Archive for فيفري 2006
الدانمرك
ما زال موضوع الدانمرك يدور فى ذهنى دائما. ولكنى ما زلت أمنع نفسى من الإستغراق فيه لدرجة الكتابة! لعدة أسباب:
منها الإنتظار حتى تهدأ الهوجة الهوجاء بتاعة: بسرعة .. الحقوا الموقع الفلانى فيه استفتاء كذا ، فصوتوا فيه لكى “ننتصر عليهم”. رغم أنه يمكن لأى “مجاهد” أن “يصوت” كما يريد فى أى مكان وزمان .. ممكن مثلا يدور على أى ميتم ويصوت كما يحلو له.
ومنها أن كثير من الأصوات الحكيمة تتحدث وتشفى غليلى. ومنها على سبيل المثال مقال أحمد بهجت منذ أيام “للحق جنوده وللعدالة رجالها” [وهو لمن لم يقرأه: عن د/ نبيل لوقا بباوى المسيحى الأرثوذكسى الذى أثاره كتب بعض المستشرقين الذين افتروا على الرسول (فى مسلسل الإفتراءات والدس والإفساد القديمة .. القديمة منذ الرسالة على كل العصور ومن كل الملل ومن كل من هب ودب ، من مسيلمة الكذاب إلى صحفيين مغمورين استأجرتهم المخابرات فى عصرنا الحالى لنشر الفوضى فى العالم ، كما يستأجرون “الملثمين” الذين يفجرون المساجد هنا وهناك للهدف ذاته) فقام بدافع فطرته السليمة وحياده العلمى بكتابة كتاب “محمد صلى الله عليه وسلم والخناجر المسمومة الموجهة إليه.]
ومنها أن سؤالى ما زال بدون إجابة ، وهو: “ماذا بعد؟” أو بمعنى آخر: “هل ما زلنا نفكر تحت أقدامنا، أم هناك أمل أن يمتد نظرنا إلى أبعد من ذلك .. ولو قليلا؟”
ومنها أنى أفكر كيف أن اليهود استطاعوا بالنظرة البعيدة أن يحولوا العالم عبر مائة سنة تقريبا من نبذهم (ولا أقصد هنا النازية ولكن أقصد الناس ، البشر فى كل العالم) إلى احترامهم ، ثم استطاعوا أن يحولوه إلى مهابتهم لدرجة إصدار القوانين الإستثنائية فى صالحهم ، وهم بعد أقلية الأقلية فى كل مكان ، وهم بعد فيهم كل الأنواع مثل البشر الآخرين من حرامية وشرفاء ونصابين ومتدينين وسفلة وأرستقراطيين وجهلة وجهابذة علم، الخ.
[بالمناسبة فإن أول مرة تعاملت فيها مع يهود كانت عام 1963 فى ألمانيا الغربية ، ولم أجد فيهم الصورة الراسخة فى أذهاننا منذ فيلم “حسن ومرقص وكوهين” من الأربعينات ، ولا الصورة الأخرى المرعبة التى ترسخت فى أذهاننا فى حرب 1956. كان المسئولون فى شركة “دويتس” يسمحون لنا بالتجول فى كل أرجاء المصنع الشاسع، ما عدا ورشة معينة. ولأن الممنوع مرغوب خاصة فى سن الشباب ، فقد اقتربنا شيئا فشيئا من الورشة تلك. وعلمنا فيما بعد أن الألمان كانوا يمنعوننا منها خشية حدوث احتكاك لأن معظم من كانوا يعملون بها من اليهود. وتعجب الألمان فيما بعد حين وجدونا نتحدث معهم وندخل ورشتهم (التى كانت بالمناسبة مخصصة للأعمال الدقيقة التى تتطلب مهارات فنية خاصة) ولا تحدث مشاكل.]
بالمناسبة ولا بأس من التكرار: فى السفر سبعة آلاف فائدة.
الوساخة
صدق أو لا تصدق! أصبحت الوساخة لها فلاسفة! وإن كانوا يتفلسفون عن النظافة ، من باب حفظ ماء الوجه ليس إلا. وتطلع علينا الجرائد كل حين بأقوال هؤلاء الفلاسفة ، وأدت الفلسفة إلى إحضار شركات أجنبية لكى ينظفونا (عقدة الخواجة برضة! وبالطبع تحتاج النظافة إلى تكنولوجيا الفضاء المتطورة التى لا نملكها). وبعد أن هلب الفلاسفة ما يريدون ، وربما بعد أن وجدوا التهليبة ليست مجزية كما كانوا يتوقعون ، بدؤا فى تأليب خلق الله على تلك الشركات بنت ستين فى سبعين ، وأصبح للمشكلة بعد آخر: كيف نجعل تلك الشركات تنظفنا وفى نفس الوقت تدفع لنا. ويثور “الغلابة” الفلاسفة. إذ كيف يريد منا المسئولون أن نضحى بعدم تغيير الموبايل كل كام شهر ، فقط من أجل دفع رسوم نظافتنا التى تثقل كاهلنا. ويثور مجلس الشعب وتثور الأمة وتكاد المظاهرات تقوم. ملحوظة: نفس أولئك “الثوار” كانوا يواجهون “الزبال” بنفس الزوبعة لكى يتهربوا من دفع قروشه القليلة. كنت قد سمعت منذ سنين عديدة (ولا أدرى مدى صحة ما سمعته) أن أحد رجال الأعمال المصريين الناجحين بالخارج أراد العودة إلى مصر، عارضا مشروعا للنظافة يقوم على أساسه بتوزيع أكياس قمامة مجانا على البيوت ويلتزم بإحضار المكانس الآلية لتنظيف الشوارع بدون مقابل ، مؤكدا أنه لن يكلف الدولة شيئا بل سيربح من تدوير القمامة ، ولكن فلاسفة حكومتنا فى ذلك الوقت رفضوا .. ليه؟ ماعرفش! ولكن الذى أعرفه أن ذلك الرجل كان فيه شىء لله فأنقذه من ورطة. فلا بد أنه كان يعتقد أن تنظيف شوارع مصر شيئا هينا مثل ما هو الحال فى معظم بلاد الناس. لم يكن يدرى أن الوساخة أصبحت هواية المصريين المفضلة بعد أن هجروا كل الهوايات المفيدة من قراءة ومشى ورياضة وغيرها. وهى هواية ليست قاصرة على عامة الناس الغلابة ، بل تمتد إلى كل الفئات ، فنرى النفايات تتطاير من نوافذ أجدعها عربية مرسيدس وبى إم دبليو ويصبح الشارع مقلبا للنفايات الناتجة من ديكور شقة يكلف الآلاف وأحيانا الملايين ويتحول “منور” العمارات الفخمة وحتى مصاعدها إلى مقلبا للزبالة. وهذا كله وصناديق القمامة “الشيك” التى نشرتها الشركات “الحرامية” فى كل مكان بالعاصمة مجانا على بعد أمتار من هواة الوساخة. وتبقى مناقشات الفلاسفة فى وسائل الإعلام حول كم وكيف ندفع لأولئك الخواجات الذين لا يريدون أن “يفتحوا مخهم!” وهل 3 أو 5 جنيه فى الشهر يضلعونا والا أحسن نشترى بهم كيس شبسى (حتى ولو كان ما بداخله كل أنواع النفايات ماعدا البطاطس)! ورغم أن النظافة من الإيمان فى كل الأديان السماوية الثلاثة السائدة ، أجد شعبنا المؤمن عدوا للنظافة. والعجيب أن لا أجد واحدا فقط من هؤلاء الفلاسفة يقول ، ولو من باب تلبيس فلسفته بشىء من المصداقية، يقول: “اتوكسوا ، وماحدش يفتح بقه لحد ما ننضف .. كشعب .. كلنا”. وساعتها لن نحتاج لشركات لا أجنبية ولا محلية.
سافروا
من أوائل ما سمعت من الأقوال المأثورة وما زلت أذكرها جيدا: “سافر .. ففى الأسفار سبع فوائد”. وأحببت السفر واقتنعت مع الزمن أن فوائده أضعاف المثل.
كانت أول أنواع السفر التى مارستها هى الرحلات. منذ الروضة إلى التخرج فى الجامعة “مابطلتش”. وإذا منعتنى الموارد المادية الضئيلة كنت أقوم برحلة يوم الجمعة بنفسى. أخرج من المنزل 9 صباحا مثلا ولا أعود قبل المغرب، كله مشى! أقطع القاهرة طولا وعرضا وشمالا وجنوبا .. مشيا. وقد لا يصدقنى البعض ، ولكنى أؤكد أن حتى تلك “الأسفار الصغيرة” فى محيط القاهرة لم تكن تخلو من فوائد (بالإضافة طبعا إلى فائدة رياضة المشى).
وفى أوقات الأجازة الصيفية كنت أقفز فى أول فرصة مجانية للسفر إلى الإسكندرية ، وأشبع هناك من القراءة ومن الرحلات ، ولا زلت أذكر رحلات الصيد فى الرملة البيضة (وبعد أن كدت أغرق هناك مرة فهمت لماذا يقولون أنك لا يجب أن تخاف من البحر ولكن يجب أن تحترمه. فعلمت نفسى السباحة بمساعدة خالى من حين لآخر فى نفس المكان. وما زلت أحترم البحر ولا أخاف منه) ورحلات المعسكرات فى مطروح والعجمى وكثيرا من رحلات المشى أيضا.
ولاحت لى فرصة سفر مجانية (ربنا كبير) إلى رأس غارب 1958، ولم تكن أيامها سوى معسكر شركة شل (وكان معسكرا يشمل العائلات. ولم يبخل المهندسون هناك (كل التخصصات ، حتى الكيمياء) فى الشرح وإهداء الكتب. وأحببت الهندسة هناك، وأكرمنى ربى بدخول كلية الهندسة فى نفس العام بحوالى 74% على ما أذكر، ثم أكرمنى أكثر بأن تقررت مجانية التعليم فى الجامعة فى العام التالى، وإلا ما كنت أكملت المشوار بحسابات البشر يعنى.
المهم نعود إلى موضوع السفر. كانت فترة الجامعة فترة نشطة جدا (ما عدا المذاكرة طبعا ـ مش حانضحك على بعض) ولم يكن يمر أسبوع على أسرتنا بدون رحلة إما بمساعدة صندوق الإتحاد أو بالمجهودات الذاتية. أما الصيف فكان يتوزع بين الإسكندرية وأماكن التدريب الذى كنت أحرص علي البحث عنه فى كل أجازة.
وتدربت فى ميناء الإسكندرية ومنه قفزت إلى الباخرة “عايدة 3” فى آخر ثانية قبل أقلاعها فى رحلة لا تنسى بكل المقاييس .. برضه بلوشى.
وتدربت فى ألمانيا الغربية وأنا لا أملك قرشا من الفلوس اللازمة للسفر (بدأت أسدد القروض على مدى أعوام بعد التخرج) وكانت رحلة لا تنسى، خاصة عندما ضاعت أوراقى كلها بما فيها تذاكر العودة وجواز السفر والنقود فى ميلانو بإيطاليا فى رحلة الذهاب. ولكن هذه قصة أخرى.
وبعد التخرج بعامين عملت فى الإصلاح الزراعى ، الذى يمكنه أن يقضى على أى نوع من الطموح! ولكن فضل الله واسع ، فقد أراد لى ـ عكس ما كان مبيتا لى من نفيى إلى الصعيد الجوانى ـ أن أعمل فى المشروعات وفى قلب القاهرة ـ سبحان الله ـ وكنا نشرف على كل أعمال الميكانيكا والكهرباء بالجمهورية وننفذ بعضها بالمجهودات الذاتية. وهو ما سمح لى بأن أجوب معظم المحافظات شمالا وجنوبا. ومرة كنا نمشى بين المزارع فى أسيوط عند الغروب مع عائلة عليهم “تار” ،وهو ما يفسر اجتماعهم بسلاحهم فى مكان واحد بينما العائلة المطالبة بالثأر تختفى عن الأعين حتى تنال ثأرها، ولكن هذه حكاية أخرى. المهم واحد من الجماعة “بيلفع” البندجة ويطير منها عيار يصفر بجوار أذن زميلى الذى كان يمشى بجوارى. ويضحك الجميع .. مش الحمد لله جت سليمة؟
ثم أراد الله أن يكرمنى أكثر (وربنا يكرم من يريد حتى ولو كان لا يستحق مثلى ـ على الأقل وقتها ويمكن حتى الآن ـ بحسابات البشر يعنى!) فترسلنى نفس هيئة الإصلاح الزراعى ، التى كان المفروض أن تدفننى ، إلى ألمانيا الشرقية ، فأجوبها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. ولكن هذه حكاية أخرى طويلة.
وثم وثم وثم .. وتطول الحكايات رغم اختصارها الشديد.
وخلال الأسفار كلها كان همى الأول وربما الأخير الإختلاط بالناس والسماع منهم ومراقبتهم. وهى أكبر فائدة ، توسع الأفق وتخرجك من محيطك الضيق إلى العالم الواسع ، وتجعل فى استطاعتك أن تخرج نفسك من الصورة لكى تنظر إليها ، إلى الصورة كلها ، من بعيد.
المهم أردت أن أقول باختصار: “سافر ففى الأسفار سبع فوائد” .. أو سبعين .. أو سبعمائة .. بس!
الدانمرك والحرية
الغضبة الجماهيرية فى العالم على الدانمرك جيدة. ولكن الحدث نفسه أو سببه لابد أن يفتح عيوننا على آفاق أوسع ورؤية متفحصة. فالذى حدث ليس صدفة. وهذا ما يعنينا.
لابد أولا أن نعلم أن الذى يحكم الولايات المتحدة الإستعمارية هو تنظيم صهيونى، وهذا ليس سرا والعصابة كلها من الكنيسة الصهيونية. تنبيه لا بد منه: الصهيونية ليست الديانة اليهودية ولكنها نظرية وحدها.
ثم لابد ثانيا أن نعلم أن بوش ما هو إلا دمية يصدرونها لإجادته التقليد (خاصة تقليد بلير) ولكى تتفرغ العصابة للعمل ويتركوا له الإستعراض.
كما قلنا سابقا فإن العصابة اختبرت مدى تأثير إعلامها الصهيونى على العالم ، وبالذات على الأمريكان والأوروبيين، وتأكدت من قوة هذا التأثير فى مناسبات متعددة (منها الإحتفال بالقرن الجديد قبل موعده بعام كامل مثلا). وبعد ذلك بدأت المخطط الجهنمى بالضربة التاريخية: تفجيرات نيويورك.
هدف الفلسفة الصهيونية ليس فقط السيطرة على الشرق الأوسط ولكن هدفها ببساطة: العالم كله! والمصلحة الصيونية تعتمد على أن يبقى العالم فى حالة قلق وتنافر. ولذلك كان المراد شحن (أو إعادة شحن) البغضاء والرفض بين الغرب والشرق. وهكذا تم التخطيط بتؤدة للرسومات الشهيرة فى الدانمرك.
ويبدو أن الغباء والإنغلاق على النفس الذين غرق فيهما الغرب بتأثير الإعلام الصهيونى قد جعلهم يتبعون سياسة رد الفعل بدلا من إعمال العقل، فراحوا يؤيدون ما نشر.
تباينت ردة الفعل الإسلامية على ما حدث، وهذا طبيعى. ولكن ما أثار انتباهى قبل كل شىء هو غلبة العقل الواعى على الإنفعال.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يلقون من الكفار أكثر من هذه الرسومات. ولكنهم كانوا يغلبون العقل الواعى على الإنفعالات العاطفية، مركزين على الهدف الرئيسى: الدعوة.
المقاطعة سلاح فعال ، والمظاهرات تعبير جيد شرط أن لا تدمر شيئا، ولا حتى ممتلكات الأعداء، والتحرك الرسمى قوى جدا حتى أنه شمل مستوى الرؤساء والملوك.
وفى نفس الوقت، يجب أن ننتبه إلى تفويت الفرصة على الصهيونية لتحقيق ما تصبو إليه، بالأخذ فى الإعتبار المبادىء التالية:
ـ يجب عدم الإغراق فى التهوين من شأن أنفسنا. نعم نحن ضعفاء تسليحا، ولكن المسلمون الأوائل كانوا أضعف من هذا، فلم يفشلوا ولم يقعدوا.
ـ هذه فرصة ذهبية للدعوة! فإذا لجأنا إلى العنف لكان ذلك مساعدة للمخطط المذكور. والدعوة كما قلنا سابقا لها طرق عديدة ليس من بينها العنف. ولا ننسى أن تفجيرات نيويورك وما صاحبها من تأليب الصهيونية للعالم على الإسلام كانت هى نفسها ما دفع الكثيرين إلى البحث فى الإسلام والإستماع إلى المسلمين ، وبالتالى إلى الفهم. والفهم هو غاية ما نتطلع إليه وليس عدد من يعتنقون الإسلام. ولا ننسى أن مكائد اليهود قبل ولدى البعثة كان من الأسباب التى أدت إلى الهجرة، وهى نقطة انطلاق فى غاية الأهمية فى ذلك الوقت.
ـ يجب إفهام الغرب (وربما أنفسنا أولا) أنه لا توجد “عداوة” بين الإسلام والديانات الأخرى. وأن المجتمع “الإسلامى” ليس قاصرا على المسلمين. وأن “النظام الإسلامى” أثبت عبر دروس التاريخ أنه، إذا طبق بوعى وبطريقة صحيحة، هو أفضل الأنظمة التى تضمن للجميع حقوقهم، بما فيهم أهل الديانات الأخرى، بل وحتى الكفار.
ـ الحرية ، مثل الديمقراطية ، شعار. وأى شعار له مذكرات تفسيرية وحدود وقواعد. فلنقرأ عنها فى كتبنا ثم “نتحدث” إلى الناس بما نتعلمه. وعندها سيدركون أن ما يسموه “حرية التعبير” له أيضا قواعد وحدود ، حتى فى قوانينهم وأيديولوجياتهم.
ـ علينا تجنب الحديث عن الماضى ، إلا فى حدود الدروس المستفادة من التاريخ. ولكن المجادلة فى التاريخ وفى الأعراق والأجناس هى كلها من أسلحة الصهيونية. وليست محاولات الصهيونية الأخيرة بتأليب الأرمن على الأتراك على الأكراد (كله على كله يعنى) بخافية. والإنترنت ممتلئة بمناقشات كثيرة حول هذا الموضوع يساهم المشتركون فيها ـ عن غير قصد فى معظم الأحوال ـ فى تحقيق الهدف الصهيونى: إشعال الكراهية والإنفصالية بين الشعوب والمعتقدات.
ـ لا أتعب من ترديد: “إذا لم تبدأ بنفسك ، فلن يبدأ أحد”.
السينما
كنت فى الستينات مشتركا بحماس فى ندوة الفيلم المختار التى كانت تقام فى حديقة قصر عابدين وينظمها المركز السينمائى الكاثوليكى (وهو تابع للكنيسة) بالتعاون مع وزارة الإرشاد أو الثقافة. ومنذ ذلك الحين أصبحت العادة أن أشاهد الأفلام بعين الناقد، وهى عادة سيئة، تمنعك من أن تسلم عقلك على باب السينما قبل الدخول.
ولكن … هناك أفلام تجعلك رغما عنك تعطى عقلك أجازة جبرية بعد أن يبدأ الفيلم بدقائق، وتغوص فى مقعدك وتترك الأحداث تحلق بك كيف تشاء ، أو كما يشاء المؤلف.
من هذه الأفلام فيلم “نوتنج هيل” والذى شاهدته لتوى للمرة العاشرة ، ولو عرض بعدها بساعة فى قناة أخرى فسأشاهده مرة أخرى .. كله. وهو يشبه فى رومانسيته فيلم “امرأة بديعة ـ بريتى وومان” ولكن مع عكس الشخصيات الرئيسية من رجالى إلى حريمى وبالعكس.
فالمرأة هذه المرة هى ممثلة فى أوج شهرتها ، والفتى “البديع” هذه المرة هو شخصية عادية تعيش فى بلدة صغيرة ويملك مكتبة كتب سياحية. وأبرز ما فى الفيلم الحوار الرشيق الرومانسى. مثلا عندما تهرب الممثلة المشهورة من حصار الإعلام بعد أن نشر لها صورا قديمة فاضحة، وتذهب إلى ذلك الشاب وهى فى غاية الإنفعال والإحباط، يحاول هو تهدئتها وتهوين الأمر عليها فيقول: هل أحضر لك شيئا ساخنا. وعندما لا ترد يقول هو: شاى؟ ، ولا ترد مرة أخرى فيقول: حمام؟، فتبتسم.
وهكذا يعكس حوار، مدته مجرد ثوانى ، مجموعة متشابكة من المشاعر المؤثرة والمتباينة ما بين غضب وانفعال وحيرة وحرارة صادقة فى محاولة التسرية والنظرة الممتنة التى تقول: أفهم حيرتك وأقدر صدقك. وليس الحوار وحده هو الذى يفعل هذا، وإلا ما كنت شاهدته عشرات المرات. بل يتضافر التمثيل الرائع والديكور واختيار الشخصيات الثانوية والإخراج الذى يجعلك تعيش “مع” الشخصيات بدلا من أن “تتفرج” عليها.
الغش
كنت فى السفارة المصرية لأحد الشئون يوما ، وتصادف أن ذلك اليوم كان امتحان الأولاد المغتربين فى الشهادة الإبتدائية ـ وكان الناس يهتمون بها بعد القرار الخائب بإلغاء سنة من السنوات ال 12 المتعارف عليها فى جميع البلاد لنيل الشهادة الثانوية ـ المهم، وقفت مع الواقفين أستمع.
وشعرت بخوف شديد!
فقد سأل واحد: وإيه أخبار الغش؟ فأجابه من قدم لتوه من اللجنة: لا .. السفير بنفسه مهتم إن اللى يغشش العيال يكون ممن يفهمون المادة … مش زى امبارح!
وتفرست فى عيون كل الواقفين ، وانتظرت.
ومع طول الإنتظار ينقلب خوفى رعبا!
كنت أنتظر أن يصدر عن أحد إشارة إلى أن هذا الكلام من باب المداعبة مثلا. ولكن هالنى أن رأيت الجد على كل الوجوه، وهالنى أنهم يتحدثون عن الغش كما يتحدثون عن “حاناكل إيه النهاردة” مثلا.
كان أبى يخشى من رهبة أول امتحان شهادة عامة علىّ (الإبتدائية وهى تعادل أولى إعدادى الآن) بسبب صغر سنى أيامها، فدخل معى اللجنة وظل واقفا بجنبى مدة والمراقبون يحسبونه منهم حتى تنبهوا وطمأنوه أنهم سيستدعونه إذا لزم الأمر. وأذكر ذلك الموقف تماما رغم بعد الزمن. وأذكر أيضا أن أبى حتى لم يفكر فى قراءة ورقة الأسئلة ولا النظر إليها وهو بجانبى.
تذكرت ذلك الموقف وأنا أشاهد المصريون يحرصون على تعليم أبنائهم الغش … رسمياً!
وكدت أبكى!
الفن
لم يتفاعل الفن مع حرب 1973 كما كان تفاعله فى مناسبات أخرى. ربما كان السبب الرئيسى هو أن الفنانين الذين كان يمكنهم ذلك وقتها كانوا من أبناء الجيل القديم، جيل النكسة. ولن يعرف تأثير نكسة 67 إلا من عاشها. هل تتخيل القاهرة كلها يوما بطوله بدون حس، سوى القرآن من أجهزة المذياع، والدموع فى أعين الرجال والنساء وحتى الأطفال؟
كما كان إحباط النكسة قد ساهم فى تفاعل الكل بما فيهم الفنانين مع الرغبة فى المقاومة والوطنية فربما أن الإنتصار فى الحرب التالية فى 73 لم يلهب المشاعر. وربما كان ذلك لمفاجأة الحرب لنا قبل غيرنا. وربما كان ذلك بسبب قوة معاول الهدم قبل أكتوبر 73 التى راحت تشكك فى كل شىء ورحنا نساعدها بإطلاق النكات على النظام وعلى أنفسنا.
ولكن أيا كان السبب فلا أجد تفسيرا لاستمرار هذه البلادة فى مواجهة الأحداث المعاصرة، اللهم إلا من أغنية هنا وقصة هناك.
هل بلادة الفن الحالية هى انعكاس لحالة عامة من البلادة أصابتنا جميعا؟
أدعوا معى ألا يكون هذا صحيحا.
المجتمع العربى
سؤال يجب أن نبدأ به: هل لدينا ما يمكن أن نطلق عليه: المجتمع العربى؟
وأجيب (بما أننى المتحدث الوحيد ويمكننى أن أقول ولو ريان يافجل بدون أن يجرؤ أحد على الإعتراض) أجيب: نعم .. لدينا مجتمع عربى.
يظن كثير من الناس أن ما يجمع العرب هو اللغة فقط. وهذا غير صحيح. وكل ما هنالك أننا لم نحسن استغلال الإمكانيات التى لدينا لتقربنا من بعض، فاعتقدَ كل جزء من ذلك المجتمع ـ خاطئا ـ أنه منفصل بنفسه.
ولكن من أتيحت له فرصة العيش فى بلاد عربية فى أوقات متقاربة لاكتشف أن مشاكلنا وطريقة معيشتنا تقريبا واحدة وإن اختلفت بعض التفاصيل أو اللهجات.
وحلقات ستار أكاديمى (التى تفوق منتجوها على زملائهم منتجوا البرنامج المماثل باللغات الأجنبية فى إصابة المشاهد العادى بالغثيان أو فى أقل القليل بالملل القاتل) أقول أن هذا البرنامج يثبت كلامى.
مجموعة الشباب التى تقدم الملل فى هذا البرنامج (مصيبة لو كانوا يتقاضون أجرا عن ذلك!) من جنسيات عربية مختلفة يقضون وقت فراغ، ولن تجد فروقا تذكر سوى فى اللهجات، ولكن الهيافة فى شغل الفراغ بفراغ أشد واحدة! وهؤلاء لا يتصرفون بعفوية وإنما يهدف كل منهم أن لا يكون التالى الذى يلقى خارج المجموعة. بمعنى آخر يحاول تقديم أفضل ما لديه. والشباب من كل البلاد العربية “يتبرعون” بأموالهم عبر التليفون ليملأوا جيوب المنتجين. ورزق الهبل على المجانين.
قس على ذلك كل المشكلات الأخرى. الفساد والرشوة والمحسوبية ونشأة جيل شبه جاهل (رغم ال 99% فى الثانوية العامة) الخ. كلها مشتركة بنسب مختلفة فى جميع الدول العربية.
المضحك فى الموضوع أن كل جنسية منا تعتقد أنها أفضل من الأخرى! وهذا دليل على الغباء العام.
لا يعنى هذا أنه لا أمل.
من أى حالة من التطرف ينشأ فى مقابلها تطرف مضاد، ثم يتدرج الحال إلى نوع من الوسطية. ومن يدرى فقد يدرك الجيل الحالى الطريق الصحيح إلى المستقبل ، فيبدأون فى تنشئة أبنائهم (الجيل القادم) على الدين (إسلام أو مسيحية لا فرق) وما تستتبعه الأديان كلها من قيم: الصدق بدلا من الغش ، والإعتزاز بالنفس بدلا من عقدة الخواجة ، والثقافة الحقيقية بدلا من ثقافة الشرائط السمعية والرسائل الإلكترونية ، والذكاء بدلا من الدروس الخصوصية ، والعفة بدلا من الروشنة .. إلخ.
والا لسه بنفتكر إن القيم دى ماتوكلش عيش؟!
المجتمع المصرى الخليجى
المجتمع المصرى تغير، مثل أى مجتمعات تتغير. ولكن التغيير فى الثلاثين سنة الأخيرة كان أحد عوامله الرئيسية فى رأيى هو هوجة الخليج. عمل عدد هائل من الشعب المصرى فى كل مكان فى الخليج. وكان ذلك مصدرا للرزق أرسله الله إلينا فى فترة صعبة من تاريخ مصر. والمال نعمة تفتح لك آفاق الخير أو الشر، يعنى هو دائما ابتلاء أو امتحان. ولأسباب كثيرة لم ينجح أكثرنا فى الإمتحان.
وتزامن ظهور طبقة المصريين الخليجيين مع ظهور طبقة القطط السمان فى الإنفتاح، فأطبقت الطبقتان على المجتمع! الطبقتان كانا فى الأغلب أصلا مثلى من الكادحين. وكان القليل منهم فقط يدركون ابتلاء المال، أما الأغلبية فقد فقدت عقلها! أفقدها المال عقلها. وباعتبار ما نعرفه عن إضعاف تعليم الدين منذ الستينات، فإن المعانى الحقيقية للمبادىء التى كانت عرف المجتمع كله بجميع دياناته، مثل الشرف والقناعة والعفة والحب والتضحية، الخ لم تكن تعدو أن تكون كلمات متوارثة “من بتوع زمان، اللى مابيأكلوش عيش”!
وبعد “اللحلوح” (الجنيه بالبلدى) أصبح “الباكو” هو رمز الرشوة وسريعا ما استبدِل الباكو “بالأرنب” والفيللا والقصر. وبعد “أوضة المسافرين” (التى كانت تعبر عن الكرم، فى وقت كان الضيوف كثيرين) أصبح “الأنتريه” هو لزوم البيت (بينما لم نعد نعرف الضيوف). وبعد الشبابيك “الشيش” (أى الخشب) التى كانت تعزل الحرارة فى عز الصيف والبرودة فى عز الشتاء، أصبح “الألوميتال” هو رمز التقليد الغبى لكل ما هو “يصرف فلوس”.
ولأن كثيرا من أولئك الكادحين كانوا ـ مثلى أيضا ـ من أحياء شعبية أو من الريف، فقد انعكس السفه فى الإنفاق على محيط حياتهم، ولأن الجزء الباقى كان من المرفهين أصلا وأموالهم مخبأة تحت الرخام (البلاطة قديما!) وازدادوا ثروة بطريقة فجة فقد عم السفه فى كل مكان.
“تصوروا البنت لسه جايبالها البيجو من شهر ومصممة دلوقتى تغيرها بى إم!” هذا الكلام سمعته فى أوائل الثمانينات من إحدى القطط السمان، ولم يكن مقصودا به الشكوى! والبنت المذكورة كانت فى كلية التجارة.
“تصور إن فيه ناس كتير كانوا بييجوا العزاء وهم يبكون بكاء مرا ولا أحد من العائلة كلها يعرفهم!” هذا الكلام سمعته فى أوائل الستينات من أبناء أحد الأطباء المشهورين سكان جاردن سيتى فى مصر بعد وفاته.
كان بإمكان ذلك الطبيب أن يشترى لكل واحد من أبنائه سيارة، ولكنه لم يفعل، وإنما اشترى آخرته بدموع المجهولين الذين كانوا يبكونه كأنهم يبكون آباءهم.
لا أقصد أن “كل” المجتمع كان هكذا فانقلب كله. ولكنى أتحدث عن أمثلة للشائع الأغلب.
وسمعنا قريبا عن الطالب الجامعى ابن صاحب القصور الذى كان يسرق المحمول من زملائه ، وعن ابن العائلة من الصعيد (وهم من العائدين من الخليج) الذى لم تكفيه ثلاثة آلاف جنيه مصروف شهرى وشقة جديدة فكان يخدر زملاءه فى الكلية أثناء زيارته لهم فى بيوتهم ويدخل شركاءه لسرقتهم، وعن .. وعن ..
حانقول إيه بس والا إيه!!
متى نستحضر قيمنا ونحكم عقلنا فى تصرفاتنا؟ ولا نجرى وراء التقليد الأعمى والمظاهر؟ متى نكف عن التفكير طول الوقت فى كيفية رؤية الآخرين لنا ونتحول إلى كيفية رؤيتنا لأنفسنا؟
متى؟ أدعو أن يكون ذلك قبل أن يزيد غضب الله علينا.