Archive for مارس 2006
لعبة الإمكانيات
“اصل مافيش إمكانيات” ـ تعبير تسمعه فى كل مكان وفى كل مناسبة وفى محله وفى غير محله. وأصبح كالأسبرين نتعاطاه لنبرر سلبيتنا.
عندما كنا مستعمرين من الخارج ومن الإقطاع فى الداخل ، كان الشباب يتصدون للبنادق بصدورهم وكان الكبار يتصدون بفكرهم وسياستهم. وحيروا الإستعمار .. بدون إمكانيات. كانوا يطبعون الجرائد الوطنية تحت السلم. وكانوا يتعلمون بحق ليواجهوا الإستعمار والفساد بالعلم والثقافة .. بدون سلاح.
كان محمد فريد شابا ومصطفى كامل شابا وسعد زغلول ومصطفى النحاس وغيرهم الكثير. كانوا كلهم معرضين للسجن والنفى والبهدلة، ولو كانوا اكتفوا بالوظيفة أو بفتح مكتب محاماة لكسبوا الشهد أضعاف ما يكسبه المتكالبون اليوم على اللحلوح المهين.
وتحررنا من الإستعمار واعتقدنا أن الدنيا ضحكت لنا. ولكن ابتلانا الله باستعمار داخلى. ومشكلتنا مع هذا الإستعمار المحلى أن احتلاله لنا حدث ببطء وكأنما فى غياب الزمن. فقد كنا كلنا ثقة فى وطنية القيادة بعد الثورة. وكانت تلك أولى مراحل السلبية. ولكن الأحداث كانت متخمة لسنوات. عدوان 1956 شهد أبطالا لا أعرفهم ولا يعرفهم أحد. ماتوا وهم يدافعون فى معركة يعرفون سلفا أنها غير متكافئة .. بدون إمكانيات عمليا.
ثم تهنا فى حلم الوحدة رغم أننا نعلم أنها لا تتحقق هكذا فى لعبة ، لكنا صدقنا الحلم. ثم غرقنا فى مستنقع اليمن. وكان ذلك المستنقع السبب فى أن يبدأ الناس التساؤل حول القيادة وهل تلك هى الوطنية. وكان زملاءنا ممن تقطعت أرجلهم أو أطرافهم وهم بعد يطرقون سن الشباب. كان أولئك من العائدين يحكون لنا. وكنا لا نستطيع التصديق! الشباب يقولون أن لا أحد يفهم ماذا نفعل فى اليمن. لا اليمنيين ولا السعوديين ولا المصريين وربما أيضا ولا القيادة. ولكنها كانت الحقيقة.
ثم كانت الضربة القاصمة المحتومة ، حرب 1967 .. واليوم الأشد حزنا فى تاريخ مصر ربما كله. يوم بطوله الدموع تسيل من عيون الرجال فى الشوارع ومن عيون ربات البيوت والأطفال. ولا أحد يتكلم. يوم بطوله لا يتكلم أحد تقريبا.
وعندما بدأنا نفيق من الحزن وبدأت تجف بعض الدموع واستطعنا أخيرا التحدث ، اكتشفنا أن الحساب قد تضخم عبر ربع قرن من إقطاع السلطة. واكتشفنا أن إمكانياتنا تم إهدارها ليس فقط أثناء المعركة ولكن على طول الخمسة والعشرين سنة.
وفى الحقيقة لم يكن جمال عبد الناصر خائنا ولا عميلا ولا سارقا. كان وطنيا نعم ، ولكنه لم يكن سياسيا ولذلك كان فى غير موقعه. وكان جريئا ولكن أعماه جنون العظمة الذى نماه ورعاه الحاشية المحيطين به فلم يعد يرى إلا نفسه.
وكان السادات لا يقل وطنية عن عبد الناصر ولكنه كان أكثر دهاء ومتمرسا فى السياسة. واستطاع بشبه المعجزة من عند الله أن يقضى على العصابة ويركز على المعركة. وكانت حرب 1973 دليلا على أنه عندما تكون النيات خالصة لوجه الله ، فإن الإمكانيات المتواضعة ينميها الله من حيث لا ندرى. ولا أقول هذا من باب الدروشة ولكن خذ مثلا مدفع الصواريخ الذى انحشر مكانه لا يتحرك والقائد يصيح كالمجنون إضرب يافلان إضرب إضرب والشاويش يحاول والكل يتصبب عرقا. وفجأة (كما حكى شهود العيان) تقوم ريح ويتحرك المدفع فى الإتجاه المطلوب ويضرب.
كان نداء “الله أكبر” يصدر من كل الحناجر المسلمة والمسيحية ، كل الجنود والضباط. كلهم أبطال ، لم يقولوا “مافيش إمكانيات” ، لم يقولوا “طب حانقبض كام؟” ، لم يقولوا “طب مايعملوا هما!”
وكما قال الشيخ الشعراوى، كنا ماشيين كويس إلى أن تحولنا من نداء “الله أكبر” إلى نداءات الإعجاب بالنفس والخطط اللى ماتخرش المية وعبقرية أركان الحرب، واعتقدنا أن الفضل فيما تحقق كان لنا وحدنا أو لهذا أو ذاك من القادة ، فحدثت الثغرة. وكان لواء المدرعات الذى اقتحم الثغرة بقيادة شارون يعلم أنها مهمة انتحارية ولكنه وأعضاء اللواء صمموا عليها وتقدموا إلى رحلة الموت. وفعلا كاد اللواء ينكشف على الأقل مرتين خلال الرحلة الطويلة عبر سيناء. ولو انكشف قبل إقامة رأس الجسر لتمت إبادته مبكرا.
والعهد الحالى رغم كل ما به من مساوىء ليس أسوأ العهود ولا أظلمها. ولكننا ، كشعب ، نفتقد الهمة والوطنية والروح. هذا هو النقص الحقيقى وليس عندنا نقص غيره.
فإذا قال لك أحد: “أصل مافيش امكانيات” ولم تكن فى متناول يدك آله حادة ، فاخلع اللى بالى بالك واضربه بيها.
لعبة الأمم
الشىء الوحيد الذى قالته عصابة المستعمرين الصهاينة فى بدايات لعبة تفجيرات نيويورك، وكان له نصيب من الحقيقة هو أن المعركة القادمة ممتدة لعقود وهى معركة مخابرات. وحتى ذلك الجزء الوحيد الصحيح فىأقوالهم كان به جانب من الكذب: وهو تسمية المعركة بأنها ضد الإرهاب.
فالإرهاب أصلا ابتدعه ونبغ فيه الغرب. والفلسفة الصهيونية تعتمد على عدة عوامل أهمها الإرهاب. ولذلك كان أول ما اتجه إليه تفكيرهم هو اختلاق بعبع وهمى سموه أحيانا أسامة بن لادن وأحيانا الصدر وأحيانا صدام وأحيانا محور الشر وهكذا لا يكفون عن اختلاق البعبع الذى يسكت الضمير العالمى ويعمى أعين العاقلين ، ورغم ذلك إذا جازف أحد بالتحرى والبحث عن الحقيقة والكلام فلا يعدمون هم وسائل إرهابهم الخاصة من إصدار قوانين لا ترهب الأجانب فقط ولكن أيضا بعض مواطنيهم الذين يرفضون التعمية الإعلامية والغسيل المستمر للأدمغة عبر وسائل إعلامهم الصهيونية. فيسجنون الصحفيين مثلا فى بلاد تتشدق بحرية الصحافة والتعبير (الصحفى من قناة الجزيرة المسجون فى أسبانيا مثلا).
والمعركة معركة مخابرات لأن هدفها الأساسى تحطيم الإنسان. ليس الإنسان المسلم فقط ولكن إنسان كل الأديان. لذلك قلت ولن أتعب من الترديد أننا (المسلمين) نقف فى خندق واحد مع كل المؤمنين من كل الأديان السماوية.
والمخابرات يميزها التحرك السريع والإنتقال من خطة إلى أخرى بسرعة وإفقاد المستهدفين توازنهم وتركيزهم على القضايا الأساسية.
مثلا:
عندما بدأت قضية الرسوم فى الدانمرك تأخذ طريقها الصحيح عبر عدد من الرموز الإسلامية لنتحول من أمة رد فعل إلى أمة فعل، حتى تحركت المخابرات وبدأت أسمع التشكيك فى تلك الرموز. قال أحد الزملاء بأسف شديد: لقد اتضح أن عمرو خالد يتاجر بالإسلام! كيف؟ لأنه عمل كذا وكذا. والزميل يقول هذا كأنه حقق وبحث وفهم وقرر!
بهذه السهولة يقع الناس فى فخ التحطيم من الداخل.
قد يقول البعض أن هذا من فكر نظرية المؤامرة التى تعزو كل ما يحدث إلى “مؤامرة” من باب إراحة النفس من البحث والتحليل ، ومن باب التخاذل على أساس أن “المؤامرة” بعبع آخر لا قبل لأحد به.
وليس الأمر كذلك. فنحن لا نتحدث عن “مؤامرة” وخلاص. ولكننا نتحدث عن التخطيط الصهيوني لسيادة العالم. وهو تخطيط إذا كانت بعض تفاصيل التطبيق فيه خافية فى بعض الأحيان بطبيعة العمل المخابراتية ، فإن خطوطه العريضة واستراتيجيته ليست سرا.
لذلك فإن المؤامرة الصهيونية ليست بعبعا رهيبا لا قبل لأحد به. ولكن مواجهتها يقتضى الذكاء والتحرك السريع ومعرفة من هو العدو وما هو المستهدف، وقبل هذا كله الوعى والنفس الطويل. وهم يعرفون أن نفسنا قصير ويلعبون على هذا الوتر. فيجرونا فى زوبعة تلو زوبعة فنستنفد نفسنا فيها ونتحطم من الداخل.
ومن حديث الرسول عن الدجال: “قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِى كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلاَةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: “لاَ ، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ.” وهذا درس رئيسى فى المواجهات ، وهو معروف فى علم النفس العسكرى تحت عنوان “إعرف عدوك”. و اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ ـ يعنى لا تهولوا من شأنه فتحبطوا ولا تهونوا من شأنه فينتصر عليكم من حيث لا تعلمون.
وعدونا يطبق الحديث أفضل منا.
من لم يحضر عدوان 1956 أو لم يقرأ عنه ، ربما لا يعرف العبارة الشهيرة: “لقد أممت قناة السويس قبل عبد الناصر بـ (مدة لا أذكرها بالضبط ولكن ربما كانت) ثلاثة أشهر.” وكان كاتب الكتاب الذى به هذه العبارة عضوا فى المخابرات فى لعبة يتقمص كل طرف فيها شخصية من الشخصيات العامة يفكر بتفكيره ويعيش ظروفه ويقوم بأفعال وردود أفعال فى مواقف معينة فى التوقيتات المتوقعة، والكاتب كان يتقمص شخصية عبد الناصر والموقف كان الإمتناع عن تمويل السد العالى، وفرق الثلاثة أشهر يعطينا فكرة عن نسبة الدقة والنجاح فى اللعبة .. واللعبة اسمها: لعبة الأمم.
الجمعة وأشياؤنا السخيفة
خطبة الجمعة هى جزء لا يتجزأ من الصلاة. ويدخل أحدنا متأخرا فيصر على أن يصلى ركعتين بينما الإمام يخطب. فلا هو استمع إلى الخطبة ولا هو ركز فى صلاته. وهو يظن أنه يتبع فى ذلك سنة صلاة التحية أو سنة ما قبل الجمعة ، ولا يدرى أنه يخالف واجب الإنتباه إلى خطبة الجمعة ويخالف واجب الخشوع فى الصلاة.
وكان المستشار حسن الحفناوى، رحمه الله، يقطع الخطبة ويحتد على من يفعل ذلك ويأمره بالجلوس.
ويبدأ بعض الأئمة فى الصياح والزعيق فى الخطبة. وإن كان هذا جائزا قبل وجود الميكروفونات ، فهو غير مفهوم فى وجودها. وكثيرا ما يتردد الصدى نتيجة لذلك فلا تستطيع تبين ما يقوله الإمام أصلا. وإذا تبينت ما يقوله لا تملك إلا أن تتساءل: هو بيتخانق معانا ليه!
ويهوى بعض الأئمة العكننة على الحاضرين فيحصر خطبته فى الإنذار بالعذاب الشديد مفترضا مسبقا أن كل الحاضرين من الخطائين ، بل ويضم حتى نساءهم إلى قائمة المتهمين، مما ينفر الناس منه ومن الصلاة.
ويهوى بعض القائمين على أمور المساجد أن يكون صوت الميكروفون خارج المسجد عاليا لدرجة أن يسمع من على بعد كيلومترات. وبينما تستمع إلى الخطبة فى جامع يأتيك صوت الخطيب من الجامع الآخر فتفقد التركيز وتتساءل: هو فيه مسابقة فى الإزعاج!
ويحلو لبعض الأئمة، خاصة عندما يكون الصوت خارج الجامع يصم الآذان أن يذكر أصحاب الديانات الأخرى بالسؤ ، بل ويتحمس بعضهم ويسبون. وليس هذا من الإسلام فى شىء ، ولا يدل إلا على جهل بالإسلام وأسلوب الخطابة وفن الدعوة وحتى الذوق السليم.
ويدعو الشيخ فى نهاية الخطبة ويؤمِّن الحاضرون ، ويختم بالدعاء لولى الأمر ، فتخفت الأصوات ، كأنما الدعوة بالهداية لولى الأمر شر لا نريد أن نؤمِّن عليه وننسى أن الدعاء فى الحقيقة يبغى مصلحتنا نحن.
وتنتهى الخطبة بـ “أقم الصلاة” ، فتجد أكثر الناس ما زالوا فى أماكنهم فى كسل لا يحسدون عليه انتظارا للمؤذن أن يبدأ الإقامة. ثم يقيم المؤذن فتجد الأغلبية ما زالوا على حالهم التى ربما يظنون أنها من السنة وأسميها أنا حالة كسل وتبلد منافيتان لما يجب أن يكون عليه المسلم من الفطنة والحركة النشيطة. وبعضهم يقول أنه ينتظر حتى يقول المؤذن “حى على الصلاة” فيقوم. وبعضهم يقول أنه ينتظر حتى يقول المؤذن “قد قامت الصلاة” فيقوم. وهى طرق ليست من أصل الدين ولا منطق لها ولا سند من الصحيح.
وبما أن أكثرنا لا يقوم للصلاة بمجرد انتهاء الخطبة ، تستغرق تسوية الصفوف (الذى هو من تمام الصلاة) وقتا طويلا بينما قد دخل الإمام فى الصلاة. وتنتهى التسوية أحيانا بأى حاجة وخلاص.
وتحدث الفرج فى الصفوف. وعندما يخلو مكان بجانب أى منا ينظر فورا وراءه ، بل ربما أضاف سخافة أخرى بأن يشير للصف الذى وراءه ليتقدم أحدهم. ولا تملك إلا أن تتساءل: هل هذا من “ضم الصفوف وسد الفرج” كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم! بلاش السنة! أليس حتى من المنطقى أن “يضم” كل واحد إلى من بجواره بدلا من الإلتفات خلفه؟ وهل علاج الفجوة بفجوة أخرى فى الصف الخلفى؟ وهكذا .. حتى تكثر الفجوات.
لا يحتاج المصلى لأكثر من متر ونصف أمامه ، ولكن بعض المصلين يصر على أن يجعلها مترين أو أكثر متجاهلا ما يضيق به على من وراءه.
ويكبر الإمام فى الصلاة فيحلو لبعض المصلين الجهر فى التكبير خلفه.
ويرفع الإمام من السجود فيحلو لبعض المصلين البقاء فى السجود لمدة دقيقة أو دقيقتين زيادة، وينسون أن هذا رياء ظاهرا منهى عنه أشد النهى. والأصل فى صلاة الجمعة وأى جماعة هو الإنتظام، وليس مخالفة الإمام فى الركوع والسجود والقيام. والإنتظام فى صلاة الجماعة جزء من الدعوة لغير المصلين أو غير المسلمين وذلك بالقدوة الحسنة.
ويختم الإمام الصلاة بالتسليم يمينا ويسارا فيحلو لأغلبية المصلين الجهر بالتسليم حتى بأعلى من صوت الإمام. وقد يظن كثير من الشباب من ذلك أنه واجب أو سنة. وهو لا هذا ولا ذاك. ولا يجب أن يكون.
عندما بدأت فى التفكير بصوت عال (بالكتابة) عن أشيائنا السخيفة كنت أظن أنها لن تعدو سطورا قليلة. ولكن …
ألقابنا الجميلة
العرب يحبون الألقاب ، والمصريون مهووسون بها ، وحكام العرب أكثر جنونا من الكل! ونستثنى منهم الملك فهد الذى تفرد بأجمل لقب: “خادم الحرمين الشريفين”، فأثبت أنه أعقلهم.
وهذا الجنون قديم فى العالم كله ، اشترك فيه غير العرب أيضا. وعندما ألغاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان المنطق أن يسير من يتولى أمر الأمة من بعده على نفس النهج. ولكن ما أن انقضى عهد الخلفاء الراشدين (وهو كما قلنا سابقا مرجع فى تطبيق الشريعة على الحياة اليومية أو السياسة الإسلامية، وليس بعده مرجع آخر) أقول ما أن انقضى ذلك العهد حتى تبارى كل الحكام بعدهم فى اتخاذ ألقاب ، منها ما أعتبره كفرا والعياذ بالله ، ومنها ما يدعى تساويه مع الخلفاء الأربعة فسمى نفسه “الخليفة” وهو يعلم تماما أنه لا يستطيع التطاول أكثر من ذلك بادعاء أنه “خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
ولكن دعونا من الحكام وقرف أكثرهم.
إذا اعتبرنا ما يتنادى الناس به على بعضهم (إذا لم يعرف الإسم) من الألقاب ، فإنهم فى الخليج يدعون الرجل “يارَيّال” (تقلب الجيم ياء هناك) أو “يارفيج” بلغة العربهند (عربى على هندى). وفى الشام يدعونه “يا أبو الشباب” أو “يازلمة” وفى المغرب “ياخو” (من الأخوة) أو “ياسى محمد” وفى السودان “يازول” (وربما كان أصلها من اللغة السواحلية، لا أعلم) ، أما فى مصر ففيها الكثير الكثير: ياسيد ياعم ياراجل ياباشا يابا ياحاج ياأستاذ ياأخ .. ماتعدش!
وبالنسبة للمرأة فيطلق عليها “الجاهلة” (!) و”الجهال” فى الخليج تقابلها “الجماعة” عندنا فى مصر. وفى المغرب يقولون “المَرَة” وهى تعتبر سوقية عندنا. ففى مصر نقول الست الآنسة المدام الولية ونقول عن الزوجة “الحكومة” أو “اللى ماتتسماش” (من حبنا فيها يعنى زى حبنا فى الحكومة).
وكان الشائع فى مصر أن تلقب المرأة بأم فلان ، وعادة ما يكون على اسم ابنها أو بنتها البكرى. ولم أكن أعرف الأسماء الحقيقية لأكثر نساء حينا عابدين الذى قضيت فيه ثلث عمرى، بل كنت أعرفهم أم عصام وام علية وام فلفل الخ. وأعتقد أن العادة القديمة بالحياء من ذكر اسم المرأة أمام الآخرين ما زالت موجودة، ولو أنى لا أعرف سببا وجيها لها.
من الألقاب المحببة إلينا: الحاج. ورغم أنه بالعربية اسم موصوف ورغم أنه لم يذكر فى الكتب القديمة أن الأوائل من المسلمين قد استخدموه لقبا ، إلا أنه من المحدثات التى لازمتنا منذ بعيد، وهو يستخدم فى جميع الدول العربية أيضا. وهو لقب محبوب لدرجة أن بعض المرائين يحجون فقط ليكتبوا فى بطاقاتهم “الحاج فلان”.
كنا فى الإصلاح الزراعى نلقب المهندسين بـ “الأستاذ فلان” ، أما المهندس “فهمى سيدهم” مدير عام الشئون الهندسية فكنا نقول “فهمى بك” زيادة فى احترامنا كلنا له .. وكان يستحق رحمه الله. أما وكيل الوزارة للشئون الهندسية فندعوه “الدكتور السمنى” (وكان من أعظم من درس فى الجامعة وكان عبقريا. وكان وطنيا حقيقيا حتى عندما اتهمه المرتزقة والحاقدون بالرشوة ظلما أثناء عمله فى مديرية التحرير وسجن واستمرت محاكمته سنين ، كان يدافع عن نفسه بحقائق وأرقام المشروع بأدق التفاصيل ومن الذاكرة ، وعندما برأته المحكمة بعد سنين من العذاب لم يكن حاقدا أو باحثا عن الإنتقام كما هو متوقع. وفى الإصلاح الزراعى كان مثالا للتواضع والجد فى عمله كأنه ابن العشرين. عندما التحقت بالهيئة تأخر صرف مرتبى ودخلت دائرة مفرغة لشهرين حتى اعتقدت أنه من رابع المستحيلات، ورفع رؤسائى إليه شكواى فلم يكتف بالتأشير أو بالتليفون ، وإنما أخذنى وخرج من مكتبه إلى مكتب وكيل الوزارة للشئون الإدارية وقال له: المهندس ده يقبض بكرة! وفى الصباح التالى كنت أصرف مرتبى كاملا. ولى معه ذكريات كثيرة رحمه الله.)
كان لقب “الأستاذ” لقبا محترما جدا. ويبدو أنه فقد بريقه هذه الأيام، إذ يغضب منى الزملاء إذا ناديت أحدهم بـ “ياأستاذ” بدلا من “ياباشمهندس”. هذا على الرغم أن سائق التاكسى والكمسارى والميكانيكى وكل من هب ودب يناديهم الناس بـ “ياباشمهندس” فما بال المهندسين يصرون على أن يكونوا مثل من هب ودب ولا يقبلوا أن يكونوا “أساتذة”؟ لا أذكر أحدا تحدث عن “الأستاذ العقاد” ، وهو من هو ، إلا بهذا اللقب.
كنت أتعرف بإنسان طيب وعندما سألنى ماذا أعمل وقلت له مهندس ، قال: أيوه فاهم ، قصدى يعنى مدير إيه؟ ورفع حاجبيه دهشة أو استنكارا عندما قلت: مهندس بس .. مش مدير حاجة. وأنا متأكد أنه لولا طيبته الزائدة لكان تجاهلنى من فوره وابتعد عنى بقرف. فالمصريون إما مديرون أو صعاليك!
وتبدو ألقاب “الأسطى” و “المعلم” فى وقتنا الحالى لا تكون إلا للصعاليك ، مع أنها من الألقاب التى كانت محترمة جدا قبل أن يصبح الصعلوك باشمهندسا، والحرامى “رجل أعمال” وشيخ المنصر “باشا”.
أزمة الدانمرك
بعد أن هدأ الأمر قليلا ، يمكننا الآن أن نفكر ونستفيد.
كان المسلمون طرفا فى مواجهة. فإذا سألنا أنفسنا: من كان الطرف الآخر؟ فسنفاجأ بأن المسلمين لم تكن لديهم فكرة واضحة عن الطرف الآخر. كل منهم له وجهة نظره. ولكن لم يكن هناك اتفاق عام على الطرف الآخر. ولا يمكن أن تكسب أى مواجهة هذه حالها.
كتب الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى ما يلى:
“من حقنا أن ندافع عن أنفسنا، ونستنكر هذه الرسوم، ونندد بأصحابها، ولكن دون أن نعمم التهمة ونأخذ البرىء بالمذنب ونرتكب فى حق الآخرين ما ارتكبه بعضهم فى حقنا. والدانمرك ليست هى الغرب. والذين رسموا هذه الرسوم ونشروها ليسوا كل الدانمركيين. والذين استنكروها كثيرون مسلمين وغير مسلمين. وقد آن لنا أن نفكر بدلا من أن ننفعل، ونبادر إلى الفعل بدلا من أن نظل ردود أفعال.”
بدون تحليل طويل وببساطة يمكننى تلخيص الدروس المستفادة فى التالى:
1. اعتمد المخططون لهذه الأزمة على ضعف الناحية القيادية لدينا ، ولذلك نجحوا مرحليا. وإذا كانت القيادة جاهزة لأمكنها بسرعة جمع الجماهير حول أول أسس المواجهة: تحديد الطرف الآخر.
2. ولو كانت القيادة موجودة لأمكن وضع أهداف ووسائل يتجمع حولها الجماهير، ليعرفوا ماذا يفعلون، ومتى ولماذا. قوة التنظيم لا تقل أهمية عن القوى الأخرى المؤثرة فى أى مواجهة.
3. فخ أزمة الدانمرك موضوع بعناية ، وهو واحد من كثير. وليس فخ تفجير المساجد فى العراق ببعيد. وأحد أهدافها أن نحول أنظارنا ولو قليلا عن الإستعمار الجديد، ونتوه. ومن أفدح أخطائنا، التى سيحاسبنا عليها التاريخ ولن تغفرها لنا الأجيال القادمة، أننا حققنا (أو كدنا نحقق) لهم هذا الهدف.
4. الصراع ضد العدو الرئيسى طويل الأجل .. جدا. وسيمتد إلى الجيل القادم وربما لعدة أجيال. ومن أهم واجباتنا إعداد هذه الأجيال وإمدادهم بالأسلحة اللازمة ، وأهمها الثقافة والذكاء وتعود العمل الجماعى. يجب على الأجيال القادمة أن تأكل وتشرب وتتنفس هذه الفكرة: “نحن نواجه الإستعمار الجديد.”
5. قياداتنا السياسية بشر ، ولم تكن ولن تكون يوما ملائكة. ولكن إذا أصر أكثرنا على استمرار سلبيتهم فلا تلوموا القادة على انحيازهم للشيطان.
6. ما زلنا لا نعرف كيف نختلف. فمثلا أى واحد غلبان من الشعب سيقول لك أن بيان الأزهر لم يكن قويا كما كنت أريد منه، فما الداعى لأن ننبرى بمقالات مطولة، كأنما تريد اختلاق مشكلة تصرف نظرنا عن المشكلة الرئيسية.
7. لا غنى عن التفكير فى الوطن فى نفس الوقت الذى نفكر فيه فى الدين. تكاتفنا فى مصر سيؤدى إلى تقوية الدينين الإسلامى والمسيحى معا ليستطيعا (معا) مواجهة المد الصهيونى. وهو واجب قومى ودينى.
ربما كانت أزمة الدانمرك قد انتهت أو خفت كثيرا فى نطاقها المحدود. ولكن أزمتنا ما زالت مستمرة ولن تنتهى إلا إذا بدأ بعض الناس يتحدثون عن كيفية الإستفادة من الدروس. وإذا لم نذاكر جيدا فسنرسب فى الإمتحان القادم والذى بعده ، والخوف أن نفصل فى النهاية من سجل البشر.