن المقاومة بالخبرة أيضا تعلم ذلك.
فما هو إذاً تفسير عدم المواجهة. صحيح أن القصف الجوى التمهيدى كان قويا، ولكن العسكريون يعرفون أن لكل موقف خطة ولكل عقدة حل. ولكنى للأسف أصبت بخيبة أمل.
ونحن نعرف أن اسرائيل قد فوجئت بقوة مضادات الدروع التى حصلت عليها مقاومة جنوب لبنان وكانت أول معول يهدم الروح المعنوية لديهم. ونحن نعرف أن اسرائيل بناء عليه طورت مدرعاتها. ونعرف أن مقاومة جنوب لبنان تسعى للحصول على مضادات أقوى (بل وربما كما تقول الشائعات أنهم حصلوا عليها). وكان متوقعا بناء على تصريحات حماس لبنان ودمشق وإيران أن العدة قد أعدت بالمثل.
قلنا أيامها أنه ربما تخفى اسرائيل شيئا من خسائرها، ولكن حين ينجلى الموقف سنعرف أكثر.
وعندما انجلى الموقف ما زلنا لم نجد شيئاً.
وبصرف النظر عن آرائنا واختلاف وجهات النظر فى المسألة الفلسطينية وعمل حماس الإنفصالى، فلابد أن الجميع كان يتطلع إلى شىء ما .. ولكنا جميعا لم نجد ذلك الشىء!
ثلاثة أيام كانت كافية لاتخاذ مواقع ثابتة حول كل مدينة فى القطاع. وقطعت أوصاله إلى على الأقل اربعة أجزاء. وأصبح الموقف كأنك تحاصر مثلا عابدين والسيدة زينب وباب الخلق وباب اللوق، كل منها محاصر بالمدرعات وتقصف المدفعية والطائرات من حوله وتقصف داخله ما يوجه إليه العملاء من أهداف. ويزداد عدد الضحايا من المدنيين ومن المقاومة.
وكانت تلك أقسى ثلاثة أيام بالنسبة لى. كان هو وقت الحسم ولم يحدث حسم.
أنا لا أتحدث هنا عاطفيا عن القتلى والجرحى ووحشية العدوان وجرائم الحرب الخ، فنحن جميعا نعرفها وأثرت فينا وبكينا وشكونا لطوب الأرض وشتمنا وانقلبنا حتى على بعضنا البعض نتلاوم! والعالم كله بكى معنا. ثم ماذا؟
أيكفى هذا لتبرير عدم الإعداد لمعركة متوقعة، بل وكان يسعى إليها المقاومون.
أيكفى هذا لتبرير الإنحياز إلى إيران كأنها هى التى ستحرر فلسطين، وهى التى تتعاون مع اسرائيل بعد سقوط الشاه أكثر مما كانت تتعاون معه قبلها؟
أيكفى هذا لتبرير تقسيم فلسطين منذ الآن وإثبات غوغائيتنا للعالم. ومن يدرى ربما يطلع علينا “مجاهد” آخر (فصيل يعنى) فيقسم الضفة الغربية أيضا ويطلع فصيل ثالث يقسم غزة نفسها بعد أن يختلف مع حماس ويستولى على جزء منها .. وهكذا؟
ولكنى أتحدث هنا عن المعركة .. المعركة التى كان يمكن لاقل بطولة حقيقية فيها أن تجعلنا نقول أن دم الشهداء لم يضع هدرا وأن عذابات الجرحى ستهون. تجعلنا نقول أن المقاومة قد أحرزت خطوة للأمام فى طريق السلام.
زاد من حزنى فى تلك الفترة أن المقاومة بالميكروفونات كانت ما تزال تتحدث كأنها فى عالم آخر. تتحدث عن معبر رفح المعجزة! وعن إلغاء المعاهدة! وعن زحف الجماهير للإطاحة بالزعماء العرب جميعهم!
إنتهت المعركة عملياً بعد اليوم العاشر.
وليس سرا أن تفكير الصهاينة منذ اليوم الأول من الأسبوع الثانى هو كيفية الخروج الذى يحتاج إلى “منظر” آخر.
ومضت المعركة بقية الأسبوع الثاني ودخلت أسبوعها الثالث، والموقف لا يتغير. الصهاينة يقتحمون جزءا من باب اللوق ثم يعودون إلى موقعهم بعد إلحاق أكبر الأضرار بذلك الجزء، وآخرون يقتحمون باب الخلق .. وهكذا. وهم (كما هو المتوقع) يعتمدون على طريقة الأرض المحروقة. فهم ما زال لديهم عقدة الخوف من المواجهة. فكانوا يمسحون الجزء الذى يقتحمونه أولا بكل أنواع القنابل والصواريخ من كل اتجاه، ثم يدخلون لاستكمال أعمال التخريب والقتل بدم بارد، ثم يعودون إلى مواقعهم.
وكان هذا كما قلنا لإعطاء الوقت لأن يحدث شىء فى مصر، إلى جانب أهداف كثيرة أبسطها إثبات نظرية الجيش الذى لا يقهر، وفى نفس الوقت إعطاء الفرصة لميكروفونات المقاومة أن تقول: “إنسحبت” القوات الإسرائيلية من كذا وكذا. فيبدون كأنهم أبطالا كما تريد إسرائيل. وإلا فكيف ستبقى حماس مسيطرة على غزة بعد الخروج؟
وفى نهاية الأسبوع الثانى قامت إيران بعمل بطولى خارق. فقد انطلقت منها سفينة بضائع تحمل ألفـَيْ طن من المساعدات إلى غزة! وعللوا التوقيت بأن إعداد السفينة قد استغرق ثلاثة أشهر! ياسسسسسسسلام! والسفينة وجهتها ميناء غزة! ووصلت بعد أسبوع آخر كامل إلى ميناء غزة فمنعتها البحرية الإسرائيلية (يعنى آهو إحنا مش أصحاب ولا حاجة!)، ثم إمعانا فى الحركات المسرحية والبجاحة أخذت السفينة تدور أياما على غير هدى ثم اتجهت لميناء العريش. شوف البجاحة!
وبالطبع فـَقـَدَ أى متابع للحرب الإهتمام بأخبار السفينة العظيمة بعد ذلك، فقد انتهت الحرب قبل استكمال المهمة البطولية.
كما قلت وقتها أن الإنسحاب المفاجئ كان ضد توقعاتى، ولكن يبدو أن الإسرائيليين أرادوا إعطاء حماس شيئا (بعد أن لم تحصل بنفسها على أى شىء) يبرر استمرار انفصال غزة وبقاءها فى الحكم.
والباقى معروف .. محاولة الشوشرة أكثر بعقد اجتماع تآمرى سموه “قمة” فى مسقط ولا أدرى كيف كان سيتم ذلك بحضور حماس دمشق أم بحضور حماس لبنان أم حماس إيران أم اسماعيل هنية الذى لا نعرف أين هو، أم سلطة رام الله، أم سيحضرون جميعا.
ولم أكن فى ذلك الوقت ضد قيام قطر بتنظيم الإجتماع، فأنا لا أؤمن كما قلت سابقا بحكاية الأخ الأكبر والأخ الأصغر التى يتوهمها الناس. وكنت أتمنى أن تستطيع قطر أن تثبت لنا شيئا ما. فقط لم أكن أعرف كيف سيحلون العقدة الخاصة بمن سيمثل فلسطين فى الإجتماع.
وعندما حلت لهم السعودية المشكلة فحضرت حماس دمشق فى قطر على أن تحضر سلطة رام الله فى الكويت، لم يرحموها من الهجوم والتهجم والسباب، وهذا عجيب!
واجتمع مؤتمر المجاهدين، وألقى فيه المجاهد الأكبر من إيران خطبة عصماء كانت هى الأطول من كل الخطب الأخرى (ولا أدرى لماذا حضر ولماذا خطب وماذا استفادت القضية من ذلك)، تلاها فى الطول خطبة الزعيم الجديد مشعل وعيونه تلمع طربا لجلوسه بجانب ملوك ورؤساء، وإن كان فى مقعد المراقبين! وصدر عن المؤتمر قرارات غاية فى البطولة والشجاعة، فقد اشتعلت جبهتى سوريا ولبنان و .. قطر. أما اشتعال الجبهتين المذكورتين فلم يكن اشتعال نار وإنما اشتعال ميكروفونات، وأما اشتعال جبهة قطر فكان “تعليق” العلاقات!
كان لدى أمل أن يسفر المؤتمر مثلا عن مبادرة محددة الملامح لإنهاء الحصار، على الأقل مثلما قرر العرب فى اجتماعهم (قبل عام) كسر الحصار. ذلك الكسر الذى لم نسمع عنه شيئا بعدها. ولكن المؤتمر فقط “طالب” بإنهاء الحصار.
كان لدى أمل أن يسفر المؤتمر مثلا عن إقامة عشرات المصانع لتصنيع الأسلحة وأن أموال العرب كلها ستتجه إلى ذلك. ولكن خاب أملى.
تمخض الجبل فولد فأرا!
ويزيدنى حزنا أن ميكروفونات حماس مازالت إلى اليوم تختصر القضية الفلسطينية فى سؤال عويص: من هو الأجدر بالرئاسة الفلسطينية، محمود عباس أم …؟ ولم يذكروا بعد أم من .. ربما لم يتفقوا بعد، أو ربما يخشون مما يخبئه الغد للرئيس الجديد!
رئاسة إيه ياعالم؟؟ رئاسة إدارة عموم الزير؟!
وها نحن عدنا للمربع الأول. أما ما بين يوم 27 ديسمبر إلى نهاية ثلاثة أسابيع فهى مدة ساقطة من التاريخ!
باختصار لم يحدث فيها شىء.
فقط سقط شهداء وأصيب جرحى .. وأصبت باكتئاب لن يزول على ما أعتقد .. وغير ذلك لا شىء!!!
ورحم الله الشهداء، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبى الله ونعم الوكيل.
(8) ما بعد المعركة
إختصرت كثيرا من الأحداث الأخيرة من الحرب العدوانية فى حديثى السابق، فالتطورات كانت سريعة، حتى أن من تآمروا على مصر تخبطوا خلال الأسبوع الأخير تخبطا هزلياً إلى درجة مثيرة للشفقة ولو أنهم لا يستحقونها.
فجأة، وهم فى غمرة تخبطهم وضجيجهم الفارغ، وجدوا العالم هناك .. فى مصر. وبدلا من ذهاب العرب إلى المنظمات الدولية كالعادة، إذا بالعالم يحضر إلى مصر. صورة مصغرة من القوى الفاعلة من مجلس الأمن لا تجتمع فى نيويورك وإنما فى شرم الشيخ! ويبحثون ويتناقشون ويقررون .. فى مصر.
وبهت التجار الذين ذكرناهم فى عدة مقالات سابقة. وسقط كثيرون فى الفخ الذى نصبوه للغير. وسقط الكثيرون مخدوعين فى فخ نصب لهم. وسقط كثيرون فى امتحانات عديدة، منها امتحان الوعى القومى، وامتحان سنة روضة سياسة، وامتحان الأمانة. ونجح كثيرون فى امتحان النفاق بتفوق.
هذا بعض مما أسفر عنه الموقف بعد أن انقشع الدخان وفتح التاريخ أبوابه مرة أخرى بعد ثلاثة أسابيع من إغلاقها، حين كان مضربا عن التسجيل اعتراضا على، وإعراضاً عن، لعب الصغار فى ساحة الكبار.
أسفرت الحرب أيضا عن أن بعض المتآمرين كان لديه بعض من خجل، مثل العاملين فى قناة الجزيرة فتحولوا من بث سمومهم ضد مصر والبحث عن عورات العرب (ما عدا قطر المجاهدة طبعا) إلى البحث عن عورات أخرى ـ فى آسيا مثلا مشكلة الفساد والرشوة فى أندونيسيا، وفى سريلانكا مثلا حرب التاميل التى تذكروا فجأة أنها قائمة ومستمرة منذ عشرات السنين الخ.
وأسفرت عن بعض المتآمرين بدون خجل بعد أن تعرى من كل شىء، فإذا به ما زال يطالب بالرئاسة(!) بينما الكبار يبحثون فى مشاكل حقيقية، فينظرون إليه فى تأفف يريد أن يقول “كخ يابابا!” ثم يتحولون عنه فى ازدراء.
وأسفرت المعركة عن هدوء شامل! وهذا ما يحدث عادة بعد الضجيج الفارغ من مضمون. وانكمش الإخوان الذين يدعون أنهم مسلمون وعادوا يتحدثون فى براءة الأطفال “قال الله وقال الرسول” .. طبعا إلى حين! فتعطشهم إلى السلطة يفوق كل مقاييس الحياء ويلغى كل مقاييس العمالة لمن يساعدهم على الوصول، حتى ولو كان النازى الجديد.
ولا أدرى ما مصير السفينة المجاهدة ـ سفينة المساعدات الإيرانية ـ التى كانت وجهتها فى الأسبوع الثالث إلى ميناء غزة ثم ظلت طيلة الأسبوع تتجول فى البحر المتوسط. وكنت أشاهد قنواتهم فقط إضطرارا أثناء المعركة مع رغبة فى القىء.
ولا نتكلم عن الشهداء، فقد كان حظهم ـ ربما ـ أفضل من الجرحى خاصة أولئك الذين فقدوا أعضاءهم أو فقدوا البصر أو فقدوا جميع من لديهم. ولن تعوضهم ولن تضمد جراحهم وتعيد لهم أعضاءهم الـ 500 دولار التى تفضلت حماس فقررتها لكل مصاب! كما أنها لن تعوض الوطن عن الخسارة الكبيرة التى خسرها فى أبنائه والخسارة التى ستستمر بحمل عبء الآلاف من المعوَّقين.
إلى جانب ذلك أرجو أن تكون المعركة قد نبهتنا إلى أمور ومفاهيم أساسية فى حياتنا، منها:
حاجة المواطن العادى فى مصر إلى زيادة الوعى، الذى هو المقدرة على التمييز بين الجيد والخبيث، بالذات فى أوقات الأزمات. فالعاطفة فى مثل تلك الأوقات يمكن أن تؤثر على العقل فينساق وراء الشعارات والخطب الرنانة خاصة إذا تمسحت فى الدين نفاقا ورياء. أقول هذا لأنى أعلم أن أكثر من انساقوا وراء المظاهرات والهتافات مواطنون صالحون وطنيون فى الحقيقة ولكنهم انخدعوا لبعض الوقت وهاجت مشاعرهم من المناظر المؤلمة، خاصة أولئك الذين لم يعاصروا حروب المنطقة من قبل، تلك التى حدثت فى مصر منذ 1956 إلى 1973، ستة عشر عاما من حروب متوالية تناساها الناس للأسف وتناسوا تأثيرها المستمر منذ خمسة وثلاثين سنة.
التنادى على القتال عندما تقوم المعركة (والذى انتقده محمد حسنين هيكل زمان وأثار ضده كثير من الدول العربية، والذى يندرج تحت عنوانه لافتة الإخوان المسلمون الكبيرة: “حى على الجهاد”) هذا التنادى لا يصلح لكسب أى معركة، اللهم إلا معركة الفوضى. فإذا اراد أحد أن يقاتل فى المعركة القادمة (وهى قادمة حتما) فليبدأ الآن، ليس بالصياح والعويل ونشر الإشاعات الخ، ولكن بزيادة الإنتاج. فهذا هو عماد أى معركة. ومن يتخذ من الفساد حجة لكى لا يتقن عمله فهو مخادع لنفسه وميال إلى الكسل، بل وخائنا لوطنه.
يجب علينا أيضا أن نتخلص من مشكلة تأليه الفرد التى تحكمنا فى قرارة أنفسنا. وهى مشكلة خطيرة. واستخدمها العملاء فى الإثارة مثلما قدمنا فى المقالات السابقة. ورغم أن البطولة الفردية كانت فى الزمن الماضى البعيد ممكنة حين اقتصر القتال على السيف والرمح، إلا أنه حتى فى ذلك الزمن لم تحسم أى معركة بفضل بطولة فردية. وما الأبطال الذين يذكرهم التاريخ إلا رمزا لمجموعة كلهم أبطال. فنحن لا ننتظر عمر بن الخطاب رضى الله عنه ولا ننتظر صلاح الدين ولا ننتظر جمال عبد الناصر ولكننا ننتظر أن ننتج معظم أكلنا وسلاحنا، وعندها فقط سنكون كلنا أبطالا. ولا نسمع عن صلاح الدين الهندى عندما نتحدث عن قوة الردع النووية الهندية مثلا، ولكن نسمع ونرى الفرد الهندى الذى لا يكل عن العمل والحركة.
شىء أخير: أرجو ألا يعتقد أحد خطأ أنى متحامل على أى جهة سواء كانت حماس أو الإخوان أو غيرهم، ولكنى أحكم العقل فى النتائج التى أراها وليس فى الأسماء أو فى الشعارات. وعند تحكيم العقل تـُلغَى العاطفة. وفى كل الأحوال وللأبد أنا متحامل على الشيعة وعلى مذهبهم وعلى إيران طالما ظلت دولة “شيعية”. وأراهن دائما على شعب مصر أنه لم ولن يكون شيعيا أو تابعا لأى من الطرق الأخرى المماثلة.
وبالمناسبة ستجدون مقاطع فيديو جديدة ربما كانت مفيدة فى اليوتيوب ومنها ملخص لمقابلة مع فهمى هويدى وأخرى مع غازى حمد المتحدث السابق باسم حماس وباسم رئيس الوزراء المقال. والمقابلتان مأخوذان من البرنامج الأكثر من رائع “فى الصميم” الذى يعرض على قناة BBC العربية. وكل منها مقسم إلى جزئين. ويمكن الوصول إلى المقاطع التى أحملها بفتح اليوتيوب ثم الضغط على Channels ثم كتابة MAALI65 فى خانة البحث ثم الضغط على مفتاح البحث. وما زلت أعد مقاطع أخرى عن العدوان على غزة وعن الوجوه الصفيقة التى برزت خلالها، فتابعوها فيما بعد.