Archive for جوان 2004
المسلم والمجتمع والدولة
المسلم والدولة ، الدين والسياسة ، الأمة الإسلامية والأمة العربية والشرق الأوسط – لأ وإيه كمان: الشرق الأوسط الكبير والشرق الأسمر المتوسع (مع الاعتذار للبحر الأوسع المتبيض) .. آهى لخبطة تسميات وشعارات ونفس القصة القديمة: العرب يحبون الشعارات فأغرقوهم بها حتى يتوهوا. لكن هذا حديث آخر لأنى أريد أن أتحدث عن السياسة من حيث علاقتها بالدين فقط.
الدين رغبة فطرية فى الانسان ـ أى انسان ـ فاذا لم يتلقاه فهو يبحث عنه يوما ما. ومع اضمحلال تعلم الدين فى مدارسنا تقدم أنصاف المتعلمين والجهلة لينصبوا أنفسهم أولياء وأمراء واصدروا الشرائط المسموعة الممتلئة بالصحيح والمشبوه والمضلل لتحل محل الكتاب والمعلم وشيخ الجامع والأب والأم. ولا يثيرنى ويخرجنى عن شعورى قدر انسان أتحدث معه فى شأن من شؤون الدين فيقول لى حاجيب لك شريط تسمعه ـ إيه الخيبة دى؟
الانسان له علاقتان أساسيان: علاقة بمعتقده وعلاقة بمجتمعه. وهما قد ينفصلان مثل ما فى بعض المذاهب الاسرائيلية وقد يترابطان مثل ما فى الاسلام ومعظم المذاهب المسيحية. المسلم إذا علاقته الأولى بربه تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم تأتى علاقته (غير منفصلة عن الأولى) بمجتمعه. وهنا يحدث الخلط ـ فالبعض يعتقد أن مجتمعه هم المسلمون فقط. ويتفاقم الخلط فنجد من يقول دولة مسلمة ومن يقول دولة اسلامية ومن يقول دولة علمانية ، وهكذا.
الدولة الاسلامية بالمقصود الدينى موجودة فلا تبحثوا عنها ولا “تحاولوا” اقامتها. ولنسمها لعدم خلط الأمور بالعالم الاسلامي وهى مجموع المسلمين الحقيقيين (تحتها خط) فى جميع بقاع الأرض. هذا العالم له قوانينه ودستوره المدون والمحفوظ فى القرآن والسنة.
أما الدولة الاسلامية بالمقصود السياسى فهى دولة كبقية الدول ، لها حدود وهوية وشعب وحكومة ، الى آخره ، ولكن يميزها أن القيادة السياسة بها تعتمد فى نهجها أساسا اسلاميا. ولا يعنى ذلك أن تكون هذه القيادة لها “منصب” دينى ولا “قداسة” معينة ، فليست هناك “مناصب” دينية فى الاسلام (روح الاسلام والملا فلان ومدينة كذا “المقدسة” الى آخره بدع ينكرها المسلم الحقيقى لأسباب كثيرة أهمها التشبه الممسوخ بالمناصب الكنسية والتشبه بالملك الذى نصب نفسه رئيسا للكنيسة فأراح نفسه وأعد لنفسه انجيلا ودستورا وقوانين أصبحت دينية بناء على منصبه).
بدأت الدولة الاسلامية السياسية فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم ولكنها تكونت وتبلورت فى عهد الخلفاء الراشدين. وأحَدُ الحِكَم فى ذلك (وهذا رأى شخصى ، ولو أنه متأثر بقراءات هنا وهناك) أن الحكام المتأخرين قد يخالفوا سنة الحكم بحجة أن “هذا كان من الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأين نحن منه”.
خلال مر السنين (فى عهد الخلفاء) أصبح على الناس أن يستنبطوا الأحكام الدنيوية وأن يتخذوا القرارات ويقرروا كيفية تسيير دولة وكيف يختلفون فى الرأى ويقيمون المؤسسات الخ الخ. كما أصبح على الناس أن يتعاملوا مع منطق عصرهم ، وكان عصر الخلفاء والمجريات السياسية حولهم تقتضى القيام بالغزوات من أجل تقوية الدولة (سياسيا وليس دينيا) وتختلف الغزوات فمنها ما كان من قبيل الدفاع ومنها ما كان من قبيل الردع.
لا يتحتم إذا أن تكون غالبية سكان الدولة الاسلامية من المسلمين.
كان فى الجزيرة العربية أغلبية من المسلمين ، ولكنهم كانوا فى نفس الوقت أقلية ضئيلة جدا فى دول المغرب العربى ، ابتداء من مصر ، رغم أنها كانت دولا اسلامية (سياسيا).
وفى أيام الرسول والخلفاء الراشدبن من بعده كان “الناس” يحتكمون إليه واليهم فى منازعاتهم ، والناس هنا يعنى الشعب أيا كانت ديانته. وقد استرعى انتباهى فى الحديث رقم 2234 ـ صحيح البخارى ،أن الخصام كان بين مسلم ويهودى على أيهما أفضل: موسى أم محمد عليه الصلاة والسلام. حتى فى موضوع يمس شخص النبى يقبل اليهودى أن يحكمه (بتشديد وكسر الكاف) هو نفسه فى الفصل بينهما. وكذلك المصرى الذى اقتص له عمر بن الخطاب رضى الله عنه من ابن الأكرمين لم يكن مسلما.
وهنا يأتى دور “العرف” (بضم العين) وهو دور مهم جدا وأساسى لتعايش أى مجتمع. ومهما كان مسمى الدولة أو القيادة السياسية بها أو ديانة الأغلبية ، فالذى يحكم المجتمع هو العرف. والعرف ينشأ من اجماع غير مكتوب بين كل توجهات المجتمع على قدر من أساسيات معينة ، مثل الحشمة والأدب والاحترام والأمانة. فتكون مثلا المرأة “محتشمة” حسب العرف أيا كان دينها ويحمى الجار جاره ويحفظ محارمه لأن هذا هو العرف أيا كانت ديانة هذا الجار وهكذا.
علاقة المسلم بمجتمعه تقوم إذا على أساس العرف ، وهى لا تنفصل عن علاقته بدينه القائمة على القرآن والسنة. وهو بقدر ما يتأثر بذلك المجتمع بقدر ما يؤثر هو أيضا فيه .. بالحسنى والذكاء والقدوة.
المدهش أن المسلمين والمسيحيين واليهود فى مصر كانوا يتعايشون ويتعاملون بانسجام وطبيعية داخل دولة “اسلامية” ، سواء وقت كانت الأغلبية من الأقباط أو حين أصبحت تلك الأغلبية مسلمة ، بفضل العرف بينهم. ولم يحدث الخلاف إلا حين بدأ السياسيون (فى الداخل أيضا وليس الاستعماريون فقط) يستخدمون الشعارات ويستغلون الجهلة وأنصاف المتعلمين من أمثال من ينشرون الخلطبيطة باسم الدين ليحققوا مطامع شخصية.