Archive for أكتوبر 2005
سعد بن معاذ
فهرس
سعد بن معاذ 1
مقدمة 2
الأوس والخزرج ويوم بعاث 2
إسلام الأنصار 3
ذكر العقبة الأولى 3
إسلام سعد بن معاذ 3
بيعة العقبة الثانية 4
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار 4
مواقف سعد بن معاذ 5
موقعة بدر 5
عندما كتب عليهم القتال 5
بناء العريش للرسول (ص) 5
الإثخان فى القتل ومناسبته 5
موقعة أحد 6
موقعة الخندق (الأحزاب) 6
مواجهة بنى قريظة فى ديارهم 6
الرأى والمشورة 6
حديث عائشة رضى الله عنها 7
إصابته ودعاؤه عند ذاك 7
حكمه فى بنى قريظة 8
مواقف عامة 9
حديث الإفك 9
العمرة قبل فتح مكة 9
قتل كعب بن الأشرف اليهودى 9
وفاته وما قيل فيه 10
هو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرىء القيس بن زيد بن عبدالأشهل (1)
مقدمة
تفاخرت الأوس والخزرج فقال الأوس: منا أربعة ليس فيكم مثلهم، منا مَنْ اهتز عرش الرحمن لموته: سعد بن معاذ، ومنا غسيل الملائكة: حنظلة بن أبي عامر، ومنا مَنْ حمت لحمه الدبر: عاصم بن أبي ثابت، ومنا من جعلت شهادته شهادة رجلين: خزيمة بن ثابت. فقالت الخزرج: منا أربعة كلهم جمع كتاب الله الذي ارتضاه لنفسه وأنزله على نبيه، ولم يجمعه رجل منكم – أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو الدرداء. (2)
عَنْ جَابِرٍ رضى الله عنه سَمِعْتُ النَّبِىَّ (ص) يَقُولُ: “اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.”
[صحيح البخارى 3850] ومثله فى جميع كتب الأحاديث، وفى صحيح مسلم أن ذلك كان وجنازة سعد موضوعة.
المراد باهتزاز العرش استبشاره وسروره بقدوم روحه. وعند الحاكم بلفظ “اهتز العرش فرحا به”. وفى ما صححه الترمذى من حديث أنس قال: “لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته، فقال النبى (ص): إن الملائكة كانت تحمله.” وقال الحربى: إذا عظموا الأمر نسبوه إلى عظيم، كما يقولون قامت لموت فلان القيامة، وأظلمت الدنيا، ونحو ذلك. وفى هذه منقبة عظيمة لسعد. (3)
وقال آخرون: المراد اهتزاز أهل العرش وهم حملته وغيرهم من الملائكة. فحذف المضاف. ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم، لا يريدون اضطراب جسمه وحركته، وإنما يريدون ارتياحه إليها وإقباله عليها.
الأوس والخزرج ويوم بعاث
ولم يزل هذان الحيان قد غلبوا اليهود على يثرب. وكانت بينهم فتن وحروب، ويستصرخ كلٌّ بمن دخل في حلفه من العرب واليهود. ومن أشهر الوقائع التي كانت بينهم: يوم بعاث (4). كان على الخزرج فيه عمرو بن النعمان، وكان على الأوس يومئذ حضير الكتائب ابن سماك بن عتيك بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل. وكان من حلفاء الخزرج يومئذ أشج من غطفان، ومن حلفاء الأوس قريظة والنضير من يهود. وكان الغلب للأوس. وقتل فيها زعيما القبيلتين. وكان ذلك آخر الأيام بينهم. وقد أجمعوا على أن يتوجوا عبد الله بن أبي بن سلول. (5)
عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ (ص) فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَقَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِّلَتْ سَرَوَاتُهُمْ(6) وَجُرِّحُوا. قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ (ص) فِى دُخُولِهِمْ فِى الإِسْلاَمِ. (7)
ذكر أبو الفرج الأصبهانى: فقتل فيها من أكابرهم من كان لا يؤمن، أى يتكبر ويأنف أن يدخل فى الإسلام حتى لا يكون تحت حكم غيره، وقد كان بقى منهم من هذا النحو عبد الله بن أبى ابن سلول وقصته فى ذلك مشهورة. (8)
ولما بلغهم خبر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وما جاء به من الدين وكيف أعرض قومه عنه وكذبوه وآذوه، وكان بينهم وبين قريش إخاء قديم وصهر، فكتبوا إليهم قصيدة تعظم الحرمة وتذكر فضلهم وتأمرهم بالكف عن رسول الله (ص) وتذكرهم بما رفع الله عنهم من أمر الفيل.
إسلام الأنصار
كان رسول الله (ص) يعرض نفسه على وفود العرب في الموسم، فقدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف بن الأوس فدعاه رسول الله (ص) إلى الإسلام فلم يبعد ولم يجب وانصرف إلى المدينة فقتل في بعض حروبهم وذلك قبل بعاث.
قال ابن إسحاق (9): ثم قدم أبو الحَيْسر، أنس بن رافع، مكة ومعه فتية من بني عبدالأشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على الخزرج، فأتاهم رسول الله (ص) فقال لهم: “هل لكم في خير مما جئتم له؟”
فقالوا له: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل عليّ الكتاب.” ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.
ثم كانت وقعة بُعاث (10) بين الأوس والخزرج. ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك.
ثم إن رسول الله (ص) لقي عند العقبة في الموسم ستة نفر من الخزرج فدعاهم إلى الإسلام. وكان من صنع الله لهم أن اليهود جيرانهم كانوا يقولون: إن نبياً يبعث وقد أظل زمانه. (11) فقال بعضهم لبعض: هذا والله النبي الذي تحدثكم به اليهود فلا يسبقونا إليه. فآمنوا وأسلموا. ثم انصرفوا إلى المدينة ودعوا إلى الإسلام.
ذكر العقبة الأولى
حتى إذا كان من العام القابل قدموا مكة. قال عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله (ص) ليلة العقبة الأولى ونحن اثنا عشر رجلًا أنا أحدهم فبايعناه على بَيْعة النساء على أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نَسْرق ولا نَزْني. ولا نقتل أولادنا ولا نأتَي ببهتان نَفْتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف. قال: “فإن وَفَيتم بذلك فلكم الجنة، وإن غَشيتم شيئًا فأمركم إلى الله إن شاء غَفَر وإن شاء عذب.” فلما انصرفوا عن رسول الله (ص) بعث معهم مُصعب بن عُمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي إلى المدينة يفقه أهلها ويقرئهم القرآن فنزل على أسعد بن زرارة. (12)
إسلام سعد بن معاذ
خرج أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير إلى دار بني ظفر (13)، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم. وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير (إبن عمه) يومئذ سيدا قومهما من بني عبدالأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه. فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة هو ابن خالتى لكفيتك ذلك.
فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما. فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس أكلمه.
فوقف عليهما متشتِّما فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة.
فقال له مصعب: أوتجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟
قال: أنصفت. ثم ركز حربته وجلس إليهما. فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن.
فقال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟
قالا له: تغتسل فتطهَّر وتُطهِّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي. فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين. ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ.
ثم انصرف. فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين. فوالله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حُدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، ليخفروك.
فقام سعد مغضبا مبادرا، فأخذ الحربة من يده، ثم خرج إليهما. فوقف عليهما متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: ياأبا أمامة، أما والله، لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني. أتغشانا في دارينا بما نكره؟
فقال له مصعب: أوتقعد فتسمع فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره.
قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس. فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن.
ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ فتكرر ما حدث مع أسيد بن حضير.
فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير. ثم قال: يابني عبدالأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟
قالوا: سيدنا وأوصلنا وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبة.
قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله.
فما أمسى في دار بني عبدالأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة ووائل وواقف، وتلك أوس الله، وهم من الأوس بن حارثة.
وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، قائدا يطيعونه. فوقف بهم عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله (ص) إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق. (14)
بيعة العقبة الثانية
ثم رجع مصعب بن عمير إلى مكة، وخرج معه إلى الموسم جماعة ممن أسلم من الأنصار في جملة قوم منهم لم يسلموا بعد. فوافوا ليلة ميعادهم إلى العقبة، متسللين من رحالهم سراً عمن حضر من كفار قومهم. فبايعوا رسول الله (ص) على أن يمنعوه ما يمنعون. وكانت تلك البيعة بيعة الحرب (وكان قد أذن الله لرسوله (ص) في القتال) فبايعوه على السمع والطاعة في العسر واليسر وأثرته عليهم وأن يقوموا بالحق ولا يخافوا في الله لومة لائم.
وحضر العباس بن عبد المطلب وكان على دين قومه بعد. وإنما توثق للنبي (ص).
وكانت عدة الذين بايعوا تلك الليلة ثلاثاً وسبعين رجلاً وامرأتين. واختار منهم رسول الله (ص) اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وقال لهم: “أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل على قومي.”
وعلمت قريش الخبر فخرجوا في طلبهم. فأدركوا سعد بن عبادة فجاءوا به إلى مكة يضربونه ويجرونه بشعره، حتى نادى بجبير بن مطعم والحرث بن أمية وكان يجيرهما ببلده فخلصاه مما كان فيه.
فلما تمت بيعة الأنصار، أمر رسول الله (ص) أصحابه بالهجرة إلى المدينة فخرجوا أرسالاً.
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
وآخى رسول الله (ص) بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، ومن ذلك أبو عبيدة بن عبد الله بن الجراح، واسمه عامر بن عبدالله، وسعد بن معاذ بن النعمان، أخو بني عبدالأشهل، أخوين.
مواقف سعد بن معاذ
موقعة بدر
عندما كتب عليهم القتال
فى رمضان من السنة الثانية بعد الهجرة، ندب رسول الله (ص) المسلمين إلى عير لقريش، ولم يحشد لأنه لم يظن قتال. ثم بلغه خروج قريش ونفيرهم – أى تحول الأمر إلى قتال وشيك دون استعداد. فاستشار أصحابه وقال: “أشيروا علىّ أيها الناس.” تكلم المهاجرون وأحسنوا وهو يريد ما يقوله الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: فإذا وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه ، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم.
فلما قال رسول الله (ص) : “أشيروا علىّ أيها الناس.” قال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله. قال: “أجل.” قال سعد: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة. فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا. إنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُق في اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله.
فسُرَّ رسول الله (ص) ثم قال: “سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين. والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم.
بناء العريش للرسول (ص)
عندما بلغ المسلمون بدرا، قال سعد بن معاذ: يا نبي الله، ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا. فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم. ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك. يمنعك الله بهم. يناصحونك ويجاهدون معك.
فأثنى عليه رسول الله (ص) خيراً ودعا له بخير. ثم بُني لرسول الله (ص) عريش فكان فيه. 15
وعدل رسول الله (ص) الصفوف بيده ورجع إلى العريش ومعه أبو بكر وحده. وسعد بن معاذ وقوم معه من الأنصار على باب العريش يحمونه. وأخفق رسول الله (ص) ثم انتبه فقال: “أبشر يا أبا بكر فقد أتى نصر الله.”
ثم خرج يحرض الناس ورمى في وجوه القوم بحفنة من حصى وهو يقول: “شاهت الوجوه.” (16)
الإثخان فى القتل ومناسبته
ودار القتال وكانت الغلبة للمسلمين. ووضع القوم أيديهم يأسرون. ورأى رسول الله (ص) – فيما ذكر لي (17)- في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال له: “والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم.” قال: أجل والله يارسول الله. كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل بأهل الشرك احب إلي من استبقاء الرجال.
موقعة أحد
“قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ.” (18)
كان هذا تعليق سعد بن معاذ، يقصد إلى أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عم أنس بن مالك رضى الله عنه الذى استشهد يوم أحُد ووَجَدوا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلاَّ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ.
مر رسول الله (ص) بدار من دور الأنصار، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله (ص)، فبكى، ثم قال: “لكن حمزة لا بواكي له!” فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد ابن حضير إلى دار بني عبد الأشهل أمرا نساءهم أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله (ص). لما سمع رسول الله (ص) بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب مسجده يبكين، فقال: “ارجعن يرحمكن الله ، فقد آسيتن بأنفسكن.”
وقال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة أن رسول الله (ص) لما سمع بكاءهن قال: “رحم الله الأنصار. فإن المواساة منهم ما عتمت لقديمة. مروهن فلينصرفن.” وقال ابن هشام: ونهي يومئذ عن النوح.
موقعة الخندق (الأحزاب)
مواجهة بنى قريظة فى ديارهم
بعث رسول الله (ص) أربعة، منهم سعد بن معاذ ليتحققوا من خبر نقض ينو قريظة لعهدهم معه. فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، فيما قالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. فشاتمهم سعد بن معاذ، وكان رجلا فيه حده، وشاتموه. فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة.
الرأى والمشورة
بعث رسول الله (ص) إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فاستشارهما في نيته عقد صلح مع غطفان ليخفف الحصار عن المسلمين. فقالا: يارسول الله، أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به، لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟
قال: بل شيء أصنعه لكم. والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما.
فقال سعد بن معاذ: يارسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه. وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قِرَى (ضيافة) أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا! والله ما لنا بهذا من حاجة. والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
قال رسول الله (ص): فأنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا. (19)
حديث عائشة رضى الله عنها
عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ (20) قَالَ أَخْبَرَتْنِى عَائِشَةُ قَالَتْ: خَرَجْتُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَقْفُو آثَارَ النَّاسِ، فَسَمِعْتُ وَئِيدَ(21) الأَرْضِ وَرَائِى، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَمَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ يَحْمِلُ مِجَنَّةً(22) فَجَلَسْتُ إِلَى الأَرْضِ.
فَمَرَّ سَعْدٌ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ مِنْ حَدِيدٍ قَدْ خَرَجَتْ مِنْهَا أَطْرَافُهُ فَأَنَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أَطْرَافِ سَعْدٍ. وَكَانَ سَعْدٌ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وَأَطْوَلِهِمْ. فَمَرَّ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ لَبِّثْ قَلِيلاً يُدْرِكُ الْهَيْجَا جَمَلْ ـ مَا أَحْسَنَ الْمَوْتَ إِذَا حَانَ الأَجَلْ.
إصابته ودعاؤه عند ذاك
قال ابن إسحاق: أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن. فمر سعد وعليه درع له مقلَّصة وقد خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربته يرقُل بها. فقالت له أمه: إلحق، أي بني، فقد والله أخَّرت. قالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد، والله لودِدْتُ أن درع سعد كانت أسبغ مما هي.
فرُمِيَ سعد بن معاذ بسهم، فقطع منه الأكحل (عرق فى اليد يفصد)، رماه حِبَّان ابنُ العَرِقة (23).
قَالَتْ عائشة رضى الله عنها(24): وَيَرْمِى سَعْداً رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَرِقَةِ بِسَهْمٍ لَهُ فَقَالَ لَهُ خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْعَرِقَةِ. فَأَصَابَ أَكْحَلَهُ فَقَطَعَهُ فَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَعْدٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْنِى حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِى مِنْ قُرَيْظَة. وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ وَمَوَالِيَهُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ.
فلما أصيب قال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. (25)
قَالَتْ عائشة رضى الله عنها(26): وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَضَعَ السِّلاَحَ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ(27) فَضُرِبَتْ عَلَى سَعْدٍ فِى الْمَسْجِدِ.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: رُمِىَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِى أَكْحَلِهِ فَحَسَمَهُ(28) النَّبِىُّ (ص) بِيَدِهِ ثُمَّ وَرِمَتْ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَة. (29)
فجعله رسول الله (ص) في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رُفيدة، في مسجده، كانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين.
حكمه فى بنى قريظة
فلما حكَّمه رسول الله (ص) في بني قريظة ، قال له قومه: ياأبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن رسول الله (ص) إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا عليه قال: لقد أَنى لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم.
فلما انتهى سعد إلى رسول الله (ص) والمسلمين، قال رسول الله (ص): قوموا إلى سيدكم [فأما المهاجرون فيقولون إنما أراد الأنصار؛ وأما الأنصار فيقولون قد عمّ بها رسول الله (ص)] (30)
قَالَتْ عائشة رضى الله عنها(31): قَالُوا (32) نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): “انْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.” فَنَزَلُوا، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأُتِىَ بِهِ عَلَى حِمَارٍ، عَلَيْهِ إِكَافٌ (33) مِنْ لِيفٍ قَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ وَحَفَّ بِهِ قَوْمُهُ، فَقَالُوا يَا أَبَا عَمْرٍو، حُلَفَاؤُكَ وَمَوَالِيكَ وَأَهْلُ النِّكَايَةِ وَمَنْ قَدْ عَلِمْتَ. لاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً، وَلاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ. حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ دُورِهِمُ الْتَفَتَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: قَدْ آنَ لِى أَنْ لاَ أُبَالِىَ فِى اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ.
فقاموا إليه. فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله (ص) قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال سعد بن معاذ: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أنّ الحكم فيهم لمَا حكمت؟ قالوا: نعم.
قال: وعلى من هاهنا؟ (34) في الناحية التي فيها رسول الله (ص) وهو معرض عنه إجلالا له.
فقال رسول الله (ص): نعم. (35)
قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تُقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسْبَى الذراري والنساء.
قال له الرسول (ص): “لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ.” أو قال “بحكم الله.” (36)
مواقف عامة
حديث الإفك (37)
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) مِنْ يَوْمِهِ فَقَالَ: “مَنْ يَعْذِرُنِى مِنْ رَجُلٍ (38) بَلَغَنِى أَذَاهُ فِى أَهْلِى. فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِى إِلاَّ خَيْرًا. وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا. وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِى إِلاَّ مَعِى.” فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا وَاللَّهِ أَعْذِرُكَ مِنْهُ. إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ.”
العمرة قبل فتح مكة
انْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرًا، فَنَزَلَ عَلَى صديقه أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَبِى صَفْوَانَ. وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا َمَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ. فَقَالَ أُمَيَّةُ: انْتَظِرْ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَغَفَلَ النَّاسُ انْطَلَقْتُ فَطُفْتُ.
فَبَيْنَا سَعْدٌ يَطُوفُ إِذَا أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الَّذِى يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ؟ فَقَالَ سَعْدٌ: أَنَا سَعْدٌ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: تَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ آمِنًا، وَقَدْ آوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَتَلاَحَيَا بَيْنَهُمَا. فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ: لاَ تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِى الْحَكَمِ فَإِنَّهُ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِى. ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِى أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ لأَقْطَعَنَّ مَتْجَرَكَ بِالشَّامِ. فَجَعَلَ أُمَيَّةُ يَقُولُ لِسَعْدٍ لاَ تَرْفَعْ صَوْتَكَ وَجَعَلَ يُمْسِكُهُ، فَغَضِبَ سَعْدٌ فَقَالَ: دَعْنَا عَنْكَ، فَإِنِّى سَمِعْتُ مُحَمَّدًا (ص) يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُكَ. قَالَ: إِيَّاىَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ إِذَا حَدَّثَ. (39)
[لما أرادت قريش قتال المسلمين ببدر لم يشأ أمية أن يخرج ولكن أبو سفيان أقنعه فخرج وقتل.]
قتل كعب بن الأشرف اليهودى
فَلَمَّا أَبِى كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ أَنْ يَنْتَزِعَ عَنْ أَذَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) وَأَذَى الْمُسْلِمِينَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَبْعَثَ رَهْطًا لِيَقْتُلُوهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِىَّ فِى خَمْسَةٍ رَهْطٍ، فقتلوه. (40)
وفاته وما قيل فيه
قال ابن إسحاق : فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه، فمات منه شهيدا. حدثني معاذ بن رفاعة الزُّرقي، قال أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله (ص) من جوف الليل معتجرا بعمامة من إستبرق، فقال: يا محمد، من هذا الميت الذي فُتحت له أبواب السماء، واهتز له العرش؟ فقام رسول الله (ص) سريعا يجر ثوبه إلى سعد، فوجده قد مات. (41)
قَالَتْ عائشة رضى الله عنها(42): ثُمَّ دَعَا سَعْدٌ قَالَ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ عَلَى نَبِيِّكَ (ص) مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئاً فَأَبْقِنِى لَهَا، وَإِنْ كُنْتَ قَطَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَاقْبِضْنِى إِلَيْكَ. فَانْفَجَرَ كَلْمُهُ، وَكَانَ قَدْ بَرِئَ حَتَّى مَا يُرَى مِنْهُ إِلاَّ مِثْلُ الْخُرْصِ (43). وَرَجَعَ إِلَى قُبَّتِهِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَضَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَوَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّى لأَعْرِفُ بُكَاءَ عُمَرَ مِنْ بُكَاءِ أَبِى بَكْرٍ وَأَنَا فِى حُجْرَتِى وَكَانُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.
قال ابن إسحاق: كان سعد رجلا بادنا، فلما حمله الناس وجدوا له خفة، فقال رجال من المنافقين: والله إن كان لبادنا وما حملنا من جنازة أخف منه. فبلغ ذلك رسولَ الله (ص)، فقال: إن له حملة غيركم، والذي نفسي بيده، لقد استبشرت الملائكة بروح سعد، واهتز له العرش.
وروى من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لقد نزل من الملائكة في جنازة سعد بن معاذ سبعون ألفاً ما وطئوا الأرض.
لَمَّا تُوُفِّىَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ صَاحَتْ أُمُّهُ، فَقَالَ النَّبِىُّ (ص): “أَلاَ يَرْقَأُ دَمْعُكِ وَيَذْهَبُ حُزْنُكِ فَإِنَّ ابْنَكِ أَوَّلُ مَنْ ضَحِكَ اللَّهُ لَهُ وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ.” (44)
قال ابن إسحاق: عن جابر بن عبدالله، قال: لما دُفن سعد ونحن مع رسول الله (ص)، سبح فسبح الناس معه، ثم كبر فكبر الناس معه. فقالوا: يا رسول الله مم سبحت؟ قال: “لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرجه الله عنه. (45)
عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِىِّ (ص) قَالَ: “إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِياً مِنْهَا نَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ.” (46)
وقالت أم سعد (47)، حين احتُمل نعشه وهي تبكيه:
ويل أم سعد سعدا ـ صرامة وحدا
وسُؤددا ومجدا ـ وفارسا مُعدّا
سُدّ به مَسدّا ـ يَقُدُّ هاما قَدّا
يقول رسول الله (ص): كل نائحة تكذب، إلا نائحة سعد بن معاذ.
عن وَاقِدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَقَالَ لِى: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا وَاقِدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. قَالَ إِنَّكَ بِسَعْدٍ أَشْبَهُ. ثُمَّ بَكَى وَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ، فَقَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى سَعْدٍ، كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ وَأَطْوَلِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) جَيْشاً إِلَى أُكَيْدِرَ دُومَةَ (48)، فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (ص) بِجُبَّةٍ مِنْ دِيبَاجٍ مَنْسُوجٍ فِيهِ الذَّهَبُ. فَلَبِسَهَا(49) رَسُولُ اللَّهِ (ص) فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَوْ جَلَسَ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ ثُمَّ نَزَلَ. فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْمِسُونَ الْجُبَّةَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): “أَتَعْجَبُونَ مِنْهَا.” قَالُوا: مَا رَأَيْنَا ثَوْباً قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ. فَقَالَ النَّبِىُّ (ص): “لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِى الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِمَّا تَرَوْنَ.” (50)
قيل خص المناديل بالذكر لكونها تمتهن فيكون ما فوقها أعلى منها بطريق الأولى. قال ابن بطال: النهى عن لبس الحرير من أجل أنه ليس من لباس المتقين، وعينه مع ذلك طاهرة فيجوز مسه وبيعه.
وفى مسند أحمد 13747: ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى جَعْفَرِ بْنِ أَبِى طَالِبٍ فَلَبِسَهَا. فَقَالَ النَّبِىُّ (ص): “إِنِّى لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَهَا.” قَالَ: فَمَا أَصْنَعُ بِهَا. قَالَ: “أَرْسِلْ بِهَا إِلَى أَخِيكَ النَّجَاشِىِّ.”
عن أَبى هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): “أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ.” قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: “بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ.” وَهُمْ رَهْطُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. (51)
وذكر البخاري عن عائشة رضى الله عنها قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلاً، كلهم من بني عبد الأشهل، سعد ابن معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر. (52)
وفي الخبر المأثور (53): إن قريشاً سمعوا صائحاً يصيح ليلاً: فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف مخالف. فظنت قريش أنهما سعد بن زيد مناة بن تميم وسعد بن هذيم من قضاعة.
فلما كان الليلة الثانية سمعوا صوتاً على أبي قبيس: الطويل أيا سعد ، سعد الأوس ، كن أنت ناصراً ، وياسعد ، سعد الخزرجين الغطارف ، أجيبا إلى داعي الهدي ، وتمنيا على الله في الفردوس منية عارف ـ فإن ثواب الله لطالب الهدى جنان من الفردوس ذات رفارف.
فقالوا: هذان والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
هوامش
(1) سعد بن معاذ بن النعمان بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت. وهو عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأشهلي يكنى أبا عمرو. وأمه كبشة بنت رافع.
(2) المنتظم فى التاريخ – ابن الجوزى
(3) فتح البارى 45 بقية المناقب 2992
(4) وهو مكان، ويقال حصن، وقيل مزرعة، عند بنى قريظة على ميلين من المدينة. وكانت الحرب قبل الهجرة بخمس سنين
(5) تاريخ بن خلدون
(6) السروات جمع سراة بفتح السين، والسراة جمع سرى وهو الشريف
(7) صحيح البخارى 63 مناقب الأنصار 3894
(8) فتح البارى 2971
(9) السيرة النبوية وهو أيضا فى مسند أحمد 1051 حديث محمود بن لَبِيد 24337
(10) وهو مكان، ويقال حصن، وقيل مزرعة، عند بنى قريظة على ميلين من المدينة
(11) فى “الكامل فى التاريخ”: فكانوا إذا كان بينهم شر تقول اليهود: إن نبيًا يبعث الآن نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وثمود
(12) تاريخ ابن خلدون
(13) ظفر هو كعب بن الحارث بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس
(14) السيرة النبوية ـ وفى تاريخ ابن خلدون أنهم أسلموا كلهم بعد الخندق
(15) السيرة النبوية
(16) تاريخ ابن خلدون
(17) السيرة النبوية – ابن اسحق
(18) صحيح البخارى 2742، وهو كامل فى ملف “أحد”
(19) السيرة النبوية ، وفى الاستيعاب فى تمييز الأصحاب: أراد رسول الله (ص) يوم الخندق أن يعطي عيينة بن حصن ثلث أثمار المدينة لينصرف بمن معه من غطفان ويخذل الأحزاب. فأبَى عيينة إلا أن يأخذ نصف التمر. فأرسل رسول الله (ص) إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فشاورهما في ذلك فقالا: يا رسول الله إن كنت أمرت بشيء فافعله وامض له وإن كان غير ذلك فوالله لا نعطيهم إلا السيف. فقال رسول الله (ص): “لم أومر بشيء ولو أمرت بشيء ما شاورتكما وإنما هو رأي أعرضه عليكما.” فقالا: والله يا رسول الله ما طمعوا بذلك منا قط في الجاهلية فكيف اليوم وقد هدانا الله بك وأكرمنا وأعزنا. والله لا نعطيهم إلا السيف. فسر بذلك رسول الله (ص) ودعا لهما، وقال لعيينة بن حصن ومن معه: ارجعوا فليس بيننا وبنيكم إلا السيف ورفع بها صوته.
(20) مسند أحمد 1107 حديث السيدة عائشة رضى الله عنها 25839 (جزء منه)
(21) حس الأرض. و الوئيد : صوت شدة الوطإ على الأرض يسمع كالدوى من بُعد
(22)المجنة: الترس
(23) وقيل أن من أصابه هو أبو أسامة الجشمى، حليف بنى مخزوم ، وقيل إنما هو خفاجة بن عاصم بن حبان.
(24) مسند أحمد 1107 حديث السيدة عائشة رضى الله عنها 25839 (جزء منه)
(25)السنة النبوية
(26) مسند أحمد 1107 حديث السيدة عائشة رضى الله عنها 25839 (جزء منه)
(27) الأدم : جمع أديم وهو الجلد المدبوغ
(28) الأكحل: عرق فى اليد يفصد. حسمه: كواه ليقطع الدم.
(29) سنن البيهقى 60 الضحايا 20033 ومثله البيهقى 6826 وصحيح مسلم 5878
(30) مثله فى الحديث 4171 فى صحيح البخارى عن أبى سعيد الخدرى. ولكن فيه أن الرسول (ص) قال للأنصار: قوموا إلى سيدكم.
(31) مسند أحمد 1107 حديث السيدة عائشة رضى الله عنها 25839 (جزء منه)
(32)أى بنى قريظة
(33) الإكاف : شبه الرحال والأقتاب
(34) لمحة أخرى من الذكاء فى السؤال مع الحياء
(35) وكأنى أرى رسول الله (ص) يبتسم إعجابا بذكاء الرجل وأدبه وحيائه ، فيريحه بالرد عليه حتى وإن كان السؤال غير مباشر.
(36) صحيح البخارى 3080 وأحاديث كثيرة. والتفاصيل بالملف الخاص بغزوة أحد. وفى سنن البيهقى: قال الرسول (ص): ” لَقَدْ حَكَمَ الْيَوْمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِى حَكَمَ بِهِ مِنْ فَوْقَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ”
(37) حديث الإفك وفيه حديث صحيح البخارى 2700 و 4193 وأحاديث كثيرة طويلة. مذكورة فى ملف خاص بالإفك.
(38) عَبْد اللَّهِ بْنِ أُبَىٍّ ابْنِ سَلُولَ
(39) صحيح البخارى 3675 و 3998 وفيه أن أبو جهل قال: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلاَ أَنَّكَ مَعَ أَبِى صَفْوَانَ مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا.
(40) سنن البهقى 19099 وسنن أبو داود 3002
(41) السيرة النبوية. وفى الاستيعاب فى تمييز الأصحاب: وكان موته بعد الخندق بشهر وبعد قريظة بليال. كذلك رواه سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه.
(42) مسند أحمد 1107 حديث السيدة عائشة رضى الله عنها 25839 (جزء منه)
(43) الخُرص : الحلقة الصغيرة من الذهب أو الفضة وهى من حلى الأذن
(44) مسند أحمد 28348
(45) ورد فى مسند أحمد 32 مسند جابر بن عبد الله 15254 و 15417
(46) مسند أحمد 1107 حديث السيدة عائشة رضى الله عنها 25015
(47) وهي كُبيشة بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة بن عبد بن الأبجر
(48) دومة الجندل وهى بلد بين الحجاز والشام بقرب تبوك على عشر مراحل من المدينة وثمان من دمشق، وكان أكيدر ملكها نصرانيا. وكان النبى (ص) أرسل إليه خالد بن الوليد فى سرية، فأسره وقتل أخاه حسان وقدم به المدينة. فصالحه النبى (ص) على الجزية وأطلقه.
(49) فى مسند أحمد 13491: “شَكَّ فِيهِ سَعِيدٌ – قَبْلَ أَنْ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ، فَلَبِسَهَا.
(50) مسند أحمد 31 مسند أنس بن مالك 12554 ومثله صحيح البخارى 2653 و 3284 و 3285 و 3849 و 5897 و 6721 وأحاديث كثيرة فى صحيح مسلم وسنن الترمذى وسنن النسائى وسنن ابن ماجة ومسند أحمد ومسند الحميدى وسنن البيهقى
(51) مسند أحمد 29 مسند أبى هريرة 7843 وآخره “وفى كل دور الأنصار خير.”
(52) كتاب الإستيعاب فى تمييز الأصحاب
(53) كتاب الإستيعاب فى تمييز الأصحاب، ومثله أيضا فى السيرة النبوية لابن اسحق