Archive for جانفي 2007
بدون انفعال
يتصور البعض أن فكرة القومية العربية نشأت من دعوة جمال عبد الناصر. وهذا التصور يعكس قصورا فى الرؤية السياسية ، فالفكرة أو النظرية السياسية تنشأ بناء على واقع قائم وليس العكس. ويتصور البعض بل ويكتبون ويتحدثون فى وسائل الإعلام عن أن تلك الفكرة أصبحت فى عداد الأموات. وهذا ناتج عن نفس القصور السياسى.
ويتسلل الإستعمار من هذا القصور بالضبط فى هدوء ودون ملاحظة من أحد ، فيقوى ذلك الشعور ليتنامى الإحباط وتتفكك الشعوب. وهذا هو مقصد الإستعمار الأول: الشعوب ، وليس الأجهزة الحاكمة ، فالأخيرة أمرها سهل.
القومية العربية كانت حقيقة واقعة منذ انتشار الدولة العربية فى القرن السابع والثامن وحتى القرن الرابع عشر. كان الإنتشار فى اتجاهين: سياسى ودينى. أما الإتجاه السياسى بالفتوحات فكان هو عرف ذلك العصر ، ولم تكن الدولة العربية لتنعزل عن عرف العالم وإلا ضاعت. أما الإتجاه الدينى فلم يكن له علاقة مباشرة بالفتوحات ، وإن كان يحلو لبعض المؤرخين (ومنهم عرب) أن يربطوا بين الإثنين فيسموا الفتوحات بالإسلامية وكأنهم يؤكدون ما يروجه الحاقدون على الإسلام أنه انتشر بحد السيف.
وهذا لا يمنع من أن الإنتشار الدينى كان أحد نتائج الفتوحات الغير مباشرة ، وذلك عن طريق تعامل الناس مع المسلمين واكتشافهم أصالة وحسن هذا الدين وأنه الدين الخاتم وأنه لا ينكر أيا من الأنبياء ويدعو إلى حرية العبادة أيا كان الدين. وليس أدل على ذلك من انتشار الإسلام أكثر فى الدول التى لم يفتحها العرب. مثلا فى معظم بلاد أفريقيا ولم يفتح العرب منها سوى الشريط الشمالى. وكذلك الحال فى دول شرق آسيا. حتى فى الدول التى تم فتحها لم ينتشر الإسلام إلا بعد عشرات السنين من الفتح ، كما هو الحال مع مصر مثلا. وعلى العكس من ذلك انتشر الإسلام انتشارا واسعا فى كل أنحاء أفريقيا التى لم يفتحها العرب. وكان منهم من هو أكثر غيرة على الإسلام.
كان أهم نتائج التوسع العربى الذى كان قائما على مبادىء إنسانية فى المقام الأول ، هو اندماج الثقافات وازدهار الفنون والآداب والعلوم. وكثير من أئمة المسلمين من دول خارج الجزيرة العربية. وكان النبغاء يتنقلون بحرية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب بحثا عن العلم وزيادة المعرفة.
للأسف هناك من المصريين من يعتقد أننا فراعنة. وهذا اعتقاد خاطىء علميا وعمليا. فالفراعنة كانوا طبقة من الحكام ذوى وضع خاص ودماء نقية لا تختلط بالعامة. أما العامة فبقوا فى أغلبهم مزارعون مسالمون. وعندما تخلصت مصر من الإستعمار الرومانى (وهو استعمار غاشم تماما كما نعرف) ثم اختلطوا بالعرب فقد تأثروا بهم كثيرا. وربما أستطيع القول أن هذه هى الجنسية الوحيدة التى أثرت فى المصريين بينما كان العكس هو الصحيح بالنسبة لأى جنسية أخرى. وهكذا أصبحت مصر جزءا من المجتمع العربى ، ولم تكن يوما ـ اجتماعيا ـ دولة فرعونية.
تطورت هذه الشخصية العربية عبر كثير من العصور والأحداث ، منها المظلم ومنها المشرق. وحاول كل المستعمرون طمسها فى كل الأوقات ولم ينجحوا. كان “العرب” على اتصال دائم وتعاون وتنسيق أيام الإحتلال العثمانى والفرنسى والإنجليزى وأيام بداية تكوين دولة صهيون. وما كان دور عبد الناصر سوى التركيز عليها.
فهم العرب أن مقصود عبد الناصر هو الزعامة ، فمنهم من أعرض عن الفكرة وحاربها خوفا على مناصبهم ، ومنهم من استغل ذلك فى إدخاله فى مغامرات غير محسوبة ولا مخططة ، مثل الوحدة مع سوريا.
الإستعمار هو من فهم النظرية بطريقة صحيحة وتبين خطورتها عليه. فهم يعرفون أنه لا يلزم أن تصير البلاد العربية بلدا واحدا ، ولكن المطلوب هو تقارب الشعوب. مما يخلق مناخا واقعيا يفرض نفسه على الخطوط السياسية والقرارات. ومنذ القديم حارب الإستعمار القومية العربية من هذا المنظور بخبث وهدوء وإصرار شديدين. ومحاربة النظرية لا تحتاج إلى سلاح وجيوش ، وإنما إلى عمليات غسيل مخ.
استغل الإستعمار الهزائم التى لحقت بمصر وبالتالى بشخصية عبد الناصر كزعيم فى إنماء الشعور العدائى ، حتى أن أصدقاء الأمس تحولوا أيضا إلى معارضين. وبدأت الأمثلة الشعبية تنتشر فى البلاد العربية ويرددها الناس دون أن يفطنوا إلى المخطط الإستعمارى ، واول ماسمعت المثل “إذا عُرِّبت خرِّبت” كان فى الجزائر. وغير ذلك كثير فى مختلف الدول العربية. كما بدأت “المنافسات” بين الشعوب تظهر بدون سبب واضح ولا هدف محدد. وكان يكفى لكى أبدأ مناقشة حامية فى أى دولة عربية أن أسأل: مصر أحسن أم كذا؟ وكنت أتعمد بداية المناقشات بهذه الطريقة المستفزة ليبدأ الناس فى سرد العيوب المصرية وأنهم يأكلون الفول وإلقاء النكت عن الصعايدة ، وأن مصر بلد الشطيح (الرقص) والرديح (الردح). وكانت المناقشات تنتهى دائما إلى أن أصل إلى ما أريد: الدول العربية كلها سواء ، فلديها نفس المشاكل ولديها نفس العقيدة ونفس القيم ونفس اللغة ، وكنت أتعمد التركيز على تعدد الديانات فى البلاد العربية كلها وأنها سمة من سمات الحرية والسماحة العربية. ربما اختلفت بعض العادات ، ولكنه اختلاف لا يزيد عن الإختلاف بين شمال وجنوب البلد الواحد.
لم ولن يمل الإستعمار من التقدم بمخططاته مع بعض التغييرات من حين لآخر لإبعاد الشعوب عن بعضها ، ولإذكاء روح التنافس الغير شريف والحقد بينهم. وما نراه من حين لآخر من نكات تعرض بأبناء البلد الواحد (مثل الصعايدة فى مصر والحلبيين فى سوريا مثلا) وكذلك تلك التى تشير إلى تفوق أبناء هذا البلد عن الآخرين ، هو جزء من تلك المخططات ينشرها الناس بأنفسهم فى غياب الوعى والشعور الوطنى.
ربما شارك بعض الوجهاء عندنا فى مساعدة الإستعمار على تحقيق هدفه ، وذلك بترديد ـ عمال على بطال ـ أن مصر هى قلب العروبة النابض ، وزعيمة العرب ، إلى آخر تلك الشعارات التى لا معنى لها سوى خلق ما قلناه عن التنافس الغير شريف والحقد دون هدف واضح. وماذا لو كانت مصر “أحد” البلاد العربية؟
كان يمكن لأى من الدول الأوروبية المتقدمة أن تستمر فى تقدمها منفردة. ولكنهم ، رغم النقص الشديد فى عوامل القومية ، بدأوا فى الإقتراب منذ أكثر من 40 سنة وبعد هذه المدة الطويلة حققوا نوعا من التجمع دون زعامة دولة على الأخرى ولكن أهمية التكامل بينهم كانت وما زالت نصب أعينهم. فى المقابل نجد لدى الدول العربية كل عوامل القومية الواحدة وكلهم يعرفون أن أى منها لن تتقدم وحدها ، خاصة وأن الإستعمار يقف بوسائل الإبتزاز والتهديد وغيرها بالمرصاد فيوقف المحاولات الإنفرادية. هذا ما فعله فى مصر وفى سوريا وفى العراق وهو ما يفعله الآن فى الخليج وفى لبنان وفلسطين. ولكن الذى لا شك فيه أن ارتباط الشعوب العربية بعضها ببعض هو المحرك القوى الذى لن يستطيع أى استعمار قهره.
فهل نتوقف عن مساعدة الإستعمار فى مخططاته ، وألا ننهزم من الداخل؟
وهل نتوقف عن الإنفعال مع ، أو ضد ، مفهوم القومية العربية؟
وهل نتوقف عن أوهام الزعامة وبلاهة أن بعضنا أفضل من البعض الآخر؟
الرئيس الأوحد
تهتم الأحزاب ، خاصة الممنوعة منها ، أن يقنعونا أن المشكلة المصرية تتلخص فى بقاء حسنى مبارك فى الحكم فترة أكثر من طويلة. ويقتنع بذلك للأسف كثير من المثقفين. ويساهم أيضا الحزب الحاكم! وعلى اختلاف أهداف الفريقين تكون النتيجة واحدة. أهداف هذه الفكرة كثيرة ، منها:
1. تأكيد المفهوم الخاطىء للديمقرطية لدى الناس ، وهو أنها تعنى فترات حكم محددة. وهو نفس المفهوم الخاطىء للدولة الإسلامية أنها تعنى تطبيق الحدود فقط.
2. أن يبقى الناس أسرى ذلك المفهوم فتظل نظرتهم للموضوع قاصرة ، ولا تتعدى إلى بناء المؤسسات.
3. أن يقتنع البسطاء أننا وصلنا إلى طريق مسدود. وهذا يعنى فى مصطلحات التاريخ أن الثورة على الأبواب.
4. التمهيد لكل ذلك بإطلاق بعض الكلمات هنا وهناك ، وهى كلمات تبدو عفوية ولكنها تمهد الطريق ، مثل المليشيات والحكمية وإمداد المجاهدين بالسلاح والمال والمقاتلين.
5. أن يبقى الناس غارقين فى الأحلام فى انتظار من يخلصهم فلا يقبلون على العمل أو الثقافة.
تعتمد التحركات الحزبية على نفس العقلية الصبيانية التى تحكم مجتمع كرة القدم فى بلادنا ، فهو مجتمع خبير ولكنه لا يحقق شيئا ، أو بالأحرى متخصص فى تحقيق الصفر. إضمحلال الثقافة وعدم أخذ العبر من التاريخ هما ما يميزان كل من فى الساحة الآن. وكما كتب أنيس منصور منذ أيام: قال موشى ديان أنه مستعد لمحاربة المصريين بتكرار خطة 1967 وأنه سيكسب الحرب مرة أخرى. وهو يعنى أنهم لا يتعلمون من التاريخ ، وإنما سيكررون نفس الأخطاء.
كانت الديمقراطية فى مصر مزدهرة فى زمن الإستعمار ، رغم أنه بالإضافة إلى الإستعمار كان نظام الحكم ملكيا. والملكية لا تحدد فترات الحكم ، ثم إنها تورثه ، مماثلة فى ذلك للنظام البريطانى. ولكن كانت الأحزاب قوية وذات شخصية وعقيدة. وكانت المؤسسات الأهلية والدينية بنفس القوة ، وكان الشعب المصرى شعبا منتجا عاملا. ولم يكن “الأسطى” يتوارى خجلا أو يدعى أنه “رجل أعمال”. وبرع الزارع المصرى والعامل المصرى واتقنوا عملهم. وقامت المدارس رغم أنف الإستعمار من تبرعات الوجهاء وكانت الوجبة ثلاثة أيام فى الأسبوع فى المدرسة ساخنة ولم يكن المتعهد يغش فى الأكل ولم تكن إدارة المدرسة تهلب من وراء الوجبات. ولم تكن لدينا دروس خصوصية إلا على الضيق وفى السر لأنها كانت عيب. كان طابور الصباح وتحية العلم من المقدسات وعندما يبدأ المارش عند رفع العلم لا تسمع حتى همسة حتى ولو كان ذلك فى مدرسة المشاغبين.
تلك المؤسسات وتلك “الشخصية” المصرية لم تكن بقرار من ملك أو رئيس أو مندوب سامى للإستعمار. على العكس تماما كانوا يريدون لها الضعف. وكان القصر والمندوب السامى يتحكمون فى التعيينات فى المناصب الحساسة.
إذا كان السؤال: كيف الطريق ونحن لا حول لنا ولا قوة؟ ما زال بدون إجابة ، فاقرأ من الأول.
المصريون فى الغربة 1
شكا أحد الزملاء الذى تغرب قريبا أن المصريين تظهر حقيقتهم السيئة فى الغربة. وأنا لا أوافق على مثل هذه التعميمات. فليس كل الناس نسخة واحدة وليست هناك خاصية إنسانية وقفا على شعب دون آخر.
لى تجارب كثيرة مع المصريين فى الغربة. أول تجربة لى كانت فى الأجازة الصيفية سنة 1963. استدنت نقودا للسفر إلى ألمانيا وأعطانى زملائى مجموعة من العملات مما بقى معهم من سفرياتهم السابقة على أن أشترى لكل واحد فيهم ما طلبه.
كانت رحلة الباخرة إلى بيريه باليونان ثم إلى جنوة (أو البندقية) 4 أيام ممتعة فيما عدا دوار البحر أول يوم. كنت طول الوقت أحتفظ بالتذاكر وجواز السفر والعملات فى محفظة مفكرة وأضعها تحت القميص .. واعى!
وصلت جنوة قبل المغرب وبعد مدة من الدوران حول أنفسنا لمراقبة من يقبلون بعضهم أكثر مما نشاهد من معالمها ، لحقت بالقطار الذاهب إلى ميلانو ونمت نوما متقطعا ويدى على المحفظة. بدأ القطار فى دخول محطة ميلانو حوالى فجر اليوم التالى. ويشاء القدر أن تكون المرة الأولى طوال خمسة أيام التى أخرج فيها المحفظة من مكانها الأمين. وانشغلت فى حقيبتين معى إحداهما تزن أكثر من 30 كيلو وهى مرسلة لأحدى العائلات فى ألمانيا بمعلبات أكل مصرى. ونزلت من القطار وانتظرت على الرصيف إلى أن يسأل البعض عن موعد القطار الذاهب إلى ألمانيا. وبعد 3 دقائق اتجهت يدى إلى المكان المعتاد للمحفظة فتذكرت أننى تركتها على الكرسى. صعدت القطار بسرعة ولكنى لم أجدها طبعا.
أن تكون فى الغربة بلا مال فيمكنك التصرف ، ولكن أن تكون بلا جواز سفر فهذه مصيبة كبرى. وإذا كنت بلا هذا ولا ذاك ولا حتى تذاكر العودة فأنت فى الغالب مسجل خطر وسيقبض عليك إلى أن يظهر لك أصحاب. ذهبت إلى الشرطة فى محطة ميلانو ولم أجد هناك من يتحدث الإنجليزية. ودوخنى الضابط عشرات المرات بين قسم الشرطة ومكتب الإستعلامات (للعلم محطة ميلانو بها 12 رصيف متجاورين) ليقوموا بترجمة إجاباتى على أسئلته التى كان يفكر بها بالقطارة.
التقيت بالعديد من الطلبة فى مكتب الإستعلامات وعندما يرونى بصحبة ضابط يسألونى عن السبب فأقول أنى ضيعت كل شىء. وكل واحد يرد قبضل أن يبتعد: “مش كنت تاخد بالك!” أو “هو حد برضه يضيع الباسبور فى السفر!” إلى آخر تلك التعليقات المحبطة. وصدقونى لم أنزعج من ضياع المحفظة قدر انزعاجى من التعليقات التى لم يكن ذلك وقتها أبداً. فى هذا الموقف العصيب حيث كان من المتوقع أن يتم ترحيلى بمعرفة السفارة على أى باخرة بضائع ثم القبض على فى ميناء الإسكندرية وإلقائى فى الحجز إلى أن يتم التحقق من شخصيتى ودفع تكاليف الترحيل (ومن يدرى مصيرى فى عربة الترحيلات من الإسكندرية إلى القاهرة!) .. كنت فى حاجة إلى دعم معنوى على الأقل ، ناهيك عن الدعم المادى.
لكن لإثبات أن ليس كل الناس نسخة واحدة ، واحد فقط لم يعلق. وإنما أخذنى إلى جانب وأعطانى جنيه استرلينى مرة واحدة (يساوى 11 مارك فى ذلك الوقت) … ثروة! حاولت الرفض ولكنه أصر .. وحاولت أخذ عنوانه حتى أرده إليه ولكنه رفض. وأبدى استعداده للإنتظار معى حتى نرى ما يمكن عمله ولكنى شكرته فانصرف قبل أن يشاهد الدموع فى عينى. نعم .. ليس كل المصريين نسخة واحدة!
كل سنة وانتم طيبين
اليوم بداية سنة 1428 هـ ، كل سنة والمسلمين بخير ، وأفضل حالا من التى قبلها. برنامج طريق الهداية (مع د/ هداية) فى قناة دريم كان ممتازا. مما يؤكد بالمناسبة ما قلته منذ أيام عن تلك القناة. وشاهدت أيضا فى دريم الأخرى برنامجا للشباب وكان الكلام عن الثقافة ودور القراءة. الشباب الذين كانوا يحاورون الضيفة شباب يفرح صحيح ، وفيهم واحدة من عفرتتها سألت الضيفة: هل الأفضل أن يعرف الإنسان شيئا عن كل شىء أم أن يعرف كل شىء عن شىء واحد! كان الشباب مستعدين جيدا ونجحوا فى إجراء حوار وليس تحقيق نيابة كما فى برامج لقاءات معظم المذيعين.
وشاهدت أيضا لقاء مع زوجة رأفت الهجان. وربما لم يشعر الكثيرون بالقصص الجانبية لحكاية رأفت الهجان. فقد صدرت أولا على شكل حلقات فى الأهرام ، واهتممت بشراء الكتاب بمجرد صدوره. إلى هنا ولم تحدث ضجة ولا أحد أحس بشىء (هى عادتنا والا حانشتريها!) فمن يقرؤون نادرون. ثم عرضت القصة فى التليفزيون ، وبدأت الضجة وضاقت المخابرات الأخرى بذلك. ثم صدرت مذكرات اعتماد خورشيد وهى مطبوعة فى انجلترا بنقود دار نشر انجليزية بالعربى! والمذكرات كانت مليئة بفضائح لكل خلق الله من المصريين الفنانين والأدباء وغيرهم ، ولا دليل على كل ذلك سوى علاقة تلك المرأة المشبوهة (ضمن علاقات أخرى مشبوهة) بصلاح نصر الذى كان مديرا للمخابرات.
عودة إلى اللقاء مع زوجة الهجان الألمانية. الأمر المثير للإعجاب أن السيدة حضرت خصيصا لمصر لتقوم بحملة ترد فيها على الإشاعات (وليس خافيا طبعا من الذى يطلقها) التى تحاول إقناع الناس بأن الرجل كان عميلا مزدوجا.
عدونا لا ينسى ولا يمل!
كذبت عينى وأنا أقرأ أن مصر تقدمت لتنظيم أولمبياد الشباب عام 2009!! معقولة؟!! طب حد يقوللى إنها غلطة مطبعية والا حاجة!
عقدة الخواجة
هاجت الدنيا واشتعلت بعد تأميم قناة السويس. وكان لابد من تلقين البكباشى درسا حتى لا تنتشر الروح الوطنية فى المنطقة. وبدأ الإعداد لعدوان 1956 ، ولكنهم فى نفس الوقت قرروا سلوك الطرق الدبلوماسية. فحضر رئيس وزراء استراليا لعقد مباحثات مع جمال عبد الناصر حول حل الإشكال. وجلس المتفاوضون على طاولة الإجتماعات وما كادوا يبدؤون حتى انبرى الأسترالى منفعلا ولوح بإصبعه لجمال عبد الناصر ليظهر خطورة عمله بالتأميم ، وقبل أن يكمل جملته كان عبد الناصر بهدوء يجمع أوراقه وينصرف ، تاركا الأسترالى محبطا من الإهانة ومتعجبا من هذا العربى الواثق من نفسه والذى لا يخاف الخواجة.
هذه الحادثة ، مثل غيرها كثير ، جعلت جيلنا ينشأ متحررا من عقدة الخواجة ، خاصة وأننا كنا قريبين عهد بالإستعمار وكان الخواجة جون (رمز الإحتلال الإنجليزى فى كلام العامة) مثال للغباء والفساد ، وهواية رسامى الكاريكاتير والبرامج الفكاهية مثل ساعة لقلبك.
كانت الولايات الإستعمارية فى نفس الوقت تعد العدة لأخذ مكان الإستعمار القديم فى الشرق. فقررت أن أفضل طريقة هى احتواء ذلك الشاب الثورى. وليس سرا أن السفير الأمريكى أقام علاقات جيدة مع عبد الناصر فى تلك الفترة ، حتى أن دورهم فى وقف العدوان والإنسحاب بعده كان قويا بل أساسيا. وكان أمل عبد الناصر كبيرا فى التعامل مع الولايات الإستعمارية فلم يكن الوجه القبيح قد ظهر واضحا بعد.
انتهى شهر العسل بعد قليل حين تبين أن عقدة الخواجة لا طريق لها لذلك الأسمر الذى لم تعميه الوعود عن الشروط. فحاولوا الضغط عليه قليلا فاتجه للمعسكر الآخر. ووقعنا فى مصيدة الشيوعيين ونفضت الولايات الإستعمارية يدها من فكرة الإحتواء. وبدءوا فى خططهم الجديدة ، وأهم أهدافها هزيمتنا داخليا ، يعنى إعادة وتقوية عقدة الخواجة.
بعد عشرين سنة ، عندما قرر السادات القيام بمبادرته بزيارة اسرائيل ، غضب العرب غضبا شدبدا فيما عدا القليلون “لخيانة” السادات للقضية. وكان رأيى: إذا كنتم مقتنعين أن الخسارة المؤكدة هى نتيجة مجرد الجلوس مع الإسرائيليين أو الأمريكان على طاولة واحدة ، فهذا بالضبط تأكيد لعقدة الخواجة.
الآن وبعد خمسين عاما من قصة ذلك الأسترالى .. أتساءل: هل نجح الإستعمار الجديد فى أهم أهدافه؟
الفضائيات
المحطات التليفزيونية الفضائية كثيرة ، فيها التخصصية: لبرامج المنوعات والإخبارية والدينية والتسجيلية والتجارية والنصب (اليانصيب) والجنسية ، وفيها المحطات العامة. والإنسان يختار.
ينزعج البعض من محطات المنوعات التى تقدم الأغانى الخليعة ، ولا أجد مبررا للإنزعاج ، فكل منا مسئول عما يشاهد. ولن يمكن فى العصر الحاضر اتباع سياسة المنع والعقاب. وقد حاولت بعض الدول منع تركيب طبق الإستقبال فى البيوت فلم ينجحوا حتى مع وجود العقاب الشديد. وربما اكتشفوا أيضا أن المنع يضر ، فهو مثلما يحجب السىء ، يحجب أيضا المعلومات والثقافة والإطلاع على الآخرين الخ.
حتى المحطات الإخبارية لا تخلو من سوء. فعندك مثلا محطة فوكس الإخبارية ، وهى مملوكة لعائلة بوش (أخوه بالتحديد) وموجهة سياسيا أكثر من مثيلتها حتى فى النظام الشيوعى. وهى التى ساهمت بالدور الهام فى تزوير نتيجة الإنتخابات مرتين لصالح الغبى. وعندك مثلا محطة إخبارية عربية تنتمى لعم الرئيس السورى الحالى والمطالب بالعرش (الرئاسة) ولا يخفى أن توجهاتها لهدف معين وليس لمجرد نشر الأخبار. والأمثلة كثيرة.
على هذا المنوال يجرى تقييمنا للمحطات التخصصية الأخرى. أما المحطات العامة فهى حكاية. عندك مثلا المحطات الكثيرة التى أنشأها الإستعمار للعراق ، وكان التليفزيون العراقى يقدم برنامجا واحدا واحتاروا فيه كيف يقدم أنباء الغزو أولا بأول ويناطح حتى معلوماتهم ، وبلغ من حقدهم أن دمروا مبنى التليفزيون ، وهو من جرائم الحرب الكثيرة التى لا يستطيع العالم محاسبتهم عليها ، لكن ربنا كبير.
وقد أعجبت بشخصية أحمد بهجت فى مقابلة تليفزيونية ، وكان مما تحدث عنه باهتمام كبير محطتى “دريم” التى أنشأتها شركاته رغم أنهما ليسا تجاريين ، بمعنى أصح ربما تغطى الإعلانات جزءا بسيطا فقط من ميزانيتهما ، ولكنهما فى الحقيقة تقدمان برامج عامة هامة وثرية وأخص بالذكر برامجهما الدينية والتى تفوق فى أحيان كثيرة مثيلتها من المتخصصة. وتقدم دريم أيضا البرامج السياسية والفنية وغيره ، وكلها برامج على مستوى عال ، ولا يمنع الأمر من تقديم بعض المنوعات الخفيفة. ولكن ما ينقصهما ، كما ينقص غيرهما ، هى برامج الأطفال ، وهو ليس عيب المحطة ولكن عيب الفنانين المحترمين لدينا الذين لا يولون هذا الجانب الإهتمام الكافى ولا ينتجوا خصيصا للأطفال.
وفى النهاية نحن فى عصر المعلومات الطائرة ، والأمر متروك لتقدير الإنسان لمصلحته الشخصية والمصلحة العامة. لا نطلب من أحد مقاطعة شىء بالذات ، فلا بأس أن يشاهد شبابنا من هذا وذاك ، ولكن الأساس الصحيح فى تنشئة أولادنا هو حجر الزاوية فى الموضوع. فهل تستطيع الأمهات (وهن المدرسة الأولى والأكثر أهمية فى كل بيت) فى العصر الحالى ، و 90% منهن عاملات ، أن يقمن بهذا الدور؟
هل نستطيع؟
نقل إلينا البريد “سبع نصائح للنجاح فى عدم الإستماع للأغانى”! وهذه كانت ردا على سؤال “معذب” يريد “الإقلاع” عن هذا الإدمان. والسؤال وإجابته أصلا كانت على إحدى القنوات الفضائية الدينية.
وهكذا لم يعد لدى السائل من مشكلة سوى الإستماع للأغانى ، يعنى لقد أغلق كل أبواب الحرام وبقى أن يعرف “السبع” نصائح ليغلق آخر باب: الأغانى.
ومثل هذه الأسئلة تثير أعصابى دوما ، كالأسئلة عن حرمة الحشيش أو التدخين، بل سأل أحدهم مرة إن كان يمكن أن تحل له إحدى محارمه بناء على تفسيره الشخصى للضرورات التى تبيح المحظورات. وكان الله فى عون الشيوخ الذين يضطرون إلى إجابة ما عن مثل هذه الأسئلة.
ربما كان السائل من المكارين الذين يريدون إثارة بلبلة فى قالب يبدو بريئا ، ولكن دعنا نفترض العكس. فأى إنسان ذلك الذى يدعى أنه أغلق كل الأبواب الحرام ولم يبق غير الأغانى؟ يعنى أى إنسان ذلك الذى يدعى أنه تقوقع فى شرنقة ضيقة لا يرى ولا يسمع فيها سوى القرآن مثلا؟
قد يقول الطيبون أن كل واحد حر فى حياته ، وإذا استطاع شخص هذا التقوقع فيابخته وليتنا نستطيع أن نفعل مثله ، فقد ضمن الجنة! ولكن حتى الطيبون لو فكروا قليلا لاكتشفوا أن التقوقع قد (أقول “قد”) يكون معصية.
لا يمكن أن ينعزل المسلم الفرد عن مجتمعه بكل ما فيه من محاسن ومساوئ.
ولا يمكن أن يعزل المجتمع المسلم نفسه فى سجن إرادى يبتعد فيه عن كل المجتمعات الأخرى.
وفى “لا يمكن” هذه نستطيع كتابة صفحات وصفحات ، ولكن ربما يكفى أن نذكر نقطتين فقط:
لا خلاف أن الدعوة فريضة على كل مسلم. فهل نجح المسلمون الأولون فى الدعوة عن طريق اعتزالهم المجتمعات التى دخلوا إليها أو التى دخلت عليهم؟
ولا خلاف أن الجهاد فريضة على كل مسلم ، فهل الجهاد هو الحرب فقط ، أم أنه جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد شياطين الإنس والجن وجهاد مغريات الدنيا كلها بما فيها مأكلها ومشربها وأصغر مستصغراتها. فماذا يجاهد الإنسان إذا تقوقع فى شرنقة؟
السؤال إذاً: من هو المسلم؟
كلنا نعرف الإسلام وتحدثنا فى ملف سابق عن الإيمان. هذا معروف. ولكن يبقى السؤال: من هو المسلم؟
وقد يكون من المناسب جمع ما كتبته من أفكار عن المسلم فى السابق ، وأعتذر مقدما عن التكرار لمن قرأ تلك الأفكار فى وقتها.
الانسان له علاقتان أساسيان: علاقة بمعتقده وعلاقة بمجتمعه. وهما قد ينفصلان مثل ما فى بعض المذاهب الاسرائيلية وقد يترابطان مثل ما فى الاسلام ومعظم المذاهب المسيحية. المسلم إذاً علاقته الأولى بربه تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم تأتى علاقته (غير منفصلة عن الأولى) بمجتمعه. وهنا يحدث الخلط ـ فالبعض يعتقد أن مجتمعه هم المسلمون فقط. ويتفاقم الخلط فنجد من يقول دولة مسلمة ومن يقول دولة اسلامية ومن يقول دولة علمانية ، وهكذا.
الدولة الاسلامية بالمقصود الدينى موجودة فلا تبحثوا عنها ولا “تحاولوا” اقامتها. ولنسمها لعدم خلط الأمور بالعالم الاسلامي وهى مجموع المسلمين الحقيقيين (تحتها خط) فى جميع بقاع الأرض. هذا العالم له قوانينه ودستوره المدون والمحفوظ فى القرآن والسنة.
أما الدولة الاسلامية بالمقصود السياسى فهى دولة كبقية الدول ، لها حدود وهوية وشعب وحكومة ، الى آخره ، ولكن يميزها أن القيادة السياسة بها تعتمد فى نهجها أساسا اسلاميا. ولا يعنى ذلك أن تكون هذه القيادة لها “منصب” دينى ولا “قداسة” معينة ، فليست هناك “مناصب” دينية فى الاسلام (روح الاسلام والملا فلان ومدينة كذا “المقدسة” الى آخره بدع ينكرها المسلم الحقيقى لأسباب كثيرة أهمها التشبه الممسوخ بالمناصب الكنسية والتشبه بالملك الذى نصب نفسه رئيسا للكنيسة فأراح نفسه وأعد لنفسه انجيلا ودستورا وقوانين أصبحت دينية بناء على منصبه).
المؤمن إنسان متوازن. فهو يعلم أن الله شديد العقاب ولكنه “الرحمن الرحيم”. وهو يعلم أن عليه أن يعمل كأنه يعيش أبدا ولكنه يعمل كأنه يموت غدا. وهو يعلم أن عليه قتال الكفار ولكنه لا يبدأ بالعدوان يعنى يتعايش معهم فى ظل المواطنة ما داموا لم يبدأوا بالعدوان. ويعلم أن المنافقين أسوأ من الكفار ولكن لا هو ولا الحاكم يحق له قتلهم. وهو يعلم أن القناعة من الإيمان ولكنه يعلم أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا. وهو يعلم أن الصدقة أفضل فى السر ولكنه يعلم أيضا أن الجهر بنعمة الله عليه من قبيل الشكر له. وهو يعلم أن الزهد فى الدنيا يقرب من حسن الآخرة ولكنه يعلم أن لا رهبنة فى الدين.
وهكذا تتعدد الأمثلة. وكلها تؤدى بالمؤمن إلى التوازن وتؤدى بالجاهل إلى التخبط. مرة أخرى: المؤمن (المسلم) إنسان متوازن.
الإسلام لا يكون إلا اختيارا.
ليس بالإسم ولا بالوراثة ولا بالعصبية ولا بالقبلية.
الإنسان (أى إنسان) يقرأ ويفهم ويتعلم ويستخدم عقله وينظر فيما حوله وفى نفسه ، ثم تأتى لحظة صفاء مع النفس وفجأة يقول لنفسه ـ هذا هو اختيارى: الإسلام.
المسلمون بالإسم لدينا كثيرون ، ولكن كم منهم “اختار” الإسلام؟ والإسلام علاقة شخصية جدا وحميمة جدا بين الإنسان وربه. ولا يعلم غيرهما شيئا عن هذه العلاقة. ومن هنا كان عدم جواز تكفير الناس ـ أى ناس.
ينسى الكثيرون منا ، دون قصد منهم فى أغلب الأحيان ، أن المسلم فرد فى جماعة. وأن الثواب والعقاب لا يرتبطان فقط بالفرد ، وإنما أيضا بالجماعة. والقرآن الكريم يشير كثيرا جدا إلى “المعية” سواء فى الدنيا أو فى الآخرة. {وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} التوبة 119 ، {فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} النساء 146. والأحاديث الشريفة كذلك.
وينسى الكثيرون أيضا أن المجتمع لا يضم ـ ولا يجب أن يضم ـ المسلمين فقط. وأن مفهوم المجتمع يختلف باختلاف نظرتنا ونشاطنا فى الحياة ، فعند البعض قد يضيق حتى لا يضم سوى أهل بيته ، ولكنه يتسع عند الآخرين باتساع مداركهم ومعارفهم ونشاطهم.
فتقدم المسلمين يعنى تقدم المجتمع الذى يعيشون فيه. ولا يتقدم أى مجتمع إلا من خلال العمل ، وهو أحد أشد اهتمامات الدين الإسلامى. المفارقة الطريفة المؤلمة أنك حين تتحدث عن تأخرنا تواجه دائما نفس الحالة من التخاذل ، ويتساءل الجميع: هو احنا يعنى حانعمل إيه؟
العمل يشمل الجميع ، رجل وامرأة وطفل. ولدينا الكثير لنعمله. ونحن نقلد الغرب فى أشياء كثيرة إلا فى العمل. وليتنا نقلدهم على الأقل فى احترام العمل. ولكننا لا نكتفى فقط بنبذ العمل ولكن ننظر نظرة دونية “للعامل” ـ السباك والميكانيكى والسائق الخ. ويجلس الشاب فى منزل أبيه أو يقف على النواصى منتظرا العدل (الوظيفة يعنى) ولا يتصور أن الأفضل له أن يعمل شيالا من ألا يعمل شيئا.
المجتمع يحتاج العناصر الإيجابية التى تعمل بإخلاص ، وعندها يتقدم. والأمثلة موجودة وحية ولكنها قليلة.
إسأل نفسك آخر كل يوم ، ماذا تعلمت اليوم؟ فإذا لم تجد ، إعلم أن هذا اليوم ضاع من عمرك ولن تثاب عليه حتى ولو قضيته كله فى الدعاء.
هذا والحديث يطول!
علموا أولادكم الديمقراطية
أرادت الولايات الإستعمارية أن تقدم لنا نموذجا فى الديمقراطية .. فلم تفلح حتى فى تقديم ولو شكل تمويهى. على العكس ، فقد أصدرت داخليا (داخل الدولة الديمقراطية) قوانين مانعة للحريات مستخدمة الطريقة الإسرائيلية فى الحكم: تخويف الشعب من خيال مآتة .. فأصبح لديها مجموعة من قوانين الطوارىء أقسى مما كانت تعيبها علينا.
كانت تلك الديمقراطية المزعومة يمكن أن تخدعنا قبل 50 سنة ربما ، وهى بالمناسبة تقريبا المدة التى بدأ فيها التخطيط للإستعمار الجديد ، ويبدو أنهم خلال تلك المدة لم يطوروا الخطة بما يتلاءم مع التطور فى نقل المعلومات.
الديمقراطية المزعومة تخطف الناس من كل مكان خارج سلطتها وتحبسهم فى أماكن سرية ثم “ربما” تطلقهم بدون تعويض أو تفسير أو حتى كلمة اعتذار.
الديمقراطية المزعومة تعذب الناس وتقتل عشوائيا وفى أحيان كثيرة لمجرد التخويف ، وكنا نسمع فى أيام الإستعمار القديم عن التخويف بالضرب فى الهواء ، فأصبح التخويف فى ظل الديمقراطية الضرب فى المليان.
كانت الديمقراطية المزعومة تصدر المراسيم والقوانين والعقوبات ضد الدول التى لا يعجبها المحفظة على حقوق الإنسان فيها ، ثم رفضت التوقيع على اتفاق عالمى بمحاكمة الجنود الذين يرتكبون جرائم حرب!
كانت تلك الديمقراطية ، وما زالت ، تدعو إلى محاربة اضطهاد المسيحيين فى الدول العربية ، ثم لم تفرق صواريخها (وما زال لا تفرق) بين مسلم ومسيحى وراح الكل شهداء الديمقراطية أو شهداء المخاض إياه بتاع الدميمة.
دخلت الدولة “العظمى” فى الصومال بعتادها الضخم بدون إبداء الأسباب ، ثم هرب جنودها البواسل بطريقة مخزية من أمام مليشيات بدائية. فهم أبدا لم يحاربوا جيشا حقيقيا وإنما كانوا يختارون دائما المعارك السهلة. وحتى فى تلك المعارك كان السلاح الرئيسى فيها “الضرب عن بعد” يعنى صواريخ وطائرات.
عندما أرادت الدولة “العظمى” مراجعة عملائها فى بعض التصريحات “المنفلتة” التى أطلقوها مؤخرا ، دهشنا أن يقوم رئيس تلك الدولة بمقابلة عميلها الرئيسى فى بلد ثالث ، وكان الإستعمار القديم “يستدعى” عميله لمحاسبته أو على الأكثر يرسل أحد الوزراء مثلا ليؤدب ذلك العميل. وزالت دهشتنا عندما تذكرنا أن رئيس الدولة العظمى ما هو إلا دمية فى يد العصابة فهى التى تحركه و “ترسله” فى مهام دبلوماسية بدلا من الوزراء.
وأصبحت الدولة لا عظمى ولا حتى من دول العالم الثالث أدبيا وإن كانت الملايين تنهمر عليها ، حتى وإن خدعوا الناس بكلام أهبل عن “تكاليف الحرب” الباهظة ولا يتكلمون عن مكاسب تلك الحرب التى تدر عليهم مليارات الدولارات على حساب الدم العربى الزكى ، مسلم ومسيحى.
الدولة العظمى الآن لا يستطيع مواطنوها الإحتفال بأعيادهم الدينية ، الكريسماس مثلا أخيرا ، كما تعودوا. وكل ما سمح به أعضاء العصابة هو نوع من تقريب المسافة بحيث لا مانع من الإحتفال التقليدى على شرط أن يوضع الشمعدان اليهودى إلى جوار شجرة عيد الميلاد. يعنى الشعار الآن: اليهود قادمون. وبعد فترة ليست بالطويلة سيكون الشعار: “اليهود أولا .. وثانيا .. وثالثا .. وعلى الدوام.
صحيح أننا لا نستطيع فعل شىء مؤثر الآن ـ سوى سب حكومتنا عمال على بطال طبعا ـ ولكن على الأقل يمكننا أن نزرع فى قلوب أولادنا الوطنية ولا نتوقف عن تذكيرهم بالديمقراطية المزعومة وتفتيتها لأحد أوطاننا العربية وإهانة العرب كلهم فى شخص رئيس دولة ، كان دمه خفيف على قلبهم فى وقت من الأوقات ثم ثقل دمه فجأة ، فأقاموا له محكمة مثالية فى “الديمقراطية” الهزلية ثم ببساطة شديدة أعدموه.
الديمقراطية الحديثة ليست ضد العرب ولا المسلمين فقط .. إنها ضد العالم. فلينتبه الجميع!
ماذا نريد؟
الديمقراطية ليست كلمة مطلقة. والمواطن العادى يحتاج إلى نوع ما من الديمقراطية حسب الظروف والوعى والتعليم ونوع المجتمع حتى يستطيع الحياة. وأى شكل من الديمقراطية يحتاج إلى نظرية.
هل لدينا نظرية من أى نوع؟ والجواب بالطبع لا ، ليس لدينا إلا بعض الشعارات التى فى الغالب ما تكون خادعة مثل “الإسلام هو الحل” الخ. وهذه الحال ليست مصيبة فى حد ذاتها ، وتحدث فى تواريخ الشعوب كلها. ولكن نظرتنا إلى المستقبل وعملنا فى الحاضر يجب أن تكون فى هذا الإتجاه. أن نصبح فى وقت يكون لدى كل حزب نظرية ما مما يتيح لنا أن نختار النظرية التى يلتف الجماهير حولها.
نحن لدينا الأساس الدينى وهو لا يختلف فى جوهره بين المسلمين والمسيحيين. ويبقى بعد ذلك أن تكون لنا قاعدتان صلبتان: الثقافة والوعى. عندها سيكون لدينا المفكرون والنضج كشعب ليكون لدينا نظرية. هاتان القاعدتان فى يدنا نحن وليسا فى يد الحكومة ، خاصة فى زماننا الحالى. فالثقافة والوعى عمل متصل لا يستطيع أى نظام أن يكبته.
ما نراه من حين لآخر حتى الآن غير مشجع ، فالباب موارب للديمقراطية. وهذا طبيعى لأن باب الديمقراطية لا ينفتح بقرار جمهورى ولا من تلقاء نفسه. مع ذلك لم ينتهز مثقفونا (ما عدا القليل منهم) الفرصة لوضع أرجلهم فى فتحة الباب حتى لا يعود إلى الإنغلاق. ومع ذلك لم يحاول أكثرنا دفع الجيل الجديد إلى الثقافة واحترام العمل وأن يكون عضوا إيجابيا. ولكن الصورة ليست قاتمة إلى هذا الحد. فقد استجاب بعض الشباب لبعض المثقفين ودخلوا العمل العام ، وشاهدنا شبابا ينظفون شارعهم مثلا وآخرون يساهمون بمجهودهم فى الدروس الخصوصية وآخرون يجمعون التبرعات ، الخ.
قد يظن البعض أنى شططت عن موضوع الديمقراطية. والعكس صحيح. فالعمل العام جزء من الطريق إلى الديمقراطية والعمل الحزبى كذلك جزء من العمل العام. ولكن الأمر يحتاج إلى مزيد من الشباب. فنسبة السلبيين ما زالت كبيرة وبالذات بين أعضاء العمل السياسى من أحزاب وخلافه.
مهمة الشباب ليست بالسهولة التى يتصورها البعض. ففى كل زمان يحاول القادة صالحين أو طالحين استقطاب الشباب وكثيرا ما ينخدع الشباب بما فيهم من طاقة واندفاع ببعض الشعارات فينخرطون فى العمل الخطأ. والجماعات الإسلامية التى سيطرت على الشارع المصرى لفترة خير مثال لذلك. والأخطاء مفيدة ونتعلم منها. ولكن واجبنا أن نحاول تجنبها بقدر الإمكان. وهذا لا يكون إلا بالوعى والثقافة. وإذا سلح الشباب أنفسهم بالثقافة ربما شاهدنا بعد عشرين سنة (جيل يعنى) شعبا واعيا يستطيع الإختيار والتفكير السليم ، ويمارس حقوقه السياسية كالإنتخاب مثلا بدلا من البكاء والعويل لأن “ماحدش عايز يجيبله اللى اسمها الديمقراطية دى لحد عنده.
أقول بعد عشرين سنة لأنى لا أشاهد ولا أقرأ الآن “تحركا” واعيا. الموجود فقط قصائد ومقالات عبارة عن شتائم للرئيس وللحكومة. ولأننا شعب غير واعى بعد نتناقل هذه الشتائم بفرحة كبيرة غير منطقية لا أفهمها فى الحقيقة. أيام الدكتاتورية كان كل شىء ممنوع .. كل شىء. وحكاية الكلب الذى قبضوا عليه يجرى عابرا الحدود إلى ليبيا وفى التحقيق فسر سبب هروبه أنه كان “رايح يهوهو بس ويرجع” ، كانت هذه أقرب للحقيقة منها للنكتة.
والآن الباب موارب ، فهل يريد الشتامون غلقه؟
قالوا الرئاسة بالإنتخاب ، فلم يذهب الناخبون المتعلمون ورأيت بنفسى معظم الناخبين من العمال والبسطاء. وقعد المتعلمون يندبون ويشتكون أن هذه تمثيلية ويتحدثون عن التزوير .. إلى آخر تلك المخدرات التى نتعاطاها لنسكت ضمائرنا عن الشكوى من سلبيتنا!
قالوا نعدل الدستور ، فشاهدنا وقرأنا الشتائم من كل نوع لأن ما تعدل كان خطوة فقط. كأنما التحول ممكن مرة واحدة. فقط قليل من المثقفين قرأت لهم تحليلا موضوعيا ونظرة إلى المستقبل وليس شتائم. أما الشتامين فلم أفهم ماذا يريدون.
قالوا طيب ناخد خطوة كمان. فماذا نشاهد الآن؟ ندب وعويل وشتائم وقصائد من اللى بتعجب المتفرجين. وما زلت لا أفهم ماذا يريدون! ولا حول ولا قوة إلا بالله.