anwar68

Just another WordPress.com site

Archive for ماي 2007

فلسطين

leave a comment »

شاهدت فيلما رائعا ، اسمه “السنونو لا تموت” إخراج رضا الباهى. شاهدته بالصدفة على قناة فرنسية، والفيلم يمكن أن يصنف من الناحية التقنية على أنه وثائقى. ولكن أيا كان، فإنه أفضل فيلم شاهدته عن القضية المزمنة.
حوار الفيلم بالعربية والفرنسية والعبرية، حسب المتحدثين، ولا يوجد به أى نوع من الدعاية ، لا للفلسطينيين ولا للإسرائليين. مشاهد الفيلم واقعية ولاشك أنها مصورة على الطبيعة. فنحن نعيش من خلال الفيلم مع أسرة فلسطينية وأسرة إسرائيلية وصحفى فرنسى. الدليل (أو المترجم) العربى هو “حمودة” أخو الزوجة فى العائلة العربية. الصحفى ومعه مصور تليفزيونى يدخل كل مكان من الجانبين ويكتب ويصور. ومن خلال تصويره نرى الحياة اليومية للناس من الجانبين ، ونرى الهوة الواسعة فى مستوى المعيشة بين الإثنين بدون خطب. كما نرى المعتدلين والمتطرفين من الجانبين.
الزوج فى العائلة العربية كان مناضلا واعتقل فى سجون اسرائيل وحوّله الإعتقال إلى متطرف دينى، فنصب خيمة فوق أطلال منزله الذى حطمه الإسرائيليون وانخرط مع المتطرفين. الزوجة حائرة معه وتحاول أن ترده إلى طريقه الأول ولا يسمع لها ويهددها بالطلاق. وأكثر ما يثيره أنها كانت تخرج بدون غطاء لشعرها أثناء اعتقاله. ولا يهتم إلا بالإستماع إلى الفتاوى ويهمل حتى إعادة بناء بيته أو الإهتمام بإبنه أو زوجته.
خلال الفيلم تدور حوارات قوية جدا بين الصحفى والجانبين، والحوارات طبيعية وليست مصورة فى استوديو ولا معدة من قبل. إحدى الشابات تقول بقوة أن فلسطين للمسلمين وأن القدس ستعود لصلاح الدين وللمسلمين ، ويقول الصحفى أن هناك مسيحيين ويهود فى القدس، فتستمر تكرر ما تقوله كأنها لم تسمعه.
رجل عجوز فى القدس يقول له: إسمع ، لا بد أن نكون واقعيين. أنظر إلى القدس الآن. لقد امتلأت بمساكن اليهود، وهى أقيمت مكان مساكن العرب، فالفقر كان يجعل سكنى العرب غير ممكنة وكانت تقع على أصحابها بفعل المطر أو لقدمها، فماذا كان يمكن أن يفعلوا سوى أن يبيعوها فيشتريها اليهود ويبنوا حتى لم يعد هناك مكان لبناءات جديدة للعرب.
يشاهد الكل فى التليفزيون احتفال أول اتفاق بين أبو عمار ورابين. وفى الصباح يخرج الجميع للإحتفال. هذا ما يشاهده الصحفى لأول وهلة ، ثم يكتشف أن كثيرا من الجانبين ليسوا راضين عن السلام.
البنت (حوالى 12 سنة) من العائلة اليهودية تجلس حزينة على سلم بيت جدها ، فيسألها عما يحزنها. وتقول له أن أمها أخبرتها من قبل ألا تكلم ولا تتعامل مع العرب، “والآن هم يحتفلون. أنا لم أعد أفهم شيئا.”
بعض الجماعات الملثمة تحرق علم اسرائيل فى تعبير عن رفضهم للسلام.
الإبن العربى يلوح بالعلم الفلسطينى مع الأطفال ويذهب إلى أبيه فرحا فينهره الأب ويأخذ العلم فيلقيه بعيدا (علم الجماعة أسود وهو يرفعه على خيمته) الولد يدخل الخيمة ويعثر على صندوق القنابل الذى كان والده قد تسلمه من “الجماعة”، ويبدأ اللعب بالقنابل اليدوية وهو لا يعرف ما هى. الأم تبحث عن ابنها فى كل مكان. فى نفس الوقت الذى يضع الولد إصبعه فى الحلقة التى يمكن أن تفجر القنبلة. يدخل أبوه بالصدفة فينزعج الطفل وينزع الفتيل لا إراديا. ولكن الأب يستطيع أن يختطف القنبلة ويلقيها لتنفجر وسط أكوام الحطام وينقذ الولد ويحتضنه فى نفس الوقت الذى تصل فيه زوجته، لتجده يبكى ويقول سامحينى. لقد أفاق على انفجار القنبلة.
الفيلم طويل ومشوق جدا ويفتح آفاق العقول لتفكر. ولا أستطيع تلخيصه.
ولكن نهايته مؤثرة. ففى إحدى الجولات التى كانت تجمع الصحفى والمترجم فقط، “يقبض” أربعة ملثمون فلسطينيون على الإثنين ويشهرون عليهم مسدساتهم. ويرتعد الصحفى ، ويحاول المترجم أن يترجم لهم ما يقوله الصحفى ولكنهم يسكتونه: “نحن لا نتحدث مع العملاء.” يقول أحدهم للصحفى أن يلتقط صورة له وهو يقتل المترجم. يرفض الصحفى وهو يأمل أن رفضه سيجعلهم يغيرون رأيهم ، ولكن حمودة يقرأ الموقف ويعلم أنه مقتول لا محالة. وفى شجاعة يقول له: صور. وبعد أخذ ورد يلتقط الصحفى صورة الملثم وهو يطلق الرصاص على قلب حمودة (العميل!) ، ولا يقتلون الفرنسى ، ثم يهربون.
كما قلت سابقا: متى تمتد نظرتنا لأبعد من أماكن أقدامنا؟ نحن نتحدث عن القدس ولكن ما هى الآلية التى عملناها لمساعدة العرب على البقاء فيها. ونؤيد الإنتفاضة، فما هى الآلية التى لجأنا إليها لحماية العائلة التى دخل رجلها السجن، وما هى الآلية التى نتبعها عندما يهدم الإسرائليون المنازل ويفسدون المزروعات.

Written by anwar68

ماي 30, 2007 at 5:30 م

الفــن

leave a comment »

الفــن
يعتقد الكثيرون أن الفن بأنواعه يتعارض تماماً مع التدين. وعلى رأى ياسر: أن الإستماع للأغانى وغيرها من الفنون كان فى زمن “الجاهلية” – بالنسبة إليه يعنى – وأنا لا أعترض علي هذا وإن كان لى رأى آخر ، وهو أن التدين درجات [أنظر ملف الإيمان]. وإذا أخذنا الأمور بتشدد فلن نعترف بأى من الفنون سوى فن الخط أو الزخرفة. ولكن الإسلام دين الوسط ، ويعلم الله أن بالإنسان ضعفاً ، لذلك فأنا أنظر إلى الفن كقيمة جمالية أولاً وكثقافة ثانياً وكمعونة على الحياة بحلوها ومرها. وبهذه النظرة لم يكن الفن ، وأعنى هنا الفن الحقيقى ، بالنسبة لى حتى فى سن الشباب من وسائل الغواية أو الحياد عن الطريق.
لا أنتظر أن يتساوى الناس فى تقييمهم للفن. فبالإضافة إلى درجة التدين تلعب الثقافة العامة، وليست الشهادة الكبيرة، دورا مهما. لذلك أنادى دائما الشباب بالإستزادة من الثقافة العامة وأنادى الكبار بالإهتمام بثقافة أبنائهم.
وأود أن أجمع هنا ما كتبته عن نفس الموضوع سابقاً ، وعذرا عن التكرار لمن قرأه من قبل:

الفن ـ أغانى
الفن مرآة للذوق العام الذى أدعى أنه انحسر هذه الأيام بسبب ضعف الثقافة ، التى تساعد على الحكم على الجمال بصفة عامة. فى مجال الأغانى ، نسينا لسبب ما أنه مثلما تكون هناك أغنية “طربية” فهناك أغاني خفيفة وشعبية ومونولوج وموال فسمينا كله أغانى ، وأحيانا يقول البعض أغانى شبابية وهى تسمية لا معنى لها.
الأغنية التى تطرب وتعيش لا بد أن يكتمل فيها الكلمات واللحن والصوت والاحساس. كان الملحنون يحسبون ألف حساب عندما يلحنون أغنية لنزار قبانى مثلا لأن كلماته مفعمة بموسيقى الشعر ، فعندما تقرأه ستجد أنك تدندنه ، لذلك فعلى الملحن أن يبذل جهده ويستدعى كل موهبته “ليضيف” شيئا. وعندما انحسر الذوق العام تجرأ مغنى شعبى على أن يدندن قصائد نزار بألحان شعبية وأداء مصطنع وصوت لا يميزه شىء وأصبح مليونيرا.
اجتمعت الأركان الأربعة فى أغانى كثيرة. “انت مسافر” أغنيتين ـ واحدة لفايزة أحمد والأخرى لعليا التونسية ـ من هذا النوع. واستمع الى كمية الحب الذى فى الكلمات والمجهود المبذول فى اللحن والصوت والاحساس فى الاثنتين.
عمار الشريعى قال أنه “اتخض” عندما قرأ فى أغنية أحلى بلاد الدنيا مصر: “إنجيل .. قرآن .. وجرس وأدان” لأنها كلمات ذات “عقدة” لحنية. هكذا يكون فهم الملحن لعمله ولذلك خرجت الأغنية من أجمل ما يمكن أن تسمع.
شاهدت أمس برنامجا فرنسيا يضم فنانين (رسامين وكتاب وملحنين الخ) أفارقة من بلاد كثيرة ، تحدث الجميع ليس فقط عن فنه ، وانما أيضا عن بعض مشاكل بلده وعلاقتها بفنه ، وهذه بعض ملاحظاتى:
مقدم البرنامج شاب فرنسى دارس موضوعه جيدا ، يتحاور (وليس يسأل وينتظر الاجابة كأننا فى تحقيق .. واخد بالك؟) مع ضيوفه بموضوعية وتخصص ، ولم يقاطع أحدا منهم مطلقا طيلة الرنامج الذى شاهدت منه أكثر من ساعة. واستطاع أن يخلق حوارا مستمرا بين الضيوف على اختلاف فنهم وجنسياتهم.
قدم المذيع على فترات ، ما مجموعه أكثر من خمس عشرة كتب أفريقية أو عن أفريقيا شارحا موضوعها ومؤلفها وتفاصيل أخرى (أحدها كان بعنوان “أم كلثوم درة الغناء العربى” وأحدها بعنوان “الله”) وكلها باللغة الفرنسية (سواء أصلية أو مترجمة) .. لاحظ ما ذكرناه مرة عن ولع الأوروبيين بالقراءة.
كان الضيوف يتحدثون بهدؤ وباختصار وفى الموضوع. يتحدثون كل بلكنته. لم يحاول أى واحد منهم “تقليد” اللكنة الفرنسية. وكان كل ضيف يرتدى ملابسه الوطنية.
سمعت أغنية فى نهاية البرنامج ، أعتقد أن مغنيتها وهى أحد ضيوف البرنامج إما موريتانية أو صحراوية أو مغربية (فلم أحضر البرنامج من أوله ولكن ملابس المغنية والفرقة التى معها تنتمى الى ملابس تلك المنطقة). الأغنية عربية وإن كان يدخلها بعض العبارات الفرنسية بطبيعة المغرب العربى وتلحينها من النوع الشعبى وليس بها أى تقليد لأى شىء غربى. لم أكن الوحيد الذى طرب لها جدا ولكن الجمهور كله كان يتمايل معها ويصفق على الواحدة.
أصالة وأحلام
أصالة مطربة موهوبة وصوتها مميز وأحب كل أغانيها حتى الخفيفة. كانت فى حفل ما فى التليفزيون قريبا وسألوها إن كانت ستجعل ملحنا معينا (أصبح مليونير على حساب شاعر كبير) يلحن لها. هربت من النفى بلباقة وقالت أنها لا تمانع فى التعاون مع أى فنان “موهوب”. أرجو أن تكون أصالة تعنى النفى كما فهِمْـت.
دار الأوبرا نشطة بالحفلات الفنية الراقية والمعارض ، ولو كنت فى شبابى لما فوت فرصة لكى أحضرها.
“مكتبة الفن” هى إحدى المكتبات الفرعية لدار الكتب وكانت فى فيللا بالقرب من سينما قصر النيل وكانت زيارتها تقترن بزيارة المكتبة الأمريكية ومكتبة السفارة الانجليزية للقراءة واستعارة الكتب ثم أهم من ذلك زيارة متحف مختار الذى ما كنت أفوت فرصة (طالما كنت فى منطقة قصر النيل) بدون زيارته. وفى كل مرة كنت أقضى فيه ـ على صغره ـ ساعة أو أكثر. أعلم أن متحف مختار مازال مكانه ولكنى لا أدرى إن كانت مكتبة الفن ما زالت قائمة.
كلمات أغنية “بس ليه متضايج” (متضايق ـ غناء أحلام) كلمات رقيقة للغاية ، وأرق ما فيها تعبير “وابكى على صدرى”. عندما يكون الانسان فى أضعف حالاته ، يحتاج إلى من لا يخجل أمامه من ضعفه ليبكى. هل جرب أحد هذا الموقف الإنسانى الفريد؟

فايزة أحمد
التعبير عن المدح والذم لدي المصريين يستوى ، يعنى لما نحب نمدح نقول “نانى بخرم! يخرب بيتها!!” ولست استثناء فى ذلك. منذ قليل كنت أقول: “حسين السيد ، رياض السنباطى ، فايزة أحمد .. ياولاد ال..لذين!!” وهذا يتكرر كلما اجتمع الثلاثة كما اجتمعوا فى أغنية “لا ياروح قلبى”
“الليالى .. اللى عاشها الحب وياك ملكى وحدى
مهما تبعد مش حتاخد .. ليلة واحدة م اللى عندى
لا ياروح قلبى أنا .. موش انا اللى احب وانسى .. موش أنا!”
قد يعيب الجيل الجديد على تكرار المقاطع فى الأغنية العربية. وعندهم حق فى كثير من الأحيان ، ولكن أحيانا ما يكون ذلك التكرار فنيا حتى أنك تتمنى أن يستمر. مثلا تتكرر جملة “علمتنى أسهر على شوق ما يتقدر” كثيرا مع تنويعات لحنية وصوتية وأدائية. ويتصاعد فى نفس الوقت احساسنا بالالتحام بين الكلمات واللحن والصوت حتى يقرر الملحن أخيرا أن تتراجع الموسيقى بعيدا هامسة لتترك التعبير الرقيق يتأكد فى هدوء بالصوت الذهبى:
وأستنى تانى يوم .. عشان يفوت .. واسهر.
الفواصل الموسيقية بين المقاطع فى هذه الأغنية ليست فى الحقيقة “فواصل” ولكنك تسمع الموسيقى تحدثك وتحكى لك قصة ذلك الحب وحلاوة الألم المر ومرارة الذكرى الحلوة. الموسيقى تضيف إلى كلمات الشاعر ولا تتطفل عليه.
أرجو المعذرة .. بس بجد .. يخرب بيتهم!

حاجتنا إلى الفن
يحتاج الانسان بطبيعته إلى الفن فى مختلف نواحى حياته ، وليس فقط للتسلية ، ورغم أنه يصعب تعريف الفن إلا أنى أدعى بأن الفن هو التعبير عن احساس مرهف بالأشياء. ولا شك أن الفن يتأثر بالمجتمع ولكنه يؤثر فيه بنفس المقدار.
تحولنا إلى مجتمع مادى ، واضمحل الإحساس المرهف بالأشياء والمعانى ، وكانت النتيجة الطبيعية ما نشاهده من مظاهر العنف والأنانية فنقف أمامها مشدوهين أو محبطين.
واجبنا أن نوجه أولادنا وشبابنا إلى الاهتمام المتوازن بالفن والرياضة والدين إذا أردنا أن ينصلح حال الجيل القادم على الأقل.

أغانى
“الكلام على مين” ـ كلام خفيف لا يرقى إلى المونولوج، إذ ليس له أى معنى. ولكن أعجبتنى خفة دم المغنى. ولقطات الإخراج طريفة وإن تكن فى مجموعها لا تعنى شيئا أيضا. “هس هس هس، بص علىّ بص” ربما أفهموها أن دمها خفيف ومغرية. فأصبحت بفضل الإخراج التلاميذى والملابس العبيطة وتحركها على طريقة الماريونيت، تصلح بالكاد لإعلانات عن مبيد ذباب. كلما شاهدتها مت على روحى من الضحك.
شاهدت منذ أيام أمسية رائعة من أغانى “ماريا كارى” ذات الحنجرة الذهبية. ولا أدرى لماذا خطر على بالى “شيرين” ، ربما لأن الإثنتين كانا يكفيهما الحنجرة الذهبية ، ولم يكن عليهما اللجوء لشىء من العرى والألحان الخفيفة.
أين آمال ماهر؟ أغنية “أختى وفاء” أود أن أسمعها. هل لدى أحد تسجيل إلكترونى لها أو لأغانيها الأخرى؟ [ملحوظة: ما زال السؤال قائماً]. أغنية “سأل علىّ” كلمات حالمة عذبة تؤديها أنغام بإحساس رقيق على ألحان أكثر رقة. ورغم شىء من كسر الوزن فى ختام الكوبليه المكرر (أوعوا تكونوا قولتوله سألت عليه) إلا أن جمال مكونات الأغنية الثلاثة على بعضها يغفر ذلك الكسر البسيط.

الفن والحرب
لم يتفاعل الفن مع حرب 1973 كما كان تفاعله فى مناسبات أخرى. ربما كان السبب الرئيسى هو أن الفنانين الذين كان يمكنهم ذلك وقتها كانوا من أبناء الجيل القديم، جيل النكسة. ولن يعرف تأثير نكسة 67 إلا من عاشها. هل تتخيل القاهرة كلها يوما بطوله بدون حس، سوى القرآن من أجهزة المذياع، والدموع فى أعين الرجال والنساء وحتى الأطفال؟
كما كان إحباط النكسة قد ساهم فى تفاعل الكل بما فيهم الفنانين مع الرغبة فى المقاومة والوطنية فربما أن الإنتصار فى الحرب التالية فى 73 لم يلهب المشاعر. وربما كان ذلك لمفاجأة الحرب لنا قبل غيرنا. وربما كان ذلك بسبب قوة معاول الهدم قبل أكتوبر 73 التى راحت تشكك فى كل شىء ورحنا نساعدها بإطلاق النكات على النظام وعلى أنفسنا.
ولكن أيا كان السبب فلا أجد تفسيرا لاستمرار هذه البلادة فى مواجهة الأحداث المعاصرة، اللهم إلا من أغنية هنا وقصة هناك. هل بلادة الفن الحالية هى انعكاس لحالة عامة من البلادة أصابتنا جميعا؟ أدعوا معى ألا يكون هذا صحيحا.

السينما
كنت فى الستينات مشتركا بحماس فى ندوة الفيلم المختار التى كانت تقام فى حديقة قصر عابدين وينظمها المركز السينمائى الكاثوليكى (وهو تابع للكنيسة) بالتعاون مع وزارة الإرشاد أو الثقافة. ومنذ ذلك الحين أصبحت العادة أن أشاهد الأفلام بعين الناقد، وهى عادة سيئة، تمنعك من أن تسلم عقلك على باب السينما قبل الدخول.
ولكن … هناك أفلام تجعلك رغما عنك تعطى عقلك أجازة جبرية بعد أن يبدأ الفيلم بدقائق، وتغوص فى مقعدك وتترك الأحداث تحلق بك كيف تشاء ، أو كما يشاء المؤلف.
من هذه الأفلام فيلم “نوتنج هيل” والذى شاهدته لتوى للمرة العاشرة ، ولو عرض بعدها بساعة فى قناة أخرى فسأشاهده مرة أخرى .. كله. وهو يشبه فى رومانسيته فيلم “امرأة بديعة ـ بريتى وومان” ولكن مع عكس الشخصيات الرئيسية من رجالى إلى حريمى وبالعكس.
وأبرز ما فى الفيلمين الحوار الرشيق الرومانسى. الممثلة المشهورة (فى الفيلم) تذهب إلى الشاب وهى فى غاية الإنفعال والإحباط. يحاول هو تهدئتها فيقول: هل أحضر لك شيئا ساخنا. ولا ترد فيقول: شاى؟ ولا ترد فيقول: حمام؟ فتبتسم.
وفى “امرأة بديعة” قبل أن يفترقا يقول ريتشارد جير: إذا احتجت أى شىء فاتصلى بى .. أى شىء .. خيط تسليك الأسنان (دنتال فلوس) أو أى شىء. فتبتسم رغم صعوبة الإفتراق عليها.
وهكذا يعكس حوار، مدته مجرد ثوانى ، مجموعة متشابكة من المشاعر المؤثرة والمتباينة ما بين غضب وانفعال وحيرة وحرارة صادقة فى محاولة التسرية والنظرة الممتنة التى تقول: أفهم حيرتك وأقدر صدقك. وليس الحوار وحده هو الذى يفعل هذا، وإلا ما كنت شاهدته عشرات المرات. بل يتضافر التمثيل الرائع والديكور واختيار الشخصيات الثانوية والإخراج الذى يجعلك تعيش “مع” الشخصيات بدلا من أن “تتفرج” عليها.

الفن .. مشاكل
لا أعتقد أن الإنسان فى أى زمان أو مكان يستطيع الإستغناء عن الفن. والفن أساسا تعبير عن حالة. وأساليب التعبير تتنوع فمنها الشعر والقصة والموسيقى الخ. ويمكننى أن أضيف أن الفن تعبير جميل عن حالة أو شعور أو موقف. ولا أعتقد أن التعبير القبيح ، مهما كانت درجة إتقانه حرفيا، يمكن أن يعتبر فنا.
ولأن الناس يختلفون فى أذواقهم ، وبالتالى فى تعريف الجمال ، فهم يختلفون فى تقدير قيمة ذلك التعبير حسب درجة تقييمهم لجماله. فأنا لا أرى جمالا فى ما يسمى بالسريالية وما تلاها من اتجاهات مثلا. ولكن لأن هناك الكثير من الناس الذين يرون فيه جمالا ، فلا أستطيع القول بأنه ليس فنا.
رأيت منذ فترة برنامج أطفال فى تليفزيون السعودية فانبهرت به ، أو بالأحرى بمقدمه الشاب. ومنذ زمن طويل ، أى منذ زمن بابا شارو وماما سميحة لم أشاهد برنامجا عربيا حقيقيا للأطفال. وهكذا قدر لى أن أرى “فن” تقديم برنامج أطفال مرة أخرى بعد حوالى 40 سنة من الإنتظار.
ما قصدته بهذا المثال هو أننا يمكن أن نرى الفن فى كل شىء تقريبا. وأعظم الفنون وأجملها فى الطبيعة. وما ينتجه الإنسان من أشكال الفنون ما هو إلا محاولات تقليد الطبيعة أو وصفها. وهذا يعنى أنه كلما اقترب العمل الفنى من الطبيعة كلما اجتمع الناس على جماله. وما قصدته أيضا أن الفن يحتاج إلى موهبة ومحيط تنمو فيه هذه الموهبة.
وللفن دائما مشاكله مع الدين. ولن تنتهى تلك المشاكل. ولكنى أرى أنه لا يوجد بينهما تعارض مطلق، وأختلف فى هذا مع المتشددين. وأعتقد أن المشاكل تبدأ حينما يتمادى الفنان فى تقدير موهبته ويعتقد أنها أصيلة فيه وأنه هو الذى “يبدع” من لا شىء وينسى أنه يستعمل “موهبة” أو بمعنى آخر “هبة” هباها له الله ، ثم أنه فى الحقيقة إما يقلد ما هو موجود أو يصف ما هو جميل أصلا.
وإذا لم تخطئنى الذاكرة فإن الذى خاطب تمثالا عندما انتهى من نحته بقوله: “الآن تستطيع أن تتكلم!” هو رودان. وهو لا شك قد قدم فنا رائعا لا يختلف على جماله إثنان (على ما أعتقد)، ولكنه عندما نسى نفسه وتخطى حدوده، يمكن أن نقول أنه وصل إلى حالة من الجنون. ولهذا يقول المعتدلون أن الفن لا بد أن يكون ملتزما وإلا أصبح جنونا.
وحاول المتشددون فى الدين أولا نفى الفن من التدين وتحريمه كلية، ولكنهم أدركوا لزومه للإنسان وإلا صارت حياته جافة ورتيبة. وقد حاولت الجماعات الإسلامية مثلا فى مصر تقديم فن من نوع خاص، ولكنهم قدموا قوالب جافة ولم يقدموا مواهب، ففشلوا تماما. ونجح سامى الشاب الانجليزى فى تقديم فن ملتزم ونجح سيد مكاوى فى تقديم عمل فنى ملتزم شديد التأثير والتميز. وتحرك مشاعرى أغنية “مدد” لمحمد منير التى أضاف الإخراج لها الركن الرابع اللازم لكى تصبح الأغنية مشاهدة، وتدمع عيناى كلما سمعت “ولد الهدى” حتى لو سمعتها فى اليوم الواحد عشرون مرة.
هذه الأمثلة توضح أن من الواجب فصل العمل الفنى عن شخصية الفنان واتجاهاته وآرائه.
ولكن يبقى التوازن بين الإستمتاع بالفن والتدين شيئا صعبا، ولذلك أجد بعض العذر للمتشددين الذين يختارون لأنفسهم عدم الإقتراب من الفن ـ أى فن ـ مخافة الوقوع فى المحظور. وهو تحوط مطلوب ولا شك. ولذلك أحترم رأيهم وأحترم بالطبع الأسانيد التى يستندون إليها وهى معروفة، ولكنى أرى أن التحوط ممكن مع عدم الإعتزال.
حين كان أبى رحمه الله يستمع بإعجاب إلى رباعيات الخيام المغناة، لم يكن ينسى فى كل مرة أن ينبهنى أن بالكلمات شبهة من التطاول لا يحبها.
يعنى أن الإعجاب بعمل فنى لا يعنى بالضرورة الإعجاب بكل مكوناته.
باختصار: ليست هناك وصفة معتمدة واحدة وحيدة فى كيفية التعامل مع الفن وتوازنه فى نفس الإنسان مع التدين. وتبقى المعادلة غير كاملة الحل.
ومن آيات الله تعالى أنه خلق الناس من نفس واحدة وجعلهم رغم ذلك مختلفين لدرجة أننا نعتقد أن الإستثناء هو التشابه أو التطابق بين اثنين من الجنس الواحد.

Written by anwar68

ماي 29, 2007 at 11:17 ص

الإقتصاد والفساد

leave a comment »

السياسة والإقتصاد متلازمان لا يكاد يفصل بينهما شىء. ومهما تحدثنا عن المذاهب المختلفة ، يبقى هذا الإرتباط حقيقة واقعة فى كل الأحوال والمجتمعات.
ولهذا السبب تحديدا يتسلل الفساد إلى كثير من المجتمعات. والفساد ليس وقفا على المجتمعات المتخلفة ولكنه يحدث كثيرا فى تلك المتقدمة. لذلك نقول أن الفساد يحدث فى كل المجتمعات ولكنه ينتشر ويستفحل فى المجتمعات النايمة ، وليس النامية. ولعل آخر مثل لهذا حكاية ولفوويتز مع “صديقته”. وقد لا يعرف البعض أن هذا الشخص من أهم منظرى الإستعمار الجديد. وكان يعمل من قبل فى البنتاجون وكان الموظفون هناك لا يعرفون له منصبا محددا! وأن تعيينه على رأس البنك الدولى هو من السياسة. وعلى فكرة البنك الدولى هو نفسه الذى رفض تمويل بناء السد العالى بقروض .. زمان. وربما اندهش البعض لأنه لم يستقيل إلا بعد الضوء الأخضر من الغبى. هذا ولا تعنى استقالته بعده عن السياسة .. بالضبط كما لا تعنى استقالة رامسفيلد ذلك. فالعصابة ما زالت تعمل وستظل حتى بعد خروج الغبى من مكانه الرئاسى.
ومن جوانب الفساد المفزعة أن مجلس أمناء (يعنى مجلس إدارة) البنك ، الذى مفروض أنه يدير بنكا “دوليا” فى “العالم الحر الديمقراطى” ، لم يستطع إقالة ولفوويتز ، إلا بعد سماح العصابة لهم بذلك.
وهذا مثال آخر للمجتمعات النايمة.
وللعلم فالمجتمع الأمريكى قد تم تخديره منذ زمن وعلى جرعات مدروسة. فوجدناه الآن لا يكترث بالكذب المفضوح عينى عينك وفى كل شىء ، ولا يكترث بالقتلى بالآلاف من أهله (ربما لأن أكثرهم من المرتزقة على أية حال) ، بل لم يعد يكترث بحقوق الإنسان التى كان يتشدق بها ، فأصبحت “حركة أمريكانى” لا معنى لها.
عندما كنت أتابع المجلات والصحف الأجنبية ، كنت أقرأ كثيرا عن الفساد الذى ينتج عن اقتران السياسة برأس المال ، ولم تخل دولة من التى يعتقد الكثيرون فيها المثالية فى الديمقراطية والأخلاق من قصص فساد واستغلال نفوذ وتربح من المال العام وضحك على ذقون الشعب.
الفرق أنه عندما يكون هناك أشخاص يؤمنون بالمبادىء فإنهم يضحون فى سبيلها ، وبذلك يتم تدارك كثير من قصص الفساد وإن لم يكن كلها. وفضيحة ووتر جيت لم تكن لتظهر لولا شجاعة الصحفى الذى عانى كثيرا لجمع المادة وعانى التهديد بالقتل ، ثم إن القدر لعب دورا كبيرا فى تلك القضية ولولا ذلك لما تحرك أحد.
المعادلة بين السياسة والإقتصاد ، حتى يصير للشرف نصيبا فيهما ، معادلة صعبة وأحيانا ما تكون مستحيلة. وللصحافة ، وليس لمجلس الشعب ، الدور الأهم فى المعادلة.
من آخر ما قرأت عن الفساد السياسى الإفتصادى فى مصر مقال لعبد العظيم درويش، أحاول أن ألخصه فيما يلى:
“سيما أونطة”: قبل نهاية عام 2005 يقدم رجل الأعمال م. محمد منصور (منصور شيفروليه) إلى وزير النقل عصام شرف مشروعا لاحتكار النقل النهرى. فى 30 ديسمبر 2005 يصير محمد منصور وزيرا للنقل. وتتقدم شركة القلعة للإستثمارات ويرأسها أحمد هيكل بمشروع لاحتكار النقل النهرى والإستحواذ على عشرات الملايين من أمتار الأراضى كموانئ نهرية.
تحت قبة البرلمان يعلن الوزير مستور رفضه التام لأى مشروع يستهدف احتكار النقل النهرى ، ردا على استجواب برلمانى بعد تحقيق صحفى عن الموضوع.
يتفتق ذهن الوزير ورئيس شركة القلعة و م. ياسين منصور عن خطة لتمرير المشروع على مراحل بطريقة ال Puzzle.
فى 3 مايو الحالى يعلن الوزير عن موافقة جهاز حماية أملاك الدولة بمحافظة الإسكندرية على طلب شركة القلعة شراء 600 ألف متر مربع على الطريق الساحلى الدولى تمثل منطقة التوسع المستقبلى لميناء الإسكندرية بواقع 100 جنيه للمتر وسعره الحقيقى يتجاوز الألف جنيه. وذلك بعد الزج باسم مجموعة القلعة فى الطلب الذى كانت هيئة ميناء الإسكندرية تقدمت به إلى جهاز حماية أملاك الدولة.
المشهد الأخير: الدهشة تعلو وجه الوزير مستور عندما اكتشف بالصدفة أن مشروع احتكار النقل النهرى الذى قدمته شركة القلعة هو نفس المشروع بمهندسه الإستشارى وبيت الخبرة الذى كان قد قدمه قبل أن يصبح وزيرا ، وأن أحمد هيكل هو أقرب أصدقائه وأن ياسين منصور هو شقيقه .. شوف الصدفة! نفس الصدفة التى فى أى فيلم مصرى عندما يلاحظ أحمد تلك الوحمة على كتف منى ، فيكتشف أنها شقيقته التى تاهت منذ 25 عاما .. ألم أقل من البداية “سيما أونطة”!
هذا المقال على أهميته وجديته ، يبين لنا أن الصحافة ما زالت تفتقر إلى عنصر هام ، وهو التحقيق الصحفى الجاد والشاق والمحفوف بالمخاطر من أجل جمع المعلومات الموثقة وليس الإستنتاجات. ولكن مثل ذلك العمل الصحفى الشاق يحتاج إلى تمويل .. مما يعيدنا إلى موضوع الإقتصاد والسياسة .. تانى!

Written by anwar68

ماي 28, 2007 at 5:26 م

الحــب الحقيقى 2

leave a comment »

قبله:ـ
https://anwar68.wordpress.com/2007/05/19/الحــب-الحقيقى
تحدثنا عن بداية الطريق فى الحب والعلامات التى تصاحب تلك البداية. وبما أن الحديث كان موجها للشباب فكنت اتوقع منهم بعض التعليقات والآراء ، ولكن يبدو أن حالة الخجل من الحب الذى هو طبيعة عربية ، ما زالت تحكم حديثنا فى العلن ، رغم أن الحديث الهامس ولقاءات الظلام والوقوع فى الخطأ هو الشائع!
فقط دودى هى التى علقت على الموضوع بنضوج واضح. وقبل أن نسير فى الطريق ، أود التوقف عند بدايته للتعليق على موضوعين فتحتهما دودى مشكورة:
“الحب بالنسبة لبعض الشباب مجرد لعبة وتضييع وقت ليس إلا”. مضبوط وتمام وينطبق على البعض فى كل الأوقات زمان والآن وفى المستقبل. وأذكر أنى تحدثت فى المرة الماضية عن الحرص وعن النور وعن إعمال الحواس الأخرى كلها إلى جانب القلب. هذا مهم فى مواجهة العابثين ، خاصة وأن أكثرهم محترفون “ويعرفوا يسبكوها صح” فيكون الخداع شيطانيا. ولكنهم فى نفس الوقت يقعوا عادة فى شر أعمالهم خاصة إذا تلاقى اثنان من نفس النوع.
“المشكلة مين هيقدر يطبق الكلام ده وهو في الموقف نفسه؟! .. كل ده بيتنسي، والعقل بيروح في غيبوبة تامة!” وقد أجابت دودى نفسها عن هذه المشكلة برجاحة عقل وقالت: “أنا في رأي إن الموضوع محتاج فوق كل هذا قوة شخصية، والأكثر من هذا ثقه بالنفس ورجاحة عقل وتفكير متأن.” وليس بعد ذلك إجابة أكثر دقة. والحديث عن واجب الوالدين ، وخصوصا الأم ، فى تربية الأبناء جزء مهم من الموضوع ، وطالما قلنا أن التربية ليست “الدروس الخصوصية” و “مصروف اليد السخى” و “ذاكر” و “أجيب لك الإمتحان” أو “أجيب لك عربية”. هدف التربية الأول هو بالضبط ما تقوله دودى.
علينا أيضا أن نساعد أولادنا فى فهم أحوال المراحل السِّـنية الطبيعية ، وخاصة مرحلة المراهقة التى “تبحث” عن الحب وتغرق فى الأحلام ، ويظن صاحبها عند كل نظرة أو ابتسامة أنه وقع فى الحب ويبنى القصور. فإذا كانت هذه حالتك فاعلم أن أيا ما تشعر به ليس حبا صحيحاً ، وما عليك إلا الإنتظار إلى أن تتخطى هذه المرحلة طبيعياً وتدخل فى مرحلة النضوج الأولى. ومرحلة المراهقة ليست عيبا ولكنها طبيعة فى كل إنسان ، فقط ينبغى أن نفهمها.
ولنرجئ السير فى طريق الحب إلى مرة قادمة لأن المقام لن يتسع الآن ، وهناك ملحوظة مهمة أولاً: نتحدث هنا عن الحب قبل الزواج ، لأن سمة العصر هى الإختلاط المبكر ، وهى تزيد فرص هذا الحب. ولكن هذا لا يعنى أنه لا يوجد فى المجتمعات المغلقة. كذلك لا يعنى أنه لابد أن يحدث قبل الزواج الآن ، ففى كثير من الحالات حاليا يحدث الحب بعد الزواج.
فى مرحلة الشباب كنت أعلم ذلك ولكنى كنت أرفض الزواج عن غير حب .. مسألة شخصية. ولكن تبين لى فيما بعد أنه إذا خلصت النية من الطرفين فإنه من أحسن أنواع الحب. ويكون الجو أفضل ما يكون مهيئا له فى حالة ما كان المجتمع متفقا على أعراف أساسية متشابهة على الأقل بين الطبقة الواحدة أو المستوى الثقافى أو المادى الواحد. ولا بأس أن أتحدث عن تجربة شخصية هنا: ذهبت مع بعض الأقارب فى زيارة “لرؤية” عروسة. وأول ما استرعى انتباهى أن منزلهم لم يكن مهيئا كما هو المعتاد بالنسبة لمثل تلك الزيارات. تبادلنا الحديث العادى ثم دخلت “العروسة” فانتبهت إلى أنها لا تضع أى مساحيق ولم ترتد “اللى على الحبل”. وإذا كانت الصراحة أهم دلائل الحب الحقيقى فهى أهم بداياته أيضاً. وتبادلنا الحديث ثم بإشارة من رئيسة الجمهورية (أم العروسة) بقى الرجال وحدهم. والعادة فى هذه الحالات أن يأخذ كل جانب وقته للتفكير والسؤال. ولكنى لم أكن أحتاج إلى كثير وقت ، فدخلت فى الموضوع وشرحت للأب ظروفى التعبانة مادياً وأننى أفكر فى العمل بالخارج. ولم يزد الرجل عن القول أن ما يهمه أن يكون عريس بنته “بيعرف ربنا” ، أما المال فهذا بيد الله والمستقبل بيد الله. ولا ندرى ما يحدث غداً.
وتمت الخطوبة بعد ذلك بحوالى عشر أيام بعد أن اقترضت من خالى 40 جنيها لإكمال ثمن الشبكة! وكان الأب الطيب قد وافق على خروجى معها (وإخوتها معنا طبعا) أكثر من المعتاد فى تلك الفترة بسبب استعدادى للسفر. ومن خلال اللقاءات المتكررة كان الحب حقيقياً.
نهاية القصة حزينة لأنه لم يُكتَب لذلك الزواج أن يتم لأسباب لا علاقة للبنت ولا لأبيها ولا لى بها. المهم أنه فى ذلك الوقت وكنت بالخارج كتبت لأبيها خطابا مطولا من ثلاث صفحات أعتذر عن إتمام الزواج وأشكره على كل ما فعل من أجلى فى صفحة أما الصفحتان الباقية فكانت مدحا فى العروسة ودعوات صادقة لأن يكون نصيبها مع من هو أفضل منى.
نهاية القصة ليست حزينة جداً على كل حال ، لأنى سعادتى كانت لا توصف حين علمت أنها فى السنة التالية تزوجت شخصاً محترماً جداً وكانت سعيدة معه.
وما زال لنا كلام فى الموضوع.

Written by anwar68

ماي 27, 2007 at 5:24 م

الجاســـوس

leave a comment »

فى عصر الأقمار الصناعية والعدسات التى تراقب كل ما يجرى على سطح الأرض ، والقنابل الذكية (ولو كان ذكاء أمريكياً بوشياً) كنا نعتقد أنه لم تعد ثمة حاجة إلى جواسيس. وكان من ضمن مخطط الإستعمار الجديد أن يقنع الناس بذلك رغم أن حرب 1973 أثبتت العكس ، وقالوا أن الكى جى بى والسى أى إيه سيبحثوا لهم عن عمل آخر خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة. وهدف تلك الحملة نشر الإسترخاء بين الشعوب فلا تنتبه لما يحاك لها.
وعندما أحدث صاروخ فجوة (أقل من تلك التى حدثت فى مبنى البنتاجون .. واخد بالك؟) فى سفينة حربية قالوا أنها من عمل القاعدة ، ولم يكلف أحد نفسه بالمطالبة بأى إثبات لكى نصدق أن منظمة فى كهوف الجبال تقوم بذلك العمل العسكرى ضد أسطول دولة عظمى وبدون هدف واضح ولا حتى مستتر. أتهموا القاعدة وانتهى الأمر. فالهدف كان ترسيخ فكرة أن تلك المنظمة أكبر من منظمات الغرب الإرهابية: الألوية الحمراء وبادر ماينهوف والكو كلوكس كلان وغيرهم.
وعندما كانوا ينشرون صور الروس الذين يبحثون عن الطعام فى القمامة ، استدرارا لعطف الناس وجمعا للتبرعات لعزيز قوم ذل. كان ذلك أيضا مخططاً لإثبات أن الحرب الباردة قد انتهت ، فهاهم يساعدون أعداء الأمس. ثم نكتشف بعد فترة وجيزة أن الغلابة الباحثين عن الأكل فى القمامة لديهم مليارديرات وأصحاب شركات بترول احتكارية فى البلد الذى كان لا يعترف برأس المال الخاص. ثم فجأة لم نعد نرى صور من يبحثون فى القمامة.
عندما أطاحوا برئيس جمهورية فنزويلا شافيز ثم عاد ، لم نسمع كثيرا من التفاصيل سوى أن الولايات الإستعمارية ياعينى لم تكن لها يد فى الموضوع. وأنا واحد من الناس الذين لم يهتموا كثيراً بما حدث فى فنزويلا 2003 إلى أن شاهدت فيلما تسجيليا (محمل من الإنترنت) عن القصة كلها. والقصة مثيرة للأعصاب حقا ولا تصلح للإختصار هنا ولكن يمكن إيجازها فى أن الديمقراطية التى أرادها شافيز وتوزيع عائد البترول توزيعا عادلا على عامة الناس بدلا من المحاسيب ، كل هذا كان حيادا عن ديمقراطية الإستعمار الجديد ، فخطفوه ووضعوا مكانه رئيس شركة البترول باسم الديمقراطية. الدور الرئيسى فى القصة قام به الإعلام. وهى الأداة الجهنمية الحديثة للمخابرات. وعاد شافيز بعد أن تجمع حوالى مليون مواطن حول القصر يحمونه بصدورهم العارية بعد أن كان العملاء قد استولوا عليه.
وعندما فضحوا كلينتون فضيحة أكبر مما لو كان حرامى فى زنقة وليس رئيس جمهورية ، لم تكن التهمة جنسية ولكن كانت الكذب كذبة واحدة ، وفى أمر شخصى. وعندما علم العالم كله أن كل ما قيل ويقال كذب فى كذب (من أول مسرحية التفجيرات إلى “الإعتراف” بخطأ الإستراتيجية فى العراق) أصدروا قانونا يحميهم من المحاكمة ويحمى جنودهم المرتزقة إذا انتهكوا حقوق الإنسان. وليس الكذب هنا فى أمر شخصى وإنما قتل وما زال يقتل الآلاف المؤلفة.
الحقيقة أن التجسس ما زال موجودا والمخابرات أصبحت أقوى مما كانت ، خاصة فى الولايات الإستعمارية.
والحقيقة أن الحرب الباردة أصبحت أكثر شراسة ، فها هو المعسكر الشرقى الذى أقاموا له حائط صواريخ فى أوروبا إبان الحرب الباردة ، فيزيد الحائط اتساعا (قاعدتين هما أكبر القواعد فى العالم فى أفغانستان وأربع فى العراق غير ما فى السعودية والبحرين) وسمكاً (سيقام لدى الدول الصغيرة التى انفصلت عن الإتحاد السوفييتى).
فى هذه الفوضى ، ما الذى يجعل مصرياً ينضم لطابور العمالة القبيح؟
أحد أهم الأسباب فى نظرى هو حالة الإسترخاء والإنهزامية بيننا عن طريق نظرية المافيشزم. وهى من أهداف الإستعمار الجديد الرئيسية ، وللأسف نحن نساعدهم فى هذه السياسة الخبيثة ونزيد الضباب حولنا لكى لا نرى ولا نفهم. وعندما تسود الإنهزامية يصبح لا فرق بين الوطنية والعمالة ، ويصبح الشباب نهبا للإغراءات على أساس “مافيش فايدة”.
مرة أخرى .. أيها المصريون .. انتبهوا!

Written by anwar68

ماي 20, 2007 at 5:22 م

الحــب الحقيقى

leave a comment »

قبله:ـ https://anwar68.wordpress.com/2007/07/12/الحــب-ياعينى-عليه
الحب له دلالات كثيرة ، ورغم ذلك يبدو أحيانا غامضاً إذ له درجات تتراوح بين الوهم والحقيقة. ويمكن أن يحدث أكثر من مرة ، حقيقياً كان أم وهماً. فلا داعى للإنزعاج إذا فشلت قصة حب إذا ما اكتشفنا أنه وهم أو إذا وقفت الصعوبات فى طريقه. يحتار الشباب كيف يعرفون أن ما يشعرون به هو حب حقيقى.
لا أدّعى الخبرة ، ففى الواقع أكثر ما أكتبه فى هذا الموضوع بناء على تجارب الآخرين حيث كنت دائما مستمعاً ومراقباً جيداً ، لذلك قبل الإجابة على التساؤل أود أن أشير إلى كيفية نشأة الحب أصلاً:
الحب يحدث ولا نصنعه. ولكنه يهبط علينا كالقضاء المستعجل! الحب مفاجأة لا يدرى أحد لها سببا محدداً ولا منطقاً. حادثة! لا تحدث لو كنت تبحث عنها! وهى أحيانا تحدث لحظياً (الحب من أول نظرة) وقد يستغرق حدوثها بعض الوقت. وأنا لا أميل إلى تأييد النوع الأول لأنه أضعف أنواع الحب. ألا يحب الرجال نانسى عجرم وروبى وهيفاء من أول نظرة (هذا إذا كان عندهم نظر يعنى!) ولكنه ليس الحب الحقيقى ولا القوى. الحب القوى ينمو كالزرع.
والحب دائماً يكون بين طرفين. أما الحب من طرف واحد فهو مرض يحتاج إلى طبيب نفسى. صحيح أنه قد ينشأ عند طرف قبل الآخر ، ولكن هذا لا يستمر طويلاً ، يعنى إذا لم يستجب الطرف الآخر فكبر دماغك وشوف مصلحتك ياسيد. وهو يبدأ عادة بالإعجاب بالمظهر أو بصفة معينة جاذبة ، ثم الإهتمام بالتفاصيل ، ثم تقع فى المصيدة. فقبل أن تقع يجب أن تسأل نفسك: فى أية مرحلة أنت وتقيِّمها.
ليس التطابق بين شخصين مطلوب فى الحب فهو تكامل ، أما ما نراه فى الأفلام من أن الطرفين يحبان نفس الأشياء أو يقولان نفس الكلام ، فهو وهم ، ومن ناحية أخرى لا بد أنه سيكون شىء ممل جداً ، فكيف إذاً ستحدث الخناقات بعد الزواج وهى مثل ملح الطعام. مع ملاحظة ألا يكون الإختلاف فى المبادىء الأساسية مثل الأخلاق والعادات الإجتماعية.
والآن بعد أن تقع ، كيف تعرف أنه حب حقيقى؟
أولاً: الحب الحقيقى يحب النور مع الحاجة إلى الحرص خاصة فى المراحل الأولى. أما الحب فى الظلام فعاقبته عادة الملامة والندم.
ثانياً: تشعر باطمئنان وهدوء فى حياتك عموما. و لا تشعر بالقلق عندما تكون على أهبة اللقاء ولا تتجمل ولا تراقب تصرفاتك أو كلامك. ومن يعتقد أن التجمل على الأقل فى مرحلة الإعجاب أو الإستكشاف الأولى لازم فهو مخطئ ، لأن الطرف الآخر عندما يكتشف الحقيقة نكون قد ضيعنا وقته ووقتنا.
ثالثاً: الحواس كلها تشترك فى الحب وليس القلب وحده. فأخطر ما فى الحب أن يكون فى القلب فقط ، وهو عندئذ بالقطع ليس حباً حقيقياً. فإحساس القلب يحتاج إلى وعى العقل وحدة النظر والحواس كلها بما فيها الحاسة السادسة ، وإلا فننتظر ونعيد النظر ونفكر ونتردد.
رابعاً: الإنسجام (الهارمونى) ، وهذا مؤشر هام جداً. وهو لا يتضح إلا فى وجود آخرين (أنظر أولاً عاليه). لأن الآخرين هم الذين يلاحظون ذلك أكثر من الطرفين نفسهما. صحيح أن الطرفين يحتاجان إلى كلام خاص بينهما بعض الأحيان ، ولكن هذا لا يكون إلا فى مرحلة متقدمة جداً ، ليس فقط بعد أن يتأكد الحب ولكن أيضا بعد أن يكون قد نما إلى حد ما. وحتى فى هذه الحالة ، فلا داعى لأن “نقعد فى حتة هادية عشان نعرف نتكلم” وهى الكلمة السحرية التى يحفظها من يلهون بالحب (من الجنسين) والتى يجب بمجرد أن نسمعها أن نطير بعيداً ، فمن يقولها ليس الشخص المناسب لك إطلاقاً.
هذا ما يحضرنى من أهم المؤشرات على الحب الحقيقى.
يبقى بعد ذلك أن نعرف أنه إذا وضح من كل هذه المؤشرات أن ما نحسه حباً حقيقياً ، فهذا لا يعنى أننا وصلنا ، ولكن يعنى أننا على أول الطريق. والطريق أحيانا ما يكون سهلا ، وغالبا ما يكون مفروشا بالأشواك والمتاعب.
ولكن هذا حديث آخر. والباب مفتوح للمناقشة فى هذه الجزئية.

Written by anwar68

ماي 19, 2007 at 5:16 م

النكبة وبيان 9 يونيو

leave a comment »

كانت أيام! من لم يعشها لن يستطيع معرفة حقيقتها مهما أبلغ الناس فى الوصف. يوم الإثنين 5 يونيو سافرت إلى الإسكندرية بناء على تعليمات بالمشاركة فى إخلاء الميناء من أى بضائع قد تكون قادمة للهيئة.
وكان ذلك بداية التساؤلات! سالت نفسى: نحن نعرف أن الحرب قادمة ، فكيف ننتظر إلى ان تقوم فنكتشف أن علينا إخلاء الميناء؟ ثم صبرت نفسى بأن تلك التعليمات ربما كانت من بعض الجهابذة فى المقاعد الرئاسية الذين يفتون فى هذه المواقف بما يعن لهم ، وليست تعكس سؤ تخطيط للحرب.
يوم الثلاثاء صباحا كنت فى منطقة الإسكندرية فوجدت هرجا ومرجاً. طبعا كنت أعرف الجميع هناك ويعرفوننى ، ولم يستطع أحد أن يعطينى معلومات عن حكاية إخلاء الميناء هذه. الجميع يتابعون البيانات العسكرية من الراديو ، والبعض يهلل كلما أذيع بيان عن سقوط 40 طائرة اسرائيلية .. ثم أصبحوا 50 .. ثم أصبحوا 60 .. واستمرت الزيادة. البعض يهلل لتلك الأخبار ، ولكن البعض كان ينظر للأفق فى قلق. ملت على أحد القلقين وقلت: عندما نسقط 70 طائرة فى يوم واحد فكم طائرة تهاجمنا فى الطلعة الواحدة؟ نظر لى شاردا وقال: أنا مش مطمئن! وبدأت الكلمة تمتد.
عدت مساء الثلاثاء 6 يونيو للقاهرة ، وكان القطار بالكاد يسير ، فوصلنا بعد منتصف الليل. وكانت المواصلات متوقفة واضطررت إلى المشى من ميدان باب الحديد إلى مدينة نصر .. شباب بأه! أوقفتنى الحواجز الأمنية الليلية أكثر من عشر مرات خلال الطريق ، ولم أكن مستاء ، بل كنت أسألهم عن قلقى ، على أمل أن يؤكد لى أى انسان أنه بدون مبرر.
مر يوم الأربعاء ثقيلا مشبعا بنفس البيانات الفاسدة التى لا يقبلها منطق! ثم اختلفت اللهجة يوم الخميس فعلمنا أن قواتنا تقاتل “قتالا شرساً”. ومع تقدم اليوم سمعنا عن العودة من خط الدفاع الأول إلى الثانى!! وبدأ الوجوم يسيطر على كل الناس وكلهم يأملون فى شىء يبل ريقهم ويدعون.
يوم الجمعة 9 يونيو صحوت على القرآن فى الراديو ، فاعتقدت أنى تأخرت فى النوم وأن الجمعة أزفت. ثم اكتشفت أن الساعة لم تكن 9 صباحا بعد. كانت أمى رحمها الله تروح وتجىء فى المنزل كالمعتاد ولكنى لمحت عبرات تكاد تسقط من عينيها. كان الموقف لا يحتاج لإيضاح. ولكن أحدا بالمنزل لم يكن يتحدث. فقط صوت القرآن والموسيقى العسكرية.
نزلت ميدان العباسية متخيلا أنى سأجد جميع أنواع السيارات تحمل المتطوعين إلى السويس. لم أكن أفكر فى شىء سوى ماذا أفعل إذا لم يقبلوا أن اركب معهم. وأسقط فى يدى عند وصولى ميدان العباسية الذى لا يهدأ نهاراً وليلاً.
الصمت يلف المكان. الميدان الفسيح يبدو ضيقا على أنفاس الناس. لا عربات تنقل المتطوعين ولا كلام ولا شىء. فقط صوت القرآن والموسيقى العسكرية! كان الرجال يحاولون إخفاء دموعهم فإذا نظر واحد للأخر لم يعد أيهما يستطيع إخفاءها. الناس لا يتكلمون. فقط ينظرون إلى بعضهم البعض ويتحركون كأنهم آلات.
ذهبت إلى زميل الدراسة صديقى جمال فى عابدين ، جلست بعض الوقت .. لم نتبادل حديثا حقيقياً .. ليس إلا: هو فيه إيه؟ هه؟ نعم؟ آه .. لكى نكسر السكوت فقط. قلت أنا ماشى. قال طيب. ونزلت إلى صديق عزيز آخر فى العجوزة. ولم يختلف الحال. كنت أريد أن أقول شيئا ، ولابد أنه أيضا كان يريد .. ولكنا لم نكن نتحدث.
الأماكن كلها لم يكن الحال فيها يختلف عن ميدان العباسية. انتقلت من مكان لمكان حتى وصلت الألف مسكن قبل البيان بقليل. حتى منطقة الألف مسكن كانت تبدو خالية! قلت أنا ماشى. قال انتزر لنسمع البيان. ثم أخذ الراديو وأشار لى فخرجنا فى الشارع نمشى بدون كلمة.
وبدأ جمال عبد الناصر بيانه. وكانت نتيجة المعركة واضحة من أول كلمة .. ومن أول كلمة كانت الدموع تسيح منا بدون كلام. ولكنا كنا نستمع جيداً. وكان أسلوب هيكل الذى كتب البيان واضحاً.
كنا نثق فى هيكل ونعلم أنه لن يقول كلاما حماسياً على منوال البيانات العسكرية الملفقة. وقد كان .. استطاع هيكل أن يؤكد لنا خبر الهزيمة بتؤدة ودون نواح. وهو نفسه هيكل الذى كتب مقالا قبل 6 أكتوبر 1973 بأيام يصف فيه بالتفصيل خط بارليف وصعوبات تخطيه أو ضربه. وهيكل الذى بدأ حياته الصحفية كمراسل حربى عن جدارة ، كان عسكريا فى الوصف .. حتى أن فلول الناصريين أيامها بدأوا فى التشكيك فى أنه يريد تحطيم الروح المعنوية!
المهم عودة إلى يوم الجمعة المشهود .. ما أن وصل جمال عبد الناصر إلى فقرة التنحى عن المنصب ، حتى صحنا أنا وصديقى فى نفس الوقت .. لا يابن الـ… لأ .. ماينفعش .. يعنى كده يبقى انهزمنا بصحيح .. ماينفعش.
….
إذا قال لكم أحد أن مظاهرات المطالبة بعدم التنحى كانت مرتبة ومفتعلة فلا تصدقوه. أنا لم أخرج فى مظاهرة ولكن فى طريق عودتى إلى المنزل كانت كل المواصلات قد تحولت إلى منزل الرئيس. فاضطررت إلى المشى.
من الألف مسكن حتى مدينة نصر. فأمكننى رؤية الشباب يخرجون أولاً فرادى من كل مكان. شباب .. طلبة وعمال. يخرجون إلى الشارع وكلما تجمع عدد منهم انطلقوا يهتفون ويركبون أى وسيلة فى اتجاه بيت الرئيس.
المظاهرات كانت عفوية .. نعم ، وكانت عاطفية .. نعم. ولكنها لم تكن عاطفية فقط ، فالمثقفين كانوا يعلمون أن البلد ستفكك إذا تنحى عبد الناصر. وكان العاقلون يعلمون مساوئ عبد الناصر ولكنهم كانوا أيضا يثقون فى أنه الوحيد الذى يستطيع الإصلاح.
وصلت المنزل بعد منتصف الليل فوجدت أمى رحمها الله وإخوتى الصغار جميعاً يبكون. البلد كلها كانت تبكى. كلها!
لم ينم أحد تلك الليلة.
بعد تلك الليلة بخمس سنوات بدأت أيدى خفية تحرك المظاهرات مطالبة بالحرب. وكان الشباب المحروق دمه من الهزيمة يشترك فى تلك المظاهرات ، ولكن العقلاء كانوا يقولون: ياجماعة .. بالعقل كدة ، تحتاج أى دولة فى ظروف مصر وحصارها من قبل الغرب ، وفساد بعض القادة الذى ظهر ، أقول تحتاج على الأقل ثمانى سنوات .. فالأمر يقتضى “إعادة” بناء الجيش. وهو بناء لو تم فى ثمان سنوات ستكون معجزة.
وكان العقلاء يتخوفون من محركى تلك المظاهرات .. وكان واضحا أن أهداف أولئك المحركين هو الفوضى الداخلية أو على أحسن تقدير (تقديرهم) أن ندخل حربا عشوائية يتم فيها خسارة بقية الأرض.
وحدثت المعجزة قبل الموعد المعقول. حدثت بعد ست سنوات فقط. حدثت بفضل من الله الذى كان يكافئ من عملوا منا بجهد وصمت طيلة ست سنوات كانوا يصلون الليل بالنهار ، ولا يعرف عنهم أحد شيئاً. أكرمنا الله فقط إكراما لهؤلاء.

ويستحق بيان 9 يونيو ، الذى نقله لنا م. شريف فكيه مشكورا ، قراءة متأنية أكثر من مرة. فحاجتنا لفهم مضمونه اليوم لا تقل عن حاجتنا يوم النكبة.

تعليق من م/ أحمد أبو النور
مهندس محمود – لا اختلف معك في تزوير وتسويف موضوع الخلافه ونهايتها واي قص ولزق علي السنه انصاف المثقفين ( في رأيي المثقف الكامل ليس نصابا ولا افاقا) واعتقد انه اصبح من المفهوم لكل مجتهد اننا نواجهه نوع من زرع البلاهه في عقولنا و للاسف نحن مستسلمين وجيل ورا جيل الاستسلام بيزيد وقاعدين نولول علي حاجات فارغه (نسبيا علشان محدش يزعل) وسايبين المهم وياريت لو كل الناس ممكن فعلا تحلل الكلام المزوق اللي بتسمعه.
اما موضوع النكسه فلم احضره بالتأكيد ولكن في اعتقادي ان المظاهرات المطالبه بعدم تنحي عبد الناصر كانت ملفقه وليس شرطا ان تكون بإيعاز من جنود السلطه ولكن يكفي البيان الذي داعب كلا الجانبين من المجتمع جانب البسطاء الذين احسوا باليتم وجانب المثقفين الذين يدركون خطوره تنحي عبد الناصر لان حكم البلاد ليس لعبه وممكن اجري وقت الجد واقول مش لاعب – اعتقد ان الساسه وهيكل مع كامل احترامي له دبروا لعبد الناصر هذه التمثيليه الهزليه لحفظ ماء الوجه مع كامل علمهم لردود افعال الشعب بسطاء ومثقفين – خطاب التنحي هذا خدعه كانت جديده من نوعها في وقتها ومن ساعتها واحنا بنشوفها يوم ورا يوم بس باشكال مختلفه يعني باروكه زياده للبطل او كرافته اقصر او مع اختلاف المناظر الطبيعيه واهو كله ماشي.
ويجعله عامر.
الإثنين 14/5/2007، رد على تعليق أحمد أبو النور
السلام عليكم ، شكرا على رأيك بالنسبة لتنحى عبد الناصر. وهى مسألة كثر الكلام فيها إن كانت خدعة أم لا. وأعتقد أن الأفضل أن نحكم بالظاهر. يعنى بما أن عبد الناصر كان فى ذلك الوقت لا يحتاج إلى تمثيلية كما تقول حضرتك وهو صحيح ، فلم يكن هناك لزوم لتمثيلية أصلا. وعليه فهذه المسألة تدخل ضمن ما علمه لا يفيد والجهل به لا يضر. أى الرأى فيه سيكون رجما بالغيب. وعلى كل حال أن أسعد جدا بالآراء المختلفة ورأيك ولا شك له وزنه وتقديره. وفى انتظار آراء أخرى أو مواضيع أخرى .. ومبروك ياغادة فوزك فى رهان الشاى باللبن وعايزين غدوة على الضيق كدة علشان نحتفل معاكى.

Written by anwar68

ماي 12, 2007 at 5:12 م

أوهام الخلافة

leave a comment »

خلال تعليق الناس فى التليفزيون حول الصراع على الرئاسة فى تركيا ، لاحظت خلط معظم المتصلين من العرب بين الدولة التركية ودولة الخلافة .. وهو وهم ينتشر بين عامة الناس ، وللأسف أيضا بين من يفترض أنهم مثقفون ، أن تركيا تمثل آخر دولة الخلافة. سبحان الله! ليس الجهل هو السبب الرئيسى فى ذلك ، ولكن هناك سببان رئيسيان:
أولا: تعليم التاريخ فى مدارسنا العربية يعتمد على ما يروقنا منه فقط ويندفع واضعوه إما بالحماس لدينهم وإما بالتوجيهات السياسية وإما بتتبع القديم بدون تفكير حرصا على السلامة المهنية! ومن ذلك إصرار المناهج على أن جو مصر حار جاف صيفا دفىء ممطر شتاء رغم غباء هذه المقولة.
ثانيا: إصرار الحركات والمنظمات الإسلامية فى مختلف الأزمان على رفع شعار الخلافة. وهو شعار يعجب المتفرجين. ولو فكر أولئك المتفرجون قليلاً لاتضح لهم أن الشعار ليس مقصودا حرفيا ، فرافعوه أول من يعلمون أن الخلافة تنحصر فى عهود الخلفاء الأربعة. وعندما يطلق على “عمر بن عبد العزيز” خامس الخلفاء الراشدين فهو مجاز فقط وذلك لعدله وصلاحه وتقواه.
أدهشنى صلاح الدين حافظ ، وهو يعد من المثقفين ، أن يكتب: “فعند إسقاط الخلافة الإسلامية عقب الحرب العالمية الأولى الخ.” وهذا نوع من المثقفين يفقد مصداقيته تماما عندى لمجرد أن يحاول تمرير مثل ذلك على أنه حقيقة مفروغ منها. أما دوافعه فى ذلك فهى واضحة ، فهو من أول المقالة لآخرها يقسم العالم إلى مجموعتين: إحداهما تجمع من سماهم أصوليين ومن سماهم المسلمين المعتدلين والجهاد والإخوان والإرهابيين والمتطرفين. وعندما يرد لفظ الإسلام فى مقاله فهو لا يرد وحده وإنما يجمع مع أى من هذه الفئات الأخرى أو يأتى بتعبير “الإسلام السياسى”. أما المجموعة الثانية فتجمع الديمقراطية (التى أحيانا يسميها الديمقراطية الحديثة) والعلمانية. وهكذا يصير فى مخيلة القارىء العادى أن هذا هو التقسيم “المثقف” لضدين متعارضين ، يعنى إما الإسلام أو العلمانية. وهى رؤية قاصرة جدا ، وأعتقد أنها فى زماننا هذا مقصودة للتشويش وزيادة حيرة الناس ، ولا يخدعنى أن صاحب تلك الرؤية يعد من المثقفين ، فليس المثقف بالضرورة أمينا.
الأمر ببساطة أنه منذ الفتنة الكبرى لم يعد لدى التاريخ “دولة خلافة”. وإذا كان بعض الحكام قد سمى نفسه “الخليفة” فى بعض الأوقات فهذا تطاول يعرفه أى مثقف. وبعض الحكام كان لديه بعض من السائل الأحمر فأطلق على نفسه تسميات أخرى لتجنب التطاول ولو أنهم لجأوا لتطاولات أخرى ألعن مثل: صاحب الجلالة وخلافه.
استشهد آخر خليفين راشدين على يد مسلمين .. ولهذا دلالاته. والقرآن يزخر بأخبار المنافقين ولا تكاد تخلو سورة فيه من الحديث عنهم والتحذير منهم. ولكنا لا نسمع، أو أننا نسمع ولكنا لا نفقه ، أو أننا نفقه ولكنا ننسى. فنجد الناس ما زال يخدعهم من يطلق لحيته ويعبث بمسبحة ويطلق لقب “الإسلامى” على كل شىء حتى ولو كان مؤسسة للنصب.
كل مقالة تبدأ بـ أو تحتوى على “إنشاء دولة الخلافة” هى مقالة غش وخداع ونصب.
وكل مقالة تحوى تقسيم الدين والعلم على طرفى نقيض لا تقل خداعا عن السابقة.
الدولة الإسلامية السياسية أسسها الرسول (ص) ثم سار على نهجه الخلفاء الراشدون الأربعة تكملة لمسيرة إعطاء المثل لمن يأتى بعدهم أن تصريف أمور الدنيا هى مسئولية الناس يستعينون فيها بالخطوط العريضة والمبادىء التى أرساها القرأن والسنة ، ولكنها تبقى دائما مسئولية الإنسان أخيرا. الدولة الإسلامية السياسية ياسادة هى دينية وعلمانية فى آن واحد.
من الخطوط العريضة مثلا: الشورى. وهو حكم الدين فى هذا الأمر ، أما كيفية التطبيق والتطوير بما يلائم مختلف الظروف فهذا مسئولية الإنسان. والإسلام بعيد تماما عن وضع إطار متجمد ـ كما يعتقد بعض الناس ـ يتحرك فيه المسلم كالآلة أو الروبوت. ولكنه إطار يسمح بالتطوير والتعديل والبحث اللانهائى عن الأفضل.
تنبه المسلمون الأوائل إلى أهمية جمع القرآن والسنة وحفظهما ، وكانت أول خطوة فى ذلك هى وضع الأسس العلمية التى لم يكن العالم قد سبقهم لها لتنظيم عملية الجمع. وهذا علم وإعمال للعقل فى الجانب الدنيوى من أمر دينى.
وتفاعل المسلمون الأوائل مع الثقافات الأخرى والعلوم أيا كان مصدرها. وليس صحيحا أن ذلك التفاعل كان مع الدول التى فتحوها فيما بعد ، ولكنه كان مع الجميع حتى مع الكفار أو الديانات الأخرى. وقد كتب الدكتور على جمعة سلسلة مقالات طويلة أخيرا عن التراث وفهمه وهى مقالات مهمة لمن يريد المعرفة.
لذلك أعارض عادة استغراق الناس فى البحث عن إفتاءات فى كل صغيرة وكبيرة بمناسبة وبدون مناسبة ، حتى يبدو أنهم يريدون تغييب العقل ، ويبحثون عن إطار متجمد يفرضونه على أنفسهم كنوع من الخمول عن إعمال العقل.
أما الأيديولوجيات التى كانت معروفة منذ نصف قرن فقد أضحت لا وجود لها سوى عند بعض من يريدون خداع الشعوب الطيبة فى العالم الثالث. فالديمقراطية والعلمانية والشيوعية والرأسمالية الخ. لم يعد لكل منها تعريف محدد. فقد تبين للعالم أن النظم الصحيحة تقوم على أساس توليفة من تلك الأفكار ، توليفة دائمة التطوير والتعديل.
بالمناسبة يعنى ..
In the beginning of a change, the Patriot is a scarce man, Brave, Hated, and Scorned. When his cause succeeds however, the timid join him, for then it costs nothing to be a Patriot. Mark Twain.
فى علم الإجتماع ، على قلة قراءتى فيه ، فأى مجتمع (أو مجموعة من الناس) يضم ثلاثة فئات: فئة رائدة تدفع للأمام وللتغيير وهى الأقل عدداً ، وفئة رافضة لكل شىء وتدفع فى عكس الإتجاه وهى التالية فى العدد ، ثم الفئة التى على الحياد أى لا تقول رأيها إما خوفا أو لأنها سلبية لا رأى لها وهم الغالبية. وعندما يتحقق نجاحا للمجموعة الأولى تجد المجموعة الثالثة تنضم إليهم على الفور حيث لم يعد ثمة خطر من الإنضمام.

Written by anwar68

ماي 11, 2007 at 4:48 م