Archive for فيفري 2007
هواية البحث عن معجزة
بقلم د.أيمن محمد الجندي
كقاعدة أنا ضد صناعة الخوارق المنتشرة في مجتمعاتنا سواء في أمور الدين أو الدنيا ..وأرجو ألا يفهم من كلامي أني أنكر معجزات الأنبياء أو حتى كرامات الأولياء ( الصادقين لا المزيفين ) ..ولكني أتحدث عن شيء آخر سأوضحه فورا .
فيما يتعلق بالشئون الدنيوية أؤكد أن البشرية لم تتقدم إلا حينما اعتمدت المنهج التجريبي كوسيلة وحيدة مؤكدة للمعارف وتخلصت من التفسير الخرافي للكون الذي هيمن على البشر لأحقاب طوال وأعاق مسيرة تقدم البشرية في تاريخها المعروف ..لكن المشكلة أن مجتمعنا لا يؤمن بالعلم ويفتقر بشدة لثقافة طلب الدليل ويعتمد صناعة الخوارق التي كف العالم عن التعامل بها سوانا فقد مرت المجتمعات الغربية بكل تلك المراحل، لكنها تجاوزتها، وصار خيار التفكير العلمي وطلب البرهان على كل قضية بديهة مستقرة لا يمكن التراجع عنها.
1. فلولا تلك القابلية للتصديق لما جرؤت قناة فضائية ذائعة الانتشار عن الترويج لإعلان فج يدعو للتوقف عن تعاطي حقن الأنسولين ويروج لعشب يشفي من مرض السكري.
2. أو تلك الشائعة السخيفة التي انتشرت في مصر منذ عامين عن شفاء الفيروس سي بالحمام أو بالأعشاب المجهولة دون أن تخضع للمقاييس العلمية المتعارف عليها وأبسطها تحديد المادة الفعالة. وللأسف يتم تسويق وهم أن تحسن أنزيمات الكبد يدل على الشفاء رغم أن أي مختص بأمراض الكبد يعلم أن تأرجح الأنزيمات طبيعة المرض نفسه ولا يعني شفاءه طالما لم يختف الفيروس نفسه من الدم.
3. أو شفاء بعض الأمراض بشرب الماء على الريق.
4. أو مضاعفة النقود عن طريق الزئبق الأحمر ( بمعاونة الجان طبعا ).
5. أو اكتشاف طالب مفصول من كلية الهندسة محركا يعمل بالماء.
وهذه القابلية للتصديق لا تقتصر فقط على الطبقات المحرومة من التعليم وإنما على أساتذة الجامعات أيضا . أستاذة جامعية (عالمة في مجالها) استشارتني في الذهاب بطفلتها المريضة بالروماتيد إلى أستاذ جامعي مشهور يزعم توصله لعلاج الروماتيد مقابل عشرين ألف جنيه ..كان رفضي حاسما للمبدأ لأن تصديقه خيانة للتفكير العلمي ( الذي تسبب في اختراع هذا الكمبيوتر الذي أكتب عليه الآن ) لأن التوصل لعلاج الروماتيد سيضمن لمكتشفه جائزة نوبل ..ووقتها لن نقرأ الخبر في المجلات النسائية ( كما حدث بخصوص هذا الطبيب ) وإنما ستوقف كل تلفزيونات العالم برامجها لإذاعة الخبر ( لأنه يعد اختراقا علميا ). ولم تسمع نصيحتي بمنطق عاطفي بحت وأعطاها الأستاذ الشهير ( برطمانين ) مملوءين بمادة مجهولة ( غالبا طحن أقراص الكورتيزون فيها لإعطاء تحسن وقتي ) وبعد أن فرغ البرطمانين ساءت حالة الفتاة فعادت أمها للطبيب الشهير الذي أعطاها – بعد تمنع – برطمانا جديدا مقابل عشرة آلاف جنيه ( الناس يحبون من ينصب عليهم ، أليس كذلك ؟ ، أو ربما هو اليأس ، الله يكون في العون ) .وبيت القصيد في تلك الحكاية الشخصية المؤسفة ( وغيرها بالعشرات لا يتسع لها المقال ) أنه لولا تلك القابلية للانخداع لما أستطاع خداعها.
ونأتي لصناعة الخوارق للتدليل على صحة الدين:
1. البشر يبحثون عن معجزة وربما يختلقونها وقد تكررت مطالبة الرسل الكرام بالخوارق والمعجزات من جميع الأمم السابقة ..ولم تمنعهم إجابة مطلبهم من الكفر والتكذيب فعقروا ناقة صالح وكفروا بموسى عليه السلام رغم الآيات التسع البينات.
2. وحتى حواري المسيح طلبوها (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ)
3. طلبها كذلك كفار قريش (وقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً) لكن رفض القرآن كان حاسما ونهائيا (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إلاَّ بَشَراً رَّسُولاً).
4. أوضح القرآن سبب الرفض في موضع آخر (ومَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ).
5. جاءت الرسالة الخاتمة بإعلاء شأن العقل والتفكير وطلب البرهان فبدأ الوحي بكلمة (أقرأ ).
6. حينما خسفت الشمس لحظة دفن ابن النبي إبراهيم، وتهامس الصحابة أنها خسفت حزناً لموته كان بوسع الرسول الصمت فلا يؤكد ولا ينفي ولكنه لم ينس – رغم حزنه – توضيح المبدأ : الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفان لحياة أحد ولا لموته.
7. حينما أوذي النبي أو مرض لم تكن له معاملة خاصة، لم ينزل ملك من السماء لنجدته، ولم تخرق نواميس الكون لمصلحته.
8. لم تنزل الملائكة لحماية ظهور الرسول والمسلمين أثناء الصلاة في ساحة المعركة ولكن نزلت آية كريمة تنظم الأمر.
9. تصور المسلمون أن السماء ستجاملهم وجاء الدرس العملي في غزوة أحد ليؤكد لهم خطأ هذا الاعتقاد، إن سنن الله تسير في الأرض ولا توجد أي محاباة من أي نوع.
10. لذلك تجدني أشعر بعدم ارتياح من الإلحاح المتعمد على كرامات الشيخ في عالم الصوفية ( مع إعجابي بالتربية الروحية من شيخ لمريد ) فمقام الشيخ وتهيب المريدين يلغي القدرات العقلية ويدفع لبلع ما لا يمكن بلعه!!
11. نفس الشيء بالنسبة التكلف في تفسير الآيات لإثبات نظريات علمية متغيرة بطبيعتها ( وكان يكفي الإشارة إلى انسجام القرآن الكريم مع الحقائق العلمية من قبيل اللطائف والإشارات لا محاولة إقناع العوام أن القرآن صاغ القوانين الفيزيائية والطبية والفلكية لكنّ أحدا لم يفهم وقتها !!).
12. لن أنسى تلك الصورة التي انتشرت في طول مصر وعرضها لأشجار تشكل عبارة (لا اله إلا الله محمد رسول الله) زاعمة أنها في غابات بولوينا وقد بح صوت الأستاذ الدكتور سيد الخضري – رحمه الله – أستاذً علم الأدوية بطب المنصورة أنه راسم تلك اللوحة ..من فعل هذا أساء – بقصد أو غير قصد – للإسلام لأنه بالتأكيد في غير حاجة للكذب.
13. وقد سمعنا أيضا أن الملائكة كانت تحارب مع المؤمنين في أفغانستان وتبين للأسف أن المخابرات الأمريكية هي التي هبطت وحاربت.
14. في رمضان السابق أوهم إمام أحد المساجد المصلين بحضور الرسول صلاة الفجر معه لأن أحدهم رأي حلما بهذا وكذلك تلألؤ أنوار المسجد! وأنا لا أتهم أحدا بالنصب ولكني أعتقد أنهم يقومون بالإيحاء وتعطيل الملكات النقدية للعقل البشري، الذي هو نعمة الله ومناط التكليف.
والخلاصة أن ديننا ليس بحاجة لألاعيب الحواة فالخارقة التي تقهر العقول على التصديق مبدأ مرفوض في القرآن كما يبدو من سياق الآيات.. ليس عندنا شق البحر ولا إحياء الموتى ولا يوجد طير يعود للحياة مثلما كانت آيات الأنبياء السابقين صلوات الله عليهم. يوجد نبي كريم عاش زاهداً ومات ودرعه مرهونة عند يهودي. أخذ بكل أسباب الدنيا وبذل من الجهد ما لا يخطر على بال بشر .عاش فقيراً لكنه أعطي عطاء من لا يخشى الفقر . يبيت بلا طعام وحينما يموت أبناؤه تباعا يزداد حبا لربه. جاء بالرشد وبكلمة (اقرأ). هذا هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.